كلمة منفعة
السلام القلبي هو ثمرة من ثمار الروح القدس في القلب.
— السلام القلبي

الكتاب المقدس والتقليد

الكتاب المقدس والتقليد
حجم الخط
الكتاب المقدس والتقليد
الكنيسة الأرثوذكسية تسير في حياتها وفق التقليد المقدس ، ولكن الكثيرون لا يستطيعون تعريف ما هو التقليد ؟ كلمة " تقليد " " Tradition " مأخوذة من الكلمة اللاتينية " Traditio " التي هي ترجمة للكلمة اليونانية , " " Paradosis)) وقد وردت هذه الكلمة كثيراً في الكتاب المقدس ( 1 كو 11 : 2 ، 1 كو 11 : 23 ، 2 تس 2 : 15 ) . وهذه الكلمة تعني في معناها الحرفي ما يسلم من شخص لشخص كما تسلم العصا في سباق التتابع . الشيء الذي " يقلد " هو ما يسلمه الشخص ( أو المجموعة ) لشخص آخر ( أو لمجموعة أخري ) . ويوضح القديس بولس في رسالة غلاطية ( غل 1 : 11 ) أن تقليد الكنيسة ليس " بحسب إنسان " ، بل هو معلن من الله ، فهو ليس اختراع البشر . والتقليد معناه الاختبار وحياة تعاش . ليس مجرد مجموعة من التعاليم ولكن اختبار هذه التعاليم التي أتت من الله الذي أعلن نفسه لنا . فالتقليد هو اختبار استعلان الله من خلال شعبه . أين يوجد هذا التقليد ؟ وما هي مصادره ؟
المصادر الخمسة للتقليد المسيحي
1- الكتاب المقدس :
المكانة الأولي من بين مصادر التقليد نعطيها للكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد . فالمسيحيين الأرثوذكس يفهمون الكتاب المقدس علي أنه السجل الأساسي لخبرة شعب الله لإعلان الله نفسه لهم . من ذلك نفهم أن الكنيسة هي التي كتبت الكتاب المقدس . فالكتاب المقدس هو كلام الله ولكن كلام الله لم يكتب بواسطة الله مباشرة . فلم يهبط الكتاب المقدس من السماء في شكل كتاب كامل مكتوب ! ولكن تري من كتب الأسفار ؟ كتبها بشر قادهم الوحي الإلهي . ما كتبوه هو الحق عن الله ، فهم كتبوه كأعضاء من شعب الله . فمثلاً في السنوات الأولي للكنيسة المسيحية لم تكن الأناجيل – التي نعتبرها مهمة جداً – قد وجدت بعد . كان قد مضي عقود من بعد العنصرة قبل أن يكتب أول إنجيل . ولم تكتب الأربعة أناجيل إلا مع انتهاء القرن الأول ، ومضي أكثر من 300 سنة قبل أن تقر الكنيسة بوجود أربعة أناجيل فقط . هذه الأسفار التي توجد في العهدين القديم والجديد موجودة في الكتاب المقدس لأن شعب الله – من خلال هؤلاء الذين انتخبوا لتقرير ذلك الأمر – قرروا أن هذه الأسفار هي التي ستعتبر كجزء من الكتاب المقدس بخلاف أسفار أخري مزورة . هكذا فالكنيسة كشعب الله – المسوق من الله – هي التي كتبت الكتاب المقدس . فالكنيسة هي التي قدمت لنا الكتاب المقدس .....! فالأسفار المقدسة هي أهم وأسمي سجل مكتوب عن إعلان الله لشعبه ، ولكن الأرثوذكس يدركون أننا لا نستطيع أن نفهم الكتاب المقدس بطريقة كاملة وحقيقية إلا إذا فهمناه من خلال الكنيسة التي كتبته وقررت قانونية تلك الأسفار . إذاً الكتاب المقدس هو كتاب الكنيسة وأول مصدر للتقليد المسيحي . وسنتكلم عن الكتاب المقدس بأكثر تفصيل لاحقاً .
2- الليتورجيا :
وهي المصدر الثاني للتقليد في الكنيسة . الـ " ليتورجيا " كلمة يونانية معناها " العمل الشعبي العام " . ليتورجيا الكنيسة هي عمل الكنيسة حين تجتمع لتكون شعب الله وتعبد الله . فالليتورجيا تحمل في مجملها كل الصلوات الكنسية العامة : خدمات ساعات اليوم ( السواعي ) ، أيام الأسبوع ، أيام الأعياد والمناسبات الكنسية والأسرار الكنسية ( المعمودية ، الإفخارستيا ، الزيجة ... ) . في كل هذه الصلوات الكنسية نري بياناً بما تؤمن به الكنيسة . ففي الواقع يوجد قول شائع بين الأرثوذكس منذ القدم : " ما نؤمن به يعرف من خلال الطريقة التي نصلي بها " . عندما يسأل الأرثوذكسي : " بماذا تؤمنون كمسيحيين أرثوذكس ؟ " أو " كيف أتعرّف علي ما تؤمنون به ؟ " ، فلا تكون الإجابة " تعال اسمع هذه العظة " أو " اقرأ هذا الكتاب " . فرغم كون التعليم مهماً في حياة الكنيسة في الماضي وعلي الدوام ، لكن الإجابة الأولي التي يعطيها المسيحي الأرثوذكسي دائماً هي : " تعال وأنظر " Come and see . هذه هي الدعوة الأرثوذكسية دائماً : تعال وأنظر ما نفعله عند إجتماعنا الذي هو الكنيسة في عبادتها الليتورجية لله . أي شخص يتلامس مع إختبار العبادة الكنسية الليتورجية بعمق ، سيثبت في الإيمان الأرثوذكسي عقيدة وسلوكاً ، أكثر مما يستطيع أن يمليه أي كتاب ، ولا يستطيع أي شيء أن يغني عن هذا الإختبار . هكذا هي الليتورجيا ، المصدر الثاني للتعليم الكنسي .
3- المجامع :
المصدر الثالث من مصادر التقليد هو المجامع التي عقدتها الكنيسة . فالمجمع هو عبارة عن إجتماع لهؤلاء الذي أعطوا السلطان في الكنيسة ليقرروا ما هو أمين لتقليد الكنيسة وما هو ليس كذلك . وأول مجمع نراه في الكتاب المقدس (أع 15) إنعقد في كنيسة أورشليم . لاتخاذ قرار حول موضوع إمكانية دخول الأمم إلي الإيمان المسيحي ، وإن كان عليهم الخضوع للناموس اليهودي . لم يَعدّ الرب يسوع رُسله للتصدي لهذه المشكلة بالتحديد ولكنه أعطاهم السلطان في الكنيسة حتي يستطيعوا أن يميزوا الأمور الصحيحة من الخاطئة . ولذلك إجتمع الرسل ليقرروا ماذا يُفعل للأمم الذين يريدون الإنضمام إلي الكنيسة . نتيجة هذا المجمع كانت نوع من الحل الوسط وهو إلتزام الأمم ببعض المبادئ الأساسية التي في الناموس اليهودي دون تقييدهم ببقية الناموس . بالإضافة إلي ذلك ، فقد وضح الرسل أن قرارهم لم يكن مجرد قرار بشري إذا إجترأوا وقالوا " قد رأي الروح القدس ونحن .... " ( أع 15 : 28 ) . وكانت هناك عدة مجامع خلال حياة الكنيسة الطويلة ، وقد أوجدت حلولاً لكثير من المسائل . وحلول تلك المسائل التي طرحت جاءت في شكلين : قوانين إيمان creeds وقوانين مجامع canons . قانون الإيمان هو تصريح عن الإيمان . وأهم صيغة إيمانية للكنيسة هي تلك الموجودة في قانون الإيمان النيقاوي . وتسمي بالنيقاوي لأن صيغته كُتبت في المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325م ( " مسكوني " معناه مجمع يجمع الكنيسة كلها في كل العالم ) . تلك المجامع كانت تصدر قوانين أيضاً : كلمة قانون "Kanon " كلمة يونانية معناها مسطرة أو مقياس " yardstick " أي ما يستخدم لتحديد الممارسات العادية في الكنيسة ( 2 كو 10 : 13 – 16 ) . فالقوانين تعطي إجابات لمسائل مثل الإنضباط والأخلاقيات في الكنيسة : ماذا يفعل عندما يسقط بعض الناس في الخطية ؟ وكيف يمكن مصالحتهم مع الكنيسة ؟ وماذا يفعل إزاء خلاف بين كنيستين كما كان يوجد خلافات في وجهة النظر بين الرسل أحياناً ؟ كانت توجد دائماً إختلافات في الرأي بين شعب الله فأناس الله وأن كانوا يتمتعون برؤية الله إلا أنهم لا يصبحون كاملين في يوم وليلة وأغلبهم لا يحصلون علي الكمال في حياتهم علي الأرض . إذاً في قوانين الكنيسة مجموعة من القوانين والأعراف تنظم الإنضباط في الكنيسة ومصدر تلك القوانين هي المجامع .
4- القديسين :
المصدر الرابع للتقليد الكنسي ـ وهو مصدر مزدوج أيضاً ـ هو حياة القديسين ، وتعاليم مجموعة منهم الذين نسميهم بـ " الآباء " ( وتلك المجموعة تضم بعض " الأمهات " ) . ففي كل جيل في حياة الكنيسة يوجد أناس عاشوا وصية المسيح بأمانة وبطولة ، هؤلاء وهم يحيون في عالمنا هذا يبلغون إلي الغاية التي نحن نؤمن كمسيحيين أن الله خلقنا لأجلها ، وهي أن نكون شركاء في حياته . الوعد الأعظم بخصوص الإيمان المسيحي أنه حق " وتعرفون الحق والحق يحرركم " ( يو 8 : 32 ) . مما سيحررنا الحق ؟ يحررنا من الخطأ ، من الخطية ، من الفارغ ، وفي النهاية من الموت بمعناه السلبي . هذه هي الأمور التي يحررنا الله منها ولكنه فعل كل ذلك لنكون أحراراً لشيء أعظم : أن نصل إلي غايتنا ونكون شركاء في حياة الله نفسه . يوجد أشخاص في الكنيسة بالطاعة الأمينة وفي كمال الإيمان والرجاء ومحبة الله أصبحوا أمثلة عظيمة لنا . نستطيع أن نسميهم أبطال الكنيسة . فالأيقونات في كنائسنا ترينا القديسين من كل عصر ، هؤلاء القديسون حاضرون في الكنيسة وهم مصدر لخبرات الكنيسة لكي ما يري المنتمون لكنيسة الله ـ من خلال هؤلاء القديسين ـ الطريق للحياة ، الطريق إلي الحق . لنري فيهم كيف يكون الطريق ممكناً . فكما كان ممكناً للقديسين وهكذا يمكننا نحن أيضاً أن نصل إلي الغاية التي يدعونا الله إليها . وتوجد مجموعة معينة من هؤلاء القديسين نسميهم " الآباء " ، وعندما نقول " من آباء الكنيسة " نقصد شخصاً شهد لتقليد الكنيسة من خلال تعليمه لإيمان الكنيسة أو الدفاع عنه بحكمته وغالباً يكون قد شهد لهذا التعليم بأتعاب كثيرة أو بتقديم حياته نفسها . فعندما نقرأ الأناجيل نقول : نعم ، ما هو مكتوب هنا في الإنجيل هو ما آمنت به الكنيسة في كل العصور . وبنفس الطريقة فعندما نقرأ كتابات الآباء العظام نري فيها شهادة أمينة وحقة لما آمنت به الكنيسة دائماً و اختبرته من الله .
5- الفن الكنسي :
المصدر الأخير للتقليد سنسميه " الفن الكنسي " . وقد يأتي هذا المصدر كمفاجأة للبعض لأننا ـ مع أمور " مرموقة " كالكتاب المقدس والليتورجيا والقديسين والآباء ـ نتكلم عن الفن الكنسي . فالفن في فكر بعض الناس مجرد نوع من " الزينة " أي شيء ثانوي . ولكن في المفهوم الأرثوذكسي لطبيعة الإنسان ، عن كيفية تكوين الله إيانا وعن كيفية إعلان الله نفسه لنا ، نري أن الأشياء الملموسة لها دور كبير . نستطيع أن نقول أن الإيمان الأرثوذكسي والخبرة الأرثوذكسية هي خبرة شاملة : هي خبرة للإنسان بكامله ، فالمادة المخلوقة لها دور . وفي الواقع فالتجسد ـ أي دخول الله إلي العالم المادي وصيرورة الله إنساناً وأن يكون الله شيئاً ملموساً ـ هو صلب ومركز الإيمان المسيحي . والفن في تعريفه هو إستخدام الأشياء المادية كوسيلة للإعلان عن الرب . إذاً ففي الأرثوذكسية الفن ليس مجرد تزيين ثانوي أو حيلة ، بل شيء في صُلب مفهومنا عما نعرفه عن كيفية إعلان الله لنا عن نفسه . عندما يدخل أي شخص إلي كنيسة أرثوذكسية يجد نفسه مُحاطاً بأشياء كثيرة تجذب إنتباه الحواس . نستطيع أن نقسمها إلي ثلاثة تصنيفات .
أولاً الأيقونات : وهي الطريقة التي يرسم بها شكل المسيح وأحداث حياته ، وأمه والقديسين .
ثانياً الموسيقي الكنسية : وهي الطريقة التي تقال بها ألحان الكنيسة والمردات المستخدمة في الليتورجيات الكنسية .
وأخيراً البناء الكنسي : فحتي الطريقة التي تُبني بها الكنيسة بحسب التقليد ، شهادة واضحة لإيمان الكنيسة كما إختبرتهما الكنيسة عبر العصور . لم تأت هذه الأمور بالصدفة أو بدون ترتيب ، ولكنها في قلب خبرتنا عن الكنيسة كشعب الله . فعندنا إذاً هذه المصادر الخمسة للتقليد الأرثوذكسي الذي سلمه جيل لجيل من المؤمنين ، من المسيح والرسل إلي يومنا هذا : الأسفار المقدسة ، الليتورجيا ، قانون الإيمان والقوانين التي أتت من المجامع الكنسية ، حياة القديسين وأقوال الآباء وأخيراً الفن المسيحي الأرثوذكسي .
*** وحدة التقليد :
في مفهوم الكنيسة ، كل هذه المصادر التي للتقليد مترابطة مع بعضها في وحدة واحدة ، فلا نستطيع أن نأخذ الواحد بمعزل عن الآخر . فلا يستطيع أحد أن يقول " أستطيع أن أجد كل ما أريد أن أعرفه إن بقيت في البيت وقرأت الكتاب المقدس وحدي ولا حاجة لي للذهاب إلي الكنيسة " ، ولا يستطيع أحد أن يقول هذا أيضاً " كل ما أحتاجه هو الذهاب إلي الكنيسة والنظر إلي الأيقونات ولا أحتاج أن أعرف شيئاً عن الأسفار المقدسة " . ففي كلتا الحالتين نأخذ شيئاً خارج مضمونه ، خارج حدود عمله وإذا أخذنا شيئاً خارج نطاق عمله فسيفقد قوته . ويستطيع الأرثوذكس أن يقولوا أن كل المشاكل وكل التعاليم الخاطئة وكل التطرفات الفكرية التي حدثت في الألفي سنة ـ التي لتاريخ المسيحية ـ حدثت بسبب أناس أخذوا مصدراً من مصادر التقليد المسيحي وعزلوها عن الباقي ، وتعاملوا معه كوحدة مستقلة بذاتها . فالكنيسة الأرثوذكسية ليست الكتاب المقدس وحده وهي ليست الليتورجيا فقط وهي ليست قانون الإيمان والمجامع والقوانين فقط . بل الكل يعمل معاً في وحدة واحدة وعندما نقبل كل هذه المصادر للتقليد كينبوع مشترك لإعلان الله عن نفسه ، فنحن نؤمن إننا سنقبل إلي الحياة التي دعي الله خليقته إليها ، إلي الغاية التي أعطاها لنا : أن نشترك في حياته ، في شركة أبدية ، لأنه أعطانا الحق الذي يحررنا .
*** الكتاب المقدس :
يحتل الكتاب المقدس المكانة الأولي بين مصادر التقليد ، وله كرامة أكثر بين مصادر التقليد . فالكتاب المقدس عبارة عن تجميع أسفار متعددة . فوجوده ككتاب واحد ظاهرة حديثة جاءت نتيجة لإختراع طابعة الكتب . في الكتاب المقدس نري أسفاراً متعددة وكل سفر له محتوي مميز : نجد التاريخ والأشعار والأغاني والحكمة والفلسفة ومجموعة قصص . كما نجد الأناجيل التي هي تعبير الكنيسة عن يسوع المسيح من هو ؟ ما هي تعاليمه ؟ وماذا فعل ؟ ونجد أيضاً رسائل كتبها الرسل . هذه المجموعة من الكتابات موحي بها من الروح القدس أو بمعني أخر هي أنفاس الله لأنها من روحه . وهي تعبر عن الحق الذي من عند الله . الأسفار المقدسة هي الكتابات التي كتبتها الكنيسة لتعبر بأمانة عما أعلنه الله لها . وكما قلنا سابقاً فالكنيسة هي التي قدمت لنا الكتاب المقدس . وقانونية الأسفار وإعتبارها جزءاً من الكتاب المقدس أو عدم قانونيتها تم إقراره بسلطان الكنيسة . فلقد تداول اليهود كتابات كثيرة بينهم لمدة ألف عام وكذلك المسيحيون الأوائل , ولكن الكنيسة بسلطانها قامت بعملية فرز الكتابات وأعطت " ختم موافقة " لتلك الكتابات ، التي عبّرت بأمانة عن الإيمان ، والتي آمنت بها الكنيسة وإختبرتها دائماً ....
** الأسفار الأرثوذكسية :
من المعروف أن أغلب العهد القديم كتب باللغة العبرية ، لغة بني إسرائيل . ولكن في أيام الرب يسوع والرسل ، لم يكن أغلب اليهود يعيشون في المنطقة التي تدعي إسرائيل ، لذلك فالعبرية ـ اللغة التي كتب بها العهد القديم ـ لم تعد اللغة الأكثر شيوعاً بين اليهود . فكانت تستخدم في الهيكل ونوعاً ما في المجامع ، ولكن لم يكن يتكلم بها اليهود غالباً وفي بيوتهم . في ذلك الوقت كانت اللغة الشائعة هي اللغة اليونانية . والعهد الجديد مكتوب باللغة اليونانية لأن تلك اللغة كانت هي اللغة المستخدمة عادة في الإمبراطورية الرومانية . لذلك قبل ميلاد المسيح بقرون قليلة ترجمت أسفار العهد القديم من العبرية إلي اليونانية . كما جاء في تقليد هذه الترجمة ، تمت هذه الترجمة في مدينة الإسكندرية في مصر بواسطة سبعين مترجماً . لذلك سميت " بالترجمة السبعينية " ( نسبة إلي السبعين ) . وفي أيام المسيح والرسل وأيام الكنيسة الأولي ، كان من النادر أن نجد شخصاً يمتلك أي درج لسفر من أسفار الكتاب المقدس . فكانت تلك الأسفار تعتبر غالية وقيمة جداً ، وكانت تعامل بإجلال زائد لدرجة أنه كان يعتبر من غير اللائق أن يمتلك الشخص العادي منها شيئاً . وكانت أي كنيسة ( أو مجمع يهودي ) تعتبر نفسها محظوظة إن كانت تمتلك مجموعة كاملة من الأسفار . اللغة المألوفة أكثر لآذان هؤلاء الذين كانوا يقرأون أو يسمعون الكتاب المقدس كانت اللغة اليونانية لذلك فالترجمة السبعينية اليونانية للعهد القديم هي الترجمة الرسمية للكنيسة الأرثوذكسية المستعملة في الكنيسة . ولكن أغلب نسخ العهد القديم الموجودة حالياً باللغة العربية (البيروتية) مترجمة من النسخة العبرية وليس السبعينية ، لذلك من الصعب أن نجد نسخة سبعينية عربية للعهد القديم . فلماذا إذاً تصر الكنيسة الأرثوذكسية علي أن تكون تلك الترجمة هي الترجمة الرسمية للعهد القديم ؟؟!!
أولاً : لأن النبوات التي تتكلم عن مجيء المخلص المسيا ـ وخصوصاً في المزامير والأنبياء ـ نجدها في هذه الترجمة أكثر حرفية وأكثر دقة وأكثر تركيزاً عن نظيرتها في النصوص العبرية التي للربيين(كتب الكنيسة كلها من هذه الترجمة وكذلك الاجبية ) . وفي الترجمة الإنجليزية ( New King James Version ) أو أي من الترجمات العربية الحالية نجد العهد القديم مترجماً عن النصوص العبرية التي حفظها الربيون والكتبة العبرانيون ، أما الترجمة السبعينية فقد ترجمت من مجموعة مخطوطات عبرية أقدم ولكن تلك المخطوطات ليس لها وجود الآن . الترجمة السبعينية كتبت قبل مجيء المسيح ، وبالرغم من ذلك نجد أن النبوات التي وردت فيها عن مجيء مخلص إسرائيل جاءت بأكثر قوة من النبوات التي في النصوص اللاحقة . والمسيحيون الأوائل رأوا في ذلك زيادة التحضير من الله لإعلان نفسه لإسرائيل . وبالطبع الأستعلان الأعظم لإله إسرائيل هو في مجيئه في شخص إبنه يسوع المسيح . فزيادة التركيز التدريجي في قوة النبوات المسيانية التي نجدها في الترجمة السبعينية هو في فهم الأرثوذكس من إرشاد الروح القدس .(مثلا انظر نبوات ومزامير أسبوع الآلام )
ثانياً : عندما يقتبس العهد الجديد من القديم نجد كل الإقتباسات تقريباً بدون إستثناء من الترجمة السبعينية . وفي حالة المزامير والأنبياء نجد الفروق بين النص العبري والنص السبعيني واضحة ، لذلك فعندما نصلي المزامير أو نقرأ فصولاً من العهد القديم في الصلوات الأرثوذكسية نحرص علي أن يكون ما نقرأه مطابقاً للنص السبعيني . ونأمل أن يأتي يوم تتوافر فيه ترجمة جيدة للنص السبعيني باللغة العربية .
ثالثاً : الوجه الآخر الذي للعهد القديم الذي يقبله الأرثوذكس هي " الأسفار القانونية الثانية " هذه الأسفار توجد فقط في الترجمة السبعينية وليست في النسخة العبرية التي للربيين . فأسفار كطوبيا وتكملة أستير وتكملة دانيال وسفري المكابيين ، وحكمة سليمان ويشوع بن سيراخ ونبوة باروخ وصلاة منسي تعتبر جزءاً من العهد القديم كبقية الأسفار في الكنيسة الأرثوذكسية . أما الترجمات البروتستانتية التي تضم تلك الأسفار فتسميها " الأبوكريفا " وأصل كلمة " أبوكريفا " تعني " المختفية " . أما في الكنيسة الأرثوذكسية فنحن لا نستخدم هذا التعبير . ويستخدم البروتستانت هذا المصطلح للدلالة ضمنياً علي أن هذه الأسفار ليست من العهد القديم وأنها " زائدة " أو أقل شأناً من الأسفار الأخري . ولكن الأسفار القانونية الثانية في الكنيسة الأرثوذكسية جزء لا يتجزأ من العهد القديم . أما النسخة اليونانية الرسمية للعهد الجديد فيشار إليها عادة بـ " النص المستلم " " Received Text " . وفي بعض أوقات يسمي " النص البيزنطي " " Byzantine Text " وهي نص الأناجيل والرسائل التي كانت في الكنيسة اليونانية من البداية . وبالنسبة للغة الأنجليزية فالنسخة الأكثر توافراً التي تتبع هذه الترجمة التقليدية المستلمة بدقة ومكتوبة في صيغة سهلة الفهم ( لغة إنجليزية حديثة ) هي نسخة New King James Version .