كلمة منفعة
العُنف لا يحبه أحد من الناس.بل يكرهونه وينفرون منه ومن العنفاء.
— العنف

اخاب

اخاب، أخآب
حجم الخط
أخآب
ومعناها " أخو الأب " أو " الأب أخي " مما قد يعني أنه اتخذ من الله أخاً له .
- حكم أخآب : وأخآب بن عمري هو سابع ملك لإسرائيل ، ملك اثنتين وعشرين سنــة ، من 876 - 854 ق.م ( 1 مل 16 : 28 و 39 ) وكان من أقوى ملوك إسرائيل ، وفي نفس الوقت من أضعفهم ، فقد ورث الأعداء التقليديين لإسرائيل الذين سببوا له المتاعب كما سببوها لسابقيه ، وبالإضافة إلى هؤلاء الأعداء المتربصين به ، عانت المملكة في عهده أشـد المعاناة من الجفاف والمجاعة ، ولكن أخآب - الذي كان كفوا لهذه الظروف - استطاع بمهارته أن يكسب اعجاب واحترام الصديق والعدو ، وحصَّن المملكة من الخارج ومن الداخل . وكثير من الشرور التي حدثت في حكمه كانت نتيجة للاجراءات التي اتخذها لتقوية المملكة .
2- سياسته الخارجية : كانت هناك اتصالات تجارية ناجحة بين إسرائيل والفينيقيين في أيام داود وسليمان . وإذ أدرك أخآب المنافع التي يمكن أن يجنيها من تحالفه مع أقوى دولة تجارية في عصره ، جدد العلاقات القديمة بالزواج من إيزابل ابنة أثبعل ملك صور ( وهو إثوبالوس ، كاهن عشتارت الذي ذكره مياندر ) . ثم حول التفاته لإقامة علاقات سلام وصداقة مع مملكة يهوذا الشقيقة والمجاورة لإسرائيل ، فلأول مرة منذ انقسام المملكتين ، تختفي العداوة الموروثة ، فعقد يهوشافاط ملك يهوذا الصالح معاهدة سلام مع ملك إسرائيل ، وتوج هذه المعاهدة بأن أخذ عثليا ابنة أخآب زوجة لابنه وولي عهده يهورام . ولعل معاملة أخآب لبنهدد ملك دمشق تلقي ضوءاً أكثر على سياسته الخارجية ، فقد سنحت الفرصة للقضاء على قوة أرام التي كانت مصــدر تهديد له ، ولكن عندما توسل بنهدد - وهو في ثياب المسوح - من أجل حياته ، استقبله أخآب استقبالاً طيباً كأخيه ، ومع أن النبي قد وبخه على هذا التساهل ، إلا أنه عفا عن عدوه وسمح له بالعودة إلى بلاده بشرط إعادة المدن التي أخذها أبوه من عمـــري أبي أخآب ، وأن يجعل أخآب لنفسه أسواقاً يقيم فيها الإسرائيليون في دمشق . ولا بد أن أخآب ظن أن كسبه لملك أرام كصديق عن طريق المعاملة الكريمة قد يكون أجدى لإسرائيل من وجود دولة معادية ، ولابد أن تزداد عداوتها لو أنه قتل ملكها . ومهما كانت الدوافع وراء تصرفات أخآب ، فإن هؤلاء الملوك حاربوا معه جنباً إلى جنب ضد العدو اللدود ملك أشور في معركة قرقر على نهر الأورنت في سنة 854 ق.م كما تؤيد ذلك النقوش الموجودة على عمود شلمناصر الثاني ملك أشور .
3-سياسته الدينية : إن سياسة أخآب الخارجية التي تميزت ببعد النظر ، كانت على النقيض تماماً من سياسته الدينية قصيرة النظر ، فبتحالفه مع الفينيقيين لم يستأنف حركة التجارة مع صور فحسب ، لكنه استورد ديانتها أيضاً . فبدا له أن عبادة الرب من خلال العجلين الذهبيين اللذين أقامهما يربعام ، قد عفا عليها الزمن ، وأن البعل إله صور سيدة البحار وصاحبة الثروة الهائلة ، يجب أن يكون له مكانه بجانب يهوه إله إسرائيل . فبنى في السامرة معبداً للبعل ، وأقام فيه مذبحاً للبعل ، وبجانب المذبح أقام تمثالاً للسارية ( عشيرة ) ( 1 مل 16 : 32 و 33 ) . وفي نفس الوقت حاول أن يخدم الرب بتسمية أبنائه باسم الرب ، " أخزيا " ( الرب يمسك ) ، " ويهورام " ( الرب مرتفع ) ، " وعثليا " ( الرب قوي ) . ولكن أخآب فشل في ادراك أنه بينما قد يكون تحالفه مع الأمم المحيطة به نافعاً ، إلا أن الجمع بين ديانتهم وعبادة يهوه لا بد أن يكون نكبة . وفشل في ادراك معنى ذلك المبدأ الهام : " الرب ( يهوه) وحده إله إسرائيل " وقد وجد أخآب في زوجته الفينيقية " إيزابل " الأجنبية نصيراً قوياً حقوداً وبلا ضمير ، وكانت حامية لأنبياء البعل والسوارى ( 1 مل 18 : 19 و 20 ، 19 : 1 و 2 ) ، وبناء على أوامرها هدمت مذابح الرب ، كما أنها أثارت أول اضطهاد ديني عظيم ضد شعب الرب ، فقتلت كل أنبياء الرب بالسيف . وكانت تذهب في هدفها إلى أبعـد من مجرد الجمع بين الديانتين ، فقد كانت تريد أن تقضي على عبادة الرب أصلاً وفرعاً لتحل محلها عبادة البعل ، ولم يعارضها أخآب في ذلك بل بالحري جاراها في هذه السياسة ، بل لعله وافقها بكل قلبه .
4-مقتل نابوت : إن المبادئ الدينية الخاطئة ، لا بد أن تؤدي إلى مبادئ أخلاقية باطلة تنتج أعمالاً شنيعة . فأخآب - بعبادته البعل - لم يدخل ديانة باطلة فحسب ، بل أدخل أيضاً أنماطاً للسلوك باطلة . كان المقر الملكي في يزرعيل التي زادت أهميتها ، على الأرجح ، نتيجة تحالفه مع فينيقية ، وكان يوجد بجانب القصر الملكي كرم لمواطن اسمه نابوت ( 1 مل 21 ) . وطمع أخآب في ذلك الكرم ليجعل منه بستان بقول ، فطلب من نابوت أن يبيعه له أو أن يعطيه عوضه كرماً أحسن منه ، لكن نابوت رفض العرض ، وأخآب - الذي كان يعرف القانون الخاص بالأراضي - آلمه أن يرفض نابوت عرضه ، وذهب إلى بيته مغموماً . أما إيزابل فلم تكن تعير هذه القوانين العبرانية أي أهمية ، كما لم يكن عندها وازع من دين ، فدبرت جريمة محكمة يحصل بها أخآب على الكرم . فباسم الملك وسلطانه دبرت اتهام نابوت بالتجديف على الله وعلى الملك ، وهكذا رجمه شيوخ مدينته بحجارة فمات . وكان لمقتل نابوت بهذه الصورة ، مثلما كان لعبادة البعل ، بالغ الأثر في القضاء على بيت عمري .
5-أخآب وإيليا : لا يمكن أن تداس الحقوق الدينية أو الحريات المدنية بدون عقاب من الله ، فمحاولة ذلك لا بد أن تيقظ الضمير للمطالبة بعمل الصواب ، وهكذا ظهر إيليا أمام أخآب وكأنه ضميره وقد استيقظ ، وكان اسم إيليا - ومعناه هو " إلهي هو الرب " - كافيا لارهاب أخآب ، وكانت رسالته المزعجة لأخآب : " حي هو الرب إله إسرائيل الذي وقفت أمامه إنه لا يكون طل ولا مطر في هذه السنين " . وعندما عاود إيليا ظهوره لأخآب ، قال له :" أأنت هو مكدر إسرائيل ؟ " ولكن إيليا يجيبه بهدوء بأن ما كدر إسرائيل إنما هي سياسته الدينية ، وسيعلن ذلك على جبل الكرمل ، واستجاب أخآب لأمر إيليا ، وعرف الشعب من يعبدون فقد ظل البعل صامتـاً ، بينما أجاب الرب بنار ، وبعد ذلك انتهى الجفاف بانهمار المطر فإن الغلبة للرب .
ومرة أخرى يتقد غضب إيليا على بيت أخآب من أجل مقتل نابوت ، إذ يجب حماية الحقوق المدنية للأمة . لقد باع أخآب نفسه لفعل الشر في عيني الرب ، فلا بد أن يسقط بيت أخآب ، وستأكل الكلاب جثة إيزابل ، وتنقرض ذرية أخآب ، وستأكل كلاب المدينة وطيور السماء جثثهم ( 1 مل 21 : 20 - 26 ) . وكان لكلمات إيليا وقع الصاعقة على أخآب " فشق ثيابه وجعل مسحاً على جسده وصام واضطجع بالمسح ومشى بسكوت " ، ولكن أمر الله لا بد أن ينفذ ، فلم يعد للبعل الذي كان سبب كل ذلك الظلم ، مكان بجانب الرب إله البر والعدل .
6-ماشيده أخآب : كعادة ملوك الشرق ، كان لآخآب ذوق معمارى ، زاد فيه - ولا شك - النفوذ الفينيقي ، فأقام أخآب مباني عظيمة في السامــــرة ( 1 مل 16 : 32 ، 2 مل 10 : 21 ) . لقد كان لسليمان عرش من العاج ، أما أخآب فقد بنى لنفسه في يزرعيل قصراً مزيناً غشاه بالعاج ( 1 مل 21 : 1 ، 22 : 39 ) . ولعل عاموس - بعد ذلك بقرن من الزمان- كان يشير إلى ماعمله أخآب بقوله : " فتبيد بيوت العاج " ( عا 3 : 15 ) .
في أيام أخآب بني حيئيل البيتئيلي أريحا رغم اللعنة التي نطق بها بشوع ( 1 مل 16 : 33 و 34 ) كما بنيت مدن كثيرة في أيامه ( 1 مل 22 : 39 ) .
7-أعمال أخآب العسكرية : لم يكن أخآب ملكاً محباً للفخامة فحسب ، بل كان أيضاً قائداً عسكرياً عظيماً ، وقد بدأ بتحصين مدن إسرائيل ( 1 مل 16 : 34 و 22 : 39 ) .
ويحاصر بنهدد ملك أرام ( وهو دادري في سجلات أشور ، هدد عزر بالآرامية ، وبارهدر في العربية ) - والذي كان ملوك إسرائيل خاضعين له - السامرة ، ويرسل لآخآب رسالة فيها اذلال لأخآب ، فيرد عليه بالقول :" لا يفتخرن من يشد كمن يحل ، وبناء على مشورة نبي الرب ، يهجم أخآب ومعه 7.000 رجل تحت قيادة 232 من القادة ، على بنهدد والاثنين والثلاثين ملكاً الذين معه - وكانوا يشربون ويسكرون في الخيام - فيهزمهم هزيمة ساحقة .
وفي السنة التالية ، يُهزم ملك أرام - رغم تفوقه الساحق - مرة أخرى على يد أخآب في الوادي بالقرب من أفيق . ولكن أخآب عفا عن بنهدد على أن يرد كل المدن الإسرائيلية ويمنح الإسرائيليين بعض الامتيازات في دمشق ، مما أغضــــب نبي الله ( 1 مل 20 : 22 - 43 ) .
وفي سنة 854 ق.م. سار أخآب في 2.000 مركبة ، 10.000 جندي ، مع بنهدد ملك أرام لمحاربة شلمناصر الثالث ملك أشور في قرقر على نهر الأورنت ، وقد انهزم بنهدد ومن معه هزيمة منكرة .
ولعل بنهدد اتهم أخآب بأنه كان السبب في تلك الهزيمة ، فنكث عهده مع أخآب ( 1 مل 22 : 3 ، 20 : 34 ) . وإذ رفض أخآب تحذير النبي ميخا وانساق وراء مشورة الأنبياء الكذبة ، هاجم أرام مرة أخرى ، واتحد معه في ذلك صديقه يهوشافاط ملك يهوذا ، ولأول مرة منذ أيام داود يقف كل إسرائيل ويهوذا صفاً واحداً ضد عدوهم المشترك .
8-موت أخآب : والأرجح أن تحذير ميخا النبي ، قد جعل أخآب يتوجس خيفة من أن تكون هذه آخر حروبه ، فدخل المعركة متنكراً ، ولكن لم يجده ذلك شيئاً ، فقد أصابه سهم غير متعمد ، وجرحه جرحاً مميتاً . وتبدو قوة أخآب في أنه ظل في المركبة- حتى لا ينزعج باقي الجيش - كل اليوم إلى أن مات عند المساء ، وحمل جسده إلى السامرة ليدفن فيها . وهكذا مات ملك عظيم . وسرعان ما اضمحلت مملكته بعد موته . لقد عميت بصيرته عن ادراك عظمة الرب . كما فشل في الوقوف بجانب الحق والعدل . وسار بنوه في طريقه وجعلوا إسرائيل يخطئ فنالوا قصاصهم ( 1 مل 22 : 29 - 53 ) .
9-أخآب والحفائر الأثرية :
أ - العمود الموآبي : يحمل العمود الموآبي ( وسيأتي الكلام عنه في موضعه ) شهادة ( في السطرين السابع والثامن ) على أن عمري وابنه ( أخآب ) حكما بلاد ميهدبا أربعين سنة . وعندما كان أخآب منشغلاً في حروبه مع أرام . غضبت عليه موآب . ويقول لنا ميشا _ في مبالغة واضحة - إن " إسرائيل قد هلك هلاكأً نهائياً " . ويقول ميشا إن " يهوه " هو إله إسرائيل .
ب- عمود شلمناصر الثالث : ( في المتحف البريطاني ) ، وتقول الكتابة المنقوشة عليه إنه في سنة 854 حارب شلمناصر الثالث ملك حماة ، وأن بنهدد الثاني مع أخآب ملك إسرائيل وغيرهم تحالفوا معاً لصد التقدم الأشوري ، ولكنه هزم هذه الجيوش المتحالفة في قرقر .
ت- الاكتشافات الحديثة : بدأت الحفريات الأثرية في السامرة تحت اشراف جامعة هارفارد منذ سنة 1908 ، وفي سنة 1909 تم اكتشاف أطلال قصر عبراني وأمكن تمييز مرحلتين من بنائه ، ويظن المنقبون أنهم قد اكتشفوا قصر عمري الذي وسعه وزينه أخآب ( ولعله قصر العاج الذي بناه أخآب ) . وفي سنة 1910 وجدت 75 قطعة من الشقف في مبنى ملاصق لقصر أخآب عليها كتابة من نوع الكتابة الموجودة على عمود موآب ، والكلمات تفصل بينها بقع من الحبر . ويبدو أن هذه القطع كانت تلصق بالجرار التي كانت تحفظ في غرفة ملحقة بقصر أخآب ، وقد كتب على إحداها : " في السنة التاسعة . من شفطان - لبعل زامار - جرة نبيذ معتق " . وكتب على أخرى : " نبيذ من كرم التل " . وهي عبارات تذكرنا بكرم نابوت . وفي غرفة لا تبعد كثيراً عن الغرفة التي وجدت بها قطع الشقف ، " ,وجد وعاء من المرمر مكتوب عليه اسم أحد معاصري أخآب وهو أوسركون الثاني ملك مصر " . وتوجد على هذه القطع من الشقف أسماء أعلام كثيرة لها مثيلها في العهد القديم ، والظن أن هذه الكتابات هي أعظم أهمية من أي كتابات عبرية قديمة ، ولعلها إذا نشرت تلقي ضوءاً أكبر على عصر أخآب .