كلمة منفعة
التجلي الأول لطبيعتنا، هو أن الله خلقنا على صورته ومثاله، على شهبه هو. أي سمو هذا..؟!
— التجلي

خليقة

خليقة
حجم الخط
خليقة
أولاً التعليم الكتابي :ويجب عدم الخلط بين التعليم الكتابي وأي نظرية علمية عن أصل الأنواع، فالهدف من التعليم الكتابي ـ على العكس من النظريات العلمية ـ هو هدف أخلاقي ديني. وهناك العديد من الإشارات إلى هذا التعليم في العهدين القديم والجديد، فلا يقتصر ذلك على الأصحاحات الأولى من سفر التكوين، بل يمكن الرجوع إلى أسفار الأنبياء ( إش40: 26و28، 42: 5، 45: 18، إرميا 10: 12 ـ 16، عاموس4: 13)، وإلى المزامير (3:8 ، 6:33و9، 2:90، 25:102) وإلى أيوب (4:38ـ38) وإلى نحميا (6:9)، وكذلك إلى العهد الجديد (يو1:1ـ4، أع24:17، رومية20:1و25، 36:11، كو16:1، عب2:1، 3:11، رؤ11:4، 6:10).
والنقطة التي يجب أن نبدأ منها في دراسة هذا التعليم هي:بالإيمان نفهم أن العالمين اتقنت بكلمة اللـه (عب3:11)،وهذا يعني أن تعليم الكتاب عن الخليقة يعتمد على الإعلان الإلهي، ولا يُفهم إلا من وجهة نظر الإيمان. وهذا هو ما يميز المعالجة الكتابية للموضوع عن المعالجة العلمية، فعمل الخليقة لا يقل خفاء على الإِنسان عن سر الفداء، ولا يمكن أن ندركه إلا بالإيمان.
وينسب عمل الخليقة للأقانيم الثلاثة في اللاهوت، فينسب إلى اللـه الآب (انظر تك 1:1،إش24:44، 12:45،مز6:33) وإلى اللـه الابن (انظر يوحنا 3:1و10، كو16:1)، وإلى الروح القدس (انظر تك2:1، أيوب13:26). وليس معنى هذا أن كل أقنوم قام بجزء من الخليقة، بل بالحري أن الخليقة هي عمل اللـه المثلث الأقانيم.
وإذا أخذنا ما جاء في العبرانيينحتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر(عب3:11) مع في البدء خلق اللـه السموات والأرض (تك1:1)، فذلك يدل على أن العالمين لم تتكون من مادة كانت موجودة من قبل، بل خُلقت من العدم بكلمة اللـه، أي أنه قبل أن يصدر اللـه أمره بالخليقة، لم يكن هناك أي نوع من الوجود، فالخليقة من العدم لها مضامينها اللاهوتية الهامة، لأنها تستبعد ـ فيما تستبعد ـ فكرة أن المادة أزلية، فالعدد الأول من سفر التكوين يدل على أن المادة لها بداية، كما أنها تستبعد فكرة أي نوع من الازدواج في الكون، فلا يمكن أن يكون هناك نوع آخر من الوجود أو قوة أخرى تقف ضد اللـه وخارج سلطانه، كما أنها تدل على أن اللـه متميز عن خليقته، فليست الخليقة ـ كما يقول أصحاب عقيدة وحدة الوجود ـ هي ظاهرة أو ظهور خارجي للمطلق.
وفي نفس الوقت، من الواضح أن فكرة الخليقة الأولية التي تتضمنها فكرة الخلق من العدم لا تستوعب كل التعليم الكتابي عن الموضوع، فالإنسان لم يخلق من العدم، ولكنه خلق من تراب الأرض(تك 7:2)، كما جبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء (تك19:2)، ويسمون هذه الخليقة الثانوية، فهي عمل خالق استخدم مواد سبق أن خلقت من قبل، وتقف جنباً إلى جنب مع الخليقة الأولية شهادة على صدق الكتاب.
أما العبارات مثلإله وآب واحد .. على الكل وبالكل (أف 5:4) فتدل على أن اللـه يسمو جداً فوق خليقته، وإن كان فيها كلها، فهو على الكل أي فوق الكل (انظر رومية5:9)، فهو اللـه العظيم السامي المستقل عن خليقته، الكائن بذاته،و المكتفي بذاته. وعليه يجب أن نفهم أن الخليقة عمل حرّ من اللـه، خططته إرادته المطلقة وحدها ، فلم تكن أبداً عملاً محتماً ، إذ لم يكن اللـه في حاجة إلى خلق الكون (انظر أ ع25:17)، ولكنه اختار أن يخلق الكون . ويجب أن ندرك هذا الفارق جيداً، لأنه بهذا وحده يمكن أن يكون هو الرب الإله العظيم السامي الذي لا يحده ولا يقيده شيء. وفي نفس الوقت هوبالكل وفي الكل أي أنه ملازم لخليقته (وإن كان متميزاً عنها)،فهي جميعها تعتمد في بقائها على قوته ففيه يقوم الكل (كو17:1) وبه أو فيه نحيا ونتحرك ونوجد (أع 28:17).
أما عبارات: وهي بإرادتك كائنة وخُلقت (رؤ11:4)، والكل به وله قد خلق (كو16:1)، فتدل على الهدف والغاية من الخليقة. فاللـه قد خلق الخليقة لإظهار مجد قوته السرمدية وحكمته وصلاحه (كما يذكر اعتراف وستمنستر)، وبعبارة أخرى، إن محور الخليقة هو اللـه، والقصد منها أن تظهر مجد اللـه، أو كما يقول كلفن: أن تكون المسرح الذي يتجلى فيه مجده.
ثانياً ــ قصة التكوين :تُذكر قصة الخليقة أساساً في سفر التكوين (1:1ـ4:2)، وهي قصة رائعة سامية خالية من العناصر الفظة الموجودة في الروايات غير الكتابية عن الخليقة (وسنتناول تلك الروايات في البند ثالثاً). فهذا الفصل من سفر التكوين يقدم لنا سلسلة من التأكيدات عن كيف خرج العالم المنظور إلى الوجود. وأسلوب القصة هو أسلوب شاهد عيان، فليس فيها شيء من الحبكة القصصية التي يقدرها العلم الحديث. ومع التسليم بحقيقة الوحي بها، فإن قصة بسيطة عن ظاهرة الخليقة،يجب أن تقتصر على وصف أصل تلك العناصر الموجودة في العالم والتي تراها العين المجردة . فالأصحاح الأول من سفر التكوين يتناول هذه الظواهر البسيطة التي يمكن ملاحظتها، وهي تشبه الكثير من القصص عن الخليقة، فجميعها تتناول الأرض والبحر والجو والشمس والقمر والنجوم والحيوانات والإنسان .
وقد حفظت حقيقة الوحي، كاتب التكوين من استخدام لغة الديانات الوثنية التي كانت معاصرة له بكل ما فيها من جفاء وفجاجة. ولكنه ظل إنساناً عادياً استخدم عينيه جيداً في وصف كيف أوجد اللـه هذا العالم. وبالمقارنة بين القصص الكتابية عن الخلق والقصة البابلية، نجد بعض وجوه الشبه، ولكن لا يتضح وجود أي صلة خارجية بينهما، فلا يمكن أن تكون قصة الكتاب قد استعارت شيئاً من القصة البابلية، إذ نجد عمقاً وروعة في الأصحاح الأول من التكوين، لا يوجدان في القصة البابلية.
(أ) الأشياء المخلوقة :بدراسة الأصحاح الأول من سفر التكوين، نجد أن أول شيء خلق هو النور، ولابد أنه كان من أبسط ما يلاحظه الإنسان هو تعاقب الليل والنهار بانتظام، وأن النور ضرورة لا غنى عنها للحياة والنمو . ونسأل كاتب سفر التكوين: من فعل هذا هكذا؟ والجواب هو اللـه (تك3:1ـ 5). وكانت الملحوظة البسيطة الثانية ليست فقط رؤية المياه التي من تحت والتي تكوِّن البحار والأنهار والينابيع، بل إن هناك مياهاً من فوق هي مصدر الأمطار وبين الاثنين الجلد (أي الرقيع). فمن فعل هذا هكذا ؟ إنه اللـه (تك 6:1ـ 8). ثم إنه لأمر مألوف أن البحار واليابسة تتوزع في مساحات معينة من سطح الأرض (9ـ10)، وهذا أيضاً من عمل اللـه.ثم لا نجد تفصيلاً لأنواع النباتات، بل لا يذكر الكاتب سوى ثلاثة أقسام عريضة من الحياة النباتية هي العشب (النباتات الصغيرة الغضة)، ويذكر بقلاً يبزر بزراً، وشجراً يعمل ثمراً بزره فيه كجنسه.ولا شك أن الكاتب رأى في هذا التقسيم البسيط ما يغطي كل المملكة النباتية. ثم كانت الملاحظة التالية وهي الأجرام السماوية في الجلد:الشمس والقمر والنجوم (14ـ19)، واللـه هو الذي وضعها في أفلاكها لتعين الأوقات والفصول. ولا نتوقع أن يذكر الكاتب الشهب والكواكب والسُدُم ..الخ. وإذ حوَّل الكاتب نظره إلى الدوائر التي تعيش فيها المخلوقات الحية، لاحظ أن المياه تفيض بزحافات ( أو حيوانات زاحفة) ذات نفس حية (عدد 20)، وأسراب من الطيور والتنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحية الدبابة (عدد 21) دون أي محاولة لوصف الفوارق بين هذه الأنواع المختلفة من الحيوانات البحرية كما يفعل علماء الحيوان الآن، إذ يكفيه أن يقول إن اللـه خلق الحيوانات البحرية صغيرها وكبيرها، كما أنه خلق الطيور على وجه الجلد (20ـ22). وكلمة الطير هنا تغطي كل أنواع الطيور. فمن أين جاءت كل هذه المخلوقات التي تملأ الأرض؟ إن اللـه هو الذي خلقها جميعها.
وبعد ذلك أخرجت الأرض كائنات حية (ذوات أنفس حية ـ 24و25). وقد صنَّفها الكاتب إلى : بهائم ودبابات ووحوش الأرض دون تمييز فصائلها. وواضح أن الكاتب رأى أن هذا التقسيم البسيط يغطي كل الأنواع الرئيسية من الحياة الأرضية بما يفي بغرضه . وأخيراً جبل اللـه آدم الإنسان ( 26 و 27 ) على صورته ، وهي عبارة توضحها العبارة التالية لها : فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض ( 26 و 28 ) . وقد خلق اللـه الإنسان مُركباً ، ذكَرا وأنثى خلقهم ( 27 ) .
( ب ) ترتيب الأحداث زمنياً : تقدم لنا الدراسة الدقيقة لهذا الأصحاح عرضاً مخططاً ، ضغطت فيه أعمال الخليقة في ستة أيام اشتملت على ثمانية أعمال يبدأ كل منها بالقول : وقال اللـه ( تك 3:1 و6و9و11و14و20و24و26 ) ، فكانت الأيام الأربعة الأولى ، من خلق النور والجلد والبحار واليابسة والنباتات والشمس والقمر والنجوم ، إعداداً للأرض لسكنى الكائنات الحية التي خُلقت في اليومين الخامس والسادس ، فالطيور تطير على وجه الجلد ، والأسماك والزحافات تعيش في المياه ، والحيوانات والإنسان على الأرض . كما أنه في كل من اليومين الثالث والسادس خلق اللـه شيئين اثنين . أما اليوم السابع ففيه استراح اللـه من جميع عمله الذي عمل اللـه خالقاً (3:2) فهو يريد أن يقول لنا إن الراحة لخليقته يجب أن تكون يوماً واحداً في كل سبعة أيام .
والتأكيد في هذا الأصحاح هو على قال اللـه، فكلمة اللـه هي التي خلقت من الخراب والفوضى ، عالماً جديداً بهيجاً ، فخلق النور من الظلمة ، والحياة من الموت . والكلمة قال هنا هي في العبرية أمر أي أن الخليقة كانت نتاج إرادة اللـه الذاتية وأمره .
( ج ) معنى يوم : لقد سببت كلمة يوم صعوبة أمام البعض . ولكن كلمة يوم - في الكتاب المقدس - لها معانِ عديدة . ففي أبسط معانيها تعني يوماً من 24 ساعة ، ولكنا نقرأ : أن لرب الجنود يوماً على كل متعظم وعالِ وعلى كل مرتفع فيوضع .. ويسموا الرب وحده في ذلك اليوم .. في ذلك اليوم يطرح الإنسان أوثانه .. ( إش 12:2 - 20 ) أي أن كلمة يوم تطلق على كل زمن الدينونة . كما تطلق كلمة يوم على فترة زمنية ممتدة : اليوم إن سمعتم صوته ، فلا تقسوا قلوبكم ( مز 8:95 ، عب 7:3 و8و15 ، 7:4 ) . كما يقول موسى رجل اللـه إن ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس ( مز 4:90 ، انظر 2بط 8:3 ) .
ويصر البعض على أن اليوم هو 24 ساعة وأن الخليقة تمت في ستة أيام فعلاً ، ولكن هذا الرأي لا يتفق مع الحقائق الجيولوجية ، كما أنه يستبعد أن تكون اللغة مجازية ، أو مرتبة على أساس مخطط .
ويقول آخرون إن اليوم هنا يمثل فترة طويلة ويحاولون الربط بين هذه الأيام وبين العصور الجيولوجية . ولكن هذه العصور الجيولوجية وتعقبها عرضة للتغيير باختلاف وجهات نظر العلماء وما يمكن أن يكشف عنه العلم في المستقبل . ولكن إذا افترضنا أن الأصحاح الأول من سفر التكوين ليس القصد منه أن يعطينا صورة حرفية بل مجازية ، وأن هدفه هو أن يؤكد لنا أن اللـه هو الذي خلق كل شىء ، لتجنبنا كل هذه التخمينات والافتراضات .
وهناك مشكلة في تفسير عبارة وكان مساء وكان صباح ولعلنا لا نعلم قصد الكاتب تماماً ، ولكن هناك جملة افتراضات منها أنها إشارة إلى أسلوب اليهود في حساب اليوم ، من غروب الشمس إلى غروبها التالي ، أي من المساء وما يعقبه من نهار إلى المساء التالي . أو أن المساء يعني فترة من الزمن انتهت بشروق النور عندما خُلق النور ، بينما يعني الصباح - الذي يعقبه - بداية يوم جديد ونهاية فترة الليل من يوم سابق ، وهي افتراضات متعارضة ، وتدل على الغموض الذي يحيط بالعبارة .وحاول بعض الكتَّاب التغلب على هذه المشكلة بافتراض أن الخليقة أعلنت للكاتب في ستة أيام ، وليس أنها تمت في ستة أيام ، فقد أعلنت للكاتب ست رؤى في ستة أيام ، رأى في كل واحدة منها عملاً من أعمال الخليقة ، وبدأ وصف كلاً منها بالقول : وقال اللـه وختمها بعبارة وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً .
إن الهدف الأساسي من قصة الخليقة في الأصحاح الأول من سفر التكوين هو التأكيد على أن اللـه هو الخالق لكل الأشياء بكلمة قدرته.
( د ) سفر التكوين والعلم : لقد تناول الكثيرون موضوع العلاقة بين الأصحاح الأول من سفر التكوين والعلم . وقد حاول بعض العلماء اكتشاف الصلة بين العلم والكتاب المقدس ، فحاولوا التوفيق بين الأطوار الجيولوجية وما جاء في سفر التكوين في ترتيب زمني يستلفت النظر . ويرى البعض أن عبارة كجنسه تدحض تماماً نظرية التطور . ولكن الأمر المؤكد هو أنه كيفما وجدت الحياة ، فالله هو الذي أوجدها .
ويرى البعض في عبارة : وكانت الأرض خربة وخالية ( تك 2:1 ) أن الأرض قد خلقت كاملة ، ففي الماضي السحيق الذي لا يدرك خلق اللـه السموات والأرض ( تك 1:1 ) ، ثم حدث ما جعلها خربة وخالية ثم بعد زمن لا يعلم مقداره ، أعاد اللـه تنظيمها . وهذه الفجوة الطويلة من الزمن تسمح بوجود عصور جيولوجية مديدة قبل حدوث الكارثة التي جعلت الأرض خربة وخالية . ولكن لا أساس لذلك كتابياً أو جيولوجياً ، فالكتاب لا يقول : وأصبحت الأرض خربة وخالية - كما يترجمها بعضهم - بل كانت الأرض خربة وخالية .
ويظن بعض الكتَّاب أن الأصحاح الثاني من سفر التكوين يذكر قصة أخرى عن الخليقة تختلف في ترتيبها عما جاء بالأصحاح الأول ، ولكن لا أساس لهذا الظن ، متى أدركنا أن الأصحاحين الثاني والثالث هما جزء متمم لقصة الخلق ، وأن الأصحاح الثاني ليس إلا مقدمة لقصة السقوط، كما أنه يروي بتفصيل أكثر قصة خلق اللـه للإنسان من تراب الأرض ، فالقصة في الأصحاح الثاني ليست قصة ثانية تختلف عن الأولى ، بل هي مكملة لها .
ومهما تختلف الآراء حول تفسير قصة الخلق كما جاءت في سفر التكوين ، فالأمر الذي لا شك فيه هو التوكيد على أن اللـه هو خالق الكون وكل ما فيه .
ثالثاً - النظريات الشرقية القديمة عن الخلق :
لا توجد بين مختلف الأساطير التي وصلت إلينا ، أسطورة تتناول خلق الكون بصراحة ووضوح ، وكل الروايات التي تشير إلى تنظيم الكون وخلق الأنسان وتطور الحضارة تتميز بتعدد الآلهة والصراعات بينها على السيادة ، وهو ما يختلف تمام الاختلاف عن وحدانية اللـه كما هو واضح تماماً في قصة سفر التكوين ( 1، 2 ) .
(أ) سومر وبابل : هناك عدد من قصص الخليقة ترتبط كل منها بموضوع تفوق المدن المختلفة والآلهة التي كانوا يعتقدون أنها استوطنتها أولاً . فكانوا يزعمون أن نبُّور ( Nippur ) كان لا يسكنها سوى الآلهة قبل خلق الإنسان . وقد اختار إنكي (Enki) ... إله الغمر والحكمة سومر، ثم شرع في بناء مدن أخرى منها فردوس دلمون ( Dilmun ) ، وخلق أولاً الأنهار والبرك والأسماك ثم البحر والمطر ، وبعد ذلك زود الأرض بالبذور للزراعة ، كما زودها بالمعول والقالب لصنع الطوب ، فتغطت التلال المرتفعة بالنباتات ، وملأت البهائم والأغنام الحظائر .
وهناك أسطورة أخرى عن فردوس دلمون تذكر أن الآلهة الأم ننهرساج ( Ninhursag ) ولدته بلا ألم أو وجع ، ولكن إنكي إذ أكل بعض النباتات وقعت عليه اللعنة ورقد مريضاً إلى أن عالجته الآلهة نن تاي ( ti -Nin ) التي خُلقت خصيصاً
وقد فكر إنكي وننهرساج في خلق الإنسان من تراب بعد أن قامت معركة قاد فيها إنكي جيوش الخير ضد نامّو ( Nammu ) أي البحر البدائي ، ثم بمعاونة نن ماه (mah-Nin) آلهة الأرض الأم ، خلق الإنسان الضعيف .
وأفضل الأساطير البابلية عن الخليقة هي القصة السومرية عن نشأة الكون المسماة إنوما أيليس ( enuma elis ) وهي الحروف الأولى من العبارة : عندما لم تكن السموات من فوق ، وكذلك لم تكن الأرض من تحت ، كانت هناك تيمات ( Timat - أي الغمر ) و أبسو (أي المياه العذبة - apsu ) ولكن بعد أن وُلد آلهة آخرون ، حاول أبيسو ان يتخلص منهم بسبب ما يحدثونه من ضجيج ، ولكن أحد الآلهة المدعو إيا ( Ea - وهو نفسه إنكي عند السومريين ) قتل أبسو ، فعزمت تيمات على الانتقام ، ولكن قتلها ابن إيا وهو مردوخ إله بابل الذي كتبت القصيدة - أصلاً - للإشادة بفضله . واستخدم مردوخ نصفي تيمات في خلق جلد السماء والأرض . ثم شرع في تنظيم النجوم والشمس والقمر ، وأخيراً في تحرير الآلهة من الأعمال اليدوية ، فخلق مردوخ بمساعدة أمه الجنس البشري من تراب مخلوط بدم كنجو ( Kingu ) الإله المتمرد الذي قاد قوات تيمات .
وليس هناك من وجوه شبه بين هذه الأسطورة وقصة الخلق في سفر التكوين سوى ذكر الغمر ( تك 2:1 ) ، وراحة الآلهة بعد الخلق وتقسيم عملية الخلق إلى ستة أقسام فرعية .
وهناك ملاحم كثيرة تدور حول الخليقة ، تختلف في تفاصيلها ، فتقول إحداها أنه عندما كان البحر يغطي كل الأرض ، خُلقت الآلهة ، وبنيت مدينة بابل ، فصنع مردوخ حصيرة من القصب ( الغاب ) فوق المياه ، وعليها خلق هو وأمه أرورو الإنسان ، وبعد ذلك خلق الوحوش والأنهار والأعشاب والأرض والحيوانات المستأنسة . وهناك أسطورة أخرى تنسب خلق السموات لآنو وخلق الأرض لإيا ثم خُلق الإنسان لخدمة الآلهة .
( ب ) مصر: بين عدد من الإشارات إلى الخليقة تصف إحداها ( وترجع إلى 2350 ق.م . ) عمل الإله أتوم الذي ولد آلهة على تل بدائي فوق مياه كاوس ( أي الخراب والفوضى ) .
ثم قام أتوم - الذي خُلق ذاتياً - بتنظيم العالم ، ومن وسط الغمر المظلم عَّين مواضع ووظائف للآلهة الآخرين بما فيهم أوزريس ويروي كهنة ممفيس وكذلك كهنة طيبة روايات متعددة عن كيفية وجود مدنهم وآلهتهم ، فيقولون مثلاً إن الإله بتاح هو الذي فكر في الخليقة وأوجدها بكلمته وهو ما يوجد أيضاً في النصوص السومرية .
وهناك أسطورة أخرى تنسب إلى رع إله الشمس النصرة على أبوفيس إله العالم السفلي ، وأن الجنس البشري خُلق من دموع رع . وأن جميع الناس قد خلقوا متساويين في الفرص للاستمتاع بالضروريات الأساسية في الحياة .
ونلاحظ أنه في كل بلاد الشرق القديم ، كان هناك مفهوم الخلاء المائي ( وليس الخراب ) والظلمة ، وأن الخليقة كانت عملاً إلهياً من العدم ، وأن الإنسان قد خلق بتدخل مباشر من الآلهة لخدمة الآلهة .
ولكن قصة سفر التكوين بوضوحها ووحدانية الله فيها ، تقف فريدة ، تسمو على كل ما سواها ، فليس هناك صراع بين الآلهة أو محاولة لاثبات تفوق مدينة معينة أو جنس معين .
( ج ) اليونان القديمة : لم يكن الآلهة - عند قدماء اليونان - هم المسئولون عن خلق العالم ، بل بالحري كانوا هم أنفسهم مخلوقين أو مولودين من آلهة أو قوى غامضة في عصور موغلة في القدم ، وحلوا محلهم . ويقول هسيود ( Hesiod ) في كتابه أصل الآلهة أن كاؤس (الفوضى ) وجدت أولاً ، ثم وجدت الأرض التي حبلت من السماء وأصبحت أم الكل. وكانوا - في الحقيقة - يعتقدون في عملية تطور أوتوماتيكي عن طريق الإنجاب من بدايات مجهولة ، وحاول الفلاسفة تصويرها بطرق مختلفة . وقد نسب الأبيقوريون كل شيء للاتحاد بين الذرات بالصدفة . أما الرواقيون - الذين كانوا يعتقدون بوحدة الوجود - فزعموا وجود لوجوس أو مصدر مجهول للعالم .
ولاسطورة أورفيوس ( orpheus ) أهمية خاصة - وإن لم يكن معتنقوها كثيرين - وترجع أهميتها إلى أن البعض رأو فيها شبهاً بالمسيحية . والخالق في هذه الأسطورة هو فينس (phanes ) الذي خرج من بيضة . وبعد أن خلق الكون ورجال العصر الذهبي ، تقاعد ثم اختفى إلى أن ابتلعه هو وكل خليقته ، حفيده زيوس ، ثم أعاد زيوس خلق العالم الكائن . أما رجال الجنس الحاضر فقد خرجوا من بقايا التيتان ( Titans ) الذين قتلوا وأكلوا ديونيسيوس ابن زيوس وهكذا أصبح فيهم عنصراً الشر والخير . ولكن زيوس أعاد ديونيسيوس إلى الحياة . وكثيراً ما يخلطون بينه وبين فينس .