كلمة منفعة
بمناسبة عيد الصليب، نذكر الكلمات الآتية:* أول علاقة لنا بالصليب هي في المعمودية، حيث صلب إنساننا العتيق حتى لا نستعبد بعد للخطية..
— الصليب في حياتنا (أ)

سفر الملوك الأول

سفر الملوك الأول، سفر الملوك الثاني
حجم الخط
ملوك - سفرا الملوك الأول والثاني
(أولاً) مداهما : يواصل سفر الملوك سرد تاريخ شعب عهد الله، تتمة لما جاء في أسفار يشوع والقضاة وسفري صموئيل الأول والثاني. ويبدأ سفرا الملوك بذكر الأحداث الأخيرة من حكم الملك داود (1 مل 1، 2). ثم فترة حكم سليمان (1 مل 2- 11)، ثم انقسام المملكة (1 مل 11، 12) ثم تاريخ المملكتين المنقسمتين حتى سقوط المملكة الشمالية على يد أشور (1 مل 12- 2 مل 17). ثم تاريخ المملكة الجنوبية (يهوذا) حتى سقوطها فى 586 ق.م. وما أبداه أويل مرودخ ملك بابل من عطف على يهوياكين ملك يهوذا (حوالي 561 ق.م).
(ثانياً) الكاتب وتاريخ الكتابة : كان سفرا الملوك - في الأصل العبري - سفراً واحداً، وحدث تقسيمهما إلى سفرين متساويين تقريباً، في الترجمة السبعينية (بحكم أنه لم يتسع لهما فى اليونانية درج وحد)، ثم حدث هذا التقسيم في العبرية فى القرن الخامس عشر الميلادي، وهكذا في سائر ترجمات الكتاب المقدس إلى مختلف اللغات.
ولا يذكر في السفر اسم كاتبه. وينسبه التلمود البابلي (بابا باترا) إلى إرميا النبي. ونظرية نسبته إلى دوائر نبوية، تتفق تماماً مع توجهات السفر. وهناك أجزاء واضحة تتناول سيرة بعض الأنبياء. فهناك ستة عشر أصحاحاً من مجموع سبعة وأربعين أصحاحاً في السفرين- أي أكثر من الثلث - تخصص لسيرة النبيين إيليا وأليشع (1 مل 17-2 مل 10). كما يبدى اهتماماً بحياة أنبياء آخرين مثل أخيا (1 مل 11: 21- 39، 14: 1-16)، ورجل الله الذي لا يذكر اسمه (1 مل 13: 1-10) وميخا بن يملة (1 مل 22: 13-38). وإشعياء النبي (2 مل 18- 20 مع إش 36-39)، وإرميا (2 مل 24 و25 مع إرميا 52) مما يؤيد أصله النبوي. كما يبدى الكاتب اهتمامه الواضح بكفاية الكلمة النبوية، إذ كثيراً ما يستلفت النظر إلى إتمام ما سبق أن قاله الأنبياء.
وقد نظن أنه من غير المحتمل أن يكتب أحد الأنبياء تاريخاً، ولكن الدلائل الداخلية في السفرين تؤيد عكس هذا الظن، فقد كان الأنبياء هم الأمناء على تنفيذ العهد، كما أن كتاباتهم كانت مراجع للمؤرخين، فيستشهد كاتب سفر الأخبار بسفر أخبار صموئيل الرائي، وأخبار ناثان النبي، وأخبار جاد الرائي بخصوص أخبار داود الملك (1 أخ 29: 29). وأخبار ناثان النبي، ونبوة أخيا الشيلوني، ورؤى يعدو الرائي على يربعام بن نباط ، بخصوص بقية أمور سليمان (2 أخ 9: 29) وأخبار شمعيا النبي وعدو الرائي عن الانتساب، بخصوص تاريخ رحبعام الملك (2 أخ 12: 15)، ومدرس النبي عدو عن بقية أمور أبيا الملك (2 أخ 13: 22). وبقية أمور عزيا الأولى والأخيرة كتبها إشعيا - ابن آموص النبي (2 أخ 26: 22). وعلاوة على ذلك. فإن سفر الملوك في التوراة العبرية يوضع بين أسفار الأنبياء لأوائل مما يؤيد أصله النبوي.
أما تاريخ كتابة سفري الملوك، فلا بد أنه كان يعد تاريخ آخر حادثة مسجلة فيه، وهى السنة السابعة والثلاثين لسبي يهوياكين ملك يهوذا، أي حوالي 561ق.م. وحيث أن السفر ليس به أي تلميح إلى فترة العودة من السبي، فلا بد أنه كتب قبل 539ق.م. وعليه فالأرجح أنه كتب فيما بين 561: 539ق.م.
(ثالثاً) المصادر والمحتويات : يستشهد الكاتب بثلاثة مراجع تاريخية، علاوة على المراجع الأخرى التي يرى العلماء أنه قد استقى منها. والمراجع التي يذكرها الكاتب هي:
(أ) سفر أمور سليمان (1مل 11: 41)، وكان يحتوي على معلومات إضافية عن بقية أمور سليمان وكل ما صنع وحكمته، والأرجح أنه كان يشتمل على أخبار خاصة مثل الفصل في قضية المرأتين (1 مل 3: 16-28)، وزيارة ملكة سبا (10: 1- 10). ويرى بعض العلماء أن الجزء الذي يصف بناء الهيكل مأخوذ عن سجلات كانت محفوظة في الهيكل (1 مل 6، 7)، وأن قائم الوكلاء أخذت عن وثائق إدارية (1 مل 4، 5)، ولكن ذلك لا يزيد عن كونه مجرد فرض.
(ب) سفر أخبار الأيام لملوك إسرائيل : ويذكر السفر 17 مرة في سفري الملوك، وذلك عادة في ختام ذكر تاريخ ملك من ملوك المملكة الشمالية، فهو يوجه نظر القارئ إلى ذلك المرجع لمعرفة المزيد، مثل : بقية أمور يريعام، كيف حارب وكيف ملك (1 مل 14: 19)، وبقية أمور عمري التي عمل وجبروته الذي أبدي (1 مل 16: 27)، وبقية أمور أخآب وكل ما فعل وبيت العاج الذي بناه وكل المدن التي بناها (1 مل 22: 399، وبقية أمور يوآش وكل ما عمل وجبروته، وكيف حارب وكيف استرجع إلى إسرائيل دمشق وحماة التي ليهوذا (2 مل 14: 28)، ويبدو من هذه العبارات أن ذلك المرجع كان يتضمن الحوليات الرسمية عن حكم الملوك.
(جـ) سفر أخبار الأيام لملوك يهوذا : ويذكر هذا السفر 15 مرة في سفري الملوك. وكما كان الحال فى المرجع السابق، فإن هذا المرجع يذكر في ختام الحديث عن أحد ملوك يهوذا، مثل بقية كل أمور آسا وكل جبروته وكل ما فعل والمدن التي بناها (1 مل 15: 23)، وبقية أمور يهوشافاط وجبروته الذي أظهر وكيف حارب (1 مل 22: 45)، وبقية أمور حزقيا وكل جبروته، وكيف عمل البركة والقناة وأدخل الماء إلى المدينة (2 مل 20: 20)، وبقية أمور منسى وكل ما عمل، وخطيته التي أخطأ بها (2 مل 21: 17).
والأرجح أن هذه المراجع عن المملكتين الشمالية والجنوبية كانت شبيهة بالحوليات في الممالك المجاورة، وبخاصة حوليات ملوك أشور، إذ يرجح أنها كنت سجلات رسمية محفوظة في السامرة وأورشليم .
وعلاوة على هذا المراجع المذكورة بأسمائها ، فإن العلماء يرون أن ثمة مراجع أخرى قد استعان بها الكاتب.
(د) المراجع عن بيت أخآب : نجد أن تواريخ الملوك الأفراد ترد موجزة، فمثلاً يوجز تاريخ عمري (أبي أخآب) في ثمانية أعداد، مع أننا إذا اعتبرنا أهميته من الناحيتين السياسية والحربية، لوجدنا أنه كان من أعظم ملوك المملكة الشمالية (1 مل 16: 21-28). وابتداء من حكم أخآب يسهب الكاتب في سرد تاريخ أخآب وأسرته إلى وقت قيام ياهو بانقلابه (1 مل 16- 2 مل 12). ويخلو هذا الجزء من العبارات المألوفة التي سبقت الإشارة إليها، مما يرى معه بعض العلماء أن الكاتب استعان بمراجع أخرى، استقى منها ما كتبه عن حياة إيليا وأليشع وحكم أخآب.
وتغطى أخبار إيليا بضعة أصحاحات (1 مل 17- 19)، فنقرأ عن إطعام الغربان له، وإرساله إلى أرملة صرفة صيدا، وانقطاع المطر، ونزول النار من السماء على جبل الكرمل، واستعلان الرب له في حوريب (1 مل 19)، وقضية كرم نابوت اليرزعيلى (1مل 21)، والقضاء بنار من السماء على رسل أحزيا (2مل 1). وكل هذا الإسهاب في الحديث عن أخآب ، لم يكن إلا خلفية للحديث عن إيليا.
ولعل الحديث عن أليشع (2 مل 2-13) كان له مرجع آخر غير مرجع الحديث عن إيليا، فهو يتضمن خلافة أليشع لإيليا كنبي (2 مل 2)، وتطهير نبع المياه الردية، وافتراس الدبتين لصبيان بيت إيل الذين سخروا منه (2 مل 2: 19- 25). وأرملة رجل الله ودهنة الزيت. وقصة المرأة الشونمية (2 مل 4)، وقصة شفاء نعمان السرياني (2 مل 5). وفشل محاولة ملك أرام في القبض على أليشع (2 مل 6). والمجاعة في السامرة (2 مل 7). واسترداد الشونمية لأملاكها، ومؤامرة حزائيل (2مل 8) ومسح ياهو ملكاً (2 مل 9). ثم موت أليشع (2مل 13). ولا يوجد جزء في العهد القديم يولي كل هذا الاهتمام بالمعجزات كما نجد في الحديث عن أليشع.
ونجد في (1مل -2 مل 13)، أحداثاً أخرى لا علاقة مباشرة لها بقصص حياة إيليا وأليشع، مثل الحصارات العسكرية (1 مل 20: 1- 34)، وتفاصيل الانقلاب الذي قام به ياهو (2 مل 9: 11- 10: 36)، وينسبها العلماء أحياناً إلى مرجع ثالث عن عائلة أخآب وخلفائه . وفى هذه المراجع الثلاثة المفترضة، يتركز الاهتمام على المملكة الشمالية.
(هـ) نبوة إشعياء كمصدر : إذ نجد أن قصة حكم حزقيا (2 مل 18: 13- 20: 19) تكاد تكون هي نفسها الواردة في نبوة إشعياء (إش 36 : 1-39: 8) حيث يسجل لنا هذا الجزء غزوة سنحاريب، وإرساله لربشاقى قائد جيشه، وصلاة حزقيا، ونبوة إشعياء، ثم مرض حزقيا، ورجوع الشمس، ومجئ رسل مرودخ بلادان ، مما يرجح معه أن هذا الجزء قد نقل عن نبوة إشعياء، و أن إشعياء وكاتب سفري الملوك قد نقلا عن مرجع واحد.
(و) هدف الكاتب : والبحث في أمر المراجع التي يحتمل أن الكاتب قد استعان بها في كتابه سفري الملوك، يجب ألا يجعلنا نهمل هدف الكاتب . فليس سفرا الملوك مجرد تجميع معلومات من مصادر مختلفة، بل كان أمام الكاتب هدف في اختياره للمراجع وما استقاه منها.
وأحد الأساليب الفنية التى تبرز في سفري الملوك، هو استخدام صيغة ثابتة في مقدمة وخاتمة حديثة عن كل ملك. وهذه الصيغة هي نفسها لكل من المملكتين فيما عدا تفاصيل صغيرة، فبالنسبة لملوك يهوذا، نجد المقدمة هكذا :
(i ) سنة تولي العرش، مقارنة بالسنة المقابلة من حكم ملك إسرائيل (المملكة الشمالية).
(ii ) عمر الملك عند توليه العرش.
( iii ) مدة حكمه.
( iv) اسم أمه.
(v ) الحكم على طبيعة حكمه.
ويختم قصة حكم كل ملك من ملوك يهوذا هكذا :
(i ) توجيه القارئ إلى سفر أخبار أيام ملوك يهوذا للاستزادة من المعلومات.
(ii) ذكر موت الملك والمكان الذي دُفن فيه.
( -(iiiخليفته : وملك…..ابنه عوضاً عنه.
ويمكننا أن نرى ذلك مثلاً فيما ذكره عن الملك رحبعام (1 مل 14: 21و 22 و29-31).
وتختلف الصيغة التي يستخدمها لملوك إسرائيل ، بعض الشئ عن ذلك، إذ كانت كما يلى:
(i) سنة توليه العرش مقارنة بالسنة المقابلة من حكم الملك يهوذا (المملكة الجنوبية).
(ii) مدة حكمه.
(iii ) مقر إقامته.
(iv) إدانته لعبادته الأوثان.
(v) اسم والد الملك.
ويختم قصة حكم كل ملك من ملوك إسرائيل وهكذا:
(i ) توجيه القارئ إلى سفر أخبار أيام ملوك إسرائيل للاستزادة من المعلومات.
(ii ) ذكر موت الملك.
iii- خلافة ابنه له، إلا إذا خلفه مغتصب العرش (وكان هذا الأمر كثير الحدوث فى ملوك إسرائيل ).
ويمكننا أن نرى هذه الصيغة كاملة في حكم بعشا مثلاً (1 مل 15: 33 و34، 16: 5و 6).
وهناك بعض الاختلافات في استخدام هذه الصيغ، ولكنها بوجه عام - تكاد تكون هى نفسها. والمقابلة بين تواريخ ملوك المملكتين تمدنا بمعلومات نستطيع منها أن نحدد تواريخ هذه الحقبة. ولعل التغيير في الصيغة يدل على تغيير المرجع الذي اختاره الكاتب لينقل عنه. ونلاحظ أنه يسجل اسم أم كل ملك من ملوك يهوذا، ولكنه يهمل ذلك بالنسبة لملوك إسرائيل، ولعل ذلك يرجع إلى اهتمامه الشديد بعائلة داود.
والمفروض أن مقر الملك في يهوذا كان في أورشليم (وقد يذكر ذلك أحياناً)، أما مقر الملك في المملكة الشمالية، فكان يذكره لكثرة تغييره من شكيم إلى فنوئيل إلى ترصة ثم إلى السامرة. كما أن ذكر الأب بالنسبة لملوك إسرائيل يدلنا على كثرة التغيير في الأسر المالكة، على عكس ثبات أسرة داود على عرش يهوذا. كما يذكر أن غالبية ملوك يهوذا قد دفنوا في مدينة داود.
(رابعاً) سفر الملوك والنقد العالي: أن تناول النقد العالي لسفرى الملوك يستند إلى تحديد تاريخ كتابة سفر التثنية، والعلاقة بين سفري التثنية، والتاريخ التثنوي (نسبة إلى سفر التثنية- وهي أسفار يشوع والقضاة وصموئيل والملوك). وينكر النقد العالي أن سفر التثنية قد كتب في عهد موسى. وللتشابه في وجهة النظر للاهوتية بين سفري الملوك وسفر التثنية، يرجع أصحاب النقد العالي - عادة - بتاريخ كتابة سفر التثنية إلى وقت اكتشاف سفر الشريعة في الهيكل في زمن يوشيا الملك (في 621ق.م - 2 مل 22)، وأن سفر التثنية كتب لتدعيم الإصلاحات التي قام بها يوشيا، وأن لأسفار التاريخية التثنوية (المذكورة آنفا) كتبت بمفهوم الذين كتبوا سفر التثنية.
بل إن بعض أصحاب النقد العالي، يعتقدون أن سفري الملوك تعرضا لتنقيحين على الأقل، أحدهما في نحو عام 600ق.م. أي بعد موت يوشيا بقليل، والثاني في أثناء السبي. ويقولون إن التنقيح الأول غُني بأمور العبادات، وبخاصة تقنيين شرعية تمركز العبادة في أورشليم في زمن يوشيا. أما التنقيح الثاني فكان لتبرير حدوث السبي البابلي.
ولعل أقوي دليل لدحض هذه الأفكار، هو النتائج المتضاربة التي وصل إليها أولئك النقاد في محاولة تحديد الفصول التي تناولها كل تنقيح.
ويرى بعض النقاد أن سفري الملوك غير جديرين بالثقة كتاريخ، فيقولون مثلاً إن قصة حصار سنحاريب ليهوذا (2 مل 18و 19) هي خلط بين حادثين منفصلين، ولكن الاكتشافات الأثرية المتتالية في فلسطين وبلاد بين النهرين ومصر، تثبت على الدوام صحة سفري الملوك.
كما يقولون إن سفري الملوك يبدوان متناقضين مع غيرهما من الأسفار الكتابية (انظر مثلاً : 2 مل 25: 8 مع إرميا 52: 12، 2 مل 25: 7 مع إرميا 52 : 31). بل يبدو أنهما يناقضان أنفسهما في بعض المواضع (انظر مثلاً 2 مل 8: 25 مع 9: 29 ، 2 مل 1: 17 مع 3: 10، 8: 16). ولكن الدراسات المدققة في فهم أساليب التأريخ المتنوعة التي كانت تتبع في كل من المملكتين، وفي كل جيل، وتداخل فترات حكم الملوك في كل المملكتين . والمقارنة بين هذه التواريخ والسجلات الأشورية والبابلية، قد زادت من الثقة في دقة هذه التواريخ إلى درجة مذهلة، وما كان يحسب تناقضاً، أصبح الآن يعتبر دليلاً على الدقة التامة.
(خامساً) الفكر اللاهوتي والهدف في سفري الملوك: يسجل سفر الملوك تاريخ بني إسرائيل من نهاية حكم داود (961ق.م) إلى زمن سقوط المملكة الجنوبية يهوذا (586ق.م) ي أنه يسجل تاريخ نحو أربعة قرون. ولكنهما ليسا كتابي تاريخ حسب لمفهوم الحديث لكتب التاريخ، فهما - عوضاً عن التركيز على الشئون السياسية والاقتصادية والحربية- يركزان على الأمور الدينية.
ومما يسهل عملية تقييم الفكر اللاهوتي والهدف في سفري الملوك، هو أن نفس الأحداث التي يسجلها السفران، نجد غالبيتها مسجلة في سفري أخبار الأيام . وبالمقارنة بين ما جاء في هذه الأسفار، وما يضيفه أحدها إلى رواية الآخر، أو ما يحذفه منها نستطيع أن نتبين هدف الكاتب.
والأرجح أن سفري الملوك - كما سبق القول - قد كتبا فيما بين 560 ، 539 ق.م بعد أن كانت أورشليم قد أصبحت أطلالاً، وزال كرسي داود، وهكذا انهار عمودا الدين (إرميا 7: 4 ، 13: 13 و14 ، 22: 1-9، انظر أيضاً 1 مل 8: 16، 29). وكان هذا يثير التساؤلات : كيف حدث كل ذلك؟ وألا يمكن أن يحفظ الله عهوده لداود ولصهيون ؟ هل نُقض العهد؟
ويهدف كاتب سفري الملوك الإجابة على هذه التساؤلات المحّيرة، أمام كارثتي سقوط السامرة (722ق.م)، وسقوط أورشليم (586ق.م) فسفرا الملوك - أشبه بسفر أيوب- يهدفان إلى تبرير طرق معاملات الله مع الإنسان.
فللإجابة على السؤال : كيف حدث هذا ؟ يسرد الكاتب تاريخ الشعب في ضوء المعايير الواردة في الشريعة، وبخاصة في سفر التثنية، كما في موضوع جعل أورشليم المركز الوحيد للعبادة، ونظام الملوكية ، وكفاية الكلمة النبوية، وحتمية عقاب عدم الطاعة:
(i) -مركز العبادة : من أول اهتمامات الكتب ، نقاء العبادة للرب. وكان أهم معيار لهذا النقاء، هو مركزية العبادة في الهيكل في أورشليم، وليس في أي مكان آخر، وعدم الخلط بين العبادات الكنعانية وعبادة يهوه في المرتفعات (تث 12: 1-32)، وهو الأمر الذي لم يكن يُراعي في المملكة الشمالية (إسرائيل)، ولذلك كان الحكم على ملوك إسرائيل دائماً، هو : وعمل الشر في عيني الرب وسار في طريق يربعام، وفي خطيته التي جعل بها إسرائيل يخطئ (1 مل 15: 34، انظر أيضاً 1 مل 14: 16، 15: 30، 16 : 31، 2 مل 3:3، 10: 31، 13: 2و 11، 14: 24، 15: 9 و18 و24 و31، 17: 22). فكانت سفري الملوك يري أن المذابح الأخرى وعجلي الذهب فى دان وبيت أيل، أكبر خطية لم يرجع عنه ملوك إسرائيل (1 مل 12: 25- 13: 34). فقد أصبح الموقف من هذه المذبح المختلفة، ورفض أورشليم، هو المعيار لملوك إسرائيل (المملكة الشمالية). فجميع ملوك إسرائيل وقعو تحت الدينونة، بناء على هذا المعيار (ما عدا شلوم الذى لم يملك سوي شهر واحد، وهوشع آخر ملوك إسرائيل)، حتى زمري- الذي اغتال أيلة، ولذي لم يملك سوي أسبوع وحد قبل أن ينتحر في قصره- وقع تحت هذا الحكم (1 مل 16: 9- 2).
ولكن الكاتب يستخدم معياراً آخر لملوك يهوذا، هو موقفهم من المرتفعات، حيث انتشرت العبادات الخاطئة فيما حول أورشليم. ولم ينل استحسان الكاتب سوى الملكين حزقيا ويوشيا لأنهما سارا في طريق داود (2 مل 18: 3، 22: 2). كما يمتدح ستة ملوك آخرين لغيرتهم في القضاء على العبادة الوثنية رغم عدم إزالتهم للمرتفعات (آسا 1 مل -15: 9- 15، يهوشافاط 22: 43، يهوآش - 2 مل 12: 2، أمصيا- 14: 3 و4، عزريا - 15: 3و 4، يوثام - 15: 34 و35). أما باقي ملوك يهوذا فقد أدانهم الكاتب لاشتراكهم في العبادة على المرتفعات وتدنيسهم للهيكل. وهي صورة بارزة في سفري الملوك.
(ii) -تاريخ الملوك : والاهتمام الثاني لكاتب سفري الملوك، هو متابعة تاريخ الملوك، فقد نصت الشريعة (تث 17: 14- 20) على الشروط التي يجب أن تتوفر في الملك، إذ طلب الشعب أن يجعلوا عليهم ملكاً، ومسئولياته الدينية الأساسية من نحو الشعب. ولا يذكر هذا الموضوع إلا فى سفر التثنية. ولكنه أصبح المعيار الذي يقيس عليه كاتب سفري الملوك، كل ملك ومدي أمانته لذلك، كما أصبح داود هو النموذج للملك المثالي، الذي يقاس عليه الآخرون. لكي يطيل الأيام على مملكته هو وبنوه في وسط إسرائيل (تث 17: 20، انظر أيضاً 1 مل 15: 11، 2 مل 18: 3، 22: 2 بخصوص السير في طريق داود، 1 مل 14: 8، 15: 3-5، 2 مل 14: 3، 16: 3 بخصوص النقيض من ذلك)، فقد أراد الكاتب إثبات أن الله ظل أميناً لعهده لداود، رغم أن أبناء داود لم يكونوا أمناء له. ومع أن المملكتين تولى أمرهما نفس العدد من الملوك (عشرون ملكاً) فإن المملكة الشمالية تقلب على عرشها تسع عائلات ملكية، واغتيل بعض ملوكها، وقد استمرت نحو 200 سنة، بينما ظلت عائلة داود على عرش المملكة الجنوبية (يهوذا) على مدي 350 سنة (انظر 1 مل 11: 13و 32 و 36، 15: 4و5، 2 مل 8: 19، 19: 34، 20: 6). وكانت الكارثة التي حاقت ببيت داود، وما أثارته من شكوك في مواعيد الله، أحد الحوافز الهامة التي دفعت الكاتب إلى تدوين سفري الملوك لإثبات أمانة الله لمواعيده.
(iii) كفاية الكلمة النبوية : ومن الأسباب أيضاً التي تربط بين سفري الملوك وسفر التثنية هو اهتمام الكاتب بإبراز كفاية الكلمة النبوية. فهناك ثلاثة فصول في التوراة تتناول موضوع النبوات : عد 12: 1- 8، تث 13: 1-5، 18: 14-22، ولكن في تث 18 فقط ، نجد المحك للنبوة الحقيقية، وهو وقوع ما تنبأ به النبي ، وهكذا تتحقق أقواله.
لاحظ المرات التي يذكر فيها الكاتب إتمام أقوال الأنبياء (2صم 7: 13 في 1 مل 8: 20، 1 مل 11: 29-36 في 12: 15، 1مل 13: 1-3 في 2 مل 23: 16-18، 1 مل 14: 6- 12 في 14: 17و 18، 15: 29، 1 مل 16: 1-4 في 16: 7 و11و 12، يش 6: 26 في 1 مل 16: 34، 1 مل 22: 17 في 22: 35-38، 1 مل 21: 21-29 في 2 مل 9: 7-10 و30- 37، 10: 10 و11 و30، 2 مل 1: 6 في 2 مل 1: 17، 2 مل 21: 10 في 24: 2-4، 22: 15- 20 في 23: 30. فقد حرص الكاتب على إثبات أن أقوال الأنبياء لم تسقط إلى الأرض بل تحققت تماماً. كما يبدو اهتمامه بالأنبياء أنفسهم بما خصصه للحديث عن إيليا وأليشع وغيرهما من الأنبياء.

(هـ) -وقوع اللعنات : أحد اهتمامات الكاتب بسفر التثنية أيضاً، يبدو في تتبعه لوقوع لعنات العهد على العصيان، فعهد الله مع إسرائيل يتضمن البركة واللعنة بناء على طاعة الشعب أو عصيانه. ويرى كاتب سفري الملوك أن اللعنات وقعت على المملكتين لفشلهما في إتمام مطالب العهد، فاهتم بإثبات أن معظم اللعنات المذكورة في سفر التثنية (28: 15-68) قد تمت بشكل ما في حياة الشعب، فقد حذرهم موسي من أن العصيان سيجلب عليهم أمة من بعيد، من أقصاء الأرض، كما يطير النسر تث 28: 49)، فجاء الأشوريون على السامرة، والبابليون على أورشليم. أمة تحاصرك في جميع أبوابك حتى تهبط أسوارك الشامخة الحصينة التي أنت تثق بها في كل أرضك (تث 28: 52). وقد استمر حصار السامرة من 724- 722ق.م. ، واستمر حصار أورشليم من 588 إلى 686 ق.م. وقد اضطر الناس- في ظروف الحصار الرهيبة - إلى أن يأكلوا أولادهم . وأن تأكل النساء مشيمتهن (28: 53-57). وقد حدث ذلك لإسرائيل في حصار بنهدد (2 مل 6: 24- 30) فكما سر الرب أن ينجح الشعب ويتكاثر، فإنه لم يمتنع - بسبب عصيانهم - عن تدميرهم وتبديدهم بين كل شعوب الأرض (تث 38: 63- 67).
فبهذه الأهداف وغيرها، شرع كاتب سفري الملوك في كتابة تاريخ إسرائيل ويهوذا، لحل عقدة لاهوتية، إذ كيف يمكن للإنسان أن يوفق بين السبي ومواعيد الله للأمة ولداود؟
وكان جوابه مزدوجاً:
(1) - لم تكن المشكلة من الله بل من عصيان الشعب، فالله يظل باراً على الدوام. (2) - إن زوال الدولة، ليس معناه زوال الأمة أو زوال بيت داود، فختام السفر ملئ بالتعليم، فنرى أويل مردوخ يطلق سراح يهوياكين من السجن، ويجعل كرسيه فوق كراسي الملوك الذين كانوا معه في بابل، ويمده باحتياجاته (2 مل 25: 27-30). فحتى في أثناء السبي- رغم الحرمان من كل شئ تقريباً - كان بيت داود يستمتع بفضل الله وبركته، فالله لم يتخل عن مواعيده، فليكن عند الشعب رجاء.
كما يبدو الدافع اللاهوتي للكاتب في أمور أخري، وبخاصة في استخدامه لسفر التثنية كمحك للحكم على تاريخ الشعب، فلاحظ مثلاً الشرائع الخاصة بحفظ الفصح في خر 12: 1-20، وتلك الواردة في سفر التثنية (16: 1- 8)، حيث نجد أن الفصح كان يتم في دائرة الأسرة في سفر الخروج، بينما نجده يتم في المكان المقدس في سفر التثنية. ويحرص كاتب سفري الملوك على ذكر أن الفصح الذي تم في زمن يوشيا، تم حسب ما هو مكتوب في سفر التثنية، سفر العهد (2 مل 23: 21-239. ويقتبس عبارة بنصها من سفر التثنية في الإشارة إلى حفظ أمصيا للشريعة (تث 24: 16، 2 مل 14: 6).
سادساً : المقارنة بين سفري الملوك وسفري أخبار الأيام :
بينما كتب سفر الملوك بعد خراب أورشليم، وكان على الكاتب أن يجيب على السؤالين : كيف ، ولماذا فإن كاتب أو (كتبة) سفري الأخبار كان من مجتمع ما بعد العودة من السبي، فلم تعد الأسئلة الملحة هي كيف ولماذا، بل بالحري ما مدى استمراريتنا بالنسبة لداود؟ وهل مازال الله يهتم بنا؟ فلم تكن الحاجة هي تبرير السبي، بل بالحري الربط ما بين ما بعد السبي بما كان قبله. فيبدو الاهتمام واضحاً فيه بإعادة بناء الهيكل وتنظيم العبادة فيه، كما كان الحال في الهيكل الأول. وسفرا الأخبار هما تاريخ يهوذا، وبيت داود، باعتبار أنه وحده الذي بقي بعد السبي، ومما يستلفت النظر أيضاً الأشياء التي لم يذكرها سفرا الأخبار ، فحيث أنه لم يكن هدف الكاتب هو تقديم الاتهامات كما كان الأمر في أسفار صموئيل والملوك، لذلك لم يذكر شيئاً عن خطية داود مع بثشبع (2 صم 11)، ولاما اعترض طريق سليمان إلى العرش (1مل 1، 2). وحيث أن المملكة الشمالية، أصبحت لا وجود لها في أيامه، فهو لا يذكر تفاصيل خطايا يريعام (1مل 13و14). ويبرز اهتمام كاتب الأخبار بشئون الهيكل، بينما لا يبدي اهتماماً بارزاً بأمور الأنبياء، فلا يذكر شيئاً عن حياة إيليا وأليشع (1مل 16-2مل 10). كما لا يذكر الخطايا التي أدت إلى القضاء على المملكة الشمالية (2مل 17: 1- 18: 12). وفي كل هذه الأمثلة نستطيع أن نرى الترابط بين اللحظة التاريخية، والاهتمام اللاهوتي عند الشعب وعند الكاتبين، فكل كاتب اختار ما يتفق مع اهتمام مجتمعه واحتياجاته.
سابعاً : المحتويات : ينقسم سفرا الملوك إلى ثلاثة أقسام : (1) - مُلك سليمان (1مل 1-11). (2) تاريخ انقسام المملكة (1مل 12-2 مل 17).
(3) -مواصلة تاريخ يهوذا (2 مل 18-25).
(1) - مُلك سليمان (1مل 1-11): يبدأ برواية ما حدث من نزاع على تولي العرش، وفشل مؤامرة أدونيا (1مل 1). ووصية داود الأخيرة لسليمان ليسير في طرق الرب، ويحفظ فرائضه ووصاياه وأحكامه وشهاداته كما هو مكتوب في شريعة موسى (1مل 2:1-4)، وأن ينتقم من أعدائه (1مل 2: 5-9). فبعد موت داود، أمر سليمان بقتل أدونيا ويوآب وشمعي، واستبعاد أبياثار الكاهن الذي ناصر أدونيا في محاولته اعتلاء العرش (1مل 2: 13-46). وبالقضاء على الأعداء تثبت الُملك بيد سليمان (1مل 2: 46).
وينقسم تاريخ حكم سليمان - بعد ذلك- إلى قسمين :
سليمان الصالح الذي سار في طرق أبيه داود (1مل 3-10)، وسليمان الشرير الذي مال قلبه عن الرب (1مل 11). وعندما كان يذبح للرب في جبعون، سأل الرب أن يعطيه حكمة ليحكم شعبه. وقد ظهرت هذه الحكمة في الحكم بين المرأتين اللتين تنازعتا حول الطفل الحي (1مل 3)، كما قام بتنظيم شئون المملكة (1مل4). ويفرد كاتب سفر الملوك مساحة كبيرة الأخبار الإعداد للهيكل (1مل5)، وبنائه (1مل 6و7) وتدشينه (1مل 8). ويظهر الله لسليمان مرة ثانية، ليذكره بحفظ وصاياه كما فعل داود أبوه (1مل 9: 1-9). ثم نجد تفصيلاً لما قام سليمان ببنائه، واتساع أعماله التجارية (9: 10- 27). ثم قصة زيارة ملكة سبا، يعقبها وصف رائع لعظمة سليمان (1مل 10). ولكن لم يحفظ سليمان وصايا الرب، وأمالت نساؤه الكثيرات قلبه لعبادة الأوثان ولم يتبع الرب تماماً كداود أبيه (1مل 11: 4). فعزم الرب على تمزيق العشرة الأسباط الشمالية من ابنه (1مل 11: 11-13). وواجه سليمان - عقاباً له من الرب- تمرد الشعوب الخاضعة له (1مل 11: 14- 15)، بل وواجه تمرداً من داخل إسرائيل في شخص يربعام (1مل : 26-40).
(2) - تاريخ المملكة المنقسمة : (1مل 12-2 مل 17): انقسمت المملكة بعد موت سليمان. واستمرت مملكة إسرائيل (المملكة الشمالية) نحو قرنين، وحكمها عشرون ملكاً من تسع أسرات مختلفة، تخللتها حوادث اغتيال واغتصاب للعرش، بينما استمرت المملكة الجنوبية (يهوذا) مدة 350 سنة، وحكمها 19 ملكاً من بيت داود، علاوة على المدة القصيرة (ست سنوات) التي حكمت فيها عثليا (2مل 11: 3).
لقد حدثت منازعات بين الأسباط الشمالية والأسباط الجنوبية قبل عهد داود وسليمان. وقد حدث الانقسام على نفس هذه الخطوط . وكان السبب المباشر هو العنف الذي قابل به رحبعام مندوبي الأسباط الشمالية، فأرسلوا إلى يربعام زعيم الثورة ضد سليمان، وهكذا أصبح يربعام ملكاً على الأسباط الشمالية، وسرعان ما أقام العجلين في دان وبيت إيل (1مل 12)، وأصبح ذلك المحك للحكم على ملوك إسرائيل الذين اتبعوا خطايا يربعام.
وحدثت حروب على مدى جيلين بين إسرائيل ويهوذا على منطقة الحدود مع بنيامين، فكانت كلتا المملكتين تدعيان ملكيتها، وظلت الحرب سجالاً على مدى خمسين عاماً، تخللتها غزوات من الآراميين في الشمال ومن المصريين في الجنوب، في أيام يربعام وناداب ويعشا وأيلة وزمري في الشمال ، وفي أيام رحبعام وأبيا وآسا في الجنوب (1مل 13-16: 20).
وباستيلاء عمري على عرش إسرائيل، أسس أسرة ملكية استمرت أربعة أجيال وأنهت عدم الاستقرار في المملكة المملكة الشمالية. ومع أن سفر الملوك لا يمنح عمري سوى ثمانية أعداد (1مل 16: 21-28) إلا أنه كان من أعظم ملوك المملكة الشمالية، فعقد معاهدات تحالف مع الفينيقيين ويهوذا، وظل الأشوريون على مدى أكثر من قرن، يسمون إسرائيل بيت عمري. وقد استغرق حكم عمري وخلفائه نحو ثلث السفرين، أي 16 أصحاحاً من مجموع 47 أصحاحاً (1مل 17-2مل 10). ويرجع ذلك إلى أن الكاتب أدمج في ذلك التاريخ قصص حياة إيليا وأليشع، وقابل بين الصالح والطالح بالمقارنة بين أسرة عمري وهذين النبيين. وقد جعل من أخآب وإيزابل الخلفية لحياة إيليا. وهكذا أصبح أخآب المثل للملك الشرير (انظر مثلاً 2 مل 21: 3).
وبسبب اهتمام الكاتب بأسرة عمري، وحياة كل من إيليا وأليشع، لم يعالج بالتفصيل تلك الفترة في مملكة يهوذا. ويبدو أنه في تلك الفترة كان للمملكة الشمالية نوع من السيطرة على المملكة الجنوبية، فقد كانت عثليا بنت أخآب - وحفيدة عمري- زوجة ليهورام ملك يهوذا (2 مل 8: 18و26). وقد ثارت أدوم في ذلك الوقت على يهورام ملك يهوذا (2مل 8: 10-22).
وفى 842 ق.م قام ياهو (الذي مسحه أحد الأنبياء- بأمر من أليشع - ملكاً على إسرائيل - 2 مل 9:1-13) بانقلاب ضد بيت عمري، كما قتل أخزيا ملك يهوذا (2مل 9: 14-29)، كما قتل إيزابل الشريرة، وقضى على بيت أخآب وعبدة البعل (2مل 9: 30-10: 36). وقد كلف ذلك إسرائيل خسارتها لحلفائها في الشمال وفي الجنوب.
وظلت أسرة ياهو علي عرش إسرائيل أكثر من أي أسرة أخري، فكان منها يهوآحاز، يهوآش، يربعام الثاني، وزكريا، لمدة نحو تسعين سنة. وكاد قتل ياهو لأخزيا ملك يهوذا، أن يقضى علي بيت داود، فقد استولت عثليا-حفيدة عمري-علي عرش يهوذا، وحاولت أن تقضي علي البيت الملكي (بيت داود)، وظلت علي العرش ست سنوات إلى أن استطاع الكاهن الأمين يهويا داع أن يقضي عليها، وأن يضع الطفل يوآش على عرش داود (2مل 11).
عانت إسرائيل علي مدي نصف قرن من الضعف نتيجة الانقلاب الذي قام به ياهو، مما أطلق يد الأراميين، فادي ذلك إلي أنه لم يبق ليهوآحاز شعباً إلا خمسين فارساً وعشر مركبات وعشرة الآف راجل لن ملك أرام أفناهم ووضعهم كالتراب للدوس (2 مل 7:13).
ولكن كان في بروز أشور في بكور القرن التاسع قبل الميلاد، نجدة لإسرائيل ويهوذا، لأن الجيوش الأشورية هزمت الأراميين، وأتاحت لإسرائيل ويهوذا فرصة للنهوض من جديد، فاستعاد يهوآش ملك إسرائيل وحفيد ياهو-المدن التي كان قد أخذها الأراميون (2مل 13: 25). وقد مات أليشع النبي في أيام مُلك يهوآش. وفي الجنوب (يهوذا) استطاع أمصيا أن يهزم الأدوميين (2مل 14: 7). وتجددت الحرب بين الشمال والجنوب في أيام يهوآش وأمصيا، وكانت النصرة للشمال (2 مل 14: 8-14).
وقد استمتعت إسرائيل (المملكة الشمالية) في أيام يربعام الثاني بفترة من الازدهار، فوصلت المملكة إلى الحدود التي كانت لها في أيام سليمان (2مل 14: 23- 28). كما قام عزيا ملك يهوذا - الذي كان معاصراً له- بتحصين أورشليم، ومد حدود يهوذا في الجنوب إلى أيلة على خليج العقبة (2مل 14: 21و 22، 15: 1 -7 ).
ولكن لم تكن هذه النهضة إلا إيذاناً بأفول نجم كل من المملكتين. فبعد موت يربعام الثاني، أصبح التاريخ سلسلة من الكوارث التي انتهت بسقوط إسرائيل في يد الأشوريين، كما أصبحت مملكة يهوذا شبه خاضعة لنفوذ أشور. وقد شاهدت الثلاثون السنة التالية في إسرائيل، أربع أسرات، ثلاثاً منها يمثل كل منها ملك وحد. كما توالت الاغتيالات، وهكذا سارت المملكة الشمالية بخطوات سريعة إلى نهايتها، فجازت في فترة من الحروب الأهلية والفوضى، اعتلى العرش خلالها أكثر من خمسة ملوك في نحو عشر سنوات (2مل 15). ودفعت كل من المملكتين - الشمالية والجنوبية - جزية باهظة لتغلث فلاسر ملك أشور (2 مل 15: 19 و 20، 16: 7 - 10). وعقدت إسرائيل تحالفاً مع الأراميين للتخلص من الأشوريين ، وحاولتا إجبار آحاز ملك يهوذا، على الانضمام إليهما، فاستنجد آحاز بتغلث فلاسر الثالث ، الذي قضى على القوات المتحالفة، فأصبحت يهوذا وإسرائيل خاضعتين للنفوذ الأشوري، ولكن هوشع ملك إسرائيل حاول الاستنجاد بملك مصر، فكان في ذلك الدمار للمملكة الشمالية، إذ صعد عليه شلمنأصر الخامس ملك أشور، وحاصر السامرة ثلاث سنوات حتى سقطت في يد أشور، فسبى شعبها، وأتى بأقوام من بلاد أخرى، وأسكنهم في مدن السامرة (2مل 17: 24- 41).
وكما وجهت إسرائيل الأراميين، ونجت منهم لتقع في يد أشور. هكذا أصبحت أشور العدو اللدود ليهوذا التي نجت من أيديهم لتقع في يد البابليين.
(3) -تاريخ مملكة يهوذا (2م 18- 25) : إن استنجاد أحاز بالأشوريين كلفة استقلاله، إذ أصبحت يهوذا خاضعة لنفوذ الأمبراطورية الأشورية، فانتشرت العبادات الوثنية في يهوذا (2مل 16: 1-19).
وقد خلف أحاز ابنه حزقيا، أول ملوك يهوذا المصلحين. وتستغرق قصة مقاومته لسنحاريب ملك أشور، أغلب الفصول المخصصة له. فنقرأ عن رسل سنحاريب لحزقيا، وتهديداته له، وتأكيد النبي إشعياء له بالنجاة وتدمير جيش أشور (2 مل 18: 9-19: 37)، ومرض حزقيا وشفائه حسب كلام إشعياء (2 مل 10: 1-11)، وإرسال مرودخ بلادن ملك بابل رسائل وهدية لحزقيا للتهنئة بالشفاء. ويبدو أن ذلك كان بهدف التحالف معاً ضد أشور، ولكن النبي إشعياء حذر حزقيا من ذلك (2 مل 20: 12-21).
وخلف حزقيا ابنه منسي الذي حكم أطول مدة من كل ملوك يهوذا (مدة 55 سنة)، وتميزت مدة حكمه بارتداد عظيم، حتى إن الكاتب اعتبر أن حكم منسي كان سبباً كافياً للسبي الذي كان قد أصبح محتوماً (2 مل 21: 1-18، ارجع أيضاً إلى 23: 26، 24: 3و4، إرميا 15: 1-4). وخلف منسي ابنه آمون، الذي كان نسخة طبق الأصل من أبيه، ولكنه لم يملك سوى سنتين، وقتله عبيده في بيته (2 مل 21: 19 - 26).
وكان الملك الثاني الذي قام بإصلاح في يهوذا، هو يوشيا ابن آمون، الذي في عهده وُجد سفر الشريعة في الهيكل، فقاد شعبه إلى تجديد العهد مع الرب، وأزل العبادات الوثنية (2 مل 22: 1- 23: 14). وكانت الإمبراطورية الأشورية في الطريق إلى الاضمحلال، فاستطاع يوشيا أن يمد حدوده في الشمال، وهدم المذبح في بيت إيل، وكل المرتفعات في السامرة (2مل 23: 15-20). واحتفل بالفصح احتفالاً عظيماً في أورشليم وأجرى إصلاحات كثيرة لاستعادة العبادة الصحيحة (23: 21-25).
وحاول يوشيا أن يعترض طريق فرعون نخو ملك مصر، ففقد حياته في مجدو (2مل 23: 26- 30). ويوشيا هو الملك لوحيد من ملوك يهوذا الذي خلفه على العرش ثلاثة من أبنائه. فعند موته أخذ شعب الأرض يهوآحاز ابنه ومسحوه ملكاً عوضاً عن أبيه. ولكن نحاه عن العرش نخو ملك مصر، بعد أن ملك ثلاثة أشهر، وأخذه معه مقيداً إلى مصر (2 مل 23: 31-33)، ووضع على العرش مكانه أبناً آخر ليوشيا، هو ألياقيم الذي غير اسمه إلى يهوياقيم (2 مل 23: 34-37). وفي أيامه غزا نبوخذ نصر - ملك بابل - يهوذا، وجعل من يهوياقيم تابعاً له، ولكن يهوياقيم عاد فتمرد عليه، وعند موته، ملك يهوياكين ابنه عوضاً عنه، وعمل الشر في عيني الرب حسب كل ما عمل أبوه، فصعد جيش نبوخذ نصر ملك بابل، وحاصر أورشليم حتى استولى عليها، وأخذ ملك بابل الملك (يهوياكين) وأمه وعبيده ورؤساءه وخصيانه إلى السبي في بابل، ووضع نبوخذ نصر متنيا - عم يهوياكين - والابن الثالث ليوشيا- على العرش، وغيّر اسمه إلى صدقيا (2 مل 24: 11- 17). وبعد تسع سنوات تمرد صدقيا على بابل، فجاء نبوخذ نصر وحاصر أورشليم لمدة سنتين، ولما سقطت في يده، دمرها تماماً، وذبح أبناء صدقيا أمام عينيه، ثم قلع عينى صدقيا وأخذه أسيراً إلى بابل (2مل 24: 18-25: 21)، وعيّن نبوخذ نصر جدليا حاكماً في المصفاة، ولكنه لم يلبث أن أُغتيل، وهرب المتآمرون إلى مصر (2مل 25: 22-26).
ويختم السفر بأن الرب لم ينس وعده لداود، ففى السبي أبدى أويل مرودخ ملك بابل (وخليفته نبوخذ نصر) لطفاً ليهوياكين ورفع رأسه فى السجن، وكلمه بخير وجعل كرسيه فوق كراسي الملوك الذين معه في بابل (2مل 25: 27-30).