كلمة منفعة
المشكلة وحدها، بدون الله، قد تسبب تعبًا للبعض. ولكن المشكلة، مع وجود الله، لا تسبب تعبًا..
— ربنا موجود

بين العهدين

بين العهدين
حجم الخط
بين العهدين
ونقصد بكلمة بين العهدين الفترة التاريخية من حياة بني إسرائيل الممتدة من وقت انقطاع النبوة في العهد القديم إلي بداية العصر المسيحي.
اولا - الفترة التاريخية على وجة العموم :
لقد ترك السبي طابعا لا ينمحي على الديانة اليهودية وعلى اليهود. فقد تميزت عودتهم لارض ابائهم ببدء غروب اشعة شمس النبوة. وقد غربت فعلا بانتهاء نبوة ملاخي. ويرى النقد التاريخي الحديث ان بعض الاسفار القانونية للكتاب المقدس يرجع إلي فترة ما بعد السبي.
والفترة ما بين العهدين القديم والجديد هي الفترة الغامضة في تاريخ إسرائيل، وتمتد عبر نحو اربعة قرون من الزمان، لم يظهر في إسرائيل في غضونها أي نبي. وكل ما نعرف عن تلك الفترة هو ما استقيناه من بعض كتب الاسفار القانونية الثانية و من يوسيفوس ، وبعض المراجع المتفرقة لمؤرخين يونانيين ولاتينيين.
وفي تلك الفترة انتقل مركز الامبراطورية السائدة من اسيا، في الشرق إلي اوروبا في الغرب. فقد انهارت الامبراطورية الفارسية تحت هجمات المقدونيين الشرسة، ثم تخلت الامبراطورية الاغريقية بدورها عن مكانها للحكم الروماني.
ثانيا - نظرة على التاريخ المعاصر لتلك الفترة : يجب علينا - للمزيد من التعرف على تلك الفترة من تاريخ بني إسرائيل -أن نقف لحظة لنلقى نظرة على المجال الأوسع من تاريخ العالم فى تلك الحقبه من الزمان فعبارة ملء الزمان تتعلق بتاريخ البشرية بأجمعها,التي جاء المسيح لأجل خلاصها , فأحداث التاريخ جميعها تؤدي الي تحقيق هذا
(1) الامبراطورية المصرية :
في القرون الاربعة السابقة لميلاد المسيح، كانت الامبراطورية المصرية - وهي اقوي الامبراطوريات القديمة واكثر الحضارات تقدما من كل الوجوه - قد بدأت في الاضمحلال. فقد اخلت الاسرة التاسعة والعشرين مكانها في 384 ق.م. للاسرة الثلاثين التي سرعان ما ابتلعتها الاسرة الفارسية بعد نصف قرن من الزمان. وهذه بدورها اسلمت الزمام للمقدونيين ( أي الاسرة الثانية والثلاثين ) في عام 332 ق.م. لتدع المجال بعد عشرة اعوام فقط للبطالمة أي الاسرة الثالثة والثلاثين والاخيرة.
كان تاريخ مصر كله في تلك الفترة مليئا بالتقلبات السريعة التي لا تنتهي. في العصر البطالمي بدأت حركة انتفاضة ضعيفة لمجد الماضي العريق. الا ان نجم الامبراطورية المصرية سرعان ما افل، وقضت يد الرومان نهائيا على حضارة ترجع بداياتها إلي فجر التاريخ.
وتبع انتصار القيصر على مصر في عام 47 ق.م. انضواء مصر بعد سبعة عشر عاما، تحت اعلام القوة العالمية الجديدة، فاضحت احدى ولايات الامبراطورية الرومانية. والتاريخ الذي كتبه مانيتون الكاهن المصري، هو اعظم ما كتب عن تاريخ مصر في تلك الفترة الزمنية. لقد اشتهر كهنة مصر بالحكمة إلي درجة جذبت اليها ليكرجوس و سولون المشرعين اليونانيين، كما جذبت اليها فيثاغورس وافلاطون اعظم فلاسفة العالم على الاطلاق.
(2) اليونان ( الاغريق ) : بدأ ايضا في تلك الفترة المجد العريق للاغريق في الافول. فقد استنزفت الحروب العديدة المتواصلة، قوى الحياة القومية، واضمحلت قوة اثينا واسبرطة و كورنثوس وطيبة . وعند بداية فترة ما بين العهدين - أي حوإلي 337 ق.م. - انتخب مجلس الولايات الاغريقية، فيليب المقدوني ليتولى حكم كل بلاد الاغريق، ودقت الاجراس احتفالا بحرية كل اليونان. الا ان فيليب ومن بعده الاسكندر الاكبر قد قضيا على كل ما بقي من هذه الحرية، واصبحت اليونان آلة حرب في يد الاسكندر الاكبر - صاحب النجم الصاعد - لغزو كل العالم.
وهناك كوكبة من الاسماء المضيئة التي تزين صفحات تاريخ اليونان في تلك الفترة المظلمة جدا في حياة إسرائيل، فهناك ارسيتوفانس ، و ابقراط و زينوفون و ديمقرتيس، و افلاطون و ارسطو و ابلس و اشين و ديموستين و براكستيلس و ارشميدس، و كلها اسماء تلمع بين غيوم ضياع حرية الاغريق في القرنين الرابع والثالث قبل المسيح. وبالقطع اذا كان المجد السياسي لليونان قد ترك بصماته على الايام، فان عبقريتهم الفكرية ستظل موضع فخارهم.
(3) روما : كانت روما في تلك الاثناء تجمع في يدها آلات القوة والسلطان بالحروب العديدة التي خاضتها للسيادة على العالم. وقد تمرس ابناؤها على فنون القتال في الحروب اللاتينية والسامنية (Saminte) والبونية (حربها مع قرطاجنة )، فاتسعت تخومها واصبح اسمها مرهوبا في كل مكان. وغزت روما شيئا فشيئا كل ايطاليا وافريقيا الشمالية، وبلاد اليونان واسيا الصغري وبلاد البرابرة.
وقد برزت في روما بعض الاسماء في القرن السابق للعصر المسيحي، مثل لوكرتيوس (Lucretias) و هورتنتيوس (Hortentius) و كاتو (Cato)و شيشرون (Cecero) و سالوست (Salust) و ديودور الصقلي (Diodorus Siculus) و فيرجيل (Virgi) وهوراس (Horace). وفي نهاية فترة ما بين العهدين، صارت روما سيدة العالم بلا منازع . واصبحت كل الطرق تؤدي إلي روما وتلتقي عندها.
(4) اسيا : وفي اسيا كانت الامبراطورية الفارسية، وارثة حضارة وتقاليد الامبراطورية الاشورية البابلية العظيمة، على وشك الانهيار السريع، وقد قضت عليها تماما الامبراطورية اليونانية الناشئة وحضارتها الزاهرة.
وفي الهند، وقبل قرن او يزيد من بدء فترة ما بين العهدين، مرت العقيدة الدينية الوثنية البراهما بحركة اصلاح على يد جاتاما بوذا او ساكيا موني (Sakya Mouni) وبذلك ولدت واحدة من اعظم العقائد الدينية الوثنية وهى البوذية .
وفي الصين ظهر مصلح اخر للعقيدة التويستية (Tauisties) هو كونفوشيوس حكيم الصين الذي كان معاصرا لبوذا. بينما وضع زرادشت (Zoroaster) في فارس اسس نظريته عن ازدواج العالم بين الخير والشر.
لقد كانت الفترة ما بين العهدين القديم والجديد - بكل مفهوم وفي كل اتجاه فترة من الاضطراب السياسي والفكري.
ثالثا - التطورات التاريخية :
تنقسم الفترة ما بين العهدين فيما يختص بالتاريخ اليهودي - إلي الاقسام التالية :
(1) الفترة الفارسية. (2) الفترة السكندرية. ( 3 ) الفترة المصرية . (4) الفترة السورية . (5) عصر المكابيين . ( 6 ) الفترة الرومانية .
(1) الفترة الفارسية : وتمتد من توقف النبوة حتى عام 334 ق.م. وكانت في جملتها قليلة الاهمية في التاريخ اليهودي. كانت فترة لالتقاط الانفاس من الازمات القومية العظمى. ولا نعرف عنها الا القليل نسبيا. فقد كانت فلسطين جزءا من ولاية سورية، بينما كانت الحكومة الفعلية للشعب اليهودي، حكومة شبة ثيوقراطية او بالحري تحت سيادة رؤساء الكهنة الذين كانوا مسئولين امام الوالي الفارسي ( المرزبان ). وكانت نتيجة ذلك، ان اصبحت وظيفة رئيس الكهنة محط انظار وطموح كل اليهود، مما تسبب عنه الكثير من المآسي. فمثلا قام يوحنا بن يهوذا بن الياشيب بدافع من شهوة السلطة بقتل اخية يشوع ، الذى كان اثيرا عند باغوص (Bagoses) احد قواد ارتحشستا وحاكم اليهودية. ومما زاد في بشاعة هذه الجريمة انها ارتكبت في الهيكل وامام المذبح ذاته، فاجتاحت اليهودية عاصفة من الغضب لعلها كانت الوحيدة في تلك الفترة. فاحتل الفرس اورشليم ونجسوا الهيكل، واصاب الخراب اغلب المدينة، وفرضت غرامة باهظة على الناس، وبدا اضطهاد عام استمر عدة سنوات. وكما حدث في الاضطهادات التالية، اعفى السامريون من دفع الجزية لانهم كانوا خاضعين وموالين لاي طاغية.
(2) الفترة السكندرية : وهي فترة قصيرة للغاية اقتصرت على المدة من 334 - 323 ق.م. فهي فترة حكم الاسكندر الاكبر في اسيا. كانت الامور في اليونان تتطور بسرعة، فالسيطرة الاسبرطية التى لم يقهرها احد منذ سقوط اثينا، حطمها الطييبون بقيادة ابامينونداس (Epaminondas) وفي معركتي ليوكترا ومانتينيا ( Leuctera - Mantinea) ولكن سرعان ما تحطمت هذه القوة الجديدة بيد فيليب المقدوني، فاختير قائدا عاما على رغبة من اليونانيين، وكانت فارس هى هدف طموح فيليب وانتقامه. الا ان خنجر بوزانياس (Pausanias) الذى اغتال فيليب، احبط كل خطط فيليب. تولى قيادة الجيش بعده ابنه الاسكندر، وهو في العشرين من عمره، وهكذا ظهر على مسرح الاحداث تيس المعز الذي تكلم عنه دانيال النبي قائلا : فتعظم تيس المعز جدا . و هوذا رئيس اليونان يأتي ( دانيال 8 : 8، 10 : 20 ).
خلال السنوات الاثنتي عشرة لحكمه ( 335 - 323 ق.م.) احدث تغييرات جذرية في العالم كله، فقد كان يتحرك في خفة النسر فاخضع تحت قدميه كل بلاد اليونان ثم اتجه إلي اسيا فهزم داريوس في المعركتين الشهيرتين جرانيكوس و اسوس ، وبعد ذلك اتجه إلي الجنوب وفتح بلاد ساحل البحر المتوسط ومصر، ثم توجه نحو الشرق مرة اخرى لاخضاع كل اسيا، بيد انه هوى وهو في مجد قوته، في بابل، وهو في الثالثة والثلاثين من العمر. وفي اثناء حملته على سورية التقي باليهود. ولما كان يرفض بقاء أي تحصينات خلفه فتح صور بعد حصارها عدة اشهر. ثم تقدم نحو الجنوب طالبا استلام اورشليم لكن اليهود رفضوا ذلك نتيجة لخبراتهم المريرة السابقة، محتفظين بولائهم للفرس. وعندما اقترب الاسكندر من المدينة خرج يدوع رئيس الكهنة مع طابور من الكهنة بثيابهم الرسمية لمقابلته واستعطافه. ويقال ان يدوع فعل ذلك مدفوعا بحلم سابق قد رآه. فعفا الاسكندر عن المدينة بغير حرب، وقدم الذبائح للرب يهوه واستمع إلي نبوة دانيال عنه، واحسن إلي اليهود كثيرا، فمنذ ذلك اليوم صار اليهود مقربين عنده، فاستخدمهم في جيشه، وساوى في الحقوق بينهم وبين اليونانيين، كمواطنين من الطبقة الاولى في الاسكندرية وغيرها من المدن التي اسسها. وبذلك تولدت لدى اليهود روح هيلينية قوية سادت جانبا كبيرا من الامة في الفترات اللاحقة من التاريخ.
ـ(3) - الفترة المصرية :
بموت الاسكندر اختلطت الامور، فقد كانت الامبراطورية تحت امرة رجل واحد هو الاسكندر، فلما ذهب، انقسمت إلي اربعة اقسام بين قواده العسكريين، وهم بطليموس وليسيماخوس، وكاسندر، وسيلينوس. والتيس العافي هو ملك اليونان، والقرن العظيم بين عينيه هو الملك الاول، واذ انكسر وقام اربعة عوضا عنه فستقوم اربع ممالك من الامة ولكن ليس في قوته ( دانيال 8 : 21 و 22 ).
كانت مصر من نصيب بطليموس سوتر، وكانت اليهودية جزءا منها وفي اول الامر عامل بطليموس اليهود معاملة خشنة، الا انه صار فيما بعد يحترمهم ويناصرهم كما كان الاسكندر الاكبر. ويقال ان هيكاتيوس التراقي (Hecataeus of Thrace) درس تاريخ اليهود من خلال معلومات استقاها من حزقيا المهاجر المصري اليهودي، وانه كتب تاريخ اليهود منذ زمن ابراهيم إلي ذلك الحين. وقد ضاع هذا الكتاب الذي اقتبس منه يوسيفوس و اوريجانوس.
خلف بطليموس سوتر حاكم اخر مستنير هو بطليموس فيلادلفوس الذي اشتهر باقامة فنار الاسكندرية ، وبانشائه مكتبة الاسكندرية الشهيرة. وكان ودودا جدا لليهود كما كان والده. وفي فترة حكمه تمت ترجمة العهد القديم إلي اللغة اليونانية، وهي المعروفة بالترجمة السبعينية.
ولما اشتد ساعد الامراء السوريين - السلوقيين - اصبحت فلسطين ساحة القتال بين السلوقيين والبطالمة. وفي المعركة الحاسمة بين بطليموس فيلوباترا و انطيوكس الكبير عند رفح بالقرب من غزة، اندحر انطيوكس، وظلت اليهودية طيلة حكم فيلوباتر ولاية مصرية. وقد اصبحت هذه المعركة نقطة فاصلة في تاريخ علاقة اليهود بمصر، لانه عندما جاء بطليموس إلي اورشليم منتشيا بالنصر، سعى جاهدا للدخول إلي قدس اقداس الهيكل، ولكنه تراجع - مضطربا - عن الدخول إلي المكان المقدس، وصب جام غضبه على اليهود في اضطهاد فظيع لاعتراضهم طريقة.
ولما مات خلفه ابنه الطفل البالغ من العمر خمس سنوات - بطليموس ابيفانس فحانت للسوريين فرصة الانتقام لانطيوكس بمحاولة غزو مصر، فاحتل السوريون البقاع واليهودية.
(4) الفترة السورية : وقد استمرت اربعين عاما ( من 204 - 165 ق.م. ) وبهذه الفترة دخلت إسرائيل إلي وادي ظل الموت، اذ كانت كلها استشهادا لا ينقطع فقد جاء بعد انطيوكس سلوقس فيلوباتر وبرغم خشونة معاملتهما لليهود، الا انهما لم يشتهرا بالقسوة عليهم. وظل رؤساء الكهنة - كما كانوا في العهود السابقة - الحكام الحقيقيين للبلاد - الا ان الامور تغيرت عندما تولى العرش انطيوكس ابيفانس ( 175 - 164 ق.م. ) الذي يمكن ان نطلق عليه صادقين نيرون التاريخ اليهودي .
وكان اليهود الوطنيين - في ذلك الوقت - في صراع مع الهيلينيين على الامساك بزمام الامور. فقد عزل اونيا - رئيس الكهنة التقي - من منصبه بسبب مكايد اخيه يشوع او ياسون ( 2 مك 4 : 7 - 10 ) فذهب اونيا إلي مصر حيث بني في هليوبوليس معبدا، واصبح هو رئيس الكهنة فيه. ثم عزل ياسون بدوره من منصبه بسبب رشاوى قدمها اخ اخر لهما يدعى منلاوس الذي كان يفوق اخاه ياسون سوءا، وكان يكره اليهود ويدافع بشدة عن ثقافة الاغريق واخلاقياتهم.
وقد اتاح هذا الصراع بين الاخوة لانطيوكس الفرصة التي سعى اليها ليصب على اليهود جام كراهيته المريرة لهم، فنهب اورشليم، وعبث بالهيكل ودنسه، واثار افظع الاضطهادات على اليهود ( 1 مك 1 : 16 - 28، 2 مك 5 : 11 - 23، دانيال 11 : 28 ) فذبح الالاف وباع النساء والاطفال سبايا، وهدم سور المدينة، وابطل الذبائح، واقام على مذبح المحرقة تمثالا لجوبيتر كبير الهة الاولمب ( 1 مك 1 : 43، 2 مك 6 : 1 و 2 ) وحرم الختان وجعل عقوبته الموت، واجبر شعب إسرائيل على عبادة الاوثان بالقوة وبحد السيف. وكما حدث في ايام الاضطهاد الفارسي لليهود، قام السامريون بالخضوع للسوريين، وادوا فروض الولاء والطاعة للسلوقيين . لكن بشاعة الاضطهاد جعلته يفشل في تحقيق هدفه، واثبت الاسرائليون انهم من جوهر اصلب مما تخيل انطيوكس. فرفعت اعلام الثورة عائلة كهنوتية تدعي بالاسمونية نسبة إلي احد الاسلاف، مكونة من اب يدعى متتيا وخمسة ابناء له كانوا يعيشون في بلدة مودين غربي اورشليم. وقد نجحت ثورتها بعد معارك ضارية.
(5) عصر المكابيين : ( 165 - 63 ق.م. ) بدات الثورة بذبح احد اليهود الوثنيين عند المذبح بيد متتيا الذي رفض الخضوع لامر انطيوكس بالذبح للاوثان، كما قتل رجل الملك ( أي الوالي ) الذي كان يجبر الشعب على الذبح للاوثان. وبعد ذلك نادى متتيا في المدينة بصوت عظيم قائلا كل من غار للشريعة وحافظ على العهد فليخرج ورائي، وهرب هو وبنوه للجبال تاركين كل ما لهم في المدينة، وهكذا بدأت الثورة المكابية ( 1 مك 1 : 15 - 43 ).
ان ارض اليهودية صالحة تماما لحرب العصابات، كما ان يهوذا المكابي الذي خلف اباه في قيادة اليهود الوطنيين، كان متمرسا في هذه الحرب، فباءت كل محاولات انطيوكس - متمثلة في ثلاث حملات سورية - لاخماد الثورة، بفشل ذريع، ومات الملك بمرض كريه، واخيرا تم عقد الصلح مع اليهود.
وبرغم بقائهم - اسما - تحت حكم السوريين، الا ان يهوذا اصبح هو الحاكم الفعلي على فلسطين. وكان اول ما قام به انه طهر الهيكل و اعاد تدشينه. ومنذ ذلك الوقت بدأ اليهود يعيّدون عيد التطهير ( عيد التجديد يوحنا 10 ).
وعندما جددت سورية الحرب، ارسل يهوذا يطلب العون من الرومان الذين كانوا قد بدوا في التسلط على اسيا، ولكنه مات في احدى المعارك قبل ان يصله العون الموعود، فدفن بجوار ابيه في مودين ، وخلفه اخوه يوناثان . ومنذ ذلك الوقت، اضحى التاريخ المكابي سلسلة من معارك حرب العصابات، والمكايد التي لا تنتهى. ولقد اعترف السوريون بيوناثان رئيسا لليهودية، الا انه اغتيل بعد ذلك بقليل، وخلفه اخوه سمعان الذي اصبح له بفضل الرومان الحكم الوراثي على فلسطين. وخلفه بعد ذلك يوحنا هركانس وتمزق الشعب بين الاحزاب المتشاحنة، وقامت حرب اهلية بعد ذلك بجيل، بين اثنين من احفاد يوحنا هركانس ، هما هركانس و ارستوبولس . وقد اشترك القائد الروماني بومبي في هذا الصراع الشرس بوقوفه إلي جانب هركانس بينما تحدى ارستوبلوس روما مدافعا عن اورشليم، فاستولى بومبي على المدينة بعد حصار دام الثلاثة اشهر، ودخل قدس الاقداس فقضى بذلك نهائيا على ولاء اليهود لروما.
(6) الفترة الرومانية : من 63 ق.م. إلي السنة الرابعة قبل الميلاد ، كانت اليهودية في ذلك الوقت ولاية رومانية، واقصى هركانس عن سلطان الملك الوراثي، لكنه احتفظ بوظيفة رئيس الكهنة، وفرضت روما جزية سنوية، وارسل ارستوبولس اسيرا إلي روما، لكنه نجح في الهرب، واستانف الحرب غير المتكافئة التي خلفه فيها ابناه الاسكندر و انتيجونوس .
ولم تظهر اليهودية في الحرب التي دارت بين بومبي و قيصر ، ولكن بعد اغتيال قيصر، تولت الحكومة الثلاثية المكونة من اوكتافيوس و انطونيوس و لبيدوس ، وقام انطونيوس حاكم القسم الشرقي واحد الحكام الثلاثة، بتاييد هيرودس الكبير الذي امنت له مؤامرته في النهاية عرش اليهودية، واتاحت له ان يقضي تماما على اسرة امراء اليهودية من المكابيين.
رابعا - التطورات الداخلية في تلك الفترة : يبقي امامنا شيء واحد وهو متابعة التطورات التي حدثت في الديانة اليهودية ذاتها في غضون تلك الفترة. من الواضح ان الشعب اليهودي - الذي ظل في صميمه وفيا للتقاليد القومية و الايمان القومي - قد تأثر جذريا بما اجتاحهم من العواصف الرهيبة التي يتسم بها تاريخهم عبر القرون الاربعة الاخيرة قبل ميلاد المسيح. وعند دراسة هذه الفترة من تاريخ اليهود، تبرز إلي الوجود اسئلة كثيرة منها :
- ماذا كانت انشطة اليهود الادبية - ان كان ثمة نشاط - في تلك الفترة ؟
- ماذا كانت احوالهم الروحية ؟
- ما نتيجة الاختلاف الظاهر في الرأي في المجتمع اليهودي ؟
- ـ وما الذي قاموا به في تلك الفترة من اعداد لملء الزمان ؟
(1) النشاط الادبي : لقد سكت صوت النبوة تماما في هذه الفترة، لكن الموهبة الادبية القديمة للامة اكدت ذاتها، فقد كانت جزءا من التقاليد اليهودية، لا يمكن انكاره. فظهر في تلك الفترة العديد من الكتابات التي تعيننا كثيرا على فهم حياة إسرائيل في تلك العصور المظلمة قبل المسيح، فهما صحيحا، بالرغم من عدم الاعتراف بهذه الكتابات كاسفار قانونية ( عند البروتستانت على الاقل ).
(ا) الكتب الابوكريفا الزائفة : وترجع هذه التسمية إلي التزييف الواضح في اسماء مؤلفيها. وهناك كتابات يحتمل نسبتهما لتلك الفترة، بينما ينتمي الباقي - بكل تاكيد إلي ازمنة لاحقة. (راجع ابوكريفا العهد القديم)
ويتضح من هذه المجموعة من الكتابات، الاعتراف الصامت بالفقر الادبي لتلك الايام. فهناك مزامير سليمان المكتوبة اصلا بالعبرية وترجمت إلي اليونانية، وهى مجموعة من اغاني العبادة، مؤثرة جدا في روحها، وتؤكد ان الايمان الحق لم يمت ابداً في قلب المؤمن الحقيقي.
ثم سفر اخنوخ ذو الطبيعة الرئوية ، ويُنسب إلي احد الاباء ، اخنوخ السابع من ادم، وكان معروفا جدا في بداية العصر المسيحي، و أورد يهوذا في رسالته نبوة على لسان اخنوخ : وتنبأ عن هولاء ايضا اخنوخ السابع من ادم قائلا : هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه ليصنع دينونة على الجميع ويعاقب جميع فجارهم على جميع اعمال فجورهم التي فجروا بهم، وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار ( يهوذا 14 و 15 ). ولما كان التاثير المسيحي لا يظهر في هذ الكتاب، افترض البعض انه قد كتب قبل المسيحية.
(ب) الترجمة السبعينية : يروى لنا يوسيفوس قصة هذه الترجمة، وقد نقل لنا القديس اكلميندس السكندري ويوسابيوس القيصرى اقوالا تؤيدها، عن ارستياس وارستوبولس الكاهنين اليهوديين في عصر الملك بطليموس فيلوباترا ( 2 مك 1 : 10 ). وحقيقة الامر ان هذه الترجمة العظيمة لاسفار العهد القديم، قد بدأت بأمر من بطليموس فلادلفوس ( 285 - 247 ق.م. ) تحت اشراف ديمتريوس فاليريوس امين مكتبة الاسكندرية حينئذ، وانتهى العمل فيها في نحو منتصف القرن الثاني قبل الميلاد . فقد ساهمت هذه الترجمة اكثر من أي شيء آخر في اعداد العالم لملء الزمان .
(2) الاحوال الروحية :
كانت العودة من السبي البابلي نقطة فاصلة فى التاريخ الروحي لليهود، فمنذ ذلك الحين خبت نهائيا جذوة الميل للعبادة الوثنية، التي كانت سمة مميزة للفترات السابقة من التاريخ اليهودي، وحلت محلها روح انعزالية لا تحتمل ، مع السعي نحو القداسة الطقسية وهذان الامران مجتمعان يكونان قلب ولب الفريسيية التي ظهرت مؤخرا.
واصبحت الاسفار المقدسة وبخاصة اسفار الشريعة، موضع تقديس شديد، وضاعت الروح في خضم الشكل. وتبدلت لغتهم تدريجيا من العبرية القديمة إلي الارامية الشائعة. وجاهد المعلمون الربيون وتلاميذهم بكل جد، للابقاء على اللغة القديمة نقية. فكل من امور العبادة وشئون الحياة تحتاج إلي لغة مستقلة، واصبح هناك ازدواج في اللغة : لغة عبرية يستخدمونها في العبادة، ولغة ارامية يستخدمونها في حياتهم اليومية. ثم دخلت اللغة اليونانية فيما بعد - جزئيا على الاقل - باعتبارها لغة الفاتح المنتصر. واستبدلت إلي حد بعيد - طبقة الامراء والنبلاء السابقين، بطبقة الارستقراطية الدينية.
ومتى مات جوهر العقيدة، تمسك الناس بقشورها حتى انهم عشّروا كل شيء بحماس شديد : ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراءون لانكم تعشرون النعنع والشبت والكمون وتركتم اثقل الناموس : الحق والرحمة والايمان ( مت 23 : 23 ). واصبح حفظ السبت عبئا مقدسا، وتبدلت شرائع الله البسيطة، باختراعات البشر المرهقة، وهي التي اصبحت - فيما بعد - صلب التلمود، مما سحق الحرية الروحية في ايام المسيح : تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الاحمال وانا اريحكم ( مت 11 : 28 ) على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون، فكل ما قالوا لكم ان تحفظوه فاحفظوه وافعلوه، ولكن حسب اعمالهم لا تعملوا، لانهم يقولون ولا يفعلون، فانهم يحزمون احمالا ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها على اكتاف الناس وهم لا يريدون ان يحركوها باصبعهم ( مت 23 : 2 - 4 ).
واستبدال الاسمين" الوهيم " و " ادوناي " بالاسم التاريخي القديم المجيد يهوه فيه ابلغ تعليق على كل ما قيل من قبل وعلى الحالة الروحية لإسرائيل في تلك الفترة. وتغير لديهم مفهوم ارض الموعد فلم تعد مركز جذب لهم كما كانت في القديم ، وصار اليهود ُأمه بلا وطن، لان مقابل كل يهودي رجع إلي الوطن القديم ، بعد السبي البابلي، بقي آلاف في البلاد التي نزحوا اليها. وبرغم تشتتهم في جميع انحاء العالم، وتحت كل الظروف، فانهم ظلوا يهودا ولم يخمد فيهم الوعي القومي ابداً، فصاروا كارزين بالله الحق في كل العالم، ومنادين بانجيل الرجاء لعالم بلا رجاء، مما وجه عيون الناس في العالم اجمع إلي ملء الزمان وأعد قلوب البشر لقبول المسيحية عند ظهورها.
(3) الاحزاب التي ظهرت :
كان اليهود الغيورون والمحافظون- في اثناء العصر اليوناني- يواجهون دائما بميل قسم - لا يستهان به من الشعب، وبخاصة بين الشباب والاغنياء - إلي تبني اسلوب حياة وتفكير وطريقة حديث سادتهم، اليونانيين. وهكذا نشا الحزب الهيليني الذي كان مكروها للغاية من كل يهودي صميم، الا انه ترك بصماته على تاريخهم حتى التشتت الاخير في 70م. ومنذ زمان متتيا كان الحسيديون هن الحزب اليهودي الوطني، وهكذا ظهر حزب الفريسين إلي الوجود. وكان الحزب المعارض لهولاء الفريسين هم حزب الصدوقيين ذوي الاتجاهات الدينية المتحررة، والذين كانوا من الاغنياء اصحاب المكانة الاجتماعية المتميزة، متحررين من التقاليد، متغافلين عن مستقبل حياتهم، قريبين جدا من الابيقوريين اليونانيين. وكان الصراع بين هذين الحزبين صراعا مستمرا مريرا - ظل حتى نهاية فترة وجودهم القومي في فلسطين ـ من اجل السيادة من خلال وظيفة رئيس الكهنة. وقد هيات لهما كراهيتهما المشتركة للمسيح، مجالا من الاهتمامات المشتركة.
(4) الاعداد للمسيحية : كان الله - في غضون تلك الفترة المظلمة من تاريخ بني إسرائيل - ينفذ خطته الالهية، فبعد انتصار الاسكندر الاكبر تمت ترجمة الاسفار المقدسة إلي اللغة اليونانية - اللغة المنتشرة في الشرق في ذلك العصر - وهكذا تم اعداد العالم لاستقبال كلمة الله ولاستقبال عطية الله في انجيل ابنه . فكانت الترجمة السبعينية خطوة متميزة نحو الامام على طريق اتمام وعد الله لابراهيم "" ويتبارك فيك جيمع قبائل الارض " ( تك 12 : 3، 18 : 18 ). ولما تقلصت العبادة اليهودية الطقسية فيما يتعلق بتقديم الذبائح، لوجودهم على مسافات بعيدة من الهيكل، شخصت عيون بني إسرائيل إلي الاسفار المقدسة التي كانوا يقرؤونها في المجامع في كل سبت، والتي صارت من خلال الترجمة السبعينية - كما رأينا - ملكا للعالم اجمع. وهكذا اصبح اليهودي مركزا عظيما للكرازة ، يذيع لكل العالم رجاء إسرائيل القوي في مجيء المسيا.
ومن وجهة اخرى - فان اليهود - وقد تمرمرت نفوسهم من طول المعاناة والاستشهاد المستمر - تصوروا مجيء المسيا بطريقة جسدانية كملك ارضي، وكانت هذه الافكار تلح عليهم كلما ثقل عليهم نير الاضطهاد، وخبا لديهم رجاء الخلاص. ولذلك عندما جاء المسيا لم يعرفه بنو إسرائيل، بينما استقبلته قلوب الوثنيين الجوعى اليه، والذين عرفوا وعده من خلال الترجمة السبعينية، " كان النور الحقيقي الذي ينير كل انسان آتيا إلي العالم. كان في العالم وكون العالم به ولم يعرفه العالم. إلي خاصته جاء وخاصته لم تقبله، واما كل الذين قبلوه فاعطاهم سلطانا ان يصيروا اولاد الله أي المؤمنون باسمه "( يو 1 : 9 - 14 ) وذلك لان عيون بني إسرائيل قد عُميت إلي حين، إلي ان يدخل ملء الامم ( رو 11 : 25 ) ، فان الامم الذين لم يسعوا فى اثر البر ادركوا البر، البر الذي بالايمان، ولكن إسرائيل وهو يسعى في اثر ناموس البر، لم يدرك ناموس البر ( رو 9 : 30 و 31 ).