كلمة منفعة
قال الرب في العظة على الجبل "لا تقاوموا الشر" (مت 5: 39).
— لا تقاوموا الشر

مزمور

مزمور، سفر المزامير 2
حجم الخط
مزمور- سفر المزامير
يذكر "جي. هـ. رافن" (J. H. Raven) أكثر من عشرين مزموراً قومياً ارتبطت كتابتها بأحداث جرت في حياة بني إسرائيل كشعب (وهذه المزامير هي: 14، 44، 46، 47، 48، 53، 66، 68، 74، 76، 79، 80،83، 85، 87، 108، 122، 124، 125، 126، 129). وهناك أربعة مزامير أخري تعتبر تاريخية مفصلة حيث تتبع معاملات الرب مع شعبه في الماضي (وهي: 78، 81، 105، 106)، فيبدا مزمور "105" مثلاً بالبركات المادية التي منحها الله لإبراهيم، ورعايته له (مز 105: 6, 9). إلا أنها تبدأ -في مجموعها بصفة عامة- بالخروج من مصر (80: 8) والضربات العشر (مز 78، 105: 23- 36)، وعبور البحر الأحمر (مز 66: 6، 74: 13، 78: 13)، وقيادة الله لشعبة عبر البرية (مز 78: 14- 29). كما تتحدث عن كنعان أرض الموعد (مز 105: 11) وعن انتصار بني إسرائيل (مز 44: 2, 3) وعن القضاة (مز 83: 9) وعن إهمال الشعب لوصايا عهد الرب (مز 78: 10, 37)، وكانت النتيجة هي حلول المصائب والكوارث، كما حدث في شيلوه (مز 78: 60- انظر 1 صم 4، إرميا 7: 12). ثم وقع اختيار الرب علي سبط يهوذا من بين أسباط إسرائيل (مز 66: 1, 2، 78: 68). ومن سبط يهوذا اختار الله داود ملكاً علي إسرائيل وراعياً لهم، وليصبح جداً للمسيح (مز 78: 70- 72).
وتصف المزامير القومية الحالة المعاصرة للعبرانيين، وكيف أن الرب إله إبراهيم (مز 47: 9)، وإله يعقوب (مز 46: 7)، وإله الأسباط الاثني عشر (مز 108: 7, 8)، وهو الملك في إسرائيل (مز 44: 4). وهو في وسط شعبه (مز 46: 5)، ولهم وعن جانبهم (مز 124: 1, 2) إلا انه كان هناك- في المقابل- واجب علي الشعب (مز 44: 8، 79: 13) أن يحمدوا الرب وأن يطيعوه (مز 44: 17)، والتقصير في ذلك يجلب الألم والمعاناة (مز 14: 4, 5)، بأمر من الله نفسه (مز 44: *9- 14، 80: 4)، إلا أن شعب إسرائيل كان يزعم أنه لا يزال يتمسك بمواعيد العهد: "هذا كله جاء علينا وما نسيناك ولا حُناَّ في عهدك" (44: 17)، مطالباً الله ان يذكر عهده: "انظر إلي العهد" (مز 74: 20)، ويسعي إلي أن يسترد وضعه. "عند رد الرب سبي شعبه" (مز 14: 7)، وانم يضع الله حداً لأيام المشقة والضيق، ولكن لن يتحقق ذلك إلا إذا رفعت الخطية وغفرت لهم (مز 79: 9، 85: 3,2).
وكذلك تناولت المزامير- في الصورة التاريخية التي تعرضها- مستقبل إسرائيل، فتتحدث بعض المزامير عن عناية الله العجيبة بعد السبي: "عندما رد الرب سبي صهيون … حينئذ امتلأت أفواهنا ضحكاً وألسنتنا ترنماً" (مز 126: 1-3). "لأن الله هذا هو إلهنا إلي الدهر والأبد" (مز 48: 14)، والله يذكر عهده الأبد (مز 105: 8- 10، 106: 45). وقد عبرت المزامير بكل وضوح عن رجاء إسرائيل، فيما يعرف باسم "أغاني صهيون" (مز 48: 84، 87، 122). وصهيون هنا تتعدي معناها الضيق- أورشليم ومقادسها- لترمز لحالة البشر في المصالحة الروحية مع الله (مز 87: 5- 7)، كما تتخطي حدود اليهودية لتصبح مدينة عالمية بالنسبة إلي "الصالحين وإلي المستقيمي القلوب" (مز 125: 4). كما ان هذه المزامير التاريخية تتوقع مملكة أرضية تتحقق بانتصار الله النهائي في أواخر الأيام: "يخضع الشعوب تحتنا والأمم تحت أقدامنا" (مز 47: 3، انظر ايضاً 44: 58، 68: 23)، وستكون مملكة عدل حيث "يوجد إله قاض في الأرض" (مز 58: 11)، يرجع فيها شعب إسرائيل إلي الله: "يالله أرجعنا وأنر بوجهك فنخلص" (مز 80: 3, 7, 19). وحينئذ يتحقق الانتصار الأدبي مع الانتصار المادي: "الحق من الأرض ينبت والبر من السماء يطلع…" (مز 85: 11- 13). وفي النهاية يصل التاريخ إلي ذروته، حين يتحدث عن أورشليم الجديدة (انظر رؤ 21: 22) الأبدية (مز 48: 8, 11)، وإليها تأتي كل شعوب الأرض لتسجد لله (مز 66: 4, 68 : 29 - 32) وهكذا يتحقق القصد من إسرائيل في أن يكون وسيطاً لخلاص كل العالم (مز 83: 18، 106: 8).
(3) مزامير اجتماعية: والمزامير الاجتماعية وثيقة الصلة بالمزامير التاريخية، وهي تتحدث عن أصل البشر وطبيعتهم وحالتهم، والهدف الأخلاقي والمصير النهائي لهم. وهذه القصائد الاجتماعية إمَّا أغان من النوع المعروف بمزامير التضرع والابتهال. ومع أنه يمكن أحياناً اعتبار الجنس البشري عنصراً أخر من عناصر الطبيعة- مع الوحوش والحيوانات (مز 104: 14)، إلا انه يشكل أيضاً خليقة خاصة لله (مز 100: 3). فقد وهب الله آدم السيادة علي العالم (مز 8: 5, 6) إلا أنه منذ سقوطه في عدن ، أصبح أمر السيادة علي العالم لا ينطبق إلا علي المسيح، آدم الأخير" (1 كو 15: 45، انظر عب 2: 6- 8). وبالإضافة إلي ذلك، فإن كل إنسان من خليقة الله، ينال- كفرد مستقل- من الله حياة جديدة من الرحم (مز 139: 13، انظر أي 31: 15) رغم أن مسار كل حياة مكتوب منذ الأزل في سفر الله: "وفي سفرك كلها كتبت" (مز 139: 16)، حتي إن داود يؤكد قائلاً "في يدك آجالي" (مز 31: 15).
ويؤيد سفر المزامير ما تقرره سائر الأسفار الكتابية من ازدواجية الإنسان: جسده الترابي (مز 103: 14) الضعيف الفاني (مز 78: 39) ومع ذلك له قيمته لما امتاز به من عجب (مز 139: 14)، وكيانه الروحي (النفس) المخلوق علي صورة الله (مز 8: 5). وقد تستخدم كلمة "روح" أحياناً للتعبير عن السلوك (مز 78: 8، 142: 3) أو نسمة الحياة كما في الحيوانات (مز 104: 29, 30، 146: 4)إلا أنها في الأغلب تعبر عن "الروح الخالدة" مز (31 :5 )أي الجزء الأسمى من الإنسان في (مز 77: 3, 6، 143: 4, 7)، ولكنها تحيا إلي الأبد مع الله (مز 41: 12، 102: 26- 28).
ورغم أن الإنسان يبدو قليل الأهمية إذا قورن بالزمن اللانهائي (مز 103: 14, 15) أو بالفضاء (مز 8: 3, 4)، إلا انه هام بالنسبة لله، (انظر مز 8: 1, 2, 9)، وطالما يتحد الإنسان بالمسيح (رو 5: 17) فإنه يستطيع أن يعتبر المزمور الثامن مزموراً خاصاً به، فالنفس المعذبة- إذاً- هي في أمان: "بسلامة أضطجع بل أيضاً أنام، لأنك أنت يارب منفرداً في طمأنينة تسكنني" (مز 4: 8)، كما تعيش النفس التي نالت الفداء في ثقة (مز 25: 13)، وفي سعة ورحب (مز 31: 8)، كما تجد عوناً أبدياً في الله: "ألق علي الرب همك فهو يعولك. لا يدع الصديق يتزعزع إلي الأبد" (مز 55: 22).
ومن هذه الخبرة تأتى مزامير الاعتراف أو الحمد والشكر، فكلتا الكلمتين (الحمد والشكر) مشتقتان من أصل عبري واحد، فهما تقدمة شكر، ويمكن تقديمهما في عمل واحد من أعمال العبادة: "أدخل إلى بيتك بمحرقات، أوفيك نذوري" (مز 66: 13)، "فلك أذبح ذبيحة حمد وباسم الرب أدعو" (مز 116: 17). وعادة ما يبدا المزمور بمقدمة يعبر فيها المرنم عن الشكر لله. "أحببت لأن الرب يسمع صوت تضرعاتي" (مز 116: 1)، أو يدعو فيها الآخرين للتعبير عن ذلك: "احمدوا الرب لأنه صالح لأن إلي البد رحمته" (مز 107: 1-3). ثم يستعرض المزمور ظروف المرنم متضمنة- غالباً- اعترافه باحتياجه: "اكتنفتني حبال الموت، أصابتني شدائد الهاوية، كابدت ضيقاً وحزناً…" (مز 116: 3, 4, 10, 11) كما تتضمن إبداء العرفان بالجميل: "الرب حنان وصديق وإلهنا رحيم…" (مز 116: 5- 8, 12, 15, 16). واحياناً تتضمن العزم علي دعوة الآخرين إلي مثل هذا الاختبار: "وباسم الرب أدعو" (مز 116: 13, 14, 17, 18, 19- انظر أيضاً مز 107: 8, 9, 15, 16, 21, 22). وقد يؤول هذا الأمر الأخير إلي نوع من المزامير التعليمية ، كما في مزمور 34: 6- 16، وقد ينتهي المزمور أحياناً بنفس فكرة المقدمة (انظر 107: 1, 43).
إن غاية الإنسان بل وكل الخليقة هي تمجيد الله ( مز 104: 31) وبخاصة في العبادات والسجود (مز 95: 6)، والتسبيح (مز 43: 4، مز 150 بخاصة)، والفرح بناموس الله (مز 1: 2، 4: 7، مز 119بخاصة)، والابتهاج بالوجود في هيكل الله (مز 15: 1، 27: 4، 43: 3، مز 87 بخاصة). والإنسان في حياته علي الأرض غريب ونزيل عند الرب (مز 39: 12) ولكن هدفه هو أن يبلغ إلي حياة القداسة (مز 51: 6, 7) في مخافة الرب. ومن ثم تقدم المزامير الاجتماعية معياراً للأخلاق الشخصية المبنية علي مخافة الله، فشعب الله يطيعون الله لأنهم شعبه وغنم مرعاه (مز 95: 7، 100: 3)، ويتحقق هذا بمداومة النظر إلي الله: "جعلت الرب أمامي في كل حين، لأنه عن يميني فلا أتزعزع" (مز 16: 8). وهكذا تنطبع صورة الله الأدبية علي حياتنا (مز 24: 3، 4)، ويتطلب هذا أخذ موقف الاتضاع نحو الذات: "يارب لم يرتفع قلبي ولم تستعل عيناي" (مز 131: 1, 2)، وموقف الاستقامة من نحو الآخرين (مز 15)، الأمر الذي ينال عنه الجزاء من الله (مز 11: 6, 7). والمطالبة بهذا الجزاء أدت -أحياناً- علي توجية النقد لكثيرين من المرنمين، وبخاصة داود، بسبب ما يبدو في ذلك من تأكيدهم علي برهم الذاتي: "يكافئني الرب حسب بري" (مز 18: 20، انظر أيضاً مز 7: 3، 17: 1). ولكن يمكن فهم هذه العبارات بصورة أفضل باعتبارها استنكاراً للتهم الخاصة التي وجهت إلي داود كذباً، أو باعتبارها تأكيداً لاخلاص الملك وتكريسه للرب إلهه.
ومن الصفات الخاصة التي تتغني بها المزامير الاجتماعية: "الأمانة" ( مز 101: 7) لأن الغش شر عظم كاللعنة (مز 10: 7). و "الصدق" (مز 15: 2، 24: 4)، فهناك مزامير بكاملها تتحدث عن شر الكذب (مز 12، 52، 120)، فيجب أن يحذر الناس من أحاديث الافتارء والوشاية (مز 15: 3)، كما ينبغي أن يكونوا حذرين في أقوالهم وعهودهم (مز 15: 4)، "لتكن أقوال فمي وفكر قلبي مرضية أمامك يارب صخرتي ووليّي" (مز 19: 14). و" الصداقة" هي موضوع الاخوة في المزمور "133"، ولكنها لا تعني الموافقة بدون تمييز (مز 15: 4)، ويجب أن تمتد المحبة- كالمحبة الزوجية في المزمور "45"0-إلي الآخرين لتشمل حتي الأعداء (مز 7: 4). وفيما يختص بأخلاق المجتمع، تركز المزامير- من الناحية الاجتماعية- علي أمور السياسة، ربما انعكاساً لكتابة الملك الكثير من هذه المزامير. وتعد "العدالة" من أعظم الأمور شأناً (مز 82 بخاصة). وتدين هذه المزامير "الرشوة" (مز 15: 5)، كما يصلي الملك طلباً "للحكمة" في أحكامه (مز 72: 1- 4)، ويتقدم المزمور الثاني والسبعون ليتحدث عن "الرحمة" (مز 72: 12- 14 وهي تختص بالمسيا-انظر أيضاً مز "41"). كما أن "السلام" مطلب ثمين (مز 120: 6، 7)، وذلك رغم الحماسة الواضحة للحرب في العديد من المزامير (مثلاً: مز 18: 34- 42).و"التقوي" هي هدف الأمة (مز 33: 12) ويعتبر المزمور العشرون ذا أهمية خاصة لأنه خرج من فم داود الملك المحارب، فهو يقول: "هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل، أما نحن فباسم إلهنا نذكر" (مز 20: 7).
أما اقتصاديات المجتمع، فرغم أنها تجد اهتماماً أكبر في سفر الأمثال، فإن المزامير لا تتجاهلها، فداود يعارض الربا، وذلك في إطار اهتمامه بالفقراء، وإصراره علي ضرورة تسديد الديون: "فضته لا يعطيها بالربا، ولا يأخذ الرشوة علي البريء. الذي يصنع هذا لا يتزعزع علي الدهر" (مز 15: 5، 37: 21).
والمبدأ الاجتماعي الأساسي في المزامير هو "البر" (مز 1: 4- 6) مع التأكيد علي جزائه (مز 37: 25). كما اضطر أيوب إلي الدخول إلي أعماق النفس لفحصها، بسبب الآثام في الحياة، يواصل سفر المزامير المسيرة خلال سلسلة من التفسيرات لعدالة الله (مقابل مشكلة الشر)، وهي تتمثل في أربعة مزامير، ففي المزمور "37" نجد المجازاة سريعة (37: 1-3)، أما في مزمور "73" فالمر أعمق (مز 73: 12- 14) حتي أدرك آساف- كاتب المزمور- "آخره الأشرار… وكيف صاروا للخراب بغتة" (73: 17- 19)، أما الأبرار فيأخذهم الله "إلي مجد" بعد الموت (73: 24). وفي المزمور "49" يترنم بنو قورح برجاء الحياة بعد الموت: "إنما الله يفدي نفسي من يد الهاوية لأنه يأخذني" (49: 14, 15). ويقول داود في المزمور السابع عشر إنه لن يصيبه ضرر من "أهل الدنيا (الذين) نصيبهم في حياتهم" (17: 14) "أما أنا فبالبر أنظر وجهك. أشبع إذا استيقظت بشبهك" (17: 15).
(4) مزامير اللعنة: إلا انه في مواضع أخري لا يبدي سفر المزامير مثل تلك اللامبالاة بفشل المجتمع الإنساني في تحقيق البر، ومن هنا جاءت بعض المزامير التي تعبر عن "لعنة" أو "توبة" حسب مصدر الفشل. فإن كان المصدر هو الغير، فهي مزامير لعنة، أما إذا كان الفشل من المرنم نفسه فهي مزامير توبة.
ويمكن تعريف مزامير اللعنة، بأنها صلوات لأجل هزيمة الأشرار والإطاحة بهم. وتظهر مثل تلك المزامير في الكتب الخمسة من السفر، ولعل أهمها هي المزامير 35، 69، 109، 137، مع وجود بعض العبارات المماثلة في مزامير أخري (انظر المزامير 5،7، 28، 54، 55، 58، 59، 79، 83، 101، 139)، وأشهرها مزامير لداود، ولكن إرميا اضطر- بعد ذلك بأربعة قرون- (إرميا 15: 15، 7: 18، 18: 21-23، 20: 12)، ونحميا فيما بعد السبي (نح 6: 14، 13: 29) إلي استخدام عبارات قوية في هذا المعني . وهناك أقوال من هذا القبيل في العهد الجديد (غل 5: 12، 2 تي 4: 14، رؤ 6: 10).
ويميل العلماء من ذوي الميول اللاهوتية المتحررة، إلي إدانة مثل هذه اللعنات:" يجب النظر إلي هذه اللعنات باعتبارها تنتمي إلي تدبير العهد القديم …إنها تنتمي إلي روح إيليا وليس إلي روح المسيح. فهي تستخدم لغة العصر الذي كان الناس فيه يتعلمون أن يحبوا أقرباءهم وأن يبغضوا أعداءهم (مت 5: 43). ولكن العبارة الواردة في إنجيل متي (5: 43) من الواضح أنها تدين التقليد غير الكتابي الذي نشأ في اليهودية في الفترة بين العهدين، إذ كان التقليد ينادي ببغضة الأعداء (كما يتضح من بعض الوثائق التي وجدت في كهوف قمران)، أما العهد القديم نفسه فلا ينادي بمثل ذلك (انظر خر 23: 4, 5، لا 19: 17, 18). ويجب ملاحظة ثلاثة أمور: أولها أن هذه المزامير، وغيرها من العبارات في الأسفار الأخري، التي تبدو قاسية، لم تصدر عن انفعال وتهور عاطفي، لكنها كتبت بعناية، كما إنها صلوات وترانيم مرفوعة لله بضمير صالح، وهي أيضاً ليست نتاجاً بشريا ولكنها موحي بها من الروح القدس.
وإليك المبررات لهذه العبارات التي سجلها الوحي:
(أ)عبارات شعرية: تبدو في صورة عابرة أو فيها نوع من المغالاة، كما في "لكي تصبغ رجلك بالدم" (مز 68: 21, 23، انظر أيضاً مز 58: 10). وافناء الله للأعداء ليس سوي أسلوب شعري لتدميرهم بأيدي أناس قساة. وتعليقاً علي الصلاة إلي الله في المزمور 137: 9، انظر كلام الرب إلي إرميا عن اليهود: "وأحطمهم الواحد علي أخيه" (إرميا 13: 13, 14) والذي حدث فعلاً وتاريخياً، أن الذي حطم رأس الواحد علي أخيه هم الأعداء من البشر وليس الله نفسه.
(ب) مقت الخطية: إن ما يعلنه العهد القديم- بالضرورة- هو شناعة الخطية (نا 2: 19)، وعندما يدين العهد القديم الإنسان ويوبخه (كما في مزمور 50: 21)، فذلك لأن عقوبة الخطية تتضمن- بالضرورة- الخاطيء نفسه "باكراً أبيد جميع أشرار الأرض لأقطع من مدينة الرب كل فاعلي الاثم" (مز 101: 8، 139: 21).
(جـ) ترك الانتقام لله: "لي النقمة والجزاء… إن يوم هلاكهم قريب" (تث 32: 35, رو 12: 19). وهناك مثل تاريخي لذلك، فقد خطط الإنسان للانتقام (1 صم 25: 22)، لكنه أخيراً ترك النقمة والمجازاة لله (1 صم 25: 32، 35)، فأجري الله الانتقام (1 صم 25: 36- 39). ويعِّلمنا المزمور السابع والثلاثون بأن نسلم الخطاة ليدي الله لينفذ فيهم عدالته (مز 37: 8, 9، انظر أيضاً مز 104: 34, 35، 58: 11).
(د) أهداف إيجابية وراء الدفاع الخاص: اشتهر داود بالطريقة التي صفح بها عن شاول الملك مراراً، كما انه يبدي عدم تعطشه للانتقام (مز 109: 2- 5) ولكنه رغم ذلك، يستنزل- في غيرته علي مجد الله- اللعنات علي الأشرار دفاعاً عن بر الله، وقد يتضمن ذلك الدفاع عن نفسه: "وتبصر عيني بمراقبي. وبالقائمين علَّى بالشر تسمع أذناي" (مز 92: 11, 15، انظر أيضاً 54: 7). وهذا التبرير لاستنزال اللعنة، ينطبق بصفة خاصة علي داود- الذي مسحه الله- فقد قال داود: "يري الصديقون ويخافون" (مز 525: 6)، كما يتضمن الدفاع عن الله دفاعاً عن أمته، كما في الصلاة المرفوعة ضد أعداء شعب الرب: "علي شعبك مكروا مؤامرة…عليك تعاهدوا عهداً" (مز 83: 3-5، انظر أيضاً مز 137: 8).
(هـ) نبوات عن موقف الله من الخطية: إن نفس اللعنات المذكورة في المزامير قد تتكرر في مواضع أخري من النبوات.وقد تكون صورة الفعل في اللغة العبرية شديدة الغموض، فلا نعرف إن كان في صيغة المضارع كما في: "أما العادلون إلي طرق معوجة فيُذهبهم الرب مع فعلة الإثم". (مزمور 125: 5) أو في صيغة الطلب، أي "ليت الرب يذهبهم". وهناك عدة نبوات تبدو أشبه باللعنات (انظر مز 145: 20، مت 13: 49, 50، يو 5: 29).
من هذا كله يمكن أن نخلص إلي أن المزامير التي تستنزل اللعنة هي في حقيقتها أمثلة قوية لغيرة الإنسان دفاعاً عن عدالة الله. فكما يقول "و. ت. دافيسون" (W.T. Davison): "قد يكون من المفيد أن ندرك أن رجال العهد القديم- في غيرتهم وبساطة تقواهم- كان فيهم غيظ صائب ضد الشر، كان يحسن بالأجيال المتأخرة الضعيفة الواهنة أن تحذو حذوهم. إن القول: "يا محبي الرب ابغضوا الشر" (مز 97: 10) لهم دعوة قوية لا تقتصر علي جيل واحد، ولكنها تصلح لكل زمان".
(5) مزامير توبة: يرتبط بمزامير استنزال اللعنات علي أخطاء الآخرين، نوع آخر من المزامير، هي مزامير التوبة عن أخطاء المرنم نفسه، وكلا النوعين يتضمنان تضرعات للرب يهوه، ويضمهما البعض معاً في قسم واحد تحت اسم "المراثي". وتشكل هذه المراثي جزءاً كبيراً من سفر المزامير. وتشمل مواقف وأوضاع تمتد من المرض الخطير إلي الاتهامات القانونية، إلا الهزيمة العسكرية والكوارث الطبيعية. إلا أن أبرز هذه المزامير هي مزامير التوبة السبعة (6، 32، 38، 51، 102، 130، 143) بما فيها من اعتراف بالذنب أو علي الأقل بالحاجة إلي نعمة إلهية (والمزموران السادس والمائة والثاني لا يشيران صراحة إلي خطايا كاتبيهما).
ولكي نفهم هذه المزامير جيداً، يجب أن ندرك تركيزها علي حقيقة معصية الإنسان وشمولها لكل الجنس البشري. "إن كنت تراقب الآثام يارب، يا سيد فمن يقف؟" (أي من يثبت محضرك؟- مز 130: 3- انظر أيضاً مز 14: 3، 143: 2). إن ذنب البشرية ذنب متأصل (مز 51: 5، 58: 3) مع أن سفر المزامير لا يبحث بحثاً منطقياً في موضوع الخطية الأصلية، إلا أن بها عبارات واضحة علي أن الخطية هي أساساً ضد الله: "إليك وحدك أخطأت والشر قدامك عينيك صنعت" (مز 51: 4)، فهي انتهاك لإرادة الرب (مز 78: 17- 19)، بل إن الألفاظ المستخدمة عن الخطية- كما في الأعداد الأولي من المزمور الحادي والخمسين- تحدد طبيعتها كانحراف خطير عن ناموس الله. فالكلمة العبرية المترجمة "معصية" (مز 51: 1) معناها الحرفي هو "العصيان"، والكلمة العبرية المترجمة "إثم" (مز 51: 2)، معناها الحرفي "انحراف" أو "التواء"، والكلمة المترجمة "خطية" (مز 51: 2) تعني حرفياً: "أخطأ الهدف"، وكلمة "الشر) (مز 51: 4) تعني حرفياً إزعاج عنيف أو ضوضاء شديدة. وينتج عن هذه الانحرافات عجز الإنسان عن أن يدرك خطيته أو يعرف إثمه (مز 19: 12، 40: 12)، ولكن الله يتبرر في حكمه وقضائه (مز 51: 4)، بل قد يضطر أيضاً للعمل، حتي ليطرح الإنسان بعيداً في غضب الله (مز 102: 10, 11) إلي الهلاك (مز 73: 27).
لكن الرجاء يكمن في الفداء (مز 130: 3, 4)، فمع أنه لا جدوي من معونة الإنسان (مز 60: 11، 108: 12)، فإن الله يغفر (مز 32: 5، 65: 3) بناء علي عهده الذي أعلنه (مز 111: 19). والثقة في استعادة الإنسان لوضعه، تتوقف علي الرب وعلي أمانته لكلمة وعده (مز 6: 4، 7:25). والخلاص بهذا المفهوم الموضوعي، خلاص قضائي به تمحي الخطايا: "استر وجهك عن خطاياي وامح كل آثامي" (مز 51: 1, 9). وهكذا يُحسب الإنسان باراً: "طوبي لرجل لا يحسب له الرب خطية" (مز 32: 2). أما طريقة غفران الخطية، فهي أن الله "يستر الخطية" (مز 85: 2)، وهو يفدي شعبه الهالك (مز 130: 8، 103: 4). وقد كانت وسيلة الفداء في العهد القديم هي الذبيحة الدموية (مز 51: 19) التي تشير إلي موت المسيا موتاً نيابياً، لأن فيه وحده سبيل الحياة (مز 16: 15).
ويتضمن الخلاص تطهيراً فعلياً إلي جانب التطهير الشرعي (مز 51: 2, 7)، ومن ثم فلابد أن يتحقق تخصيص ذاتي أولاً من خلال عمل التجديد بروح الله القدوس (مز 143: 10). والروح القدس لا يعمل علي حفظ الإنسان من الخطية فحسب (مز 19: 13) لكنه أيضا يبكت عليها (مز 32: 4)، ويختار لنفسه أناساً (مز 65: 4)، ويردهم إليه (مز 23: 3، 80: 3، 85: 4) ويقودهم في طريق أبدي (مز 139: 23, 24). ولابد أن تكون استجابة الإنسان بعد ذلك: سلبية بالتوبة (انظر مزامير الاعتراف، الفردي 32، 51، والقومي- مز 78، 95، 106)، وتشمل التوبة الحقيقية علي الحزن علي الخطية (مز 38: 18)، والاعتراف بها (مز 51: 3، 32: 5)، ولكن علي الأخص إدانتها بقلب منكسر وروح منسحقة (مز 51: 17، انظر أيضاً مز 78: 37).
ثم يخطو التجديد- في العهد القديم- خطوة إيجابية هي اختبار الإيمان (عب 11)، فهو الوسيلة الوحيدة التي بها يستطيع الخاطيء أن يأتي إلي الله (مز 130: 1, 2، 143: 1)، ويتضمن إيمان المرنم موقف الاتكال علي الله (مز 32: 10)، فبالإيمان يلجأ إلي الرب ويتكل عليه: "طوبي للرجل المتوكل عليه" (مز 34: 8)، ويتبع ذلك التماس الرحمة منه (مز 6: 2) في انتظار صابر لله (مز 130: 5, 6، 37: 7). ورغم أن المضمون المعروف من الإيمان قد يكون قليلاً، إلا انه يبدي إلتزاماً واضحاً للإعلان الإلهي، لكلمة الله (مز 19: 7) الذي هو أفضل من الذبيحة (مز 40: 6، 51: 16) مع انه لابد من تقديم الذبيحة بعد ذلك (مز 51: 19).
وتنتهي مزامير التوبة عادة بنغمة تقديس كما يجب أن يحدث في كل اختبار الخلاص: "يذهبون من قوة غلي قوة" (مز 84: 7). وبتعبير آخر، علي أساس سكني الروح القدس وإرشاده وقوته (مز 51: 11) تصبح حياة الإنسان حياة الطاعة (مز 24: 4) التي من نتائجها "بهجة الخلاص" (مز 51: 12)، والهتاف من الأعماق (مز 130) و"السلام" "الذي لا يتزعزع بل يسكن إلي الدهر" (مز 125: 1، انظر أيضاً مز 23: 6، 103: 3, 12).
وتعِّبر "الترنيمة الجديدة" عن مدي الفداء (مز 40: 2, 3)، واخيراً تأتي النجاة المتزايدة من قيود هذا العالم، ثم التمجيد في العالم الآتي (مز 16: 11، 73: 24).
(6) مزامير المسيا: و"المسيا" كلمة عبرية تعني "الممسوح" أي "المسيح" وكانت تطلق في العهد القديم علي ملوك يهوذا (مز 89: 38, 51) الذين كانوا يتولون مناصبهم بعد مسحهم بالدهن المقدس (1 صم 10: 1، 16: 13…إلخ). وكانت تشير بأكثر تحديد إلي الابن الأعظم لداود، ملك إسرائيل الأتي، ومخلصهم في المستقبل (مز 2: 2). كما يصف سفر المزامير الأنبياء أيضاً بأنهم "مسحاء": "لا تمسوا مسحائي، ولا تسيئوا إلي أنبيائي" (مز 105: 15، انظر 1 مل 19: 16). كما كان كهنة إسرائيل أيضاً يمسحون ليكهنوا للرب . أما "عبد الرب" الذي يذكره إشعياء (إش 61: 1)، الممسوح نبياً، فكان يجمع في نفسه أيضاً الرياسة الكهنوتية مع السلطان الملوكي (إش 49: 7، 53: 12). ولما كان يسوع المسيح قد أعلن انه هو "المسيح" (المسيا) إلي جانب عمله كخادم وكملك (لو 22: 37، يو 4: 25, 26)، فمن الأفضل أن نقول إن "مزامير المسيا" هي المزامير التي تتنبأ عن جوانب من شخصية يسوع المسيح وعمله. ويتساءل النقاد المتشككون عن صحة هذا القسم من المزامير، فيزعم "دلتزج" (Delitzsch) أنه لم يجد سوي قصيدة واحدة في سفر المزامير بها نبوات مباشرة عن المسيا، وهي مزمور "110". أما "كين" (cheyne) فينكر وجود أي مزمور يختص بالمسيا. إلا أن المسيح كان صريحاً وواضحاً في أن المزامير تتحدث عنه: "لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسي والأنبياء والمزامير" (لو 24: 44). وتؤيد الأناجيل الكثير من هذه النبوات عن المسيا، ولا شك في أن العهد الجديد قاطع في هذا الأمر، وفي ذلك فصل الخطاب.
ويري البعض أن المزامير المقطوع بأنها مسيا نية، هي ثلاثة عشر مزموراً يمكن تصنيفها علي أساس الشكل أو حسب المضمون. فعلي أساس الشكل تقسم إلي ثلاثة أقسام بناء علي الإشارة إلي المسيا سواء في صيغة المتكلم أو صيغة المخاطب أو صيغة الغائب. أما علي أساس المضمون، فيمكن أن نصنفها حسب الوظائف الثلاث للمسيح: كنبي وككاهن وكملك:
1- فالمزامير الملكية سبعة هي 2، 8، 45، 72، 89، 110، 132.
2- ومزامير الآلام وهي ستة مزامير 16، 22، 40، 69، 102، 109.
3- المزامير النبوية، وهي أجزاء من المزامير السابقة فيتنبأ مثلاً القسم الثاني من المزمور الثاني والعشرين عن المجد العتيد لربنا يسوع المسيح (مز 22: 22- 30، انظر عب 2: 12).
سابعاً: استخدام المزامير:
رغم أن المزامير المائة والخمسين تختلف اختلافاً واضحاً في مضمونها، إلا أنها تستخدم في الصلوات الخاصة و العامة. وتضم عناوين المزامير في الكتب الأول والثاني والثالث عدداً من العبارات الموسيقية باللغة العبرية:
1- الألحان: وهذه المزامير كثيراً ما يسبقها حرف الجر "علي" لتحديد النغمة أو اللحن المعين، مثل: "علي أيلة الصبح" (مز 22). وكذلك "علي لا تهلك" (مز 57إلي 59، 75) في إشارة إلي أغنية الكروم، كما جاء في نبوة إشعياء: "كما أن السلاف يوجد في العنقود فيقول قائل لا تهلكه لأن فيه بركة" (إش 65: 8). كما يوجد لحن "الحمامة البكماء بين الغرباء" (مز 56)، ولحن "موت الابن" (مز 9)، و"علي السوسن" (مز 45، 69)، ولحن "علي السوسن- شهادة" (مز 60، 80). وما زالت هذه الألحان أو الأنغام مجهولة، ويبدو أنها كانت أيضاً مصدر حيرة بالنسبة للترجمة السبعينية في القرن الثالث قبل الميلاد.
2- الطرق: كما تحتفظ عناوين بعض المزامير ببعض التوجيهات الموسيقية، ولا نستطيع الجزم بالمعني الأصلي لها، إلا أنها- في الغالب- كانت تحدد أسلوب الأداء الموسيقي، وهذه الطرق هي: "علي الجوانب" مما يرجح أنها تعني صوتاً عالياً حاداً (مز 1 أخ 15: 20) ولعلها كانت علي النقيض من "علي القرار" (مز 6، 12، انظر 1 أخ 15: 21) أي الصوت الخفيض الغليظ. ومن العناوين أيضاً "علي الجتية" (مز 8، 81، 84)، ولعلها كانت آلة موسيقية من "جت". و "علي العود" (مز 53، 88)، و"علي ذوات الأوتار" (وهي سبعة مزامير: 4، 6، 54، 55، 61، 67، 76 بالإضافة إلي حبقوق 3: 19). وعندما يشير المزمور التاسع والستون إلي "أغاني شرابي المسكر" (69: 12). فيبدو أنه يشير إلي نوع خاص من الأغاني علي آلة من ذوات "النفخ"، مثل المزمار أو الناي (مز 50).
3- وقد ورد اللفظ "سلاه" ومعناه "رفع"، إحدي وسبعين مرة في تسعة وثلاثين مزموراً (كما ورد في حبقوق 3: 3, 9, 13). وهي لا تذكر في العناوين، بل عند نهايات الفقرات (انظر مز 3: 2, 4, 8) ولعلها تشير إلي وقفة درامية للمؤثرات الصوتية، أو تشير إلي الموضع الذي تنشد فيه البركة الختامية (مز 50، 84، 85، 87، 88). وقد وردت عبارة "ضرب الأوتار. سلاه" بمعني وقفة للتأمل (مز 9: 16).
4- لو أخذنا كلمة "العبادة" بمعناها الفني، بأنها الطقوس الخارجية لممارسة الديانة، وبخاصة من جماعة، فإنه ليبدو محتملاً أن العديد من المزامير قد صنع خصيصاً لاستخدامها في هذه العبادات. فعندما جاء داود بالتابوت إلي أورشليم، عين آساف وهيمان ويدوثون- من ثلاث عشائر من سبط لاوي- لقيادة خدمة الموسيقي في العبادة في الهيكل (1 أخ 15: 21). وقد وردت كلمة "إمام المغنين" أو "رئيس المغنين"أي قائد فريق الغناء، خمساً وخمسين مرة في عناوين المزامير (بالإضافة إلي حبقوق 3: 19). وتدل هذه العبارة علي أن هذه المزامير قد نسبت قصداً إلي آساف أو أحد رفقائه لغرض العبادة، كما في "لإمام المغنين ليدوثون" (مز 39- انظر أيضاً مز 39- انظر أيضاً مز 62، 77). وظل المغنون وقادتهم يؤدون دورهم في خدمة الهيكل حتي خراب أورشليم وتدمير في 70 م. وتستخدم المجامع اليهودية-بانتظام- ترانيم وصلوات مأخوذة من سفر المزامير (رغم الاقتصار في دروس القراءة علي أسفار موسي الخمسة وأجزاء من أسفار الأنبياء). وقد أنشد المسيح وتلاميذه أحدى الترانيم (لعلها أحد المزامير من 113- 119) بعد العشاء الأخير (مرقس 14: 26). كما كانت المزامير تشكل جزءاً من خدمة العبادة في الكنيسة الأولي (1 كو 14: 15، اف 5: 19، كو 3: 16).
ثامناً: الحياة الآتية في سفر المزامير:
يقول أيوب: "إن مات رجل أفيحيا؟" (أيوب 14: 24)، فبماذا يجيب سفر المزامير علي صرخة أيوب؟ توجد في المزامير بعض تعبيرات تبدو في ظاهرها أنها تنفي كل رجاء في الخلود السعيد، مثل: "لأنه ليس في الموت ذكرك. في الهاوية من يحمدك؟" (مز 6: 5، انظر أيضاً 30: 9)، "اقتصر عني فأتبلج فلا أوجد" (36: 13)، و"ليس الأموات يسبحون الرب ولا ينحدر إلي أرض السكوت" (مز 115: 17)، فقد كان المرنم يخشي أن تنقطع صلته بالله بالموت. ولكن لنذكر جيداً أن لا احد من شعراء إسرائيل أو الأنبياء أنكر الخلود صراحة، بل إن البعض منهم استمتع باليقين المفرح بحياة مباركة في شركة مع الله الآب في العالم الآتي، فالحياة إلي الأبد في محضر الرب هي ما كان يتطلع إليها كاتب المزمور السادس عشر، وكان يجد في ذلك عزاءه (مز 16: 8-11). كما أن معاينة وجه الله بعد رقاد الموت أفضل من النجاح الدنيوي (مز 17: 13- 15). ويجد كاتب المزمور الثالث والسبعين راحة لفكرة القلق، في يقين الشركة مع الله شركة لن تنقطع، فالله سيأخذه إلي المجد، ونصيبه هو الله إلي الدهر (مز 73: 23- 26). ويري البعض أن المزمور التاسع والأربعين يبلغ الذروة- في العهد القديم- في الإيمان بحياة آتية في المستقبل، فالموت يرعي الذين يتكلون علي الثروة، بينما يفدي الله البار من يد الهاوية، ويأخذ المؤمن إليه (مز 49: 14, 15).
المزامير في العبادة المسيحية:
أولاً: في أيام الكنيسة الأولي:
هناك تباين ملحوظ بين موقف العهدين القديم والجديد من المزامير ويوجب استخدامه في العبادة (مز 68: 4، 96: 2، 1 أخ 9: 33، 15: 27، 16: 9، 23: 30، 25: 1, 7) وكانت مزامير العهد القديم ينشدها نحو أربعة آلاف عازف (1 أخ 23: 5) وهو يعد من أكبر الفرق الموسيقية في التاريخ. أما العهد الجديد فلا يحوي علي مزامير بعينها لاستخدامها في العبادة، كما انه لا يفرض صراحة استخدام مزامير العهد القديم في العبادة المسيحية.
1- استخدام غير شامل: فلقد استخدمت مزامير العهد القديم بصورة واسعة النطاق لكن لم يقتصر الأمر عليها في الأيام الأولي للعهد الجديد، فقد كانت مزامير بإعلان من الروح القدس في كنيسة كورنثوس: "متي اجتمعتم فكل واحد منكم له مزمور، له تعليم، له لسان، له إعلان، له ترجمة" (1 كو 14: 26). وكانت هذه المزامير- بالإضافة إلي الإعلانات- نتيجة المواهب الخارقة التي أعطاها الرب للمؤمنين، ولا يمكن ربطها بمزامير العهد القديم، كما انه لم يُحتفظ بمزامير الكنيسة الأولي، ولو أن بعض المفسرين يعتقدون أن البناء الشعري لبعض الفصول في العهد الجديد قد يدل علي أنها صدي لتلك المزامير (انظر أف 5: 14، في 4: 8، عب 12: 12, 13، تي 3: 16، يع 1: 17).
وليس ثمة دليل علي أن "المزامير والتسابيح والأغاني الروحية" (أف 5: 19، كو 3: 16) تشير علي وجه التحديد إلي سفر المزامير في الترجمة السبعينية، بل تمتد إلي ما هو أبعد من سفر المزامير في العهد القديم. وعلاوة علي ذلك كانت هناك مزامير مسيحية (1 كو 14: 26). كما أن تسبيحات مريم وزكريا والملائكة وسمعان الشيخ، ليس ثمة مبرر لاستبعادها من المقصود في أف 5: 19، كو 3: 16، وليس من المعقول أيضاً أن نفترض أن تحريض الرسول لا يخرج عن نطاق مزامير العهد الجديد في الوقت الذي كان فيه المسيحيون من اليهود، يحفظون سفر المزامير عن ظهر قلب، فيبدو من الأفضل أن نفهم عبارة "مزامير وتسابيح وأغاني روحية" كانت تشمل مزامير العهدين القديم والجديد.
2- عدم حتمية الاستخدام في العبادة: ومن وجهة نظر أخري، فإن هذين الشاهدين الفريدين الشهيرين لا يرتبطان ارتباطاً مباشرة بالعبادة في الكنيسة، فسياق الكلام فيهما يتجه إلي الحياة اليومية، لا علي العبادة الجماعية: "ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة بل امتلئوا بالروح مكملين بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغاني روحية، مترنمين ومرتلين في قلوبكم للرب (أف 5: 18, 19)، فالإشارة ليس إلي عبادة جماعية بل إلي حديث بين أفراد.
وكل هذا يتمشي مع الحرية التي لكنيسة العهد الجديد، ويؤيد الاتجاة بأن كنيسة العهد الجديد ليس عليها فقط واجب الاعتراف بسلطان مزامير العهد القديم، بل لها أيضاً حريتها في استخدام الترانيم المنظومة لسفر المزامير، وكذلك في صياغة ترانيم جديدة تتفق مع الإعلان الإلهي.
ومن جانب آخر،لو أن الكنيسة ليس لها حرية صياغة أغاني روحية للعبادة الجماعية، في ظل عدم وجود أي وصية باستخدام مزامير العهد القديم دون غيرها، فلن يكون لها بالتالي حرية صياغة العظات والصلوات التعبدية، بل تكون ملزمة باستخدام النصوص الكتابية، وتستبعد تماماً الترجمات الشعرية لسفر المزامير، وتستخدم الترجمة الحرفية لها.
3- أهميتها الأساسية: ورغم أن العهد الجديد هو عهد الحرية فيما يتعلق بالعبادة المسيحية، ووجود مبادئ عامة واسعة لتوجيه الكنيسة، فما زال أمامنا مثال الرب يسوع والأحد عشر تلميذاً وهم يسبحون الله بعد العشاء الأخير(مرقس 14: 26) مستخدمين علي الأرجح التسابيح الواردة في سفر المزامير (من 115- 118 كما سبقت الإشارة). ثم إن التلاميذ في أورشليم كانوا يسبحون الله (أع 2: 47)، كما كان بولس وسيلا في سجن فيلبي "يصليان ويسبحان الله" في منتصف الليل (أع 16: 25). ويستحث يعقوب الرسول قراءه قائلا: "أمسرور أحد فليرتل" (يع 5: 13)، كما يؤكد الرسول بولس علي أهمية المزامير والتسابيح والأغاني الروحية في الحياة اليومية (في رسالتي افسس وكولوسي). فالعهد الجديد يشير في ثناياه إلي أن الكنيسة تفعل حسناً إن هي أفسحت مكانا في عبادتها للمزامير كعطية إلهية ثمينة لتستخدمها كنيسة العهد الجديد.
ثانياً: ما قبل حركة الإصلاح:
(1) الترنيم الجماعي: كانت الخدمة في الكنيسة الرسولية الأولي تستهل بقراءة المزامير أو ترتيلها. وقد استمر الترنيم الجماعي الذي كان شائعاً بين العبرانيين (مز 68: 3، 100: 4، 111: 1، 132: 16، 150: 6، إرميا 33: 11، عز 3: 11) في أيام الرسل (أع 2: 47). وبالإضافة إلي هذه المزامير، كان لدي الكنيسة الأولي بضع ترانيم (أشار إليها أكليمندس السكندري) علي نمط الشعر العبري.
(2) ترانيم مستبعدة: وقد كان للترانيم مكانة مرموقة عند الغنوسيين الذين وضعوا كتاباً للترنيم به مائة وخمسون مزموراً، ولكن القانون التاسع والخمسين لمجمع لادوكية في 360 م، قرر "عدم قراءة أي مزمور في الكنيسة من وضع أفراد، ولا أي أسفار غير قانونية، إنما تقرأ فقط … الأسفار القانونية في العهدين القديم والجديد"
(3) فرق خاصة للترنيم: وبدأ أيضاً أن يكون الترنيم قاصراً علي مرنمين مدربين، وقد استبعد القانون الخامس عشر لمجمع لادوكية في 360 م، اشتراك أفراد غير المرنمين الرسميين في الترنيم في الكنيسة… والذين عليهم أن يرنموا من كتاب الترنيم.
(4) الألحان الأمبروزية: ويبدو أن الترنيم بأصوات مختلفة قد أدخله إلي الشرق "إغناطيوس الأنطاكي". ويصف "باسيليوس ظهورها في كبدوكية كما يلي: "ينقسم الفريق إلي قسمين، يجاوب كل قسم منهما الأخر". أما في الغرب فيذكر "يوسابيوس" أن "أمبروزيوس" هو الذي أدخل هذه الطريقة إلي ميلانو لكي يعطي للمرنمين فرصة للراحة وذلك إبان عصر الاضطهاد. وقد أثرت هذه المزامير المرتلة في الفتي أوغسطينوس، فكتب يقول: "لقد انسابت أصوالهم في أذني، وقطر الحق في قلبي، وتملكني خشوع ورهبة، حتي فاضت مآقي بدموع الفرح".
(5) الألحان الجريجورية: وفي عهود فم الذهب وجيروم وأغسطينوس أصبحت الألحان الأمبروزية قابلة للتطوير لأن موسيقاها المعقدة كانت مثيرة لدرجة تحويل الانتباه عن معاني الكلمات، مما دعا إلي إدخال بعض التعديلات التي عرفت بالألحان الجريجورية.
ثالثاً: إبان الإصلاح وما بعده:
بيد أن الإصلاح أزال الأختام عن سفر المزامير ليستطيع شعب المسيح أن ينهل مرة أخرى بحرية من هذا الينبوع. وكما كان الأمر مع "الالبيجنس" (Allbigenses) حدث أيضاً في أثناء عهد الإصلاح، أن كان سفر المزامير سبب فرح وتشجيع وتعزية في أوقات التجارب والأخطار.
(1) عودة الترنيم الجماعي: أعاد الإصلاح اللوثري الترنيم الكنسي، وفي عام 1524 كان لوثر قد نظم المزامير 12، 67، 130، فأعطي دفعة قوية للحركة بترانيمه، رغم أنه كان هو نفسه مولعاً بالمزامير باللغة اللاتينية. وقد قال "آدم كونزين" اليسوعي: "إن ترانيم لوثر ومزامير بيزا أبعد اثراً من كتبهما".
(2) الترجمات الشعرية باللغات الشائعة: وقد رأي كلفن أن للمزامير أهمية أساسية في العبادة، فكتب في 1545م هذه الكلمات: "عندما نرتلها فإننا نثق أن الله هو الذي وضع هذه الكلمات في أفواهنا، وكأنه هو يرتل فينا لتعظيم مجده". كما أنه كان يري أن للكنيسة الحرية في صياغة ترانيم أخري للعبادة تحتوي علي ترجمة شعرية لقانون الإيمان الرسولي، وترنيمة سمعان الشيخ، والوصاياا العشر، والصلاة الربانية وانشودة الملائكة.وكانت الطبعة الأولى التي صدرت في 1539م تحتوي علي ثمانية عشر مزموراً، اشترك كلفن وماروت في كتابتها، بينما استكملها بيزا بعد عدة طبعات وذلك في 1562 م وأطلق عليها: "نظم المزامير بالفرنسية". وقد ترجمت إلي لغات عديدة. وقد اعتمدت المجامع المصلحة التي عقدت في "دورت" (Dort) في عامي 1574، 1618م الترجمة الهولندية التي قام بها "داتين" (Datheen) وقد تضمنت ترجمات شعرية لتسبيحات زكريا ومريم وسمعان الشيخ، وكذلك للوصايا العشر، ولقانون الإيمان الرسولي، وصلاة تقال قبل العظة. وفي 1773م استبدلت بترجمة أخري منقحة مازالت تستخدم حتي الآن. وفي كنيسة إنجلترا، استكمل سترينهولد وهوبكن كتاب المزامير كله في 1563م بعد صياغته شعرياً بالإنجليزية، ثم تبعت ذلك الترجمة الجديدة التي قام بها "تات وبرادي" في 1696م مع مجموعة أخري من الترانيم. أما كتاب مزامير "ويستمنستر" الذي كتب في 1643م والمنقح عن ترجمة "راوس"،فقد عم استعماله في الكنائس المشيخية في اسكتلنده وانجلترا.
وفي تأكيده علي أهمية مزامير العهد القديم، أهاب "جون نوكس" بالكنيسة أن "ترهف السمع لتلك الألحان العذبة التي تكلم بها الروح القدس إلي آبائنا منذ القديم". وفي 1858م استخدمت الكنيسة المشيخية المتحدة ترجمة "راوس"، ولكن في 1872م بدأت في استخدام طبعة جديدة تحتوي علي ترانيم عديدة من مصادر مختلفة، ثم اتبعتها بكتاب آخر للمزامير تم تنقيحة بمعرفة المجمع في 1884م. أما الكنيسة المعمدانية الانجليزية فقد نشرت في 1857م "كتاب المزامير والترانيم للعبادة الجمهورية والاجتماعية والخاصة".
أما بالنسبة لأمريكا، فقد جلب المهاجرون معهم ترجمة "إينزوارث" (Ainsworth). وفي 1640م ظهرت "المزامير المنظومة مترجمة بدقة لفائدة وبنيان القديسين- جماعة وأفراد- وعلي الأخص في إنجلترا الجديدة". وفي 1787م اعتمد مجمع فيلادلفيا ترانيم "واتس" والكثير من الترانيم الأخرى.أما الكنيسة المصلحة فقد استخدمت الترجمة الهولندية "لداتين" حتي قامت الثورة الأمريكية. وقد أجاز مجمع الكرادلة في نيويورك في 1767م الترجمة الإنجليزية لها بعنوان "نظم المزامير داود مع الوصايا العشر وقانون الإيمان والوصايا الربانية… لاستخدام الكنيسة الهولندية المصلحة في مدينة نيويورك". وفي 1789م وافق مجمع الكنيسة المصلحة علي إضافة 150 ترنيمة إلي المزامير، بينما حلت ترانيم أخرى محل بعض المزامير، لكن لم يحدث ذلك في الكنائس التي تتحدث بالهولندية. وقد أخذت الكنيسة الألمانية المصلحة مزامير وتسابيح "جوريسون" التي طبعت في ماربورج وامستردام من الكنائس المصلحة في ألمانيا. أما الكنيسة البروتستانتية الأسقفية فقد أقرت ترجمة "تات وبرادي" مع ترانيم أخري قليلة. ورغم عدم اعتراض الأخوين ويسلي وهوايتفيلد علي سفر المزامير، فقد أعلنت الكنائس الأسقفية الميثودستية تمسكها بالترانيم. واستخدم المعمدانيون كتاب "المزامير" "لستو" (Stow) مع بعض الترانيم الأخري.
وتستخدم بعض الكنائس "المزامير" علي نطاق واسع، بل ودون إضافة ترانيم أخرى إليها، وأبرز هذه الكنائس الكنيسة المشيخية المتحدة التي تستخدم كتاب مزامير وضع في 1912م ، ولكن أضيفت إليه مجموعة من الترانيم في 1926م . وتستخدم الكنيسة المسيحية المصلحة هذا الكتاب مع كتاب المزامير الهولندي الذي صدر في 1773م إلي جانب الطبعة الألمانية "لجوريسون". أما الكنائس الأخري التي تستخدم "المزامير" في التسبيح فهي: الكنيسة المشيخية المشتركة في شمالي أمريكا، وسنودس الكنيسة المصلحة المشتركة في الجنوب، والكنائس المصلحة بهولنده، والكنيسة الأولي المنشقة بسكوتلندة، والمشيخية المصلحة بسكوتلندة وأيرلندة وأمريكا.
علاوة علي ذلك فإن كنائس بروتستانتية متعددة تستخدم سفر المزامير في العبادة وفي القراءة كما في الكنائس اللاتينية واليونانية حيث يحتل سفر المزامير مكانة كبيرة. لقد أسهم سفر المزامير في العبادة المسيحية أكثر من أي جزء آخر من الكتاب المقدس، وذلك في جميع الفروع المسيحية.