كلمة منفعة
1- لا مانع مطلقًا من بعض الترفيهات، ومن الراحة والاسترخاء relax.
— كيف نقضي وقت الفراغ؟

فلسطين ( 2 )

فلسطين ( 2 )
حجم الخط
رابعاً) فلسطين في أسفار العهد القديم الشعرية:
(1) سفر أيوب: وقعت أحداث سفر أيوب في أدوم، فعوص (أي 1: 1، انظر أيضاً تك 22: 21، إرميا 25: 20، مراثي 4: 21)، و بوز (أي 32: 2، انظر أيضاً تك 22: 21) هما حازو وبازو في الأشورية، وقد وصل إليهما آسرحدون في 673ق.م. في جنوبي أدوم. وتيماء وسبأ (أي 6: 19) ذكرهما من قبل تغلث فلاسر الثالث وسرجون اللذان هزما الثموديين والنبطيين. كما نقرأ عن البَرَد والجبال التي يعلوها الجليد (أي 6: 16). كما عن القفر والبادية (وادي عربة- 24: 5) وهو ما لا ينطبق تماماً إلاَّ على أدوم. كما أن هناك المناجم، ليس في صحراء سيناء فقط، بل أيضاً في فونون في شمالي أدوم (28: 2-11). كما أن الرتم (30: 4) من الشجيرات المميزة لصحراء أدوم وموآب. ولا يوجد حمار الوحش والنعامة (39: 5و13) الآن إلا في الصحراء شرقي أدوم. والثور الوحشي (39: 9) قد انقرض الأن، ولكن عظامه ما زالت توجد في كهوف لبنان، وقد اصطاده تغلث فلاسر الأول حوالي عام 1130 ق.م. في سورية (انظر مز 29: 6)، كما يذكر أيضاً في نبوة إشعياء (34: 7) بالارتباط مع أدوم، والكلمة في العبرية هي رئم (كما في العربية -انظر عد 23: 22، تث 14: 5، 33: 17). أما فيما يتعلق بالتمساح (لوياثان -أي 41: 1)، فواضح أنه كان معروفاً جيداً لأيوب، حيث نجد الإشارة إلى وقته، وإلى نَفَسه القوي المعطر (41: 31). ولم يكن وجود التمساح قاصراً على مصر، بل كان يوجد أيضاً في فلسطين، وما زال موجوداً في نهر التمساح شمالي قيصرية في سهل شارون.
بهيموث (40: 15)، وإن كان الاعتقاد السائد، أنه يشير إلى فرس النهر إلا أن الأرجح أنه إشارة إلى الفيل بناء على الإشارة إلى ذيله، وعروق فخذيه، ومرعاه في الجبال (40: 17 و20 و24). وكان الفيل معروفاً عند الأشوريين في القرن التاسع قبل الميلاد، وكانت توجد منه قطعان على نهر الفرات في القرن السادس عشر قبل الميلاد. كما أن الإشارات الطبيعية في سفر أيوب تبدو على وجه العموم -أنها تشير إلى أدوم، مثلها مثل الإشارات الجغرافية. ومع أن التقليد المسيحي، من القرن الرابع، يضع عوص في باشان، فإن الترجمة السبعينية (نقلاً عن السريانية) تضيف في نهاية سفر أيوب (42: 18)، القول بأن عوص تقع على حدود أدوم وبلاد العرب، وأن اسم أيوب الأصلي، هو يوباب بن زارح (انظر تك 36: 33 و34).
(2) في سفر المزامير: هناك إشارات عديدة في سفر المزامير إلى الظواهر الطبيعية في فلسطين، لكن الإشارات الطبوغرافية قليلة جداً. فجبل باشان (مز 68: 15) يرتفع شرقي الهضبة إلى 5.700 قدم فوق مستوى سطح البحر. أما جبل صلمون (عد 14) فلا يُعرف موقعه (انظر قض 9: 48). وقد يشير هذا المزمور إلى غزو داود لدمشق (2صم 8: 6). كما يشير مزمور 72 إلى زمن سليمان، وهو آخر مزمور من صلوات داود (72: 20). وفي المزمور (83: 6-8) نجد حلفاً من أدوم والاسماعيليين وموآب والهاجريين (أو المتجولين في شرقي فلسطين- انظر 1أخ 5: 18-22) مع جبال (في لبنان) وعمون وعماليق وصور، كما اتفق معهم أشور، وهو أمر لم يتحقق إلا في 732 ق.م. عندما استولى تغلث فلاسر الثالث على دمشق وعلى مناطق من المملكة الشمالية (انظر 2مل 15: 20، 1أخ 5: 26، إش 9 :1).
(3) في سفر الأمثال: لا توجد في سفر الأمثال إشارات جغرافية، ولكن توجد إشارات إلى الزراعة (3: 10، 11: 26، 12: 11، 25: 13)، وإلى التجارة (7: 16، 31: 14و 24)، وإلى القطعان (27: 23-27).
(4) في نشيد الأنشاد: هناك إشارات جغرافية كثيرة في سفر نشيد الأنشاد تمتد إلى كل فلسطين. كما يذكر الكاتب قيدار (1 :5) في شمالي شبه الجزيرة العربية، ومصر التي كان يستورد منها الملك سليمان الخيل لمركباته (1: 9، انظر 1مل 10: 28و29). كما تُذكر الفاغية (أي الحناء). وكروم عين جدي (1: 14) حيث كانت الكروم تنتشر حتى القرن الثاني عشر بعد الميلاد. ويتحدث عن نرجس شارون (2: 1)، وعن لبنان وشنير وحرمون (4: 8)، و برج لبنان الناظر تجاه دمشق (7: 4). ويذكر المراعي على سفوح جلعاد (6: 5)، والبركة التي تزخر بالأسماك في حشبون (7: 4) في موآب. ويشبه خصل رأسها بالخمائل الكثيفة على جبل الكرمل، حتى إن الملك قد أسر بها (7: 5).
والعروس جميلة كترصة (في السامرة) حسنة كأورشليم، مرهبة كجيش بألوية (6: 4). وهي كجنة وكفردوس من الأطياب في لبنان. وكانت بعض هذه الأطياب (قصب الذريرة والقرفة واللبان والمر) تُستورد من بلاد بعيدة (4: 12-15). وكان كرم سليمان -الذي تُشبَّه به -العروس- (1: 6، 8: 11) في بعل هامون التي ما زالت تشتهر بكرومها. ويخرج العريس إلى البرية لاستقبالها (3: 6).
وكلمة فردوس (4: 13) لا تكفي دليلاً على أن السفر كُتب في عصر متأخر، لفأنها -وإن كانت تستخدم في الفارسية، فإنه لا يُعرف بالضبط أصلها واشتقاقها. وكلمة الجوز (6: 11) ليست فارسية، لأن كلمة جوز العربية سامية الأصل، وتعني اثنتين وتطلق على الجوز الذي يكثر في شكيم. و نرجس شارون إشارة إلى نبات بصلي أبيض، تتغطى به سهول شارون في الربيع (انظر إش 35: 1و2). وليس هناك عصر يناسب كتابة مثل هذه القصائد، أفضل من عصر سليمان حين سكن يهوذا وإسرائيل آمنين، كل، واحد تحت كرمته وتحت تينته (1مل 4: 25)، وعندما كثرت الظباء والأيائل (نش 2: 17، 1مل 4: 23)، وعندما جاء التجار بأذرة العطور من مواطنها البعيدة، وعندما امتد سلطان إسرائيل إلى دمشق وجنوبي لبنان، وكذلك إلى غربي فلسطين وإلى جلعاد موآب.
(خامساً) فلسطين في أسفار الأنبياء:
(1) إشعياء: يشبِّه إشعياء صهيون (1: 8) عندما استولت جيوش أشور على السامرة وموآب وفلسطين، كمظلة في كرم، كخيمة في مقثأة، في إشارة -ولا شك- إلى البرج (مت 21: 33)، أو المظلة المرتفعة التي توجد على الدوام بجوار معصرة الخمر، المحفورة في الصخر في وسط كروم فلسطين، والتي ما زالت تقام ليقف عليها الحارس في الكروم وبساتين الخضر والفاكهة.
والمسألة الطبوغرافية الرئيسية (10: 28-32) إنما تشير إلى تقدم الأشوريين من الشمال عبر السامرة إلى فلسطين. فقد زحفوا في الجناح اليساري إلى عاي (عياث) ومخماس، وجبع إلى الجنوب من وادي مخماس، مما أدى إلى هروب أهل القرى من الرامة ومنطقة جبعة التي كانت تشمل الرامة وجبع (1صم 22: 6)، ومجرون (أو مِغرون -1صم 14: 2). كما ارتعب أهل جلِّيم (بيت جالا)، وعناثوث (عناتا) القريبة من أورشليم. إلا أن الزحف توقف في نوب (انظر نح 11: 32).
ويشير فصل آخر إلى مدن في موآب (إش 15: 1-6)، وإلى نمريم (تل نمرين) وصوغر (تل الشاغور) في وادي شطيم. و عقبة اللوحيث (إش 15: 5) هي الآن طلعة الحيث على السفح الجنوبي لجبل نبو. والعبارة الغريبة عجلة ثلاثية (انظر إرميا 48: 34) فقد جاءت وصفاً لصوغر وحور ونايم كمدينتين مزدهرتين (أنظر عجلة ثلاثية ).
ونقرأ أن سبمة -على بعد ميلين إلى الشمال الغربي من حشبون- كان بها كروم تمتد إلى يعزير (على بعد ستة أميال إلى الشمال). وما زالت توجد في موقع سبمة معاصر خمر محفورة في الصخر (إش 16: 8، إرميا 48: 32). و بصرة المذكورة مع أدوم (إش 34: 6، 63: 1، إرميا 39: 13 و22، ميخا 2: 12) هي على الأرجح بُصيرة بالقرب من الحدود الجنوبية لموآب.
(2) إرميا: تُذكر عناثوث (1: 1) باعتبارها مدينة للكهنة (انظر 1مل 2: 26) وكان الموضع في شيلوه قد هُجر (إر 7: 12)، ولكن يبدو أن المدينة نفسها كانت مازالت مأهولة (41: 5). وأسماء الملوك الصغار العديدين، في أدوم وموآب وفلسطين وفينيقية وبلاد العرب (25: 20-24) تذكرنا بالذين تذكرهم القوائم الأشورية من نفس العصر. وتذكرنا المراثي (4: 3) بما جاء في أيوب (39: 14) في وصف النعامة وما يبدو من عدم اهتمامها بصغارها، لأنها تحاول (مثل سائر الطيور) أن تهرب لتجذب نظر الصياد بعيداً عن العش الذي به صغارها.
(3) حزقيال: تبدو صور (أصحاح 27) مدينة صاحبة تجارة واسعة تمتد من أسيا الصغرى إلى الصحراء العربية ومصر، ومن أشور إلى جزائر (أو سواحل) البحر المتوسط. وبلوط باشان (27: 6، إش 2: 13، زك 11: 2) ما زال موجوداً في الجنوب الغربي من هذه المنطقة بالقرب من جلعاد. وكانت يهوذا وإسرائيل وقتئذ تصدران الحنطة والزيت والبلسان، كما كان الأمر في أيام يعقوب، أبي الأسباط، وأرسلت دمشق الصوف الأبيض وخمر حلبون التي تقع على بعد ثلاثة عشر ميلاً شمالي دمشق، وما زالت غنية بالكروم الجيدة. والحدّ الشمالي (47: 15-18) هو نفسه حدّ ممتلكات داود على امتداد نهر الكبير إلى صدد، كما يوصف أيضاً في سفر العدد (34: 8-11) ممتداً إلى ربلة شرقي عين (العين) التي تقع على السفوح الغربية لجبل لبنان الشرقي. ويلاحظ في هذا الفصل (كما في حزقيال 47: 18) عدم ذكر حوران (سهل باشان) كجزء من أرض إسرائيل. وتسير الحدود مع وادي الأردن. ويمتد الحد الجنوبي في حزقيال (47 :19) من قادش (برنيع- والأرجح أنها البتراء) إلى ثامار التي تبعد نحو ستة أميال إلى الشمال الشرقي من غزة.
(4) أسفار الأنبياء الصغار: لا توجد في أسفار الأنبياء الصغار سوى إشارات طبوغرافية قليلة، فيتكلم هوشع (12: 11) عن مذابح جلعاد والجلجال بأنها كرجم في أتلام الحقل، ولعله يشير إلى حجارة الأضرحة القديمة في تلك المنطقة، والتي ما زالت تميز الإقليم شرقي الأدرن. ولعله يشير إلى الذبائح البشرية في بيت إيل(13: 2).
ويذكر يوئيل أشجار التفاح (1: 12، انظر أيضاً نش 2: 3 و5، 8: 5). وليس ما يدعو إلى الشك في زراعة شجر التفاح في الأراضي المقدسة، فالمقدسي (المؤرخ العربي من القرن العاشر الميلادي) يذكر التفاح الممتاز في أورشليم، وإن لم يكن منتشراً الآن فيها كما كان من قبل.
كما أن الجميز (عا 7: 14) الذي كان منتشراً في السهول (انظر 1مل 10: 7)، وكان ينمو أيضاً بالقرب من أريحا (انظر لو 19: 4) ما زال موجوداً.
وفي نبوة ميخا (1: 10-15) التي قد تشير إلى استعادة حزقيا لأرض الجنوب إلى غزة، قبل 702 ق.م. (2مل 18: 8، 2أخ 28: 18) نجد قائمة بأسماء أماكن عديدة، مع استخدام أسلوب التورية بالنسبة لهذه الأسماء. وهي تشمل جت (تل الصافي)، وشافير ولخيش (تل الحصى)، وأكزيب (عين كذبة)، و مريشة (مرعش). ويقول: يأتي إلى عدلام مجد إسرائيل (15 :5)، وقد تكون الإشار إلى حزقيا نفسه.
وبعد السبي، كانت أرض الفلسطينيين ما زالت مستقلة ( زك 9 :5). وعبارة كنوح هدد رمُّون في بقعة مجدون (زك 12: 11). موضع جدال. ويقول جيروم إن هددرمُّون تشير إلى مدينة بالقرب من يزرعيل (ماكسيميانوبوليس، وهي رمانة حالياً على الجانب الغربي من سهل إسدرالون). أما النوح على وحيد له فالأرجح أنها إشارة إلى طقس معين في عبادة الإله السوري هدد أو قد يكون رمُّون شبيه بالبكاء على تموز (حز 8: 14).
(سادساً) فلسطين في العهد الجديد:
(أ) الأناجيل الثلاثة الأولى المتشابهة:
(1) المشاهد الجليلة: لقد صرف الرب يسوع الجزء الأكبر من حياته في الناصرة في زبولون، كما كان معظم خدمته في كفر ناحوم في نفتالي (انظر مت 4: 13-15، إش 9: 1) مع زيارات سنوية إلى أورشليم . وقصص الأناجيل ومشاهد الأمثال التي نطق بها، تستحضر أمام الذهن خصائص معالم الجليل وطبيعته، كما لا تزال مشاهده للآن. فالمدينة الموضوعة على جبل (مت 5: 14) يمكن رؤيتها في أي جزء من فلسطين. وزنابق الحقل تنمو في كل سهولها. وللثعالب أوجة، ولطيور السماء أوكار ما زالت مشاهد مألوفة في فلسطين. وبساتين الكروم بأبراجها، وحراثة الأرض بأماكنها المحجرة والشوكية ما زالت موجودة في كل مكان في الأرض المقدسة. أما البحيرة العميق التي تحيط بها الجروف شديدة الانحدار والمعرضة للعواصف الفجائية، والغنية بالأسماك، ومناظر الصيادين العراة يلقون الشباك ويجرُّونها، والقوارب الصغيرة الثقيلة، فكلها مناظر ما زالت مألوفة في بحر الجليل.
(2) كانت الناصرة قرية صغيرة في منطقة التلال في شمالي سهل اسدرالون، وعلى ارتفاع ألف قدم عنه. والاسم الناصرة قد يعني خضرة وكان بها نبع ماء. وتربط بينها الأناجيل (مت 2: 23) ونبوة الغصن (نِصر في العبرية) من نسل داود. وكان سكانها من العبرانيين إذ كان بها مجمع (لو 4: 16). و حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه (4: 29) هو تل القفز على بعد ميلين إلى الجنوب، وهو عبارة عن جرف جبل يطل على السهل. ولم تكن الناصرة على طريق عام، وكانت مدينة مغمورة حتى إنها لم تذكر في العهد القديم. كا لم يذكرها يوسيفوس، بل أن جليلياً هو نثنائيل (يو 1: 46) لم يكن يصدق أن يخرج منها نبي. ويقول عنها جيروم إنها قرية، ولكنها الآن مدينة بها عدد لا بأس به من السكان.
(3) كفر ناحوم: (مت 4: 13، 9: 1) وكانت تقع على شاطيء الجليل، في سهل جنيسارت الصغير (مت 14: 34، يو 6: 17) الذي يمتد مسافة ثلاثة أميال على الشاطيء الشمالي الغربي للبحيرة. ويبلغ عرضه نحو ميلين. ولعلها كانت تقوم على جرف جبل (انظر مت 11: 23). وكانت مركزاً لحامية عسكرية ، تُجبى فيها الضرائب (مت 9: 9)، وكان بها مجمع (مرقس 1: 21، لو 4: 4: 33، يو 6: 50). ويقول التقليد المسيحي -من القرن الرابع- إن موقعها كان في تل حوم حيث توجد خرائب ممجمع.
ويقول يوسيفوس إن نبع كفر ناحوم كان يروي السهل، وكان يعيش به سمك السلّور الذي ما زال يوجد في العين المدورة التي ما زالت المصدر الرئيسي للمياه في واحة جنيسارت.
(4) كورزين وبيت صيدا: وتقع خرائب كورزين (مت 11: 21، لو 10: 13) على بعد ميلين ونصف الميل شمالي تل حوم، وبها آثار مجمع من نفس طراز مجمع كفر ناحوم. وبيت صيدا أي بيت الصيد (لو 10: 13)، ويذكر إنجيل يوحنا أنها في الجليل (يو 12: 21)، مما جعل ريلاند (Reland) يظن أنه كانت هناك مدينتان بهذا الاسم، ولكن من المؤكد أن الإشارات الأخرى إنما تشير إلى بيت صيدا التي أطلق عليها هيرودس فيلبس اسم يولياس (Julias)، والتي يقول عنها يوسيفوس وبليني إنها كانت تقع شرقي الأردن بالقرب من نقطة دخوله إلى بحر الجليل. ولعل موقعها الآن هو الدكة على بعد ميلين شمالي البحيرة. ولكن قد يكون هذا الموقع أقرب مما كان قبلاً، لأن رواسب النهر قد زادت في الجنوب. وتوجد بقايا مجمع هنا أيضاً ومعجزتا إشباع الخمسة الآلاف وإشباع الأربعة الآلاف، قد حدثتا في شرقي الأردن. حدثت الأولى في البرية (الجولان) في موضع خلاء لمدينة تسمى بيت صيدا (لو 9: 10، انظر أيضاً مرقس 6: 45). وعبارة يسبقوا إلى العبر إلى بيت صيدا (مر 6: 45) يمكن ترجمتها -في حدود قواعد اللغة- إلى: أن يسبقوا إلى الجانب المقابل لبيت صيدا، لأن التلاميذ لم يكونوا قد وصلوا إلى المدينة، إلا بعد رحلة ثلاثة أو أربعة أميال (يو 6: 17و19) حتى وصلوا إلى كفر ناحوم وجاءوا إلى أرض جنيسارت (مر 6: 53) على بعد نحو خمسة أيمال إلى الجنوب الغربي من الأردن.


(5) كان المكان الذي حدثت فيه معجزة شفاء المجنون (اللجئون): واندفعت الخنازير إلى البحيرة (مت 8: 32، مرقس 5: 1، لو 8: 26) في كورة الجدريين، والأرجح أنها حدثت عند كرسا على الشاطيء الشرقي المقابل لطبرية، حيث يوجد سفح شديد الانحدار نحو الماء. ويجب ملاحظة أن هذه المعجزة حدثت في العشر المدن (مرقس 5: 20) التي تقع تسع منها (باستثناء سكيثوبوليس) في جنوبي غربي باشان، حيث اكتشف عدد كبير من النقوش اليونانية، يعود بعضها إلى القرن الأول الميلادي، مما يدل على أنه كان بها عدد كبير من اليونانيين في زمن الرب يسوع، وهو ما يبرر وجود الخنازير (انظر كورة بعيدة في لو 15: 13و15)، لأنه بينما كان محظوراً على العبرانيين تربية هذه الحيوانات النجسة، كان اليونانيون يربون الخنازير منذ زمن هوميروس على الأقل.
(6) موقع مجدل: كانت مجدل تقع على الساحل الغربي لبحر الجليل، عند الطرف الجنوبي الغربي لسهل جنيسارت (مت 15: 39)، وذكرت دلمانوثة في الفصل المقابل في إنجيل مرقس (8: 10). و مجدل كلمة عبرية تعني البرج أو الحصن، ودلمانوثة قد تكون المقابل الأرامي بمعنى مكان المباني العالية، فليس -إذاً- ثمة تناقض بين القولين. ومن هذا المكان عبر الرب يسوع في السفينة إلى الجانب الآخر، ووصل إلى بيت صيدا (مت 16: 5، مرقس 8: 13 و22)، وسار من هناك في وادي الأردن إلى قيصرية فيلبس (مت 16: 13، مرقس 8: 27) أو بانياس عند منابع الأردن. وقد لا يكون ثمة شك في أن الجبل العالي منفردين (مت 17: 1) كان هو جبل حرمون، فكلمة حرمون نفسها تعني منفرداً بالنسبة إلى قمته المنفردة.
(7) والتلميحات الأخرى في الأناجيل المتشابهة: إلى التاريخ الطبيعي والعادات، تشمل الإشارات إلى الطيور الداجنة (مت 23: 37، 26: 34) التي لا تذكر مطلقاً في العهد القديم، فقد جاءت هذه الطيور من فارس بعد 400 ق.م. على الأرجح. واستخدام الزبل سماداً (لو 13: 8) لا يُذكر في العهد القديم، ولكنه يذكر في المشنا استخدامه في تبييض القبور سنوياً (انظر مت 23: 27).
ورفع السقف (مر 2: 4، لو 5: 19) لم يكن مشكلة في كفر ناحوم، لو أن بيوتها كانت شبيهة ببيوت الجليل الطينية في العصر الحاضر. وذكر وجود الرعاة يحرسون حراسات الليل على رعيتهم (لو 2: 8)، لا يدل على فصل معين من السنة، أما المذود (لو 2: 7)، فلعله كان كهفاً مثل الكهوف التي وجدت في الخرائب في شمالي حبرون وجنوبيها، وفي غير ذلك من الجهات في فلسطين.
(ب) الإنجيل الرابع:
(1) لطبوغرافية الإنجيل الرابع أهمية خاصة لأنها تدل على معرفة الكاتب معرفة دقيقة بفلسطين. فهو يذكر العديد من الأماكن التي لا تذكر في غيره من أسفار العهد الجديد، فبيت عبرة أو بيت العبور (يو 1: 28، 10: 40) كان عبر الأردن، على بعد مسيرة يوم واحد من قانا الجليل (يو 1: 29 و35 و43، 2: 1)، التي لعلها كانت في عين كانا على بعد كيلواحد إلى الشمال من الناصرة، وكانت على بعد مسيرة يومين أو ثلاثة من بيت عنيا القريبة من أورشليم (يو 10: 40، 11: 3، 6، 17)، وبذلك كانت تقع في الجزء الأعلى من وادي الأردن، حيث وجد رجال المساحة في 1874م مخاضة تُعرف باسم عبرة شمالي بيسان في الموقع المنشود. ونقرأ أن يوحنا المعمدان كان يعمِّد في جميع الكورة المحيطة بالأردن (مت 3: 5) بما في ذلك عين نون بقرب ساليم (يو 3: 23). ولا يوجد سوى مجرى مائي واحد ينطبق عليه هذا الوصف، وهو وادي فراح إلى الشمال الشرقي من شكيم على الحدود بين اليهودية والسامرة، حيث توجد مياه كثيرة وبذلك تكون عين نون هي عينون التي تقع على بعد أربعة أميال إلى الشمال. وتقع ساليم على بعد أربعة أميال إلى الجنوب من هذا الرافد دائم الجريان من روافد الأردن.
(2) موقع سوخار بالقرب من بئر يعقوب: (يو 4: 5و6): تقع إلى الغرب من ساليم، داخل حدود السامرة. ولا تبعد القرية الحالية سوى نصف ميل إلى الشمال من البئر، ولا تُذكر -مثلها مثل المواقع السابقة- إلا في الإنجيل الرابع، مثل بيت صيدا. كما أن هذا الإنجيل يقدم لنا أوصافاً أكثر عن موقع الجلجثة، ومدينة أفرايم القريبة من البرية (11 :54) والتي جاء ذكرها في سفر صموئيل الثاني (13: 23).
(جـ) سفر أعمال الرسل: المكان الوحيد الذي يذكر في سفر أعمال الرسل، ولم يكن قد ذكر من قبل في مدن فلسطين، هو أنتيباتريس (أع 23: 31)، وكانت تقع على نهر اليرقون الذي يصب في البحر المتوسط شمالي يافا، وبذلك كانت تقع على منتصف الطريق بين أورشليم وقيصرية على شاطيء البحر. ويسمى الموقع الآن رأس العين، وتوجد فيه قلعة من القرن الثاني عشر. وتجري الطريق الرومانية القديمة بالقرب منها. وكانت قيصرية مدينة حديثة بناها هيرودس الكبير حوالي 20 ق.م. وكانت أكبر من أورشليم، ولها ميناء صناعي. وإليها جاء الرسول بولس في 60م.
ولابد أن القاريء قد اكتشف بنفسه صدق وأصالة ودقة المعلومات المدونة في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد.