كلمة منفعة
إن عملت النعمة في قلبك، وشعرت باشتياق إلى التوبة، فلا تؤجل ولو إلى دقائق معدودة..
— عدم التأجيل

اللغة العبرية

اللغة العبرية
حجم الخط
عبرية - اللغة العبرية
الغة العبرية هي لغة الشعب الإسرائيلي ، كما أنها اللغة الأصلية لأسفار العهد القديم ( باستثناء : دانيال 3-4 ، عز 3-6 ، إذ أن هذه الأصحاحات مكتوبة باللغة الأرامية ) . فاللغة العبرية هى إحدى اللغات السامية الشمالية الغربية ، التي تشمل كافة اللغات الكنعانية بمختلف لهجاتها ، والآرامية ( بما فيها السريانية التي اشتقت منها ) والسينائية والأغاريتية والفينيقية والموآبية . أما اللغات السامية الشمالية الشرقية ، فتشمل الأكادية وما تفرع عنها من بابلية وأشورية . أما اللغات السامية الجنوبية فتشمل العربية الشمالية والجنوبية واللغة الحبشية . ولكل لغة من هذه اللغات أهميتها في فهم اللغة العبرية ، لصلتها الوثيقة بها .
(1) أصلها : العبرية هي إحدى اللغات الكنعانية ، ولذلك تسمى لغة كنعان (إش 19 : 18) ، كما تسمى باللسان اليهودي ( 22مل 18 : 26 و28 ، نح13 : 4 ،إش 36 :11 و13 ) .
وسُميت - لأول مرة - بالعبرية في مقدمة سفر حكمة يشوع بن سيراخ ، كما تسمى بالعبرانية في العهد الجديد ( انظر يو 5 : 2 ، 19 : 13و17و20 ، أع 21 : 40 ، رؤ 9 : 11 ) .
وقد نشأت عبرانية الكتاب المقدس ، كلغة منفصلة عن اللغة الكنعانية ، في القرون الأولى من الألف الثانية قبل الميلاد . فعلى أساس ما جاء في سفر التثنية ( 26 : 5 ) ، كان الشعب العبراني من أصل أرامي ، ولابد أن أولئك القادمين الجدد- إلى أرض كنعان - استعاروا لغة الكنعانيين الذين سكنوا في فلسطين قبلهم . ومع أن أسفار العهد القديم هي أهم الكتابات باللغة العبرية القديمة ، فهناك بضع وثائق أخرى بهذه اللغة ، منها :
(1) لوح من الخزف ، عبارة عن تمرين مدرسي عن المواسم الزراعية على مدى شهور السنة ، يرجع تاريخه إلى نحو 925 ق . م. ( أي إلى ما قبل عهد أخآب ملك إسرائيل ) . وقد اكتشف في جازر ، ويعرف باسم تقويم جازر . .
(2) نقش سلوام الذي يرجع إلى نحو 705 ق . م . ويصف كيف تم حفر النفق ، في عهد الملك حزقيا ، لجلب الماء إلى داخل مدينة أورشليم .
(3) قطع الشقف السامرية التي ترجع إلى عصر الملك يربعام الثاني ملك إسرائيل ، أي إلى نحو 770 ق . م. وتشتمل على إيصالات ضرائب مدفوعة للخزينة الملكية ، في شكل خمر أو زيت .
(4) رسائل لخيش التي ترجع إلى نحو 587 ق . م. والتي اكتشفت في تل الدوير . وتتكون في معظمها من رسائل من قائد مركز مراقبة يهودي متقدم ، إلى رئيسه في مركز القيادة في المدينة .
(5) كما اكتشفت حديثاً في عراد جذاذات تحتوي على قوائم بأسماء أشخاص . كما وجدت وثائق أخرى في كهوف قمران ترجع إلى ما قبل السبي ، علاوة على ما وصل إلينا من أختام وعملات من العصور المختلفة .
وكل هذه الوثائق تثبت أصالة الأسفار الإلهية ، وأنها كُتبت في العصور التي تنسب إليها ( فمثلاً : تعاصر رسائل لخيش سفر إرميا ) . ولكن الأهم أنها تكشف كيفية هجاء الكلمات العبرية في العصور القديمة ، والمنافذ التي جاءت منها أخطاء النسَّاخ على توالي العصور .
والمعتقد أن لغة أسفار العهد القديم تمثل المرحلة التي بلغتها اللغة في عهد الملكية ، ومع ذلك فهي تحتوي على مادة ترجع إلى القرن الخامس عشر ق . م. وتمتد حتى نهاية القرن الأول بعد الميلاد ، بما فيها من شعر قديم ، وكتابات متأخرة يظهر في كلماتها وأسلوبها التأثر باللغات الأرامية والفارسية واليونانية .
ونعرف مما جاء في سفر القضاة ( 12 : 6 ) أن نطق الحروف قد اختلف باختلاف الأسباط والمواقع . كما أنه في فترة ما بعد السبي ، حلت الأرامية محل العبرية في الحديث ( انظر نح8 : 8 ،13 : 13 ) ، ولكن ظلت العبرية هي لغة الكتابة والعبادة ، كما يبدو من بعض المخطوطات مثل سفر يشوع بن سيراخ ولفائف البحر الميت .
ومن الواضح أن اللغة العبرية لم تعد تستخدم - بصورة عامة - منذ القرن الثاني بعد الميلاد ،بعد ثورة اليهود وتدمير الهيكل وخراب أورشليم وتشتت اليهود .
( 2) مميزاتها : واللغة العبرية لغة أبجدية ، تتكون من اثنين وعشرين حرفا ، تجمعها : أبجد ، هوز ، حطي ، كلمن ، سعف ، صقر ، شت . وتخلو من حروف الروادف وهي : الثاء ، الخاء ، والذال ، والضاد ، والغين . ( أنظر أبجدية ) . وهي تُكتب من اليمين إلى الشمال ( مثل اللغة العربية تماماً ) . وكانت في البداية تكتب بالحروف الفينيقية المقفلة ، ولكنهم استخدموا الحروف الأرامية المربعة المفتوحة في العهد الفارسى . ومع أنه توجد نحو أربع عشرة علامة ، من علامات ضبط حركة الحروف ، إلا أنهم لم يستخدموا شيئاً منها في العهود القديمة ، بل كان نطق الكلمات ينتقل شفاهاً من جيل إلى جيل . وفيما بين القرنين الخامس والعاشر بعد الميلاد ، قامت جماعة من علماء اليهود (عُرفوا باسم الماسوريين أي الناقلين) بإضافة علامات الترقيم وضبط حركات الحروف .
وكسائر اللغات السامية ، يتكون أصل الكلمة في العبرية في الغالب - من ثلاثة أحرف أساسية ، ومنها تأتي كل المشتقات بإضافة بعض الأحرف في البداية أو في الوسط أو في آخر الكلمة ، أشبه بما يجري في تصريف الكلمات في اللغة العربية . كما أن الاسم يُرفع ويُنصب ويُجر كما يتضح ذلك من النقوش السبئية . وله ثلاث صور : المفرد والمثنى والجمع ، ومنه المذكر والمؤنث وتتفق الصفة مع الاسم الموصوف في العدد والنوع ( مذكر أو مؤنث) . كما أن الفعل يُفرد ويُثنى ويُجمع ، ويُذكر ويُؤنث ، ومنه الماضي والمضارع والأمر والشرط ، والمبني للمعلوم والمبني للمجهول ، والمتكلم والمخاطب والغائب . وتتكون الجملة عادة من فعل وفاعل ومفعول وظرف أو جار ومجرور .
ومن أهم ما يميز لغة العهد القديم العبرية ، هو أنه رغم أن أسفار العهد القديم كُتبت على مدى أكثر من ألف عام ، فإنه لا يكاد يوجد اختلاف بين لغة أقدم هذه الأسفار ولغة أحدثها . ويمكن تعليل ذلك بعدة أسباب ، أولها أن هذه الأسفار أسفار مقدسة ، فكانت الأسفار الأولى هي النموذج والمثال - لغوياً - للأسفار المتأخرة ، كما حدث في اللغة اليونانية إذ أصبحت كتابات أرستوفانس ويوربيدس ، هي المثال الذي حذا حذوه من جاء بعدهما من الكتاب . ومثل تأثير كتابات كونفوشيوس في اللغة الصينية ، على كتابات من جاء بعده من الكُتَّاب .
ومن أهم الأسباب أيضاً هو أن اللغات السامية - بعامة - لم تتعرض للكثير من التغيير بين عصر وعصر ، ولكنها اختلفت بين مكان ومكان . فالمفردات العربية المستخدمة في المغرب تختلف عن تلك المستخدمة في مصر - مثلاً ، ولكن هذه المفردات ظلت كما هي في كلا القطرين ، على مدى الأجيال أو بالحرى منذ دخول اللغة العربية إليهما . وبالمثل يجب أن تنسب الاختلافات البسيطة في لغة أسفار العهد القديم ، ليس إلى اختلاف الزمان ، بل إلى اختلاف المكان ، فقد كان بعض ، الكُتَّاب من المملكة الجنوبية ، والبعض من المملكة الشمالية ، كما كتب بعضهم في فلسطين ، وبعضهم في بابل ( انظر نح 13 : 3 و 24 ، قض 12 : 6 ، 18 : 3 ) . كما أن بعض الأسفار كُتب قبل السبي أو في أثناء السبي البابلي ، وبعضها كتب بعد السبي ، ومع ذلك فالاختلافات في اللغة قليلة نسبياً ، حتى إنه من الصعب القول بأن هذا الجزء كُتب قبل السبي ، وذلك بعد السبي ، مما جعل كبار العلماء يختلفون اختلافاً كبيراً في تحديد تواريخ كتابة الأجزاء المختلفة .
( 3) اختلاف الأسلوب : ولسنا في حاجة إلى القول بأن الأسلوب يختلف من كاتب إلى كاتب ، ومع ذلك فإن الاختلاف في الأسلوب بين أسفار العهد القديم ، لا يكاد يُذكر بالنسبة للاختلافات بين الكُتَّاب اليونانيين والرومانيين . كما أن الاختلاف في أسفار العهد القديم ، يرجع - كما سبق القول - إلى اختلاف المكان والبيئة ، لذلك يختلف أسلوب هوشع - مثلاً - عن أسلوب معاصره عاموس .
(4) التأثير الأجنبي : لا شك في أنه كان للغات الأجنبية تأثير على اللغة العبرية ، وبخاصة في المفردات . لعل أول اللغات التي كان لها تأثيرها في العبرية ، هي اللغة المصرية القديمة ، ولكن كان أقواها تأثيرا اللغة الأشورية التي استعارت منها العبرية عدداً كبيراً من الكلمات . فمن المعروف أن الكتابة البابلية كانت تستخدم في الأغراض التجارية ، في كل منطقة جنوبي غرب أسيا ، حتى قبل دخول العبرانيين إلى أرض كنعان . وفيما بعد السبي ، دخل إلى اللغة العبرية ، الكثير من الكلمات الأرامية ، والأساليب الأرامية . كما دخلتها بعد ذلك كلمات فارسية ويونانية .
(5) الشعر والنثر : وتختلف لغة الشعر عن لغة النثر في كل اللغات ، ولكننا نجد هذا الاختلاف أقل وضوحاً في اللغة العبرية ، لأنه حينما تملي المشاعر القوية النثر ، نجده يتحول طبيعياً إلى لغة شعرية ، ولذلك تصطبغ معظم الأسفار النبوية بصبغة شعرية . كما أن الشعر العبري ، تستخدم فيه كثيراً الأساليب النحوية القديمة .
( 6) نشأتها : كانت اللغة السامية المستخدمة في أرض كنعان ، هى ما يسمى بالسامية الوسطى ، فعند دخول العبرانيين إلى كنعان ، استخدموا هذه اللغة . والدليل على أن العبرية لم تكن هي لغة إبراهيم قبل هجرته إلى كنعان ، هو أنه يدعى أرامياً ( تث 26 : 5 ) ، كما كانت لغة لابان الأصلية هي الارامية ( تك 31 : 47 ) . كما أن كلمة البحر تستخدم للدلالة على الغرب ، و النقب ، للدلالة على الجنوب ، وهو ما لا ينطبق إلا على أرض كنعان ، موطن هذه اللغة ( انظر إش 19 : 18 ) .
وحيث أن سكان كنعان الأولين لم يكونوا ساميين ، فلا يمكن العودة بنشأة اللغة العبرية إلى ما قبل هجرة الساميين . إلى أرض كنعان ، أي إلى الألف الثالثة قبل الميلاد ، فهي بذلك أحدث عهدا من اللغة الأشورية البابلية التي تنطوى على ما يدل على نشأتها قبل العبرية بزمن .
(7) متى أصبحت اللغة العبرية ميتة : كان السبي البابلي ضربة مميتة للعبرية ، فقد أُخذت الطبقة المثقفة إلى بابل ، أو هربت إلى مصر . والذين بقوا في البلاد ، لم يلبثوا طويلا حتى استخدموا لغة قاهريهم ، أصبح استخدام العبرية قاصراً على أمور الديانة ، وأضحت الأرامية هي لغة الحديث . ومهما يكن مرمى ما جاء في سفر نحميا ( 8 :8 ) ، فهو دليل على أنه كان من العسير على الشعب في ذلك الوقت فهم العبرية الفصحى عند قراءتها لهم . ولكن لأنها كانت اللغة الدينية المقدسة ، فإنها ظلت تستخدم قروناً طويلة . وبدافع الوطنية استخدمها المكابيون ، وكذلك باركوا كبا ( 135 م ) .
وجرت في العصور الوسطى محاولات لإحياء العبرية ، بدرجات مختلفة من النجاح . وفي خلال القرون من العاشر إلى الخامس عشر بعد الميلاد - وبخاصة بين يهود الأندلس - أصبحت عبرية العصور الوسطى أداة للثقافة الشعرية والفلسفية والعلمية . وكان يظهر في عبرية الأندلس تأثيراللغة العربية بقوة ، سواء في الكلمات أو في التراكيب . واستعادت العبرية قوتها بظهور الحركة الصهيونية في القرنين التاسع عشر والعشرين . ومع أنها قامت أساساً على عبرية الكتاب المقدس ، إلا أنها تأثرت بشدة بالمجتمع التكنولوجي الغربي ، وكثيراً ما تختلف عن عبرية الكتاب المقدس الفصحى .