كلمة منفعة
ثلاث فضائل ينبغي أن تدخل في كل فضيلة لتصبح فضيلة حقيقية: وهي المحبة والتواضع والحكمة(1).
— ثلاث فضائل: المحبة، التواضع، الحكمة
اشعياء ( 2 )
اشعياء ( 2 )، أشعيا، إشعيا، إشعيــاء، أشعياء
حجم الخط
أما الأصحاحان الستون والحادي والستون ،فيصفان المستقبل المبارك لصهيون . إن "النور" الذي انتظروه طويلاً ، بدأ يشرق : "قومي استنيري لأنه قد جاء نورك ومجد الرب أشرق عليك" (60: 1) وعند هذه النقطة يتوقف النبي ليرسم صورة للجماعة المفدية ، كما في (2: 3 و 4) نري الأمم يهرعون إلي صهيون التي ستصبح سيدة كل الأمم ، وسيبني بنو الغريب أسوارها ،وستفتح أبوابها دائماً ، بلا خوف من حصار ،وستعترف الأمم بصهيون "مركزاً روحياً للعالم " ،بل إن بني الذين قهروها ،سيعتبرونها " مدينة الرب " :،"فخراً أبدياً" حيث يكون الرب لها "نوراً أبدياً" (60: 10-22) .
أما الأصحاح الحادي والستون فيقدم مرة أخري "عبد الرب" -بدون ذكر اسمه- منادياً بالخلاص (1-3) ،فبعد أن يقدم "عبد الرب" رسالة الإنجيل ، يأتي الوعد باستعادة أورشليم لمجدها وبركتها (4-11) ، وهكذا نري النبوة تتقدم بثبات نحو غايتها في يسوع المسيح (انظر لوقا 4: 18-21) .
وفي 62: 1-63: 6، يصف خلاص صهيون الوشيك ، وأن الأمم ستشهد هذا الحدث العظيم .وستعطي صهيون اسما جديداً يدل علي حقيقتها ، وهذا الاسم هو "حفصيبة" ، "لأن الرب يسر بك " لأنه عن أورشليم :"لا يقال بعد لك مهجورة ،ولا يقال بعد لأرضك موحشة " ومن الجانب الآخر سيبيد كل أعداء صهيون .وفي قصيدة درامية موجزة رائعة الجمال (63: 1-6) يرسم النبي صورة لنقمة الرب كمحارب مظفر يقضي علي كل من يعمل علي إعاقة خلاص إسرائيل . وكان "أدوم" -بصفة خاصة -عدو إسرائيل الذي لا يهدأ ،لذلك فإن النبي يمثل قضاء الرب علي الأمم كشيء سيحدث علي أرض أدوم النجسة أما الرب صانع الخلاص بيده القوية ، فسيعود منتصراًَ بعد أن يكون قد قضي علي كل أعداء إسرائيل .
وفي 63: 7-64: 12، يلجأ "عبيد الرب" إلي الصلاة ، فيتطلعون إلي أبيهم جابل كل الأمم (63: 16،64: 8) .وبهذا الفكر الذي تشعبت به لغة إشعياء عن أبوة الله ، يبدأ النبي حديثه الأول إلي يهوذا وأورشليم (انظر 1: 2) وكلما تمتد الصلاة ، تشتد لهجتها ، فقد خيم اليأس علي الشعب لأن الرب يبدو وكأنه قد تركهم (63: 19) ويدركون أن حالة أورشليم ميئوس منها "بيت قدسنا وجمالنا حيث سبحك آباؤنا قد صار حريق نار وكل مشتهياتنا صارت خراباً " (64: 11) . وهذه اللغة هي لغة صلاة حارة ويجب ألا تؤخذ بحرفيتها تماماً ( كما يتبين بوضوح من 63: 18، 3: 8) .
وأخيرا نري في الإصحاحين الخامس والستين والسادس والستين ،الرب يستجيب لتضرعات شعبه مميزا تماماً بين "عبيده" وبين المرتدين في إسرائيل . فإن نسله المختار هو وحده الذي سيخلص (65: 9) ، أما الذين بعناد يغيظون الرب ويذبحون في الجنات (65: 3،66: 17) والذين "رتبوا للسعد الأكبر مائدة وملأوا للسعد الأصغر خمراًَ ممزوجة" (65: 11) ويجلسون بين القبور ملتمسين وحياً من الموتي ، ويأكلون لحم الخنزير ومرق لحوم نجسة لأنهم كانوا يظنونها تتميز بصفات سحرية ،ويبيتون في القبور والمدافن يمارسون فيها أسرار وثنية (65: 4) ، وفي الوقت نفسه يتصورن أنهم بممارسة مثل هذه الأسرار الوثنية ، يصبحون أقدس من غيرهم ، ولذلك فليس عليهم القيام بواجبات الحياة العادية (65: 5) ،هؤلاء هم الذين سيعاقبهم الرب إذ يكيل الرب عملهم الأول في أحضانهم مهلكاً إياهم بالسيف (65: 7و 12) ،وفي الجانب الآخر سيرث عبيد الرب جبال الرب المقدسة ، وسيفرحون ويترنمون من طيبة القلب ، ويتبركون بالإله الأمين ، إله الحق (65: 9و 14 و 16) . وسيخلق الرب سموات جديدة وأرضاً جديدة حيث يسكن الناس ويتقدمون في السن كالآباء الأوائل ، وسيملكون بيوتاً وكروماً ويستمتعون بها لأن عصراً من السلام الشاعري سيبدأ بمجيء عصر ملك المسيا الذي فيه ستتغير حتي طبائع الوحوش ،وتعيش أشرس الحيوانات المفترسة معا في تآخ وانسجام (65: 17- 25) وتصبح العبادة روحية غير مقيدة بمكان معين ،وستختفي العبادات السرية ،وسينقطع صوت الهازئين الماجنين ،وسيتكاثر عدد سكان صهيون بصورة عجيبة ،وسيفرح الشعب ويتعزي (66: 1-14) .وفوق ذلك ستأتي كل الشعوب إلي صهيون لتري مجد الرب "يكون من هلال إلي هلال ومن سبت إلي سبت أن كل ذي جسد يأتي ليسجد" أمام الرب (66 : 15-23) .
ومن الواضح ان سفر إشعياء يختم- كما بدأ - بهجوم عنيف علي العبادة الزائفة وجزاء الأبرار و الأشرار . والفرق الأساسي الوحيد بين أقوال النبي الأولي وأقواله الأخيرة ، هو أن إشعياء -بعد خبرة ما يقرب من نصف قرن من خدمته- يرسم صورة مستقبلية أكثر لمعاناً مما في خدمته الأولي ، فالصورة التي يرسمها عن عصر ملك المسيا لا تسمو فقط فوق ما رسمه المعاصرون له من أنبياء القرن الثامن من قبل الميلاد ،بل ينفذ إلي مناطق أبعد من كل الآفاق الروحية التي وصل إليها أنبياء العهد القديم . إن اللغة المستخدمة في 66: 1 و 2 تسبق فتبين بصفة خاصة المبدأ العظيم الذي أعلنه يسوع في إنجيل يوحنا (4: 24) بأن "الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا "وانه لمن المستحيل تماماً محاولة تحديد تاريخ هذه اقوال علي أساس الأدلة الداخلية. ومن وجهة نظر الإنسان يمكن -بكل بساطة - ان تصدر هذه الإعلانات عن أي عصر من العصور بدون تمييز بين عصر وعصر ،ولكن لا يمكن أن تأتي مطلقاً -في أي عصر -بدون روح الله .
ثامناً -الترتيب الزمني لنبوات إشعياء : إن ترتيب أزمنة كتابة نبوات إشعياء موضوع بالغ الأهمية، وترد هذه النبوات -أساساً -في ترتيبها الزمني ،فيمكن أن يقال أن كل التواريخ المذكورة تأتي في تتابع تاريخي دقيق مثلاً : "في سنة وفاة عزيا الملك … "(6: 1 في 740 ق.م) ، "وحدث في أيام آحاز" (7: 1-في 727 ق.م) ، "وفي سنة مجيء ترتان إلي أشدود حين أرسله سرجون ملك أشور " (20: 1-في 711 ق.م)، "وكان في السنة الرابعة عشرة للملك حزقيا … " (34: 1-في 701 ق.م) كل هذه الأحداث جاءت بترتيب زمني دقيق . وإذا أخذنا هذه الأحداث في مجموعات ،فإننا نري أن رسائل إشعياء العظيمة قد رتبت بالمثل في تتابع تاريخي صحيح ،فالإصحاحات 1-6 يرجع معظمها إلي السنوات الأخيرة من حكم يوثام (740- 736 ق.م) ، والأصحاحات 7-12 ترجع إلي الفترة التي قامت فيها الحرب الأرامية الأفرايمية (734 ق.م) والإصحاح العشرون يرجع إلي سنة حصار سرجون لأشدود (711 ق.م) ،والأصحاحات 28-32 يرجع إلي وقت غزو سنحاريب ليهوذا (701ق.م) ، بينما نجد الأجزاء المختصة بالمواعيد (الأصحاحات 40-66) تختم هذه المجموعات ختاماً طبيعياً . ولكن في حالات ثانوية عديدة نجد خروجاً ملحوظاً عن التعاقب الزمني الدقيق ، فمثلاً الأصحاح السادس الذي يصف دعوة النبي الأولى للخدمة يأتي بعد التوبيخات والتحذيرات المذكورة في الأصحاحات الخمسة الأولي ولكن يحتمل أن ذلك لأن النبي استخدمها توطئة لدعوته.كما أن النبوات ضد الأمم الغريبة في الأصحاحات 13-23، تنتمي إلي تواريخ متنوعة جمعت معا لاتفاقها علي الأقل في الموضوع ،وشبيه بذلك الأصحاحان 38 و 39 عن قصة مرض حزقيا الملك وبعثة مردوخ بلادان إليه بعد شفائه (714- 712 ق.م) ،فهي تسبق زمنياً الإصحاحين 36 و 37 اللذين يصفان حصار سنحاريب لأورشليم (701 ق.م) .علي أي حال فإن التقاطع في الترتيب ، قد يعود إلي الرغبة في جعل الإصحاحين 36,37 (عن سنحاريب ملك أشور) ختاما مناسبا للأصحاحات 1-35 ( التي تذكر الكثير عن أشور ) ، ومن الناحية الأخرى لجعل الإصحاحين 38 و 39(عن مردوخ بلادان البابلي) مقدمة مناسبة للأصحاحات 40-66( والتي تتحدث كثيراً عن بابل).
إن محاولة تأريخ رسائل إشعياء علي أساس المعايير الداخلية فحسب، تكاد تكون ضرباً من المستحيل ، ومع ذلك فليس ثمة آخر ،فغالباً ما نجد أجزاء متجاورة رغم أنها تشير إلي اتجاهات مختلفة .وفي الواقع هناك فقرات معينة تبدو وكأنها تتكون من مقتطفات متنوعة ترجع في تاريخها إلي فترات مختلفة ،كما لو كانت هناك نبوات -يفصل بين بعضها بعض فترات طويلة -قد صهرت معاً . وفي مثل هذه الحالات يجب أن نعطي وزناً كبيراً للظواهر التي تشير إلي أصل مبكر بسبب الطبيعة النبوية السائدة في كتابات إشعياء .
لقد كان إشعياء يتطلع دائماً إلي المستقبل ، إن نبواته التي لها علاقات تاريخية بحياة أشخاص معينين ، يمكن -تأريخها بسهولة ،ولكن أحاديثة المستقبلية عن المسيا ،ترجع إلي حد كبير -إلي مزاجة النفسي أكثر مما للظروف التاريخية لذلك العصر. وفيما يلي بيان بنبوات إشعياء مرتبة ترتيباً زمنياً :
التاريخ المحتمل لكتابتها
حوالي 740- 736 ق.م الأصحاحات 1-6
حوالي 734- 732 ق.م الأصحاحات7-12
حوالي 734- 732 ق.م الأصحاحات15: 1-16: 12و17
بين 732- 722 ق.م الأصحاحات13: 1-14: 23
بين 732- 722 ق.م الأصحاحات14: 24- 27
حوالي 727 ق.م الأصحاحات 14: 28-32
قبيل 722 ق.م الأصحاحات23
قبيل 722 ق.م الأصحاحات24-27
قبيل 722 ق.م الأصحاحات28: 1-6
حوالي 720 ق.م الأصحاحات19
حوالي 714ق.م الأصحاحات 38
حوالي 712 ق.م الأصحاحات39
حوالي 711ق.م الأصحاحات21: 11و12و13-17
حوالي 711 ق.م الأصحاحات22: 15-25
حوالي 709 ق.م الأصحاحات21: 1-10
حوالي 709 ق.م الأصحاحات22: 1-10
قبيل 701 ق.م الأصحاحات28: 7-33: 24
حوالي 701 ق.م الأصحاحات18
حوالي 701 ق.م الأصحاحات34: 35
مباشرة بعد 701 ق.م الأصحاحات36: 37
مباشرة بعد 701 ق.م الأصحاحات40-66
إن موقف النبي في الأصحاحات 40-66 هو هو موقف إشعياء بذاته ، لأنه إذا كان إشعياء -في الأجزاء التي يعترف الجميع بأنها له -استطاع -قبل 734 ق.م . - أن يصف في بعض الفصول ان مدن يهوذا "محرقة بالنار" ، " فبقيت ابنة صهيون كمظلة في كرم كخيمة في مقثأة " (1: 7و 8) وأن أورشليم "عثرت ويهوذا سقطت" (3: 8) وشعب الرب قد "سبي" (5: 13) ، فبالتأكيد أن كل هذه الأحداث حدثت بعد الخراب والدمار الذي حل بيهوذا بواسطة أشور في السنوات 722، 720، 711، 701 ق.م. إذا كان الأمر كذلك ، فإن نفس النبي ، وبنفس قدرتة الشاعرية ،استطاع أن يعلن أنهم قد "داسوا مقدسك" (63: 18) ، وأنه "قد صار حريق نار " وكل مشتهيات يهوذا قد "صارت خراباً" ( 64: 11) .وفي توافق كامل مع نبواته السابقة استطاع أن يضيف أنهم "يبنون الخرب القديمة ،ويقيمون الموحشات الأولي ، ويجددون المدن الخربة موحشات دور فدور" (61: 4، 44: 26، 58: 12) .
أو إذا كان إشعياء بن آموص قد استطاع أن يعزي أورشليم بالوعد بحمايتها عندما يأتي عليها الأشوريون (734 ق.م) كنهر جارف (8: 9و 10، 10: 24و 25) ، ويقدم العزاء في تصوير جميل (28: 23- 29) ، وينسج في ثنايا الانذارات والتهديدات القاتمة عن سنة 702 ق.م، مواعيد كثيرة لمستقبل مشرق لابد أن يأتي بعد غزوة سنحاريب (29: 17- 24، 30: 29-33 ،31: 8و9) ، وفي وسط حصار سنة 701 ق.م يصور عصر المسيا العجيب برؤي كالتي وردت في (33: 17-24) ، والتي بها يبدد فزع ورعب مواطنيه ، إذا كان قد استطاع كل هذا ، فبالتأكيد يمكننا أن نتصور هذا النبي نفسه ينتهز الفرصة ليعزي سكان صهيون الذين عاشوا بعد مأساة سنة 701 ق.م ، فالنبي الذي قام بالدور الأول ،كان مهيأ للقيام بالدور الثاني.
هناك ظاهرة واحدة جديدة -كثيراً ما اغفلت - في موقف النبي بعد سنة 701 ق.م . هذه الظاهرة ما كان ممكناً تطبيقها علي أي شيء آخر -بنفس الدرجة -كحجة لإثبات رسالته قبل سقوط أشور ونجاة أورشليم ، وهي "تحقيق النبوات السابقة كبرهان علي ألوهية الرب" ومن هذه الفصول الكتابية يمكن أن يفهم الموقف التاريخي الحقيقي للنبي (42: 9، 44: 8، 45: 21، 46: 10، 48: 3) . أما النبوات القديمة فقد تحققت فعلاً (6: 11-13، 29: 8، 30: 31، 31: 8، 37: 7 و30 ) .وعلي هذا الأساس يتجرأ النبي فيتنبأ عن أشياء جديدة بل ومذهلة جداً ، عن هزيمة بابل وسقوطها علي يد كورش ، وخلاص إسرائيل بواسطته أيضاً من أيدي الذين سبوهم (43: 6) . إن سفر إشعياء ممتلئ -بصورة بارزة- بمثل هذه النبوات (7: 8و 10- 16، 8: 4و 8 ، 9: 11و 12، 10: 26و 27، 14: 24-27،16: 14، 17: 9و 12-14، 20: 4-6، 21: 16، 22: 19-25، 23: 15، 38: 5) ، كتب بعضها وختمه وسلمه للحلقة الداخلية من تلاميذه ليستخدموها ويتأكدوا منها عند وقوع الأحداث الخطيرة القادمة (8: 16) . إن العجز عن ادراك وقوع هذا العنصر في سفر إشعياء ، لهو أمر مدمر للتفسير الصحيح لرسالة النبي الحقيقية .
تاسعاً -مشكلة النقد : يقول أ. ب ديفيدسن ( في كتابه نبوات العهد القديم 1903- 244) إنه لمدة خمسة وعشرين قرناً تقريباً لم يشك أحد إطلاقاً في أن إشعياء بن آموص هو كاتب كل جزء من السفر الذي يحمل اسمه ، كما أن الذين ما زالوا يتمسكون بوحدة السفر ، تعودوا علي أن يشيروا باقتناع كامل ، إلي إجماع الكنيسة المسيحية علي هذا الأمر ، حتي قام بعض العلماء الألمان -منذ نحو قرن - وجعلوا وحدة السفر موضعاً للتساؤل ، ولكن التقليد يؤيد بالإجماع وحدة السفر .
البراهين علي "إشعياء واحد" : ليس من المعقول أن نتوقع إمكان إثبات وحدة سفر إشعياء ، مثلما أنه ليس من المعقول أن نفترض العكس ، فالبراهين الداخلية ليست حاسمة لكلا الجانبين . وعلي كل حال هناك براهين تعزز الاعتقاد بأنه لا يوجد إلا إشعياء واحد ، وإليكم البعض منها :
أ- دائرة الأفكار الواحدة التي تدور في كل السفر بصورة ملحوظة جداً ، فمثلا الاسم المميز لله الذي ينفرد بإستخدامة إشعياء : "قدوس إسرائيل" ، هذا اللقب المستخدم للرب ، يذكر في سفر إشعياء 25 مرة ، بينما لا يذكر سوي ست مرات في العهد القديم ، واحدة جاءت منها في سفل مشابه في سفر الملوك . هذا اللقب الفريد "قدوس إسرائيل" يربط كل أجزاء السفر بعضها ببعض ، ويطبعها بالطابع الخاص بمن رأي الإله العظيم جالساعلي كرسي عال ومرتفع ، وسمع الملائكة يسبحون قائلين :"قدوس، قدوس، قدوس رب الجنود،مجده ملء كل الأرض" (6: 3) . إن وجود هذا اللقب الإلهي في كل اجزاء السفر المختلفة ، له من الدلالة القوية بأن إشعياء هو كاتب كل هذه النبوات ، أكثر مما لو ذكر اسمه في بداية كل أصحاح ، وذلك لأن هذا الفكر اللاهوتي عن الله "كالقدوس" نراه منسوجاً في كل سدي ولحمة السفر كله. فهذا اللقب يذكر اثنتي عشرة مرة في الإصحاحات 1- 39، وثلاثة عشرة مرة في الإصحاحات 40-66 ، وليس من العلم او الحق في شيء أن نقول إن الكاتبين المتنوعين المزعومين -للأجزاء موضع النزاع -قد استخدموا جميعهم نفس اللقب تقليدا (1: 4، 5: 19، 24،10: 20، 12: 6،17: 7، 29: 19، 30: 11و 12و 15، 31: 1، 37: 23، وأيضا 41: 14و 16و 20، 43: 3و 14، 45: 11، 47: 4،48: 17، 49: 7، 54 : 5، 55: 5، 60: 9و 14) ، ولا يذكر هذا اللقب إلا في (2 مل 19: 22، مز 71: 22، 78: 41، 89: 18، إرميا 50: 29، 51: 5) .
وهناك أيضا كلمة فريدة يتكرر ورودها في سفر إشعياء بطريقة ملحوظة ، ألا وهي "السكة أو الطريق او السبيل " (11: 16، 35: 8، 40: 3، 43: 19، 49: 11، 57: 14، 62: 10) . كما أن هناك فكرة اخري مميزة ، ألا وهي "بقية" (1: 9، 10: 20و 21و 22،11: 11 و 16، 14: 22و 30، 15: 9، 16: 14، 17: 3، 21: 17، 28: 5، 37 : 31، 46: 3، انظر أيضا 65: 8و 9) . وخاصية أخري واضحة في السفر وهي المركز الذي تحتله "صهيون" في أفكار النبي (2: 3، 4: 5، 18: 7، 24: 23، 28: 16، 29: 8، 30: 19، 31: 9، 33: 5و 20، 34: 8، 46: 13، 49: 14، 51 : 3 و 16، 52: 1،59: 20، 60: 14، 62: 1و 11، 66: 8) . كما أن هناك تعبيرا يتردد كثيراً ، وهو : "أوجاع ومخاض الوالدة" (انظر 13: 8، 21: 3، 26: 17و 18، 42: 14، 54: 1، 66: 7) . هذه كلها وكثير غيرها - اقل بروزاً -تطبع السفر بطابع شخصي يصعب تعليلة إذا قطع السفر إلي شظايا عديدة ، ووزع - كما يفعل البعض - علي عدد من القرون .
ب- الأسلوب الأدبي : والأسلوب الأدبي -كدليل سلبي -ليس هو الدليل الأمثل الأكيد ، ومع ذلك فمما يلفت النظر بالتأكيد ،أن التعبير "لأن فم الرب تكلم" قد تكرر ثلاث مرات في سفر إشعياء ، ولم يذكر في أي موضع آخر من العهد القديم ( إش 1: 20، 40: 5، 58: 14) ، كما يستلفت النظر أيضاً ورود عبارة "مجاري المياة" مرتين في إشعياء دون سائر الأسفار (30: 25، 44: 4) وهناك خاصية أخري هي ميل النبي إلي التكرار للتأكيد (2: 7و 8، 6: 3،8: 9، 24: 16و 23، 40: 1، 43: 11و 25، 48: 15، 51 : 12، 57: 19، 62: 10) . وفي الواقع ، ليس من المغالاة في شيء أن نقول إن أسلوب إشعياء يختلف كثيرا عن أسلوب أي نبي آخر في العهد القديم ، إنه بعيد كل البعد عن أسلوب حزقيال وجميع أنبياء ما بعد السبي .
ج- إشارات تاريخية : خذ أولاً ، علي سبيل المثال ، إشارة النبي باستمرار إلي يهوذا وأورشليم ، إلي بلده وعاصمتها (1: 7-9، 3: 8، 24: 19، 25: 2،40: 2 و 9،62: 4) . وبالمثل إشاراتة المتكررة إلي الهيكل وطقوس العبادة والذبائح ، ففي (1: 11-15) عندما عم الرخاء ، شكا النبي من أن الشعب كانوا مسرفين وشكليين في عبادتهم وذبائحهم .وعلي العكس من ذلك ، نري في (43: 23و 24) أنه عندما اجتاح الأشوريون البلاد ، وعندما حاصر سنحاريب المدينة ، يذكرهم النبي بأنهم لم يحضروا شاة محرقتهم ولم يكرموه بذبائحهم ، بينما في (66: 1-3و 6و 20) لا نراه يعترض علي وجود الهيكل وممارسة الطقوس فحسب ، بل ويدين الذين يتكلمون علي الهيكل المادي والعبادة الشكلية الخارجية في الهيكل . أما بالنسبة للسبي ، فإن موقف النبي في كل السفر ، كان موقف الترقب والأنتظار الواثق .وهكذا نري في (57: 1) التهديد بالقضاء وليس وقوع القضاء : "من وجه الشر (الشر القادم) يضم الصديق" أي أن السبي يوصف كأمر مازال في المستقبل . ومن الجانب الاخر نقرأ في (3: 8) : "لأن أورشليم عثرت ويهوذا سقطت" وكأنه يصف السبي كشيء قد حدث في الماضي ، ومع ذلك فهذه كلمات إشعياء القرن الثامن - كما يعترف الجميع - "أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه .. من اربعة اطراف الأرض" (11: 11و 12) ، وتفسير مثل هذه العبارة حرفيا وميكانيكيا ، دون اعتبار للأحوال في القرن الثامن ق.م.، أو موقف النبي الواضح من السبي ، لابد أن يؤدي إلي الارتباك ، فلم يدرك نبي آخر مصير العبرانيين بمثل هذه الروعة ، وبمثل هذا الوصف الحي.
د- العنصر النبوي : ويعتبر أقوي برهان علي وحدة السفر ، فالتنبؤ هو جوهر النبوة (تث 18: 22) . لقد كان إشعياء نبي المستقبل المبرز ، فهو يقفز مرارا وبسرعة لا تباري ، من اليأس إلي الرجاء ، من الوعيد والتهديد إلي الوعد ، من الواقع إلي المثالي . لقد تحدث إشعياء إلي عصره، ولكنه خاطب أيضا الأجيال اللاحقة . لقد استخدم الأفعال في صيغة المستقبل كما في صيغة الماضي النبوي التام . فالشيء الأساسي في السفر أوفي الحديث ، فإنما هو نظرة النبي إلي المستقبل .
لقد كانت خدمة إشعياء خدمة نبوية- في أساسها -بدرجة بالغة، وهكذا نراه:
1- قبل الحرب الأرامية الأفرايمية (734ق.م) يتنبأ أنه في خلال 65 سنة سينكسر أفرايم (7: 8) ، وكذلك قبل أن يعرف الصبي مهير شلال حاش بز أن "يدعو يا أبي ويا أمي تحمل ثروة دمشق وغنيمة السامرة قدام ملك أشور" (8: 4،7: 16) .وليست هاتان سوي نبوتين من النبوات العديدة- كما سبق وبينا - بين نبواته الأولي (انظر 1: 27و 28،2: 2-4،6: 13، 10: 20-23، 11: 6-16،17: 14) .
2- وقبيل سقوط السامرة في سنة 722 ق.م .تنبأ إشعياء بأن صور ستنسي سبعين سنة ، ثم بعد سبعين سنة ، تكون تجارتها وأجرتها قدسا للرب (23: 15و 18) .
3- وكذلك قبل حصار أشدود في سنة 711 ق.م، أعلن النبي أنه في ثلاث سنين يهان مجد موآب (16: 14) ، وأنه في مدة سنة يفني كل مجد قيدار (21: 16) .
4-وقبيل حصار سنحاريب لأورشليم في سنة 701 ق.م. تنبأ أنه في لحظة بغتة ، يصير جمهور أعدائها "كالغبار الدقيق وجمهور العتاة كالعصافة المارة" (29 :5) ولكن "في مدة يسيرة جدا يتحول لبنان بستانا " (29: 17) وسوف "يسقط أشور بسيف غير رجل وسيف غير إنسان يأكله …. " (30: 17و 31، 31: 8) . وأكثر من هذا فإنه لأيام علي سنة سوف ترتعد النساء والمطمئنات والواثقات (32: 10و 16-20) وسيري الأبرار في صهيون أورشليم مسكنا مطمئنا ، "ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلي صهيون بترنم وفرح أبدي علي رؤوسهم ابتهاج وفرح يدركانهم ، ويهرب الحزن والتنهد" .( 33: 17-24، 35: 4و 10) . ولكن علي النقيض من ذلك سوف يسمع سنحاريب خبرا ويرجع إلي أرضه دون أن يرمي سهما واحدا علي المدينة (37: 7و26-29و 33-35) . وبعد انتهاء حصار سنحاريب لأورشليم في سنة 701، يبدو أن النبي استمر -علي نفس المنوال - يتنبأ ، ولكي يبين للبقية المتألمة عديمة الإيمان ، المحيطة به ، ألوهية الرب وحماقة عبادة الأوثان ، أشار علي النبوات التي سبق أن قالها في سني خدمته الأولي ، وإلي حقيقة إتمامها ، وهكذا يقول: "من أخبر من البدء حتي نعرف ، ومن قبل حتي نقول هو صادق (41: 21-23،26 ) ، "هوذا الأوليات قد أتت والحديثات أنا مخبر بها ، قبل أن تنبت أنا أعلمكم بها " ( 42: 9 و 23) ، "من منهم يخبر بهذا ويعلمنا بالأوليات (أي الأشياء التي ستحدث عن قريب ) …. أنا أخبرت وخلصت وأعلمت…. " (43: 9و 12) ، "ومن مثلي ينادي فليخبر به ويعرضه لي؟ والمستقبلات وما سيأتي ليخبروهم ( أي لتخبر الصنام) بها … أما أعلمتك منذ القديم وأخبرتك ؟ فأنتم شهودي … القائل عن كورش راعي فكل مسرتي يتمم ويقول عن اورشليم ستبني وللهيكل ستؤسس (44: 7و 8و 27و 28) ، "انا الرب الذي يدعوك باسمك ؟.. دعوتك باسمك . لقبتك وأنت لست تعرفني .. إسألوني عن الآتيات … أنا قد انهضته (كورش) بالنصر… هو يبني مدينتي ويطلق سبيي لا بثمن ولا بهدية " (45: 3و 4و 11و 13) ، "مخبر منذ البدء بالأخير ومنذ القديم بما لم يفعل داع من المشرق الكاسر (كورش) .من ارض بعيدة رجل مشورتي .قد تكلمت فأجريه قضيت فأفعله" (46: 10و 11) ، "بالأوليات منذ زمان أخبرت ، ومن فمي خرجت وأنبأت بها بغتة صنعتها فأتت …. أخبرتك منذ زمان قبلما أتت أنبأتك . لئلا تقول صنمي قد صنعها ومنحوتي ومسبوكي امر بها " (48: 3و 5) ، قد أنبأتك بحديثات منذ الآن وبمخفيات لم تعرفها … لم تسمع ولم تعرف ومنذ زمان لم تنفتح أذنك … من منهم اخبر بهذه ؟… أنا أنا تكلمت ودعوته … لم أتكلم من البدء في الخفاء" (48: 6-8و 14-16) كل هذه نبوات واضحة واكيدة .
5 - كورش موضوع النبوة: من كل هذه النبوات الواضحة التي سبق ذكرها ، التي تكررت مراراً ، يتضح شيء واحد ، ألا وهو أن هناك تأكيداً قوياً من النبي علي النبوات في كل أجزاء سفر إشعياء . وينبغي أن نوضح بقوة أن النبي يقدم "كورش" –من كل وجهات النظر –كموضوع للنبوة ، والحقيقة هي أن النبي -كما يبدو - كان يعيش في جو الماضي والمستقبل كما في الحاضر ، فكلها حية في ذهنه النبوي. وهذه هي الخاصية المميزة لإشعياء . وهذا -في الحقيقة -يتفق مع اختيار صدق النبوة الواردة في سفر التثنية (18: 22) : "فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه " .بالإضافة إلي هذا ، هناك نبوة واضحة مشابهة عن الملك يوشيا الذي تنبأ عنه النبي بالاسم قبل مجيئه بقرنين من الزمان (1 مل 13: 2، 2 مل 23: 15و 16). فأهم نقطة يريد إشعياء إثباتها هي أنه يتنبأ عن أحداث في قدرة الرب وحده أن ينبئ بها وان يتممها أيضاً . وبعبارة اخري ، إن علم الله السابق للأحداث ، لهو الدليل علي ألوهية الرب . لقد عاش إشعياء في عصر فيه أعلن الله سرائره -بصورة خاصة -لعبيده الأنبياء (عاموس 3: 7) . لقد كانت الظروف السياسية غير مستقرة بل دائمة التبدل والتغير ، كما كان هناك ما يدعو إلي التنبؤ ولقد تأيد أن إشعياء قد نطق بهذه النبوات العجيبة ، بما جاء في حكمة يشوع بن سيراخ (48: 20-25، كتب حوالي 180ق.م ) ، وبما ذكره يوسيفوس في تاريخه (المجلد الحادي عشر 1: 1و 2ويرجع إلي حوالي 100 م ) ، وكلاهما مؤرخان قديمان جديران بالثقة .
ثم اخيرا ، لماذا يعترض الناس علي التنبؤ بمثل هذا الشمول ؟ فما لم يكن هناك تحديد بالنسبة للنبوة ، وما لم تسمو هذه النبوة عن مجرد التكهن ، فلن تكن لها قيمة في ذاتها ، فإذا أعترض البعض عن أن نبوة بمثل هذه الدقة ، تعتبر "غير معقولة "، فإن الإجابة علي ذلك سهلة ، فقد تكون "غير معقولة" ولكنها خادمة "للإيمان" ، فالإيمان يتجه إلي المستقبل تماماً ، كما أن النبوة ترتبط بالمستقبل ، والعهد القديم يتميز بأنه كتاب يشجع الإيمان ، وفي الواقع ، ليس ثمة اعتراض سليم علي "النبوة عن كورش ، لأن أهم ما يميز الديانة اليهودية عن غيرها ، هو "التنبؤ عن المستقبل" . لقد تنبأ الأنبياء العبرانيون عن مجئ المسيا ، بل أن العبرانيين –في الحقيقة- هم الشعب القديم الوحيد الذي يقع "عصره الذهبي" في المستقبل أكثر منه في الماضي . وعليه فإن النبوة بمجئ كورش كالواسطة البشرية لخلاص إسرائيل ، ليست إلا الجانب الآخر لنفس الصورة التي يرسمها النبي عن الوسيط الإلهي ، "عبد الرب" المتألم المطيع الذي سيفدي إسرائيل من خطيته .فإن أنكرنا علي إشعياء بن آموص نبوته عن كورش ، فمن المنطقي أيضا أن ننكر عليه نبواته عن الرجاء بمجئ المسيا الذي ارتبط دائما باسمه . وإن انكرنا علي إشعياء بن آموص نبواته عن العودة من السبي ، فإننا نسلب نبوات سفره صفتها الجوهرية وفحواها الفريدة. وإن بترنا من سفر إشعياء هذه الأجزاء التي تكشف عن المستقبل ، لأصبح مجرد تكهنات ، ولفقد -إلي أبعد الحدود-قيمته الدينية كأقوال الله .
إشعياء-صعوده :
لقد ورد ذكر سفر صعود إشعياء -وهو سفر غير قانوني- كثيرا في كتابات آباء الكنيسة الأوائل وبخاصة أوريجانوس الذي يسميه "أبوكريفون إشعياء" أي السفر الأبوكريفي لإشعياء . اما أبيفانوس فقد أطلق عليه الاسم الذي أصبح معروفا به أي "صعود إشعياء" ويقول أوريجانوس إن ما جاء في الرسالة إلي العبرانيين (11: 37) فيه إشارة إلي هذا السفر في الحديث عن الذين "نشروا" من القديسين .كما أن الشهيد يوستنيوس يتحدث عن موت إشعياء بعبارات تدل علي معرفته بهذا السفر .
ولقد أختفي هذا السفر حتي وجد رئيس الأساقفة لورنس نسخة منه باللغة الأثيوبية عند أحد باعة الكتب في لندن ،كما كشف التنقيب في مجدل عن بعض المخطوطات منه ، وهناك جزء منه مطبوع في فينيسيا عن نسخة لاتينية.
1-الموجز: استدعي الملك حزقيا -في السنة السادسة والعشرين من ملكه ، إشعياء لتسليمه بعض الرسائل ، فأخبره إشعياء أن الشيطان "شمعئيل مالكيرا" سيسيطر علي ابنه منسي . وعندما سمع حزقيا هذا ، أمر بقتل ابنه ،ولكن إشعياء أخبره بأن "الشخص المختار" سيبطل مشورته.
ولما مات حزقيا ، اتجه منسي لعبادة بريال (بليعال) ماتانبوك ، فاعتكف إشعياء في بيت لحم ، ثم ارتحل مع بعض الأنبياء -ميخا ويوئيل وحبقوق ،وأيضا حنانيا وابنه يوآب - إلي جبل في الصحراء. ولكن بالكيرا السامري عرف مخبأهم ، فجئ بهم إلي أمام منسي لاتهام إشعياء بالكفر لأنه قال أنه قد رأي الله مع أن الله أعلن لموسي أنه لا يقدر إنسان أن يري وجه الله، كما اتهم أيضا انه أطلق علي "أورشليم" اسم "سدوم" ووصف رؤساءها بأنهم رؤساء "عمورة" وكان بليعال غاضباً اشد الغضب علي إشعياء لأنه تنبأ عن مجئ المسيح وخدمة الرسل . وهنا يبدو الخلط بين مجئ المسيح الأول ومجيئة الثاني ثم بعد ذلك رواية عن تجسد "بليار" في شخص نيرون "الملك قاتل أمه" واضطهاد الرسل الأثني عشر ، وأن أحدهم سيسلم ليده ولعل الإشارة هنا إلي إستشهاد بطرس ،فإذا كانت الإشارة إلي بولس ، ففي ذلك إنكار لاستشهاد بطرس في رومية ، وإذا كانت لبطرس ، فهي إنكار لرسولية بولس ، وان مدة ملك "ضد المسيح" هي "ثلاثة سنوات وسبعة أشهر وعشرون يوما" أي أنها 1335 يوما بالحساب الروماني . ويبدو أن هذه المدة محسوبة علي أساس فترة اضطهاد نيرون للمسيحيين. ثم يذكر عبارة فريدة: "إن السواد الأعظم ممن ارتبطوا معا في قبول "المحبوب" ، سيجذبهم وراءه" ، وهي عبارة تعني حدوث ارتداد واسع المدي تحت ضغط الاضطهاد أكثر مما نعلم من المصادر الأخري . وفي نهاية هذه المدة "سيأتي الرب مع ملائكته، ويلقي بيليار وجيوشه إلي جهنم " ، ثم تأتي الإشارة إلي نزول "المحبوب" إلي شئول (الهاوية) .
ويصف الأصحاح الثاني استشهاد إشعياء ، وكيف "نشر بمنشار خشبي" ، وكيف سخر منه "بالكيرا" وحاول أن يحمل إشعياء علي جحد أقواله. ثم يبدأ منه الأصحاح السادس ، الجزء الرئيسي من السفر عن صعود إشعياء ، وما الإصحاح السادس إلا مقدمة ،ففي الأصحاح السابع يروي كيف أن النبي قد صعد في الجلد ثم إلي السماء بعد سماء حتي بلغ السماء السابعة ، وكان يقوده في صعوده أحد عظماء الملائكة . وفي الجلد ملائكة الشيطان يتحاسدون . ثم بعد ذلك صعد إلي السماء الأولي حيث رأي في وسطها عرشا والملائكة يحيطون به عن اليمين وعن الشمال ، وأعظمهم من كانوا عن اليمين. وهكذا كان الشأن في السموات الثانية والثالثة والرابعة والخامسة ، إلا أن كل سماء كانت تمتاز عن سابقتها في المجد . وفي السماء السادسة لم يكن هنا عرش في الوسط ، كما لم يكن هناك فارق بين الملائكة الذين عن اليمين والذين عن اليسار بل كان الجميع متساويين . ثم رفع السماء السابعة -وهي أمجدها -حيث رأي لا الله الآب وحدة ، بل رأي أيضا الابن والروح القدس ، ويقال لنا إن الابن سينزل إلي الأرض وسيأخذ صورة بشرية ويصلب بفعل رئيس هذا العالم . وبعد أن ينزل إلي شئول ، ويسبي منها سبيا ، يصعد إلي الأعالي .
وفي الأصحاح العاشر نجد أقوالا مفصلة عن نزول الأبن عبر السموات المتوالية ، وكيف أنه في كل سماء منها أخذ صورة الملائكة الساكنين فيها حتي لا يعرفوه .وفي الجلد ظهر الشياطين المتحاسدين المتشاحنين، لكي يعوقوه .ونجد في الأصحاح الحادي عشر رواية شبه دوسيتية (تنكر حقيقة ناسوت المسيح) عن الميلاد المعجزي. ثم ينتهي السفر ببيان أن هذه الإعلانات كانت السبب في نشر إشعياء.
2-تركيب السفر: يقول دكتور تشارلز إنه قد جمعت في هذا السفر ثلاثة كتب هي :عهد حزقيال ، واستشهاد إشعياء ورؤيا إشعياء. وقد أخذ هذه الأسماء التي اطلقت علي هذا السفر في كتابات الآباء ، وهي ليست وصفا دقيقا للمحتوي ، وبخاصة الكتاب الأول . والترتيب الزمني المضطرب -في الكتاب الذي بين أيدينا -قد يرجع إلي أخطاء النسخ والترجمة .ويبدو من الفقرة الافتتاحية ، أنه كان هناك كتاب أبوكريفي عن حزقيا.
يستدعي منسي امام أبيه لكي يسلم له "كلمات بر قد رآها الملك نفسه" عن "الدينونة الأبدية ، العذاب في جهنم ، ورئيس هذا العالم وملائكته ورؤسائه وسلاطينه" -وهي عبارة تدل علي معرفة الكاتب بالرسالة إلي أفسس -ثم لا نجد بعد ذلك تفصيلا لهذه العبارات الموجزة.
ولا تذكر رؤيا إشعياء شيئا عن سلاطين ورؤساء مملكة الشيطان . ويبدو أنه من الأفضل اعتبار السفر الحالي مكونا من كتابين :استشهاد اشعياء ورؤيا الصعود .والإشارات سواء إلي الماضي أو إلي المستقبل تدل علي تشابة شديد في الأسلوب ،مما يدل علي أن الكاتب واحد .وهناك معرفة بالأحوال الرومانية في عصر سقوط نيرون، أكثر مما كان ممكنا لأي إنسان مقيم في فلسطين أن يعرف ، مما يبدو معه أن الكتاب قد كتب في رومية .
3. اللغة: يبدو أن الأصل الذي أخذت عنه الترجمات الأثيوبية والسلافية ، هو اليونانية ، وهذا واضح من اسماء العالم التي تنتهي في العبرية " بيا " وفي اليونانية "بياس" مثلما في حزقياس وإشعياس وزكرياس ، كما هي في اليونانية ، ماعدا اسم منسي الذي يذكر في صيغتة العبرية . ومع أنه من المؤكد -كما سبق القول - أن النسخ المذكورة قد نقلت عن اليونانية إلا أنه من المحتمل أن تكون اليونانية قد أخذت عن العبرية فتركيب الجمل يدل علي نفس الشيء (انظر 2: 5 في اليونانية ) ، واللقب الذي يطلق علي "بريال" وهو "ماتا بنوكس" - الذي لا يذكر في اليونانية - ليس له معني إلا إذا اعتبرناه مأخوذا عن العبرية "ماتان بوكاه" أي عطيته "الخواء أو الفراغ" ، ولقب "مالكيرا" الذي يطلق علي شمعئيل ، يبدو أنه يعني "ملك المراقبين" أي "الايريم" وهم الملائكة الذين لم يحتفظوا بحالتهم الأولي -كما جاء في سفر أخنوخ - بل تنجسوا مع النساء. كما أن "بلكيرا" معناه ملك الحصن أو "بعل كير"وهكذا يبدو من المحتمل أن لهذا السفر أصلا عبريا كسائر الأسفار المشابهة .
تاريخه: من يقرأ سفر "صعود إشعياء" لا يمكن أن يفوته إدراك أنه يقرأ كتابا ينتمي إلي العصر المسيحي في بدايته ، ولعله كانت وراءه رؤيا يهودية أقدم منه ، وإن كان هذا - في رأينا -ليس أمرا ضروريا . ويتكون الكتاب من وثيقتين ، ولكن العنصر المسيحي يبدو انتماؤه إلي بدء تاريخ الكنيسة ، من ترقب مجيء المسيح بسرعة في العالم أي "ظهوره" والنزاع في الكنيسة بين الشيوخ والرعاة يعطينا صورة للصراع بين دعاة التهود وبين المسيحيين البوليسيين . ثم إن التركيز علي الاثني عشر فقط ، وعدم ذكر بولس بالمرة ، دليل علي أنه من تأليف أحد دعاه التهود . والفكر الدوسيتي (الذي ينكر حقيقة ناسوت المسيح) في ميلاد المسيح ، واستناده إلي الأناجيل القانونية ، يدلان علي كتابته في تاريخ مبكر . ويبدو لنا أنه من المستطاع تحديد التاريخ بدقة . فمدة حكم "بريال" الذي حل علي نيرون وتجسد فيه ، هي ثلاث سنوات وسبعة أشهر وسبعة وعشرون يوما أي 1335 يوما (4: 12) وهو العدد الوارد في نهاية نبوة دانيآل (12: 12) ، وهو محسوب بالحساب الروماني ، مما يدل مرة أخري علي أن الكتاب قد كتب في رومية . ولكن هذا العدد يقرب بصورة مذهلة ، من أيام حكم نيرون بعد بدء الاضطهاد . فمن حرق روما (في 19 يوليو 64) إلي موت نيرون (في 9 يونيو 68) 1421 يوما ، أي بفارق 86 يوما .ولابد أنه مر شهر- علي الأقل -علي حرق روما قبل أن يبدأ الاضطهاد ، ثم مرت مدة أخري قبل أن تبلغ الحملة المجنونة علي المسيحيين ذروتها ، بإلقائهم في القار المغلي، أو إشعال النيران فيهم لإضاءة حدائق نيرون. وأي مسيحي في روما شهد هذا الاضطهاد ، كان لابد أن يتمنى نهاية هذا الحكم الرهيب، ولحدد زمنه بما جاء في نبوة دانيال. ويبدو أن الألف والمائتين والتسعين يوما كانت قد مضت ، وهو يرجو أن ينتهي هذا الطاغية بنهاية الألف والثلاث مائة والخمسة والثلاثين يوما . وهناك مشكلة حول ذكر العدد علي أنه 332 في 4: 14، والأرجح - كما يقول لوك وديلمان وتشارلز - أن رقم الألف قد سقط من العدد ، وأن رقم الأحاد هو خمسة ، وذلك للوصول إلي العدد الصحيح ، وفي هذه الحالة لابد أن هذه الرؤية قد كتبت قبل وصول أخبار ثورة فيندكس إلي روما وقبل موت نيرون . وإذا أخذنا بهذا الرأي - مع أن الحقيقة أن العدد الأقل وهو 332 موجود في المخطوطات الأثيوبية الثلاث ،ويجب عدم حل المشكلة بإضافة رقم معين- فإنه يدل علي وقت سابق مباشرة لموت نيرون . وتظل المشكلة : من أين جاء الكاتب بهذا العدد ؟ إذا كان العدد صحيحا ، فلعله العدد المحسوب بناء علي حروف أحد أسماء الشيطان ، فالعدد الذي يقابل اسم "بريال" هو 322 ، ويبدو أن هناك دلالة أخري علي الزمن في كتاب استشهاد بطرس الذي يمكن تحديد حدوثه بالنسبة الرابعة والستين بعد الميلاد .ثم هناك دليل سلبي ، وهو عدم الإشارة البتة إلي سقوط أورشليم ، فلو أن سقوط أورشليم كان قد حدث ، لما فات يهوديا مسيحيا- إذ يرجح إن الكاتب كان يهوديا -ذلك ، بل لدفعته محبته الشديدة لسيده المصلوب، إلي رؤية نقمة السماء علي المدينة التي أسلمته للموت ، ولكان هذا موضع زهوه . فلابد إذا من أن الكتاب قد كتب في خلال العام الثامن والستين بعد الميلاد.
أما الأصحاح الحادي والستون فيقدم مرة أخري "عبد الرب" -بدون ذكر اسمه- منادياً بالخلاص (1-3) ،فبعد أن يقدم "عبد الرب" رسالة الإنجيل ، يأتي الوعد باستعادة أورشليم لمجدها وبركتها (4-11) ، وهكذا نري النبوة تتقدم بثبات نحو غايتها في يسوع المسيح (انظر لوقا 4: 18-21) .
وفي 62: 1-63: 6، يصف خلاص صهيون الوشيك ، وأن الأمم ستشهد هذا الحدث العظيم .وستعطي صهيون اسما جديداً يدل علي حقيقتها ، وهذا الاسم هو "حفصيبة" ، "لأن الرب يسر بك " لأنه عن أورشليم :"لا يقال بعد لك مهجورة ،ولا يقال بعد لأرضك موحشة " ومن الجانب الآخر سيبيد كل أعداء صهيون .وفي قصيدة درامية موجزة رائعة الجمال (63: 1-6) يرسم النبي صورة لنقمة الرب كمحارب مظفر يقضي علي كل من يعمل علي إعاقة خلاص إسرائيل . وكان "أدوم" -بصفة خاصة -عدو إسرائيل الذي لا يهدأ ،لذلك فإن النبي يمثل قضاء الرب علي الأمم كشيء سيحدث علي أرض أدوم النجسة أما الرب صانع الخلاص بيده القوية ، فسيعود منتصراًَ بعد أن يكون قد قضي علي كل أعداء إسرائيل .
وفي 63: 7-64: 12، يلجأ "عبيد الرب" إلي الصلاة ، فيتطلعون إلي أبيهم جابل كل الأمم (63: 16،64: 8) .وبهذا الفكر الذي تشعبت به لغة إشعياء عن أبوة الله ، يبدأ النبي حديثه الأول إلي يهوذا وأورشليم (انظر 1: 2) وكلما تمتد الصلاة ، تشتد لهجتها ، فقد خيم اليأس علي الشعب لأن الرب يبدو وكأنه قد تركهم (63: 19) ويدركون أن حالة أورشليم ميئوس منها "بيت قدسنا وجمالنا حيث سبحك آباؤنا قد صار حريق نار وكل مشتهياتنا صارت خراباً " (64: 11) . وهذه اللغة هي لغة صلاة حارة ويجب ألا تؤخذ بحرفيتها تماماً ( كما يتبين بوضوح من 63: 18، 3: 8) .
وأخيرا نري في الإصحاحين الخامس والستين والسادس والستين ،الرب يستجيب لتضرعات شعبه مميزا تماماً بين "عبيده" وبين المرتدين في إسرائيل . فإن نسله المختار هو وحده الذي سيخلص (65: 9) ، أما الذين بعناد يغيظون الرب ويذبحون في الجنات (65: 3،66: 17) والذين "رتبوا للسعد الأكبر مائدة وملأوا للسعد الأصغر خمراًَ ممزوجة" (65: 11) ويجلسون بين القبور ملتمسين وحياً من الموتي ، ويأكلون لحم الخنزير ومرق لحوم نجسة لأنهم كانوا يظنونها تتميز بصفات سحرية ،ويبيتون في القبور والمدافن يمارسون فيها أسرار وثنية (65: 4) ، وفي الوقت نفسه يتصورن أنهم بممارسة مثل هذه الأسرار الوثنية ، يصبحون أقدس من غيرهم ، ولذلك فليس عليهم القيام بواجبات الحياة العادية (65: 5) ،هؤلاء هم الذين سيعاقبهم الرب إذ يكيل الرب عملهم الأول في أحضانهم مهلكاً إياهم بالسيف (65: 7و 12) ،وفي الجانب الآخر سيرث عبيد الرب جبال الرب المقدسة ، وسيفرحون ويترنمون من طيبة القلب ، ويتبركون بالإله الأمين ، إله الحق (65: 9و 14 و 16) . وسيخلق الرب سموات جديدة وأرضاً جديدة حيث يسكن الناس ويتقدمون في السن كالآباء الأوائل ، وسيملكون بيوتاً وكروماً ويستمتعون بها لأن عصراً من السلام الشاعري سيبدأ بمجيء عصر ملك المسيا الذي فيه ستتغير حتي طبائع الوحوش ،وتعيش أشرس الحيوانات المفترسة معا في تآخ وانسجام (65: 17- 25) وتصبح العبادة روحية غير مقيدة بمكان معين ،وستختفي العبادات السرية ،وسينقطع صوت الهازئين الماجنين ،وسيتكاثر عدد سكان صهيون بصورة عجيبة ،وسيفرح الشعب ويتعزي (66: 1-14) .وفوق ذلك ستأتي كل الشعوب إلي صهيون لتري مجد الرب "يكون من هلال إلي هلال ومن سبت إلي سبت أن كل ذي جسد يأتي ليسجد" أمام الرب (66 : 15-23) .
ومن الواضح ان سفر إشعياء يختم- كما بدأ - بهجوم عنيف علي العبادة الزائفة وجزاء الأبرار و الأشرار . والفرق الأساسي الوحيد بين أقوال النبي الأولي وأقواله الأخيرة ، هو أن إشعياء -بعد خبرة ما يقرب من نصف قرن من خدمته- يرسم صورة مستقبلية أكثر لمعاناً مما في خدمته الأولي ، فالصورة التي يرسمها عن عصر ملك المسيا لا تسمو فقط فوق ما رسمه المعاصرون له من أنبياء القرن الثامن من قبل الميلاد ،بل ينفذ إلي مناطق أبعد من كل الآفاق الروحية التي وصل إليها أنبياء العهد القديم . إن اللغة المستخدمة في 66: 1 و 2 تسبق فتبين بصفة خاصة المبدأ العظيم الذي أعلنه يسوع في إنجيل يوحنا (4: 24) بأن "الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا "وانه لمن المستحيل تماماً محاولة تحديد تاريخ هذه اقوال علي أساس الأدلة الداخلية. ومن وجهة نظر الإنسان يمكن -بكل بساطة - ان تصدر هذه الإعلانات عن أي عصر من العصور بدون تمييز بين عصر وعصر ،ولكن لا يمكن أن تأتي مطلقاً -في أي عصر -بدون روح الله .
ثامناً -الترتيب الزمني لنبوات إشعياء : إن ترتيب أزمنة كتابة نبوات إشعياء موضوع بالغ الأهمية، وترد هذه النبوات -أساساً -في ترتيبها الزمني ،فيمكن أن يقال أن كل التواريخ المذكورة تأتي في تتابع تاريخي دقيق مثلاً : "في سنة وفاة عزيا الملك … "(6: 1 في 740 ق.م) ، "وحدث في أيام آحاز" (7: 1-في 727 ق.م) ، "وفي سنة مجيء ترتان إلي أشدود حين أرسله سرجون ملك أشور " (20: 1-في 711 ق.م)، "وكان في السنة الرابعة عشرة للملك حزقيا … " (34: 1-في 701 ق.م) كل هذه الأحداث جاءت بترتيب زمني دقيق . وإذا أخذنا هذه الأحداث في مجموعات ،فإننا نري أن رسائل إشعياء العظيمة قد رتبت بالمثل في تتابع تاريخي صحيح ،فالإصحاحات 1-6 يرجع معظمها إلي السنوات الأخيرة من حكم يوثام (740- 736 ق.م) ، والأصحاحات 7-12 ترجع إلي الفترة التي قامت فيها الحرب الأرامية الأفرايمية (734 ق.م) والإصحاح العشرون يرجع إلي سنة حصار سرجون لأشدود (711 ق.م) ،والأصحاحات 28-32 يرجع إلي وقت غزو سنحاريب ليهوذا (701ق.م) ، بينما نجد الأجزاء المختصة بالمواعيد (الأصحاحات 40-66) تختم هذه المجموعات ختاماً طبيعياً . ولكن في حالات ثانوية عديدة نجد خروجاً ملحوظاً عن التعاقب الزمني الدقيق ، فمثلاً الأصحاح السادس الذي يصف دعوة النبي الأولى للخدمة يأتي بعد التوبيخات والتحذيرات المذكورة في الأصحاحات الخمسة الأولي ولكن يحتمل أن ذلك لأن النبي استخدمها توطئة لدعوته.كما أن النبوات ضد الأمم الغريبة في الأصحاحات 13-23، تنتمي إلي تواريخ متنوعة جمعت معا لاتفاقها علي الأقل في الموضوع ،وشبيه بذلك الأصحاحان 38 و 39 عن قصة مرض حزقيا الملك وبعثة مردوخ بلادان إليه بعد شفائه (714- 712 ق.م) ،فهي تسبق زمنياً الإصحاحين 36 و 37 اللذين يصفان حصار سنحاريب لأورشليم (701 ق.م) .علي أي حال فإن التقاطع في الترتيب ، قد يعود إلي الرغبة في جعل الإصحاحين 36,37 (عن سنحاريب ملك أشور) ختاما مناسبا للأصحاحات 1-35 ( التي تذكر الكثير عن أشور ) ، ومن الناحية الأخرى لجعل الإصحاحين 38 و 39(عن مردوخ بلادان البابلي) مقدمة مناسبة للأصحاحات 40-66( والتي تتحدث كثيراً عن بابل).
إن محاولة تأريخ رسائل إشعياء علي أساس المعايير الداخلية فحسب، تكاد تكون ضرباً من المستحيل ، ومع ذلك فليس ثمة آخر ،فغالباً ما نجد أجزاء متجاورة رغم أنها تشير إلي اتجاهات مختلفة .وفي الواقع هناك فقرات معينة تبدو وكأنها تتكون من مقتطفات متنوعة ترجع في تاريخها إلي فترات مختلفة ،كما لو كانت هناك نبوات -يفصل بين بعضها بعض فترات طويلة -قد صهرت معاً . وفي مثل هذه الحالات يجب أن نعطي وزناً كبيراً للظواهر التي تشير إلي أصل مبكر بسبب الطبيعة النبوية السائدة في كتابات إشعياء .
لقد كان إشعياء يتطلع دائماً إلي المستقبل ، إن نبواته التي لها علاقات تاريخية بحياة أشخاص معينين ، يمكن -تأريخها بسهولة ،ولكن أحاديثة المستقبلية عن المسيا ،ترجع إلي حد كبير -إلي مزاجة النفسي أكثر مما للظروف التاريخية لذلك العصر. وفيما يلي بيان بنبوات إشعياء مرتبة ترتيباً زمنياً :
التاريخ المحتمل لكتابتها
حوالي 740- 736 ق.م الأصحاحات 1-6
حوالي 734- 732 ق.م الأصحاحات7-12
حوالي 734- 732 ق.م الأصحاحات15: 1-16: 12و17
بين 732- 722 ق.م الأصحاحات13: 1-14: 23
بين 732- 722 ق.م الأصحاحات14: 24- 27
حوالي 727 ق.م الأصحاحات 14: 28-32
قبيل 722 ق.م الأصحاحات23
قبيل 722 ق.م الأصحاحات24-27
قبيل 722 ق.م الأصحاحات28: 1-6
حوالي 720 ق.م الأصحاحات19
حوالي 714ق.م الأصحاحات 38
حوالي 712 ق.م الأصحاحات39
حوالي 711ق.م الأصحاحات21: 11و12و13-17
حوالي 711 ق.م الأصحاحات22: 15-25
حوالي 709 ق.م الأصحاحات21: 1-10
حوالي 709 ق.م الأصحاحات22: 1-10
قبيل 701 ق.م الأصحاحات28: 7-33: 24
حوالي 701 ق.م الأصحاحات18
حوالي 701 ق.م الأصحاحات34: 35
مباشرة بعد 701 ق.م الأصحاحات36: 37
مباشرة بعد 701 ق.م الأصحاحات40-66
إن موقف النبي في الأصحاحات 40-66 هو هو موقف إشعياء بذاته ، لأنه إذا كان إشعياء -في الأجزاء التي يعترف الجميع بأنها له -استطاع -قبل 734 ق.م . - أن يصف في بعض الفصول ان مدن يهوذا "محرقة بالنار" ، " فبقيت ابنة صهيون كمظلة في كرم كخيمة في مقثأة " (1: 7و 8) وأن أورشليم "عثرت ويهوذا سقطت" (3: 8) وشعب الرب قد "سبي" (5: 13) ، فبالتأكيد أن كل هذه الأحداث حدثت بعد الخراب والدمار الذي حل بيهوذا بواسطة أشور في السنوات 722، 720، 711، 701 ق.م. إذا كان الأمر كذلك ، فإن نفس النبي ، وبنفس قدرتة الشاعرية ،استطاع أن يعلن أنهم قد "داسوا مقدسك" (63: 18) ، وأنه "قد صار حريق نار " وكل مشتهيات يهوذا قد "صارت خراباً" ( 64: 11) .وفي توافق كامل مع نبواته السابقة استطاع أن يضيف أنهم "يبنون الخرب القديمة ،ويقيمون الموحشات الأولي ، ويجددون المدن الخربة موحشات دور فدور" (61: 4، 44: 26، 58: 12) .
أو إذا كان إشعياء بن آموص قد استطاع أن يعزي أورشليم بالوعد بحمايتها عندما يأتي عليها الأشوريون (734 ق.م) كنهر جارف (8: 9و 10، 10: 24و 25) ، ويقدم العزاء في تصوير جميل (28: 23- 29) ، وينسج في ثنايا الانذارات والتهديدات القاتمة عن سنة 702 ق.م، مواعيد كثيرة لمستقبل مشرق لابد أن يأتي بعد غزوة سنحاريب (29: 17- 24، 30: 29-33 ،31: 8و9) ، وفي وسط حصار سنة 701 ق.م يصور عصر المسيا العجيب برؤي كالتي وردت في (33: 17-24) ، والتي بها يبدد فزع ورعب مواطنيه ، إذا كان قد استطاع كل هذا ، فبالتأكيد يمكننا أن نتصور هذا النبي نفسه ينتهز الفرصة ليعزي سكان صهيون الذين عاشوا بعد مأساة سنة 701 ق.م ، فالنبي الذي قام بالدور الأول ،كان مهيأ للقيام بالدور الثاني.
هناك ظاهرة واحدة جديدة -كثيراً ما اغفلت - في موقف النبي بعد سنة 701 ق.م . هذه الظاهرة ما كان ممكناً تطبيقها علي أي شيء آخر -بنفس الدرجة -كحجة لإثبات رسالته قبل سقوط أشور ونجاة أورشليم ، وهي "تحقيق النبوات السابقة كبرهان علي ألوهية الرب" ومن هذه الفصول الكتابية يمكن أن يفهم الموقف التاريخي الحقيقي للنبي (42: 9، 44: 8، 45: 21، 46: 10، 48: 3) . أما النبوات القديمة فقد تحققت فعلاً (6: 11-13، 29: 8، 30: 31، 31: 8، 37: 7 و30 ) .وعلي هذا الأساس يتجرأ النبي فيتنبأ عن أشياء جديدة بل ومذهلة جداً ، عن هزيمة بابل وسقوطها علي يد كورش ، وخلاص إسرائيل بواسطته أيضاً من أيدي الذين سبوهم (43: 6) . إن سفر إشعياء ممتلئ -بصورة بارزة- بمثل هذه النبوات (7: 8و 10- 16، 8: 4و 8 ، 9: 11و 12، 10: 26و 27، 14: 24-27،16: 14، 17: 9و 12-14، 20: 4-6، 21: 16، 22: 19-25، 23: 15، 38: 5) ، كتب بعضها وختمه وسلمه للحلقة الداخلية من تلاميذه ليستخدموها ويتأكدوا منها عند وقوع الأحداث الخطيرة القادمة (8: 16) . إن العجز عن ادراك وقوع هذا العنصر في سفر إشعياء ، لهو أمر مدمر للتفسير الصحيح لرسالة النبي الحقيقية .
تاسعاً -مشكلة النقد : يقول أ. ب ديفيدسن ( في كتابه نبوات العهد القديم 1903- 244) إنه لمدة خمسة وعشرين قرناً تقريباً لم يشك أحد إطلاقاً في أن إشعياء بن آموص هو كاتب كل جزء من السفر الذي يحمل اسمه ، كما أن الذين ما زالوا يتمسكون بوحدة السفر ، تعودوا علي أن يشيروا باقتناع كامل ، إلي إجماع الكنيسة المسيحية علي هذا الأمر ، حتي قام بعض العلماء الألمان -منذ نحو قرن - وجعلوا وحدة السفر موضعاً للتساؤل ، ولكن التقليد يؤيد بالإجماع وحدة السفر .
البراهين علي "إشعياء واحد" : ليس من المعقول أن نتوقع إمكان إثبات وحدة سفر إشعياء ، مثلما أنه ليس من المعقول أن نفترض العكس ، فالبراهين الداخلية ليست حاسمة لكلا الجانبين . وعلي كل حال هناك براهين تعزز الاعتقاد بأنه لا يوجد إلا إشعياء واحد ، وإليكم البعض منها :
أ- دائرة الأفكار الواحدة التي تدور في كل السفر بصورة ملحوظة جداً ، فمثلا الاسم المميز لله الذي ينفرد بإستخدامة إشعياء : "قدوس إسرائيل" ، هذا اللقب المستخدم للرب ، يذكر في سفر إشعياء 25 مرة ، بينما لا يذكر سوي ست مرات في العهد القديم ، واحدة جاءت منها في سفل مشابه في سفر الملوك . هذا اللقب الفريد "قدوس إسرائيل" يربط كل أجزاء السفر بعضها ببعض ، ويطبعها بالطابع الخاص بمن رأي الإله العظيم جالساعلي كرسي عال ومرتفع ، وسمع الملائكة يسبحون قائلين :"قدوس، قدوس، قدوس رب الجنود،مجده ملء كل الأرض" (6: 3) . إن وجود هذا اللقب الإلهي في كل اجزاء السفر المختلفة ، له من الدلالة القوية بأن إشعياء هو كاتب كل هذه النبوات ، أكثر مما لو ذكر اسمه في بداية كل أصحاح ، وذلك لأن هذا الفكر اللاهوتي عن الله "كالقدوس" نراه منسوجاً في كل سدي ولحمة السفر كله. فهذا اللقب يذكر اثنتي عشرة مرة في الإصحاحات 1- 39، وثلاثة عشرة مرة في الإصحاحات 40-66 ، وليس من العلم او الحق في شيء أن نقول إن الكاتبين المتنوعين المزعومين -للأجزاء موضع النزاع -قد استخدموا جميعهم نفس اللقب تقليدا (1: 4، 5: 19، 24،10: 20، 12: 6،17: 7، 29: 19، 30: 11و 12و 15، 31: 1، 37: 23، وأيضا 41: 14و 16و 20، 43: 3و 14، 45: 11، 47: 4،48: 17، 49: 7، 54 : 5، 55: 5، 60: 9و 14) ، ولا يذكر هذا اللقب إلا في (2 مل 19: 22، مز 71: 22، 78: 41، 89: 18، إرميا 50: 29، 51: 5) .
وهناك أيضا كلمة فريدة يتكرر ورودها في سفر إشعياء بطريقة ملحوظة ، ألا وهي "السكة أو الطريق او السبيل " (11: 16، 35: 8، 40: 3، 43: 19، 49: 11، 57: 14، 62: 10) . كما أن هناك فكرة اخري مميزة ، ألا وهي "بقية" (1: 9، 10: 20و 21و 22،11: 11 و 16، 14: 22و 30، 15: 9، 16: 14، 17: 3، 21: 17، 28: 5، 37 : 31، 46: 3، انظر أيضا 65: 8و 9) . وخاصية أخري واضحة في السفر وهي المركز الذي تحتله "صهيون" في أفكار النبي (2: 3، 4: 5، 18: 7، 24: 23، 28: 16، 29: 8، 30: 19، 31: 9، 33: 5و 20، 34: 8، 46: 13، 49: 14، 51 : 3 و 16، 52: 1،59: 20، 60: 14، 62: 1و 11، 66: 8) . كما أن هناك تعبيرا يتردد كثيراً ، وهو : "أوجاع ومخاض الوالدة" (انظر 13: 8، 21: 3، 26: 17و 18، 42: 14، 54: 1، 66: 7) . هذه كلها وكثير غيرها - اقل بروزاً -تطبع السفر بطابع شخصي يصعب تعليلة إذا قطع السفر إلي شظايا عديدة ، ووزع - كما يفعل البعض - علي عدد من القرون .
ب- الأسلوب الأدبي : والأسلوب الأدبي -كدليل سلبي -ليس هو الدليل الأمثل الأكيد ، ومع ذلك فمما يلفت النظر بالتأكيد ،أن التعبير "لأن فم الرب تكلم" قد تكرر ثلاث مرات في سفر إشعياء ، ولم يذكر في أي موضع آخر من العهد القديم ( إش 1: 20، 40: 5، 58: 14) ، كما يستلفت النظر أيضاً ورود عبارة "مجاري المياة" مرتين في إشعياء دون سائر الأسفار (30: 25، 44: 4) وهناك خاصية أخري هي ميل النبي إلي التكرار للتأكيد (2: 7و 8، 6: 3،8: 9، 24: 16و 23، 40: 1، 43: 11و 25، 48: 15، 51 : 12، 57: 19، 62: 10) . وفي الواقع ، ليس من المغالاة في شيء أن نقول إن أسلوب إشعياء يختلف كثيرا عن أسلوب أي نبي آخر في العهد القديم ، إنه بعيد كل البعد عن أسلوب حزقيال وجميع أنبياء ما بعد السبي .
ج- إشارات تاريخية : خذ أولاً ، علي سبيل المثال ، إشارة النبي باستمرار إلي يهوذا وأورشليم ، إلي بلده وعاصمتها (1: 7-9، 3: 8، 24: 19، 25: 2،40: 2 و 9،62: 4) . وبالمثل إشاراتة المتكررة إلي الهيكل وطقوس العبادة والذبائح ، ففي (1: 11-15) عندما عم الرخاء ، شكا النبي من أن الشعب كانوا مسرفين وشكليين في عبادتهم وذبائحهم .وعلي العكس من ذلك ، نري في (43: 23و 24) أنه عندما اجتاح الأشوريون البلاد ، وعندما حاصر سنحاريب المدينة ، يذكرهم النبي بأنهم لم يحضروا شاة محرقتهم ولم يكرموه بذبائحهم ، بينما في (66: 1-3و 6و 20) لا نراه يعترض علي وجود الهيكل وممارسة الطقوس فحسب ، بل ويدين الذين يتكلمون علي الهيكل المادي والعبادة الشكلية الخارجية في الهيكل . أما بالنسبة للسبي ، فإن موقف النبي في كل السفر ، كان موقف الترقب والأنتظار الواثق .وهكذا نري في (57: 1) التهديد بالقضاء وليس وقوع القضاء : "من وجه الشر (الشر القادم) يضم الصديق" أي أن السبي يوصف كأمر مازال في المستقبل . ومن الجانب الاخر نقرأ في (3: 8) : "لأن أورشليم عثرت ويهوذا سقطت" وكأنه يصف السبي كشيء قد حدث في الماضي ، ومع ذلك فهذه كلمات إشعياء القرن الثامن - كما يعترف الجميع - "أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه .. من اربعة اطراف الأرض" (11: 11و 12) ، وتفسير مثل هذه العبارة حرفيا وميكانيكيا ، دون اعتبار للأحوال في القرن الثامن ق.م.، أو موقف النبي الواضح من السبي ، لابد أن يؤدي إلي الارتباك ، فلم يدرك نبي آخر مصير العبرانيين بمثل هذه الروعة ، وبمثل هذا الوصف الحي.
د- العنصر النبوي : ويعتبر أقوي برهان علي وحدة السفر ، فالتنبؤ هو جوهر النبوة (تث 18: 22) . لقد كان إشعياء نبي المستقبل المبرز ، فهو يقفز مرارا وبسرعة لا تباري ، من اليأس إلي الرجاء ، من الوعيد والتهديد إلي الوعد ، من الواقع إلي المثالي . لقد تحدث إشعياء إلي عصره، ولكنه خاطب أيضا الأجيال اللاحقة . لقد استخدم الأفعال في صيغة المستقبل كما في صيغة الماضي النبوي التام . فالشيء الأساسي في السفر أوفي الحديث ، فإنما هو نظرة النبي إلي المستقبل .
لقد كانت خدمة إشعياء خدمة نبوية- في أساسها -بدرجة بالغة، وهكذا نراه:
1- قبل الحرب الأرامية الأفرايمية (734ق.م) يتنبأ أنه في خلال 65 سنة سينكسر أفرايم (7: 8) ، وكذلك قبل أن يعرف الصبي مهير شلال حاش بز أن "يدعو يا أبي ويا أمي تحمل ثروة دمشق وغنيمة السامرة قدام ملك أشور" (8: 4،7: 16) .وليست هاتان سوي نبوتين من النبوات العديدة- كما سبق وبينا - بين نبواته الأولي (انظر 1: 27و 28،2: 2-4،6: 13، 10: 20-23، 11: 6-16،17: 14) .
2- وقبيل سقوط السامرة في سنة 722 ق.م .تنبأ إشعياء بأن صور ستنسي سبعين سنة ، ثم بعد سبعين سنة ، تكون تجارتها وأجرتها قدسا للرب (23: 15و 18) .
3- وكذلك قبل حصار أشدود في سنة 711 ق.م، أعلن النبي أنه في ثلاث سنين يهان مجد موآب (16: 14) ، وأنه في مدة سنة يفني كل مجد قيدار (21: 16) .
4-وقبيل حصار سنحاريب لأورشليم في سنة 701 ق.م. تنبأ أنه في لحظة بغتة ، يصير جمهور أعدائها "كالغبار الدقيق وجمهور العتاة كالعصافة المارة" (29 :5) ولكن "في مدة يسيرة جدا يتحول لبنان بستانا " (29: 17) وسوف "يسقط أشور بسيف غير رجل وسيف غير إنسان يأكله …. " (30: 17و 31، 31: 8) . وأكثر من هذا فإنه لأيام علي سنة سوف ترتعد النساء والمطمئنات والواثقات (32: 10و 16-20) وسيري الأبرار في صهيون أورشليم مسكنا مطمئنا ، "ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلي صهيون بترنم وفرح أبدي علي رؤوسهم ابتهاج وفرح يدركانهم ، ويهرب الحزن والتنهد" .( 33: 17-24، 35: 4و 10) . ولكن علي النقيض من ذلك سوف يسمع سنحاريب خبرا ويرجع إلي أرضه دون أن يرمي سهما واحدا علي المدينة (37: 7و26-29و 33-35) . وبعد انتهاء حصار سنحاريب لأورشليم في سنة 701، يبدو أن النبي استمر -علي نفس المنوال - يتنبأ ، ولكي يبين للبقية المتألمة عديمة الإيمان ، المحيطة به ، ألوهية الرب وحماقة عبادة الأوثان ، أشار علي النبوات التي سبق أن قالها في سني خدمته الأولي ، وإلي حقيقة إتمامها ، وهكذا يقول: "من أخبر من البدء حتي نعرف ، ومن قبل حتي نقول هو صادق (41: 21-23،26 ) ، "هوذا الأوليات قد أتت والحديثات أنا مخبر بها ، قبل أن تنبت أنا أعلمكم بها " ( 42: 9 و 23) ، "من منهم يخبر بهذا ويعلمنا بالأوليات (أي الأشياء التي ستحدث عن قريب ) …. أنا أخبرت وخلصت وأعلمت…. " (43: 9و 12) ، "ومن مثلي ينادي فليخبر به ويعرضه لي؟ والمستقبلات وما سيأتي ليخبروهم ( أي لتخبر الصنام) بها … أما أعلمتك منذ القديم وأخبرتك ؟ فأنتم شهودي … القائل عن كورش راعي فكل مسرتي يتمم ويقول عن اورشليم ستبني وللهيكل ستؤسس (44: 7و 8و 27و 28) ، "انا الرب الذي يدعوك باسمك ؟.. دعوتك باسمك . لقبتك وأنت لست تعرفني .. إسألوني عن الآتيات … أنا قد انهضته (كورش) بالنصر… هو يبني مدينتي ويطلق سبيي لا بثمن ولا بهدية " (45: 3و 4و 11و 13) ، "مخبر منذ البدء بالأخير ومنذ القديم بما لم يفعل داع من المشرق الكاسر (كورش) .من ارض بعيدة رجل مشورتي .قد تكلمت فأجريه قضيت فأفعله" (46: 10و 11) ، "بالأوليات منذ زمان أخبرت ، ومن فمي خرجت وأنبأت بها بغتة صنعتها فأتت …. أخبرتك منذ زمان قبلما أتت أنبأتك . لئلا تقول صنمي قد صنعها ومنحوتي ومسبوكي امر بها " (48: 3و 5) ، قد أنبأتك بحديثات منذ الآن وبمخفيات لم تعرفها … لم تسمع ولم تعرف ومنذ زمان لم تنفتح أذنك … من منهم اخبر بهذه ؟… أنا أنا تكلمت ودعوته … لم أتكلم من البدء في الخفاء" (48: 6-8و 14-16) كل هذه نبوات واضحة واكيدة .
5 - كورش موضوع النبوة: من كل هذه النبوات الواضحة التي سبق ذكرها ، التي تكررت مراراً ، يتضح شيء واحد ، ألا وهو أن هناك تأكيداً قوياً من النبي علي النبوات في كل أجزاء سفر إشعياء . وينبغي أن نوضح بقوة أن النبي يقدم "كورش" –من كل وجهات النظر –كموضوع للنبوة ، والحقيقة هي أن النبي -كما يبدو - كان يعيش في جو الماضي والمستقبل كما في الحاضر ، فكلها حية في ذهنه النبوي. وهذه هي الخاصية المميزة لإشعياء . وهذا -في الحقيقة -يتفق مع اختيار صدق النبوة الواردة في سفر التثنية (18: 22) : "فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه " .بالإضافة إلي هذا ، هناك نبوة واضحة مشابهة عن الملك يوشيا الذي تنبأ عنه النبي بالاسم قبل مجيئه بقرنين من الزمان (1 مل 13: 2، 2 مل 23: 15و 16). فأهم نقطة يريد إشعياء إثباتها هي أنه يتنبأ عن أحداث في قدرة الرب وحده أن ينبئ بها وان يتممها أيضاً . وبعبارة اخري ، إن علم الله السابق للأحداث ، لهو الدليل علي ألوهية الرب . لقد عاش إشعياء في عصر فيه أعلن الله سرائره -بصورة خاصة -لعبيده الأنبياء (عاموس 3: 7) . لقد كانت الظروف السياسية غير مستقرة بل دائمة التبدل والتغير ، كما كان هناك ما يدعو إلي التنبؤ ولقد تأيد أن إشعياء قد نطق بهذه النبوات العجيبة ، بما جاء في حكمة يشوع بن سيراخ (48: 20-25، كتب حوالي 180ق.م ) ، وبما ذكره يوسيفوس في تاريخه (المجلد الحادي عشر 1: 1و 2ويرجع إلي حوالي 100 م ) ، وكلاهما مؤرخان قديمان جديران بالثقة .
ثم اخيرا ، لماذا يعترض الناس علي التنبؤ بمثل هذا الشمول ؟ فما لم يكن هناك تحديد بالنسبة للنبوة ، وما لم تسمو هذه النبوة عن مجرد التكهن ، فلن تكن لها قيمة في ذاتها ، فإذا أعترض البعض عن أن نبوة بمثل هذه الدقة ، تعتبر "غير معقولة "، فإن الإجابة علي ذلك سهلة ، فقد تكون "غير معقولة" ولكنها خادمة "للإيمان" ، فالإيمان يتجه إلي المستقبل تماماً ، كما أن النبوة ترتبط بالمستقبل ، والعهد القديم يتميز بأنه كتاب يشجع الإيمان ، وفي الواقع ، ليس ثمة اعتراض سليم علي "النبوة عن كورش ، لأن أهم ما يميز الديانة اليهودية عن غيرها ، هو "التنبؤ عن المستقبل" . لقد تنبأ الأنبياء العبرانيون عن مجئ المسيا ، بل أن العبرانيين –في الحقيقة- هم الشعب القديم الوحيد الذي يقع "عصره الذهبي" في المستقبل أكثر منه في الماضي . وعليه فإن النبوة بمجئ كورش كالواسطة البشرية لخلاص إسرائيل ، ليست إلا الجانب الآخر لنفس الصورة التي يرسمها النبي عن الوسيط الإلهي ، "عبد الرب" المتألم المطيع الذي سيفدي إسرائيل من خطيته .فإن أنكرنا علي إشعياء بن آموص نبوته عن كورش ، فمن المنطقي أيضا أن ننكر عليه نبواته عن الرجاء بمجئ المسيا الذي ارتبط دائما باسمه . وإن انكرنا علي إشعياء بن آموص نبواته عن العودة من السبي ، فإننا نسلب نبوات سفره صفتها الجوهرية وفحواها الفريدة. وإن بترنا من سفر إشعياء هذه الأجزاء التي تكشف عن المستقبل ، لأصبح مجرد تكهنات ، ولفقد -إلي أبعد الحدود-قيمته الدينية كأقوال الله .
إشعياء-صعوده :
لقد ورد ذكر سفر صعود إشعياء -وهو سفر غير قانوني- كثيرا في كتابات آباء الكنيسة الأوائل وبخاصة أوريجانوس الذي يسميه "أبوكريفون إشعياء" أي السفر الأبوكريفي لإشعياء . اما أبيفانوس فقد أطلق عليه الاسم الذي أصبح معروفا به أي "صعود إشعياء" ويقول أوريجانوس إن ما جاء في الرسالة إلي العبرانيين (11: 37) فيه إشارة إلي هذا السفر في الحديث عن الذين "نشروا" من القديسين .كما أن الشهيد يوستنيوس يتحدث عن موت إشعياء بعبارات تدل علي معرفته بهذا السفر .
ولقد أختفي هذا السفر حتي وجد رئيس الأساقفة لورنس نسخة منه باللغة الأثيوبية عند أحد باعة الكتب في لندن ،كما كشف التنقيب في مجدل عن بعض المخطوطات منه ، وهناك جزء منه مطبوع في فينيسيا عن نسخة لاتينية.
1-الموجز: استدعي الملك حزقيا -في السنة السادسة والعشرين من ملكه ، إشعياء لتسليمه بعض الرسائل ، فأخبره إشعياء أن الشيطان "شمعئيل مالكيرا" سيسيطر علي ابنه منسي . وعندما سمع حزقيا هذا ، أمر بقتل ابنه ،ولكن إشعياء أخبره بأن "الشخص المختار" سيبطل مشورته.
ولما مات حزقيا ، اتجه منسي لعبادة بريال (بليعال) ماتانبوك ، فاعتكف إشعياء في بيت لحم ، ثم ارتحل مع بعض الأنبياء -ميخا ويوئيل وحبقوق ،وأيضا حنانيا وابنه يوآب - إلي جبل في الصحراء. ولكن بالكيرا السامري عرف مخبأهم ، فجئ بهم إلي أمام منسي لاتهام إشعياء بالكفر لأنه قال أنه قد رأي الله مع أن الله أعلن لموسي أنه لا يقدر إنسان أن يري وجه الله، كما اتهم أيضا انه أطلق علي "أورشليم" اسم "سدوم" ووصف رؤساءها بأنهم رؤساء "عمورة" وكان بليعال غاضباً اشد الغضب علي إشعياء لأنه تنبأ عن مجئ المسيح وخدمة الرسل . وهنا يبدو الخلط بين مجئ المسيح الأول ومجيئة الثاني ثم بعد ذلك رواية عن تجسد "بليار" في شخص نيرون "الملك قاتل أمه" واضطهاد الرسل الأثني عشر ، وأن أحدهم سيسلم ليده ولعل الإشارة هنا إلي إستشهاد بطرس ،فإذا كانت الإشارة إلي بولس ، ففي ذلك إنكار لاستشهاد بطرس في رومية ، وإذا كانت لبطرس ، فهي إنكار لرسولية بولس ، وان مدة ملك "ضد المسيح" هي "ثلاثة سنوات وسبعة أشهر وعشرون يوما" أي أنها 1335 يوما بالحساب الروماني . ويبدو أن هذه المدة محسوبة علي أساس فترة اضطهاد نيرون للمسيحيين. ثم يذكر عبارة فريدة: "إن السواد الأعظم ممن ارتبطوا معا في قبول "المحبوب" ، سيجذبهم وراءه" ، وهي عبارة تعني حدوث ارتداد واسع المدي تحت ضغط الاضطهاد أكثر مما نعلم من المصادر الأخري . وفي نهاية هذه المدة "سيأتي الرب مع ملائكته، ويلقي بيليار وجيوشه إلي جهنم " ، ثم تأتي الإشارة إلي نزول "المحبوب" إلي شئول (الهاوية) .
ويصف الأصحاح الثاني استشهاد إشعياء ، وكيف "نشر بمنشار خشبي" ، وكيف سخر منه "بالكيرا" وحاول أن يحمل إشعياء علي جحد أقواله. ثم يبدأ منه الأصحاح السادس ، الجزء الرئيسي من السفر عن صعود إشعياء ، وما الإصحاح السادس إلا مقدمة ،ففي الأصحاح السابع يروي كيف أن النبي قد صعد في الجلد ثم إلي السماء بعد سماء حتي بلغ السماء السابعة ، وكان يقوده في صعوده أحد عظماء الملائكة . وفي الجلد ملائكة الشيطان يتحاسدون . ثم بعد ذلك صعد إلي السماء الأولي حيث رأي في وسطها عرشا والملائكة يحيطون به عن اليمين وعن الشمال ، وأعظمهم من كانوا عن اليمين. وهكذا كان الشأن في السموات الثانية والثالثة والرابعة والخامسة ، إلا أن كل سماء كانت تمتاز عن سابقتها في المجد . وفي السماء السادسة لم يكن هنا عرش في الوسط ، كما لم يكن هناك فارق بين الملائكة الذين عن اليمين والذين عن اليسار بل كان الجميع متساويين . ثم رفع السماء السابعة -وهي أمجدها -حيث رأي لا الله الآب وحدة ، بل رأي أيضا الابن والروح القدس ، ويقال لنا إن الابن سينزل إلي الأرض وسيأخذ صورة بشرية ويصلب بفعل رئيس هذا العالم . وبعد أن ينزل إلي شئول ، ويسبي منها سبيا ، يصعد إلي الأعالي .
وفي الأصحاح العاشر نجد أقوالا مفصلة عن نزول الأبن عبر السموات المتوالية ، وكيف أنه في كل سماء منها أخذ صورة الملائكة الساكنين فيها حتي لا يعرفوه .وفي الجلد ظهر الشياطين المتحاسدين المتشاحنين، لكي يعوقوه .ونجد في الأصحاح الحادي عشر رواية شبه دوسيتية (تنكر حقيقة ناسوت المسيح) عن الميلاد المعجزي. ثم ينتهي السفر ببيان أن هذه الإعلانات كانت السبب في نشر إشعياء.
2-تركيب السفر: يقول دكتور تشارلز إنه قد جمعت في هذا السفر ثلاثة كتب هي :عهد حزقيال ، واستشهاد إشعياء ورؤيا إشعياء. وقد أخذ هذه الأسماء التي اطلقت علي هذا السفر في كتابات الآباء ، وهي ليست وصفا دقيقا للمحتوي ، وبخاصة الكتاب الأول . والترتيب الزمني المضطرب -في الكتاب الذي بين أيدينا -قد يرجع إلي أخطاء النسخ والترجمة .ويبدو من الفقرة الافتتاحية ، أنه كان هناك كتاب أبوكريفي عن حزقيا.
يستدعي منسي امام أبيه لكي يسلم له "كلمات بر قد رآها الملك نفسه" عن "الدينونة الأبدية ، العذاب في جهنم ، ورئيس هذا العالم وملائكته ورؤسائه وسلاطينه" -وهي عبارة تدل علي معرفة الكاتب بالرسالة إلي أفسس -ثم لا نجد بعد ذلك تفصيلا لهذه العبارات الموجزة.
ولا تذكر رؤيا إشعياء شيئا عن سلاطين ورؤساء مملكة الشيطان . ويبدو أنه من الأفضل اعتبار السفر الحالي مكونا من كتابين :استشهاد اشعياء ورؤيا الصعود .والإشارات سواء إلي الماضي أو إلي المستقبل تدل علي تشابة شديد في الأسلوب ،مما يدل علي أن الكاتب واحد .وهناك معرفة بالأحوال الرومانية في عصر سقوط نيرون، أكثر مما كان ممكنا لأي إنسان مقيم في فلسطين أن يعرف ، مما يبدو معه أن الكتاب قد كتب في رومية .
3. اللغة: يبدو أن الأصل الذي أخذت عنه الترجمات الأثيوبية والسلافية ، هو اليونانية ، وهذا واضح من اسماء العالم التي تنتهي في العبرية " بيا " وفي اليونانية "بياس" مثلما في حزقياس وإشعياس وزكرياس ، كما هي في اليونانية ، ماعدا اسم منسي الذي يذكر في صيغتة العبرية . ومع أنه من المؤكد -كما سبق القول - أن النسخ المذكورة قد نقلت عن اليونانية إلا أنه من المحتمل أن تكون اليونانية قد أخذت عن العبرية فتركيب الجمل يدل علي نفس الشيء (انظر 2: 5 في اليونانية ) ، واللقب الذي يطلق علي "بريال" وهو "ماتا بنوكس" - الذي لا يذكر في اليونانية - ليس له معني إلا إذا اعتبرناه مأخوذا عن العبرية "ماتان بوكاه" أي عطيته "الخواء أو الفراغ" ، ولقب "مالكيرا" الذي يطلق علي شمعئيل ، يبدو أنه يعني "ملك المراقبين" أي "الايريم" وهم الملائكة الذين لم يحتفظوا بحالتهم الأولي -كما جاء في سفر أخنوخ - بل تنجسوا مع النساء. كما أن "بلكيرا" معناه ملك الحصن أو "بعل كير"وهكذا يبدو من المحتمل أن لهذا السفر أصلا عبريا كسائر الأسفار المشابهة .
تاريخه: من يقرأ سفر "صعود إشعياء" لا يمكن أن يفوته إدراك أنه يقرأ كتابا ينتمي إلي العصر المسيحي في بدايته ، ولعله كانت وراءه رؤيا يهودية أقدم منه ، وإن كان هذا - في رأينا -ليس أمرا ضروريا . ويتكون الكتاب من وثيقتين ، ولكن العنصر المسيحي يبدو انتماؤه إلي بدء تاريخ الكنيسة ، من ترقب مجيء المسيح بسرعة في العالم أي "ظهوره" والنزاع في الكنيسة بين الشيوخ والرعاة يعطينا صورة للصراع بين دعاة التهود وبين المسيحيين البوليسيين . ثم إن التركيز علي الاثني عشر فقط ، وعدم ذكر بولس بالمرة ، دليل علي أنه من تأليف أحد دعاه التهود . والفكر الدوسيتي (الذي ينكر حقيقة ناسوت المسيح) في ميلاد المسيح ، واستناده إلي الأناجيل القانونية ، يدلان علي كتابته في تاريخ مبكر . ويبدو لنا أنه من المستطاع تحديد التاريخ بدقة . فمدة حكم "بريال" الذي حل علي نيرون وتجسد فيه ، هي ثلاث سنوات وسبعة أشهر وسبعة وعشرون يوما أي 1335 يوما (4: 12) وهو العدد الوارد في نهاية نبوة دانيآل (12: 12) ، وهو محسوب بالحساب الروماني ، مما يدل مرة أخري علي أن الكتاب قد كتب في رومية . ولكن هذا العدد يقرب بصورة مذهلة ، من أيام حكم نيرون بعد بدء الاضطهاد . فمن حرق روما (في 19 يوليو 64) إلي موت نيرون (في 9 يونيو 68) 1421 يوما ، أي بفارق 86 يوما .ولابد أنه مر شهر- علي الأقل -علي حرق روما قبل أن يبدأ الاضطهاد ، ثم مرت مدة أخري قبل أن تبلغ الحملة المجنونة علي المسيحيين ذروتها ، بإلقائهم في القار المغلي، أو إشعال النيران فيهم لإضاءة حدائق نيرون. وأي مسيحي في روما شهد هذا الاضطهاد ، كان لابد أن يتمنى نهاية هذا الحكم الرهيب، ولحدد زمنه بما جاء في نبوة دانيال. ويبدو أن الألف والمائتين والتسعين يوما كانت قد مضت ، وهو يرجو أن ينتهي هذا الطاغية بنهاية الألف والثلاث مائة والخمسة والثلاثين يوما . وهناك مشكلة حول ذكر العدد علي أنه 332 في 4: 14، والأرجح - كما يقول لوك وديلمان وتشارلز - أن رقم الألف قد سقط من العدد ، وأن رقم الأحاد هو خمسة ، وذلك للوصول إلي العدد الصحيح ، وفي هذه الحالة لابد أن هذه الرؤية قد كتبت قبل وصول أخبار ثورة فيندكس إلي روما وقبل موت نيرون . وإذا أخذنا بهذا الرأي - مع أن الحقيقة أن العدد الأقل وهو 332 موجود في المخطوطات الأثيوبية الثلاث ،ويجب عدم حل المشكلة بإضافة رقم معين- فإنه يدل علي وقت سابق مباشرة لموت نيرون . وتظل المشكلة : من أين جاء الكاتب بهذا العدد ؟ إذا كان العدد صحيحا ، فلعله العدد المحسوب بناء علي حروف أحد أسماء الشيطان ، فالعدد الذي يقابل اسم "بريال" هو 322 ، ويبدو أن هناك دلالة أخري علي الزمن في كتاب استشهاد بطرس الذي يمكن تحديد حدوثه بالنسبة الرابعة والستين بعد الميلاد .ثم هناك دليل سلبي ، وهو عدم الإشارة البتة إلي سقوط أورشليم ، فلو أن سقوط أورشليم كان قد حدث ، لما فات يهوديا مسيحيا- إذ يرجح إن الكاتب كان يهوديا -ذلك ، بل لدفعته محبته الشديدة لسيده المصلوب، إلي رؤية نقمة السماء علي المدينة التي أسلمته للموت ، ولكان هذا موضع زهوه . فلابد إذا من أن الكتاب قد كتب في خلال العام الثامن والستين بعد الميلاد.
اقتراحات موسوعية أخرى
السجدة - سجدة
ثلاث صلوات تقام يوم عيد العنصرة تذكار لحلول الروح القدس
سفر ملاخي
سفر ملاخي
( أ ) أنظر ملاخي
(ب) الخلفية التاريخية : في غضون القرن الخامس قبل الميلاد، رجع من السبي ا...
جوائز
جوائز
جمع جائز، والجائز من البيت هو الخشبة المعترضة بين حائطين لتحمل سائر خشب سقف البيت ( انظر 1 مل...
جور
جور
جار يجور جورا فهو جائر , والجور نقيض العدل وضد القصد، فهو الظلم والخيف , لذلك جاء في الشريعة :...
نوء
نوء
النوء : المطر الشديد ، وشدة هبوب الريح ، واضطراب البحر ويتمنى داود لو أن له جناحي حمامة لكى يسر...
بشلام
بشلام
اسم عبرى معناه بسلام أو ابن السلام وكان أحد ولاة ملك فارس على فلسطين في أيام العودة من سبي با...