كلمة منفعة
من الأشياء الجميلة في كنيستنا، ليالي الصلاة..بدأت كفكرة وسط الخدام، وما لبثت أن انتشرت وسط الشعب كله. ولا تخلو منها كنيسة في ليالي كيهك، كما أصبحت قاعدة لليلة رأس السنة.
— ليالي الصلاة
سفر باروخ
سفر باروخ
حجم الخط
سفر باروخ .
باروخ
+ إسم باروخ بالعبرانية يعني مبارك أو مغبوط ، وبالقبطية مكاري .
+ وباروخ هو ابن نيريا بن محسيا ، من سبط يهوذا ، وأخو سرايا رئيس المحلة ( إر 51 : 59 ) . وهو تلميذ إرميا النبي ، ويسمي في سفر إرميا بباروخ الكاتب ( إر 36 : 26 ، 32 ) . لأنه كان يكتب سفر إرميا عن فم إرميا عندما يمليه عليه ( إر 36 : 4 ، 32 ) . وأول مرة نقرأ عنه في سفر إرميا : عندما تسلم باروخ من إرميا النبي صك بيع قطعة الأرض التي لحنمئيل إبن عم إرميا الموجودة في عناثوث ، أمام حنمئيل وأمام شهود البيع . ونفذ باروخ وصية معلمه إرميا ، بوضعه الصك المختوم ( مقفول ) والصك المفتوح في إناء من الخزف ، لتبقي هذه الصكوك مدة طويلة لتكون نبوة عن عودة الشعب وتملك الأرض ( إر 32 : 8 – 15 ) .
+ وإحتمل باروخ آلاماً كثيرة بسبب ملازمته لمعلمه إرميا ، وتنفيذ وصاياه ، فكان معرضاً للقتل من يهوياقيم الملك ( إر 36 : 26 ) . فمن جراء ذلك كان يقول لنفسه " ويل لي لأن الرب قد زاد حزناً علي ألمي " ( إر 45 : 3 ) . وكان البعض يعتقد أن باروخ يهيج إرميا علي الشعب ليدفعهم ليد الكلدانيين ( إر 43 : 3 ) . وإن كان ذلك يوضح قوة شخصيته ، ومدي إحساسه بالمسئولية نحو الشعب .
+ ويفهم من الإصحاح الخامس والأربعين من سفر إرميا النبي ، أن باروخ كان صاحب أملاك كثيرة ، وحدائق ، وكروم ، وكان يتطلع إلي مركز سام في المملكة أيام يهوياقيم ، لكن الرب قد أوصاه في السنة الرابعة من ملك الملك يهوياقيم علي لسان معلمه إرميا ، بأن لا يطلب لنفسه أموراً عظيمة . " لأن الرب يهدم ما قد بناه ويقلع ما قد غرسه ، وكل هذه الأرض ، ولكن سيعطيه نفسه غنيمة في كل المواضع التي يسير فيها " ( إر 45 : 4 ، 5 ) .... فأطاع .
+ وقد أجبر علي النزول إلي مصر هو وإرميا النبي معلمه بعد إغتيال جدليا بن أخيقام بن شافان بيد إسماعيل بن نثنيا ( إر 41 : 2 ، 43 : 5 – 7 ) .
+ وهو كاتب السفر المسمي بإسمه : باروخ أو باروك ( با 1 : 1 ) . وأحياناً يسمي كتاب أو نبوءة بارخ أو باروك . ويحدد تاريخ كتابته في السنة الخامسة ، بعدما أخذ الكلدانيون أورشليم وأحرقوها بالنار بيد نبوزرادان رئيس شرط نبوخذنصر ملك بابل ( با 1 : 2 ) .
+ ويحتمل ان يكون باروخ قد ذهب إلي بابل قبيل أو بعد وفاة إرميا ، ثم عاد إلي أورشليم حاملاً معه سفره .
نياحته :-
+ توجد تقاليد كثيرة عن نياحته ، ولكن لا يعرف علي وجده التحديد متي تنيح ولا أين دفن .
+ فمن التقاليد اليهودية من يقول :-
1- عندما كان باروخ في بابل – حينما أخذه نبوخذنصر من مصر هو وإرميا معلمه بعدما إنتصر نبوخذنصر علي حفرع ملك مصر – صار معلماً لعزرا ، وإن عزرا رفض ترك بابل والذهاب إلي اليهودية إلا بعد وفاة معلمه الشيخ باروخ النبي – وهو الرأي الأرجح .
2- ورأي آخر يقول عندما رجع باروخ إلي أورشليم حاملاً معه سفره ، أقام في وسط خرائب أورشليم إلي أن تنيح .
+ والبعض يظن أنه تنيح في مصر .
قانونية السفر
+ أدرج سفر باروخ ضمن الترجمة السبعينية التي تمت أيام بطليموس الثاني فيلادلفوس سنة 285 – 247 ق.م. أي أن السفر كان موجوداً ومعروفاً قبل هذا العصر – وكان ترتيبه بين سفري إرميا والمراثي ضمن هذه الترجمة . وأدرج ضمن ترجمة تاودسيون التي تمت سنة 130 م . وأدرج أيضاً ضمن ترجمة الفولجاتا اللاتينية التي قام بها القديس جيروم سنة 331 – 420 م ، وكان ترتيبه في هذه الترجمة بعد المراثي . وكان اليهود يستعملونه .
+ أما فلماذا لم يدرج ضمن الكتب القانونية العبرية في مجمع يمنيا – اليهودي – بفلسطين سنة 90 م . فذلك لسببين : أولهما :- أن اليهود لم يعتبروا باروخ ضمن الأنبياء ، ولكنه كان تلميذاً لإرميا النبي . والثاني :- ( وهو الأهم ) فهو تمسك المسيحيين به ، وخاصةً بنبوءته عن تجسد الكلمة : " هذا هو إلهنا ولا يعتبر حذاءه آخر . هو وجد طريق التأدب بكماله ، وجعله ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه.وبعد ذلك تراءي علي الأرض وتردد بين البشر" (با 3 : 36 – 38) .....
+ ولكن كل آباء الكنيسه إعتبروه سفراً قانونياً وجزءاً من سفر إرميا النبي ، هو ورسالته إلي المسبين في بابل .
+ فالقديس أثناسيوس الرسولي ( 326 – 373 م ) يذكره ضمن قائمته للكتب القانونية ( كما ورد في البذاليون في التعليق علي قانون الرسل رقم 85 عند الروم ) ، وضمن رسائله أيضاً . وقد إستشهد بآية التجسد ( با 3 : 35 ) في مقالتيه الأولي والثانية ضد الأريوسيين .
+ وأيضاً القديس يوحنا ذهبي الفم ( 344 – 407 م ) يعتبره جزءاً من سفر إرميا ، فيقول في إحدي مقالاته : " وباروخ في سفر إرميا يقول ، هذا هو إلهنا وليس آخر يوازيه . وجد طريق التهذب ، ووهبها ليعقوب فتاه ولإسرائيل المحبوب منه . بعد هذا ظهر علي الأرض ، ومع الناس تصرف " ( با 3 : 36 – 38 ) .
+ ويذكر أيضاً مع رسالة إرميا ضمن قوائم الكتب القانونية التي لأوريجانوس ( 185 – 254 م ) ، وإبيفانيوس ( نحو 153 – 403 م ) ، وكيرلس الأورشليمي ( توفي 386 م تقريباً ) .
+ وقد ذكر أيضاً في مجمع اللاذقية ( لاودكيه ) – المنعقد في سنة 343 م تقريباً – في القانون رقم 60 ضمن سفر إرميا هو ورسالة إرميا النبي إلي الذين في سبي بابل .
+ وقد ذكر أيضاً ضمن الكتب القانونية في مجمع قرطاجنة سنة 419 م في القانون رقم 24 – وهذا المجمع يعتبر مصدر التشريع الكنسي لكنائس أفريقيا لأنه إعتمد قوانين 16 مجمعاً سابقة له من الفترة 345 – 419 م . ومن ضمن هذه المجامع مجمع هيبو المنعقد في سنة 393 م ، ومجمع قرطاجنة المنعقد في سنة 397 م ، وهي من المجامع التي إعترفت بقانونية السفر – وقد إستمرت جلساته لمدة ست سنوات متتالية ، وقد حضره القديس أغسطينوس ( 354 – 430 ) . وهذا المجمع في حبرية البابا كيرلس الكبير الملقب بعمود الدين بابا الإسكندرية .
+ وبسبب إعتراض مارتن لوثر علي هذا السفر مع مجموعة أخري من الأسفار من الكتاب المقدس بعهديه ، فقد إجتمعت الكنيسة الكاثوليكية وأكدت قانونية السفر ورسالة إرميا – مع الأسفار التي إعترض عليها مارتن لوثر – في مجمع تردنت سنة 1546 م .
+ وكنيسة الروم الأرثوذكسية اليونانية أكدته أيضاً في المجمعين المنعقد أحدهما في القسطنطينية وكمل في ياش سنة 1645 م ، والثاني في أورشليم سنة 1672 م . وأيضاً في مجمع سنة 1675 م .
+ والكنيسة الروسية الأرثوذكسية تطبعه ضمن العهد القديم باللغة السلافية .
+ ولقد كان ضمن طبعات الكتاب المقدس ، حتي بدأت جمعيات الكتاب المقدس طبعه مع أسفار ( طوبيا ، يهودت ، حكمة سليمان ، حكمة يشوع بن سيراخ ، المكابيين الأول والثاني ، وتتمة سفري دانيال وأستير ) في ملحق خاص به في أول طبعة باللغة الألمانية للكتاب المقدس . وقد سارت علي هذا المبدأ جمعية الكتاب المقدس البريطانية حتي سنة 1728 م ، حينما حذفته نهائياً . ولكن بعض جمعيات الكتاب المقدس تراجعت بعد الحرب العالمية الثانية ، بسبب إحساسها بالعمل المسكوني ، فبدأت في طبعه كملحق بين العهدين تحت شعار : ( طبعة مسكونية للمرة الأولي منذ عهد الإصلاح وهذه الطبعة الكاملة للكتاب المقدس نالت موافقة الكنائس البروتستانتية والكاثوليكية والأرثوذكسية ) .
+ وأخيراً أصدرت دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ترجمة حديثة ضمت هذه الأسفار منفصلة بين العهدين ، ولكن توجد بعض التحفظات من كنيستنا تجاه هذه الترجمة ( الطبعة الأولي سنة 1993 م ) .
+ أما كنيستنا القبطية فقد كانت بعيدة عن هذا الصراع ، فلقد سارت علي النهج الرسولي تجاه هذا السفر ، وأعطته مكانته ضمن الأسفار القانونية ، وإقتبست منه في صلواتها الطقسية ، ففي ليتورجية لقان عيد الغطاس وضعت نبوته عن تجسد المسيح ( با 3 : 36 – 4 : 4 ) ضمن النبوات التي تقرأ ضمن هذه الليتورجية ، وأيضاً جزءاً من صلاته ( با 2 : 11 – 16 ) ضمن تسابيح سبت الفرح .
+ ولأنها لم تطبع حتي الآن الكتاب المقدس ككل ، تقوم بطبع هذه الأسفار ( طوبيا ، يهودت ، تتمة أستير ، حكمة سليمان ، حكمة يشوع بن سيراخ ، باروخ ، تتمة دانيال ، المكابيين الأول والثاني ) في كتيبات خاصة لمنفعة أولادها ، ولتعوضهم عن حرمانهم نتيجة ما تنتهجه جمعية الكتاب المقدس ببيروت لحذفها هذ الأسفار .
+ فلقد ترجم عن القبطية التي عن اليونانية ثم قامت بطبعه مطبعة عين شمس الأثرية سنة 1911 م ، بأمر قداسة البابا كيرلس الخامس بابا الإسكندرية . وقامت بطبع نفس الترجمة كنيسة السيدة العذراء مريم بمحرم بك بالإسكندرية طبعة أولي سنة 1955 م وطبعة ثانية 1975م . ولقد طبعته كنيسة مارجرجس بإسبورتنج عن ترجمة الفولجاتا العربية التي قام بها الآباء اليسوعيون ، وكذلك طبعته مطرانية بني سويف والبهنسا وهو مطابق لهذ الترجمة أيضاً . ولقد طبعته بالتصوير عن الترجمة العربية للفولجاتا كل من كنيسة السيدة العذراء مريم بالفجالة ، ومكتبة المحبة بالقاهرة ، وأصدرت كنيسة العذراء مريم بالعمرانية بعض أجزاء منه علي هيئة نبذات ، وهذه الترجمة هي الأكثر إنتشاراً حالياً ...
+ ونشرت مجلة مرقس سفر باروخ عن الترجمة اليونانية مع بعض التعليقات عليها . " كما إن كتاب إرميا النبي لاشك فيه ، كذلك كتاب باروخ لا ريب فيه ، وليس لنا أن نرتاب في بقية الأسفار التي قبلتها الكنيسة بل علينا أن نجعل لها من المنزله ما للكتب القانونية عينها " . يوحنا ذهبي الفم .
لغة السفر :
+ يقسم الدارسون سفر باروخ من الناحية اللغوية إلي ثلاثة أقسام .
فالقسم الأول : ( با 1 : 1 – 3 : 8 ) يوافق الجميع أن له أصلاً عبرياً .
والقسم الثاني : ( با 3 : 9 – 4 : 4 ) يوافق البعض علي أن له أصلاً عبرياً ، وقد ترجم ترجمة ممتازة إلي اللغة اليونانية .
والقسم الثالث : ( با 4 : 5 – 5 : 9 ) البعض يشك أن ليس له أصل عبري ، مع العلم أنه لا يوجد دليل إيجابي واحد علي هذا الشك . ولكن الأغلبية توافق علي أن له أصلاً عبرياً ، وقد ترجم ترجمة حرة بدون تقيد بالنص العبري ( مثل تعريب موضوع عن لغة أخري ) .
+ فالقسم الأول : ( با 1 : 1 – 3 : 8 ) قد كتب أصلاً باللغة العبرية ، وفيما بعد ترجم إلي اللغة اليونانية ترجمة بها ألفاظ عبرية ، وبعض الأخطاء البسيطة في النسخ ، علي سبيل المثل :
+ كلمة نهر سود المذكورة في ( با 1 : 4 ) ربما تكون نهر ( أهوا ) المذكورة في ( عز 8 : 15 ، 21 ، 31 ) بسبب خطأ الناسخ أثناء نقل الحروف اليونانية لهذا الإسم فتحول حرف (e) اليوناني إلي (s) و (a) الأخيرة إلي (d) .
+ وفي ( با 1 : 10 ) تقرأ هذه الآية باليونانية : " .... تقدمات محرقة وإعتبارات خطية " وهذه الآية ترجمة حرفية للنص العبري المقصود به " ... تقدمات لذبائح المحرقة وذبائح الخطية " .
+ وفي نفس العدد إستخدمت كلمة منا ( manna ) في اليونانية بدلاً من كلمة مينهاه ( minhah ) العبرية . وقد ترجمت في العربية عن القبطية ( منحا ) والتي تعني ( تقدمات أو قربان ) ، وقد جاءت كإسم علم في النسخة السبعينية والتي تعني ( المنّ ) كما ورد في ( إر 17 : 26 ، 41 : 5 ) .
+ وكلمة ( idiom ) في العبرية تعني ( اليوم ) بينما تترجم في النص اليوناني ( كما في هذا اليوم ) المذكورة في ( با 1 : 15 ، 20 و 2 : 6 ، 11 ) .
+ وخطأ آخر في الترجمة في ( با 3 : 4 ) والتي يجب أن تترجم من العبري " صلاة رجال إسرائيل " بدلاً من " صلاة موتي إسرائيل " في اليونانية لأن كلمة (Methe) العبرية والتي تعني رجال قرئت خطأ بمعني ( أموات ) . وهذا الخطأ حدث في ترجمة أكيلا في ( أش 41 : 14 ومز 17 : 14 ) وفي الترجمة السبعينية ( إش 5 : 13 ) .
+ ومن الصيغ العبرية في هذا القسم :
* " حسب إستطاعة يد كل منهم " ( با 1 : 6 قارن تث 16 : 10 ، 17 ) .
* وأيضاً " إستحقاقات آبائنا " ( با 2 : 19 قارن تث 9 : 4 ، 5 ومت 3 : 9 ، لو 3 : 8 ) علي الأرجح ترجمة للأصل العبري ( زكوت آفوت ) وترجمتها ( تزكية الأباء ) .
* وأيضاً " بالجوع والسيف والوباء " ( با 2 : 25 قارن لا 26 : 25 ، 26 و 2 صم 24 : 13 و 1 مل 8 : 37 وأر 14 : 12 ، 24 : 10 ، 32 : 36 ، 38 : 2 ) كضربات مترادفة .
* ولا يمكن فهم الآية " سوف يرجعون عن ظهورهم الصلبة " ( با 2 : 30 ، 33 ) بدون أصل عبري لها وهو " قساة الرقاب " . وهكذا ...
+ أما القسم الثاني : ( با 3 : 9 – 4 : 4 ) فهو يعطي نظرة دقيقة علي أن الكاتب له معرفة تامة بتطور الفكر اليهودي ونظرتهم لمفهوم الحكمة . وهذا الجزء كتب باللغة العبرية وقد ترجم ترجمة ممتازة إلي اليونانية ، ( وهذا مثلما ترجمت بعض الأسفار العبرية ترجمات ممتازة مثل سفر عزرا علي سبيل المثال ) . وهذا القسم به بعض التعبيرات العبرية ، وأخطاء في الترجمة مثل :
+ الكلمة اليونانية مران ( Meran ) أو ميران ( ميرهان ) ( Merrhan ) المذكورة في ( با 3 : 23 ) ترجمت عن الأصل العبري ( مدان أو مديان ) لأن من السهل الخلط بين حرفي (r),(d) في العبرية .
+ والكلمة ( سوف يجدها ) المذكورة في ( با 3 : 30 ) ترجمت بدلاً من الكلمة العبرية ( وجدها ) .
+ والكلمة اليونانية فوس (fos) المذكورة في ( با 3 : 33 ) التي تعني ( نور ) كتبت بدلاً من الكلمة العبرية ( أور ) التي تعني أحياناً ( برق ) كما جاء في ( أي 37 : 11 ، 15 ) .
+ والكلمة التي ترجمت في اليونانية ( نواميس ) المذكورة في ( با 4 : 1 ) بدلاً من الكلمة العبرية ( ناموس ) .
+ ومن الصيغ العبرية في هذا القسم :
* " الذين هم في الجحيم " ( قارن با 3 : 11 مع مز 28 : 1 ، 88 : 4 ) .
* " ولا يفحص عن عملهم " ( قارن با 3 : 18 مع أي 5 : 9 ، 9 : 10 ) .
* " طول الأيام " ( با 3 : 14 ) .
* " ولا نهاية لممتلكاتهم " ( با 3 : 17 ) .
* " لا يسمعون ولا يرون " ( با 3 : 22 ) .
+ الذين درسوا لغة السفر في النص السرياني ، يؤكدون علي أنه ترجم من العبرية مع الرجوع إلي النص اليوناني . وعند مقارنة النص اليوناني بالنص السرياني ، وجدت بعض الإختلافات الحادثة بينهما مما يؤكد علي وجود النص العبري خلف كليهما فمثلاً :
# الترجمة اليونانية في ( با 3 : 21 ) تستخدم كلمة ( طريقهم ) – أي طريق آبائهم ( darkam ) العبرية ، بينما تستخدم في الترجمة السريانية كلمة ( طريقها ) أي طريق الحكمة التي في العبرية (derkah ) ، وهي الأنسب .
# الترجمة اليونانية في ( با 3 : 16 ) تستخدم كلمة ( ناس أو شعب ) التي في العبرية بها حرفي ( m,m ) ، بينما وجدت في النسخة السريانية مترجمة بمعني ( عالم ) التي العبرية بها حرفي ( I , m ) .
+ أما في القسم الثالث : ( با 4 : 5 – 5 : 9 ) فهو مكتوب باللغة العبرية أيضاً . فقد إستعمل بعض الدارسين نموذجاً فريداً في التحليل اللغوي للوصول إلي الأصول العبرية أو الأرامية فوجدوها بالعبرية . ولقد نجح أحد الدارسين أيضاً في تحديد الوزن الشعري والقافية العبرية ، فوجد أن القسم الثاني ( با 3 : 9 – 4 : 4 ) ثلاثي الإيقاع ، بينما القسم الثالث ( با 4 : 5 – 5 : 9 ) فهو خماسي الإيقاع .
+ ومن الصيغ العبرية في هذا القسم :
* " ذبحتم للشياطين ( الأوثان ) لا لله " ( قارن با 4 : 7 مع تث 32 : 17 ) . والذين درسوا لغة النص السرياني في هذا الجزء يؤكدون أيضاً أنه ترجم عن اللغة العبرية واليونانية .
+ أما رسالة إرميا فقد أجمع معظم الدارسين علي وجود أصل عبري لها ، وقد أشار إليه العلامة أوريجانوس أنه كان موجوداً في عصره .
* ومن التعبيرات العبرية : ( با 6 : 44 ) ، و ( با 6 : 69 قارن مع إر 10 : 5 ) .
سفر باروخ
1- المقدمة ( با 1 : 1 – 1 : 14 ) :-
وهي تصف ظروف كتابة السفر ، وأهدافه ، وكاتبه .
(أ) كاتبه : هو باروخ بن نيريا بن معسيا .
(ب) ظروف كتابته : كتبه في بابل سنة 581 ق.م. ويؤرخ كتابته في السنة الخامسة من حريق أورشليم بيد نبوزرادان رئيس شرط نبوخذنصر . وقد تلا كلام هذا السفر ، علي مسمع من يكنيا بن يهوياقيم ملك يهوذا ، وعلي مسمع من جميع الشعب الذين حضروا للإستماع . ويقسم باروخ هذا الشعب إلي عدة مجموعات ، منهم النسل الملكي ، العظماء ، شيوخ إسرائيل ، وجميع الشعب من الصغار إلي الكبار جميع اليهود الساكنين علي نهر سود .
(ج) أهدافه : إستجاب الشعب لنداء باروخ . فبكوا ، وصاموا ، وصلوا أمام الرب . وهذه هي البداية الطبيعية للتوبة . فالبكاء والصوم والصلاة هي أفعال متوالية متتابعة للنمو في الطريق الروحي ( قارن با 1 : 5 مع نح 1 : 3 ، 4 و9 : 1 ، 2 ودا 9 : 3 ، 4 ، 20 و10 : 11 ، 12 ) .
+ البكاء يعبر عن الندم والإستعداد لتغيير إتجاه الحياة ، من الإتجاه السلبي إلي الإتجاه الإيجابي . عن طريق الصوم عن الأشياء التي كانت تجذبنا بعيداً عن الله .
+ أما الصوم فهو إذلال النفس أمام الله ، وليس إذلال الجسد ، لأن الكتاب المقدس يعلمنا أن نقوته ونربيه ( أف 5 : 29 ) ، ولا ندللة ( جا 10 : 17 ) . فإذلال النفس هو تعبير الندم عن الخطية ، والأفعال الرديئة التي صدرت عن الإنسان في لحظة ضعف ، أو عن إصرار . وهو تقوية لعزيمة الإنسان من الإحساس بالضعف أمام مغريات الخطية ، وإن كان لا يقدر علي النصرة من ذاته ، وإنما بمعونة الله التي يسكبها علينا .
+ أما الصلاة فهي إتحاد بالله . وهي الشرارة الأولي في النصرة علي إبليس ، لأننا من خلالها نعلن له أنه لم يقدر أن يفصلنا عن الله ، لأننا نتحدث إليه ، ونتكلم معه ، بلا حاجز يفصل بيننا وبينه ، فالصلاة حديث متبادل .
+ وكانت النتيجة الطبيعية للبكاء ، والصوم ، والصلاة ، هي أن يعترفوا بخطاياهم ، ويقدموا عنها ذبيحة لأنه " بدون سفك دم لا تحدث مغفرة " ( عب 9 : 22 ) .
+ فجمع باروخ وقادة الشعب كماً من الفضة حسب إستطاعة كل إنسان ، وأرسلوها إلي يوياقيم رئيس الكهنة ، والكهنة في أورشليم . وهنا يفرق بين يوياقيم الكاهن ، والكهنة ، ليوضح أنه رئيس كهنة . أما جمع المال وتقديمه إلي الهيكل فهذا ليس بجديد علي الشعب اليهودي ( أنظر علي سبيل المثال " خر 25 : 2 – 7 ، 35 : 4 – 9 ، تث 16 : 10 ، 16 ، 17 و2 أي 24 : 5 ، عزرا 1 : 4 و 2 : 68 ، 69 و 2 مك 12 : 43 ) .
+ وأوصوهم (أ) أن يصلوا من أجل نبوخذنصر ، وبيلشاصر إبنه لكي يجعل الله أيامه كأيام السماء علي الأرض .
+ يصلوا من أجل نبوخذنصر ؟!!
+ أليس هذا هو الذي هدم أورشليم وأحرقها هي والهيكل ؟!!
+ أليس هذا هو الذي سباهم وجعلهم عبيداً في أرض غريبة ؟!!
+ أليس هذا هو عدوهم اللدود ؟!!
+ نعم إنه هو نبوخذنصر ، الذي أمرهم الله أن يخضعوا له علي فم إرميا النبي ( إر 27 : 6 – 13 ) . " لأن كل سلطان مرتب من الله " ( رو 13 : 1 ) . وهم خدام الله للصلاح ( رو 13 : 4 – 6 ) . وها هو بطرس الرسول يوصينا أن نخضع لهم ليس للصالحين فقط وإنما للمعوجين أيضاً ( 1 بط 2 : 13 – 18 ) .
+ وأليس الصلاة من أجله ، هو التطبيق العملي للوصية : " أحبو أعدائكم . باركوا لاعينيكم . أحسنوا إلي مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم " ( مت 5 : 44 ) ؟
+ فإرميا النبي يطلب منهم أن يصلوا من أجل سلام مدينة بابل ، لكي يكون بسلامها سلام لهم ( إر 29 : 7 ) . ومن أجل ذلك يطلب داريوس الملك أن يصلي من أجله ، ومن أجل النسل الملكي ( عز 6 : 9 ، 10 ) . وبعد ذلك أصبح تقليداً أن يصلي من أجل البلاد ، والملوك . وقد سار علي هذا النمط يوناثان المكابي ( 1 مك 12 : 11 ) . وأصبحت الصلاة من أجلهم لا تقتصر علي الأعياد فقط ، وإنما في كل الأيام . وبولس الرسول يؤكد هذا التقليد ، فيوصي تلميذه تيموثاوس أن يصلي من أجل الملوك وجميع الذين هم في منصب ، معللاً بنفس السبب – الذي من أجله أوصي إرميا النبي – وهو : " لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوي ووقار . لأن هذا حسن ومقبول لدي مخلصنا " ( 1 تي 2 : 1 – 3 ) . وهو نفس السبب الذي من أجله يطلب باروخ الصلاة : " فيؤتينا الرب القوة وينير عيوننا ونحن نائلين لديهم حظوة ( نعمة ) "
( با 1 : 12 ) .
+ ولقد تسلمت الكنيسة هذا التقليد وسارت عليه إلي الآن :
{} ففي تسبحة الخدمة الأولي من صلاة نصف الليل ، نوجه حديثنا إلي العذراء طالبين أن تحصن مدينتنا ، وعن ملوكنا تحارب ، وتتشفع عن سلام العالم .
* وفي أوشية السلام الكبيرة ، يطلب الكاهن ويقول : " السلام الذي من السموات ، أنزله علي قلوبنا ، بل وسلام هذا العمر أنعم به علينا إنعاماً . الرئيس والجند ، والرؤساء والوزراء والجموع ، وجيراننا ومداخلنا ومخارجنا ، زينهم بكل سلام يا ملك السلام " .
* وفي القداس الغريغوري ، يطلب الكاهن ويقول : " أذكر يارب الذين تملكوا في التقوي ، الذين هم الآن ملوك " . فيرد الشماس قائلاً : " صلوا من أجل ملوكنا محبي المسيح " . ويصلي الكاهن مرة أخري قائلاً : " أذكر يارب إخوتنا المؤمنين الأرثوذكسيين الذين في البلاط ، وجميع الجنود " .
* وفي القداس الكيرلسي ، يطلب ويقول : " أذكر يارب رئيس أرضنا عبدك ... إحفظه بسلامة وعدل وجبروت ، ولتخضع له كل الأمم الذين يريدون الحرب في جميع مالنا من الخصب . تكلم في قلبه من أجل سلام كنيستك الواحدة الوحيدة المقدسة الجامعة الرسولية . أعط أن يفكر بالسلام فينا وفي إسمك القدوس . لكي نحيا نحن أيضاً في سيرة هادئة ساكنة ، ونوجد في كل تقوي وكل عفاف بك " .
+ " ويجعل الله أيامهم كأيام السماء علي الأرض " . فهنا يطلب أن تكون الأرض مثل السماء ، في الحب والسلام بين الخليقة وبعضها البعض ، بعيداً عن الحروب وآثارها وويلاتها .
(ب) الصلاة من أجل المسبيين أنفسهم ، لكي الله " ينير عيونهم " . ولقد لفتت هذه الطلبة نظر بولس الرسول ، فصلي لأجل أهل أفسس قائلاً : " لا أزال شاكراً لأجلكم ، ذاكراً إياكم في صلواتي ، كي يعطيكم إله ربنا يسوع المسيح ، أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته ، مستنيرة عيون أذهانكم ، لتعلموا ما هو رجاء دعوته ، وما هو غني مجد ميراثه في القديسين " ( أف 1 : 16 – 18 ) .
+ وفي ( با 1 : 13 ) أوصوهم لأجل طلب مراحم الله بإرتداد سخطه ، وغضبه عنهم ، ومغفرة خطاياهم .
2- الإعتراف بالخطايا ( با 1 : 15 – 2 : 10 ) :
+ فهذا الإعتراف إعتراف جماعي ، يشترك فيه كل الشعب مقرين أن خطاياهم وخطايا آبائهم هي التي جلبت كل هذا ، ولم يحاولوا التملص ، ولا إلقاء اللوم على الآخرين ، كما حدث معهم من قبل .
+ فلا الملوك ، ولا الكهنة ، ولا رؤساء البيوت ، ولا الأنبياء ، ولا الشعب ، يحاولون أن يبرروا أنفسهم ، فالكل يقر أمام الله أنه خاطىء ، وبالتالى يستحق العقاب .
+ فهنا وقفة جادة مع النفس ، فى سبيل الشفاء من الخطية ، فالكل يقر أنه صار فى عناد ، وإصرار ضد الله . ولم يعطه أذناً صاغية لسماع صوته ، أو العمل بأقواله ، من يوم خروجهم من مصر إلى الآن . مع أن الله كان دائماً يحذرهم على فم أنبيائه ، مرة بالإنذار ، والأخرى بالوعيد ، وثالثة بالوعود لمن يتوب ويتمسك بأقواله . ولكن الكل سار حسب هواه ، وتصور قلبه الشرير ، وصارت لهم حرية الإرادة والإختيار ستاراً للشر ( 1بط 2 : 16 ) .
+ فهنا يصوب باروخ النبى بأصبعه ، مشيراً إلى مكان الداء ، حيث تكمن الخطية . ويؤكد أن العصيان ، نتيجة عدم سماع الصوت الإلهى ، والسلوك فى وصاياه ، كان سبباً طبيعياً فى أن الله يقيم كلامه ـ أى تأديبه الذى سبق فأنذرهم به ـ لأن وعيد الله ليس لمجرد التهديد . لذلك يقول الرسول " إن أخطأنا بإختيارنا بعدما أخذنا معرفة الحق ، لا تبقى بعد ذبيحة عن الخطايا بل قبول دينونة مخيف وغيرة نار عتيدة أن تأكل المضادين ... مخيف هو الوقوع فى يدى الله الحى " ( عب 10 : 26 ، 27 ، 31 ) .
+ فجلب الله قضاءه على إسرائيل ، كما تكلم على فم موسى النبى فى ( سفر التثنية الأصحاحات من 27 ـ 32 ) : شروراً لم تعمل تحت السماء كلها مثل ما أحدثه فى أورشليم . حتى أن إرميا النبى يصف ما حدث وهو يبكى بدلاً من الدمع دماً : " أيادى النساء الحنائن طبخت أولادهن صاروا طعاماً لهن فى سحق بنت شعبى " ( مرا 4 : 10 ) . وهذه هى المره الثانية التى يذكر فيها أن النساء ذبحن أولادهن لكى ما يقتتن بهن فى الحروب المرة الأولى أيام إليشع النبى عندما حاصر بنهدد ملك أرام السامرة . ( 2مل 6 : 24 ـ 31 ) .
+ أفإلى هذه الدرجة تحدث الخطية ؟ !!!
+ أفهكذا تتغير الطبيعة البشرية ، فتتحول العواطف الغريزية إلى أداة فتاكة ضد الإنسان نفسه ؟ !!!
+ نعم لأن الله يسلم مثل هؤلاء إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق ( رو 1 : 28 ) .
+ فأرجوك يا إلهى الصالح لا تسلمنا إلى أهوائنا، وميولنا ، وغرائزنا . لكن إجتذبنا إليك بمراحمك الجزيلة ، حتى لو أضطررت أن تؤدبنا . فمن حبك لنا أسلمت ذاتك عنا ، وكل من تحبه تؤدبه ( عب 12 : 5 ـ 11 ) .
+ أرجوك يا رب أعطنا أذناً صاغية لنسلك فى أوامرك ووصاياك المقدسة . لأن لك كل مجد وإكرام وسجود من الآن وإلى الأبد آمين .
3 ـ الصلاة ( با 2 : 11 ـ 3 : 8 ) :-
+ أما هذه الصلاة فهى فسيفساء من الآيات الكتابية ، تكون لوحة جمالية من الإعتراف بالخطية ( 2 : 12 ، 24 ، 26 و 3 : 2 ـ5 ) ، وإلتماس الرحمة ( 2 : 13 ـ 23 ، 25 و 3 : 1 ـ 5 ) ، وطلب النجاة ( 2 : 27 ـ 35 ) ، والحمد والتسبيح ( 3 : 6 ، 7 ) .
+ فكثيراً ما نقابل هذا التقسيم الرباعى فى مجموعة مزامير الإغاثة . فردية كانت أم جماعية ، وإن كانت لا تلتزم بنفس ترتيب هذه العناصر ، أو يهمل بعضها ، أو يكررها . ولا عجب فى ذلك لأن مشاعر الإنسان فى وقت الصلاة ليست بجامدة .
+ ونلاحظ أن القديس بولس الرسول يقسم الصلاة إلى أربعة عناصر أيضاً ، فيوصى تلميذة تيموثاوس قائلاً : " فأطلب أول كل شىء أن تقام طلبات وصلوات وإبتهلات وتشكرات لأجل جميع الناس ، لأجل الملوك وجميع الذين هم فى منصب " ( 1تى 2 : 1 ، 2 ) .
+ فما من أحد يقف أمام الله ، ولا يحس أنه كلا شىء أو خاطىء ، ويعترف له بإحساناته طوال فترة حياته الماضية . ويعتمد على وعوده السابقة .
+ فإبراهيم أب الأباء يقول : " إنى شرعت أكلم المولى وأنا تراب ورماد " ( تك 18 : 27 ) . وداود يقول : " أما أنا فدودة لا إنسان .عار عند البشر ومحتقر الشعب ... لأن أثامى قد طمت فوق رأسى . كحمل ثقيل أثقل مما أحتمل . قد أنتنت قاحت حبر ضربى من جهة حماقتى " ( مز 22 : 6 و 38 : 4 ، 5 ) . وأيوب الصديق يقول : " فمن ذا الذى يخفى القضاء بلا معرفة ولكنى قد نطقت بما لم أفهم . بعجائب فوقى لم أعرفها . إسمع الآن وأنا أتكلم . أسألك فتعلمنى . بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عينى . لذلك أرفض وأندم فى التراب والرماد " ( أى 42 : 3 ـ 6 ) . وفى مثل الفريسى والعشار نجد أن السيد المسيح طوب العشار دون الفريسي . وذلك بسبب تزلله أمام الله ، ووصفه قائلاً : " وقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء . بل قرع علي صدره قائلاً : اللهم إرحمني أنا الخاطئ " ( لو 18 : 13 ) .
+ فباروخ النبى يقف هو والشعب أمام الله ، ويعترفون بأخطاء الماضى ، وكيف أن هذه الأخطاء تضاعفت من التمرد والعصيان إلى رفض التأديب . وإن هذه الخطايا هى موجهة ضد الله مباشرة أو ضد رسومه وشرائعه فيقول : " إننا خطئنا ونافقنا وأثمنا ـ لاحظ تطور الخطية ـ أيها الرب إلهنا فى جميع رسومك ... فلم نسمع بأن نتعبد لملك بابل ـ رفض التأديب ـ ... فإننا قد خطئنا إليك ... إسمع صلاة قوم إسرائيل وبنى الذين خطئوا إليك الذين لم يسمعوا لصوت إلههم وقد لحق الشر بنا ـ العقاب واليد العالية " . ونتيجة التألم فى الجسد كفوا عن الخطية ( 1بط 4 : 1 ) .
+ فبدأوا يرجعون بكل قلوبهم ، ويلتمسون مراحم الله ، ويذكرون أنهم شعبه ، وأن أية إهانة لهم هى إهانة له شخصياً . فلذلك يرجونه أن يعمل لأجل إسمه المهان بين الأمم ، وكأنهم يرددون قول المزمور : " ليس لنا يا رب ليس لنا لكن لإسمك القدوس أعط مجداً ، من أجل رحمتك من أجل أمانتك " ( مز 115 : 1 ) . أو قول إرميا النبى : " إن تكن آثامنا تشهد علينا يا رب ، فأعمل لأجل إسمك ... يا رب قد دعينا بإسمك فلا تتركنا " ( إر 14 : 7 ، 9 ) .
+ ومما يلفت النظر فى هذه الأعداد ، ترادف مجموعة أفعال ذات طابع خاص : " أسمع يا رب صلاتنا ... أيها الرب ألتفت ... أنظر إلينا وأمل أذنك وأستجب وأفتح عينيك وأنظر ... نلقى تضرعنا أمامك " . وهذه الأفعال تمثل ردود فعل المصلى كما لو كان الله غافلاً عن البلايا التى تحيط به . ونرى هذه الأفعال فى صلاة حزقيا ملك يهوذا عندما حاصره ربشاقى فقال : " أمل يا رب أذنك وأسمع . أفتح يا رب عينيك وأنظر وأسمع كل كلام سنحاريب الذى أرسله ليعير الله الحى " ( إش 37 : 17 ) .
+ ونلاحظ أن توسلهم لم يقم على إستحقاقاتهم الشخصيه ، أو بر آبائهم إبراهيم وإسحق ويعقوب ، أو ملوكهم داود وسليمان وحزقيا ويوشيا . بل قائم على تمجيد أسم الله ، وإذلالهم لأنفسهم والرجوع إليه ونبذ كل خطية .
+ " لكن الروح الكئيب من الشدة والذى يمشى منحنياً ضعيفاً " بسبب التأديب ـ ويعلق بولس الرسول على هذا الموضوع قائلاً : كل تأديب فى الحاضر لا يرى أنه للفرح بل للحزن . وأما أخيراً فيعطى الذين يتدربون به ثمر بر للسلام . ( عب 12 : 11 ) " والعيون الكليلة " من كثرة البكاء " والنفس الجائعة " من كثرة الصوم " ( با 2 : 18 ) . فهذه هى علامات التائب ، لأن روح الإنسان تتأثر بسلوكياته كما أن سلوكيات الإنسان تتأثر بروحياته .
+ وهنا ( با 2 : 17 ، 18 ) يضع باروخ النبى تضاداً شعرياً بين الإنسان المصر على خطاياه ـ حيث أنه مائت بسبب بعده عن الله ، وبين الإنسان التائب ـ حيث أنه حى ويستجيب لعمل الروح القدس .
+ ويلتمس باروخ رحمة الله ، من أجل عظام الملوك ، وعظام آبائهم ، التي أصبحت دمنة علي وجه الأرض . فإكرام عظام الموتي ، هو تقليد قديم ، وفي كل الشعوب ، قديماً وحديثاً ، شرقاً وغرباً ، وفي جميع الأديان . فكم بالحري يكون إكرام عظام القديسين مثل عظام إليشع النبي التي عندما مست ميتاً قام في الحال ( 2 مل 13 : 12 ) .
+ ويطلب باروخ النجاة علي أساس وعود الله مع آبائهم إبراهيم وإسحق ويعقوب ، متذكراً معاملات الله معهم قديماً حيث أحاطهم بكل رأفة ورحمة ، لأنه يفتقد بالإحسان إلي ألوف الأجيال ، كما تكلم علي لسان موسي عبده قائلاً : " لأني أنا الرب إلهك إله غيور ، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء وفي الجيل الثالث والرابع من الذين يبغضونني ، وأصنع إحساناً إلي ألوف من محبي وحافظي وصاياي ... فاعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين الحافظ العهد والإحسان للذين يحبونه ويحفظون وصاياه إلي ألف جيل ، والمجازي الذين يبغضونه بوجوههم ليهلكهم . لا يمهل من يبغضه ، بوجهه يجازيه " ( تث 5 : 9 و7 : 9 ، 10 ) . ويستشهد باروخ ببعض الآيات من سفري اللاويين والتثنية .
+ ويختتم باروخ صلاته بنبرة الثقة في وعود الله . لذلك يسبحه ويحمده ، مؤكداً أن هذا التسبيح ناتج عن عمل الله فيهم ، بوضعه مخافته في قلوبهم ، ومؤكداً قول إشعياء النبي : " بك وحدك نذكر إسمك ... يارب تجعل لنا سلاماً ، لأنك كل أعمالنا صنعتها لنا " ( أش 26 : 13 ، 12 ) . ويركز باروخ علي قلب الإنسان – حيث أن القلب مركز الأحاسيس والعواطف والمشاعر ، ومكان إستعلان الله في الإنسان ، حيث تسكن كلمته .
+ وهذه الصلاة تشبه صلاة دانيال النبي ( دا 9 : 4 – 19 ) ، إلي حد كبير . وذلك بسبب الخلفية الدينية والظروف السياسية والإجتماعية التي كانت تحيط بهم ، والتقارب الفكري الناتج عن الإختلاط في العبادة . حيث كانوا يعيشون في نفس الزمن . ولحد ما تتشابه مع صلاة عزرا ( عز 9 : 5 – 15 ) ، ومع صلاة نحميا ( نح 1 : 1 – 14 ) .
4- الحكمة ( با 3 : 9 – 4 : 4 ) :-
+ ويمكن تقسيمها إلي الآتي :-
(أ) أهمية الحكمة ( 3 : 9 – 14 ) .
(ب) لا يستطيع إنسان أن يجد الحكمة من ذاته ( 3 : 15 – 31 ) .
(ج) الحكمة هي الناموس ( 3 : 32 – 4 : 4 ) .
+ فقد كانت وما زالت الحكمة هي مفخرة لبعض الشعوب مثل قدماء المصريين ( إش 19 : 11 ) ، وشعوب بابل ( إش 47 : 10 ) ، وآدوم ( إر 49 : 7 وعو 8 ) ، وصور وصيدون – أرض كنعان – ( زك 9 : 2 ) . ولكن الحكمة التي تنبع من الذات أي من ذات الإنسان ، فالله يرفضها ويحمقها ويزيلها ( إش 5 : 21 ، 29 : 14 وإر 4 : 22 ، 8 : 9 ، 9 : 23 ) . لأن الله هو مركز الحكمة ( أم 15 : 33 ، 19 : 20 ، 21 ) ، ومنه تنبع ( أم 1 : 7 ، 9 : 10 ) ، وإليه تنتهي ( أم 2 : 5 وسي 1 : 14 – 22 ) . وتتميز الحكمة في العهد القديم بأنها مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بالعلاقة الصحيحة مع الله " لأن رأس الحكمة مخافة الرب " ( مز 111 : 10 وسي 21 : 13 ) .
+ فكلمتي ( حوخما ، وسكل ) العبرانية ، وكلمة ( صوفيا ) اليونانية ومرادفتها ، تترجم إلي حكمة ومرادفاتها ، مثل معرفة ، تعقل ، فطنة ، فهم ، التأدب أو التهذيب .
(أ) يبدأ باروخ يتكلم عن أهمية الحكمة ، فيطرح سؤالاً : " لماذا يا إسرائيل ، لماذا أنت في أرض الأعداء ؟ " ( با 3 : 10 ) . ويجيب : لأنهم قد تركوا ينبوع الحكمة ( با 3 : 12 ) . وكأنه يردد قول إشعياء النبي : " ليتك أصغيت لوصاياي . فكان كنهر سلامك ، وبرك كلجج البحر ، وكان كالرمل نسلك ، وذرية أحشائك كأحشائه " أي الحصي " لا ينقطع ولا يباد إسمه من أمامي " ( إش 48 : 18 ، 19 ) .
+ فالحكمة هي إستعلان لمشيئة الله ( أي الوصية ) تجاه الإنسان . وعلي الإنسان أن يسعي وراءها وينفذها . فسليمان الحكيم يقول عنها أنها : " تزيدك طول الأيام وسني حياة وسلامة . لا تدع الرحمة والحق يتركانك ، تقلدهما علي عنقك ، إكتبهما علي لوح قلبك ، فتجد نعمة وفطنة صالحة في أعين الله والناس " ( أم 3 : 2 – 4 ) . أما يشوع بن سيراخ يقول أنها : " تنشئ السلام والشفاء والعافية ... وفروعها طول الأيام " ( سي 1 : 22 ، 25 ) .
+ ويتساءل باروخ مرة ثانية : " أين الفطنة ؟ وأين القوة ؟ وأين التعقل ؟ لكي تعلم أيضاً أين طول الأيام والحياة ؟ " ( با 3 : 14 ) . ويجيب : " هذا كتاب أوامر الله والشريعة التي إلي الأبد كل من تمسك بها فله الحياة ، والذين يهملونها يموتون " ( با 4 : 1 ) . وكأنه يذكرهم بوصية موسي النبي عندما قال : " فالآن يا إسرائيل إسمع الفرائض والأحكام التي أنا أعلمكم لتعملوها لكي تحيوا ... فإحفظوا وإعملوا . لأن ذلك حكمتكم وفطنتكم " ( تث 4 : 1 ، 6 ) .
(ب) ويتساءل مرة أخري : من يستطيع أن يجد الحكمة ما لم يهبها له الله ؟ ويجيب : إنه لا الرؤساء ، ولا الذين يتسلطون علي الوحوش ، ولا الذين يلاعبون الطيور ، ولا الذين يدخرون المال ويتكلون عليه . فكل هؤلاء هبطوا إلي مكان الإنتظار ( أي الجحيم ) دون أن يحصلوا عليها ( با 3 : 16 – 18 ) . وبنوهم لم يستفيدوا من ماضي آبائهم ولم ياخذوا لهم عبرة ، لكنهم أصروا أن يبتعدوا عن الله . فلم يسمع به – الله – في كنعان ، ولم ير في أدوم ، والإسماعيليون أيضاً لم يعرفوا طريق الحكمة ( با 3 : 22 ، 23 قارن تك 25 : 12 وأنظر تك 37 : 28 ) . فهذه البلاد إشتهرت بالحكمة نتيجة تجارة البضائع وتسويقها ، فلذلك إشتهرت كلمة ( تاجر ) بـ ( الكنعاني ) " تصنع قمصاناً وتبيعها وتعرض مناطق علي الكنعاني ... مثل الكنعاني في يده موازين الغش " ( أم 31 : 24 وهو 12 : 7 وأنظر أيضاً أي 41 : 6 ) . وأهم من إشتهر بالحكمة من هذه البلاد أليفاز التيماني – أحد أصدقاء أيوب وأول المتكلمين معه ( أي 4 : 1 ) . ويتسائل إرميا عن حكمة أدوم قائلاً : " ألا حكمة بعد في تيمان ؟! هل بادت المشورة من الفهماء ؟ هل فرغت حكمتهم ؟! " ( إر 49 : 7 وأنظر عو 8 ) .
+ وأخذ باروخ يلتفت يميناً ويساراً في كل الأرض ، ويستعيد الماضي القديم والحديث ، ليري هل إستطاع أحد أن يحصل علي الحكمة ؟ فلم ير أحداً ، حتي من الجبابرة ( با 3 : 26 ) الذين يصفهم الكتاب المقدس بذوي إسم ( تك 6 : 4 ) ، والذين منهم نمرود الذي يصفه الكتاب المقدس أنه " إبتدأ أن يكون جباراً " ( تك 10 : 8 – 10 ) .
+ هؤلاء لم يحصلوا علي الحكمة . ولكن كانت حكمتهم أرضية نفسانية شيطانية ( يع 3 : 15 ) ... فهلكوا بسببها .
+ وفي مقابل كل هؤلاء نجد أن الله وحده هو الذي يعرف طريقها . وبها خلق كل الخليقة ، فسليمان يصفها بأنها : " صانعة كل شئ مهندسة الأكوان " ( حك 8 : 5 ، 6 ) . لأنها قائمه عنده قبل كون العالم ( أي 28 : 20- 27 وأم 8 : 22 – 31 وسي 1 : 4 ، 9 و 24 : 5 – 14 ) . فوهبها ليعقوب عبده وإسرائيل حبيبه . وقال لها : " إسكني في يعقوب ورثي في إسرائيل " ( سي 24 : 13 ) .
(ج) وينبه باروخ بني إسرائيل أن يتوبوا ويرجعوا ويسيروا في ضيائها ( با 4 : 2 ) ، لأنه " سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي " ( مز 119 : 105 ) ، ولأن " الوصية مصباح والشريعة نور " ( أم 6 : 23 ) . لأنهم يعرفون ما هو المرضي عند الله ، حيث ثمر البر يزرع في السلام من الذين يفعلون السلام ( يع 3 : 17 ، 18 ) .
+ وفي تجليه هذا يجد باروخ نفسه أمام أمر واقع ، وهو : الله بذاته يتراءي علي الأرض ويتردد بين البشر (با 3 : 38). ولم يقل تراءي في يهوذا وتردد بين بني إسرائيل ، لأن الله الكلمة عندما تجسد تراءي في الأمم أيضاً حيث زار مصر وتردد بين شعبها ( مت 2 : 13 – 21 ) . ومثله أيضاً تنبأ ميخا النبي قائلاً : " فإنه هوذا الرب يخرج من مكانه وينزل ويمشي علي شوامخ الأرض " ( مي 1 : 3 ) . ويعلل سبب ذلك قائلاً : " كل هذا من أجل إثم يعقوب ، ومن أجل خطية بيت إسرائيل " ( مي 1 : 5 ) .
+ وليس باروخ وحده هو الذي تكلم عن الحكمة كشخص ( أي أقنوم الحكمة ) ، ولكن أيضاً سليمان ويشوع بن سيراخ وأيوب . كل منهم تكلم في صور تختلف عن الآخر . " فالكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً " ( يو 1 : 14 ) . والسيد المسيح قال عن نفسه " ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء " ( مت 23 : 34 ) ، وقيل عنه في لوقا " لذلك أيضاً قالت حكمة الله : إني أرسل إليهم أنبياء ورسلاً " ( لو 11 : 49 ) ، وبولس الرسول يقول : " فبالمسيح قوة الله وحكمة الله " ( 1 كو 1 : 24 ) .
+ ولقد نجح باروخ في إظهار تطور مراحل تكوين الحكمة في الفكر اليهودي :-
1- الحكمة التأديبية أو الأخلاقية ... قارن ( با 3 : 13 – 15 مع أم 8 : 4 – 21 وسي 1 : 6 ، 7 ، 22 ، 25 ) .
2- الحكمة المبنية علي التأمل في الخليقة ... قارن ( با 3 : 29 – 35 مع أي 28 : 1 – 28 وحك 7 : 17 – 21 ) .
3- الحكمة هو اللوغوس ( الكلمة المتجسد ) ... قارن ( با 3 : 36 – 38 مع أم 28 – 31 وحك 7 : 22 وسي 24 : 34 ، 35 ) .
4- الحكمة هي الشريعة ... قارن ( با 4 : 1 – 4 مع تث 4 : 1 – 6 ، سي 24 : 29 – 32 ) .
5- عزاء لأورشليم ( 4 : 5 – 5 : 9 ) :-
ويمكن تقسيمها إلي الآتي :-
(أ) النبي يحدث المسبيين ( 4 : 5 – 9 ) .
(ب) أورشليم تحدث جيرانها ( 4 : 9 – 16 ) .
(ج) أورشليم تحدث الذين في السبي ( 4 : 17 – 29 ) .
(د) النبي يحدث أورشليم ( 4 : 30 – 5 : 9 ) .
(أ) النبي يحدث المسبيين :
+ يعطي باروخ النبي في هذه القصيدة ، تعليلاً واضحاً لماذا هم في السبي . ويفتح باب الرجاء علي مصراعيه أمام بني إسرائيل . فيبدأ كلامه بنبرة الفرح ، والثقة ، واليقين قائلاً : " ثقوا يا شعبي " ( با 4 : 5 ) فهذه الثقة نابعة عن الله ، ومن وعوده . ويؤكد أنهم في السبي لأجل تأديبهم ، وليس لهلاكهم ( با 4 : 6 ) . وهذا التأديب كان بسبب أنهم تركوا ينبوع المياه الحي ( أي الله ) لينقروا لأنفسهم آباراً مشققة لا تضبط ماء ( إر 2 : 13 ) . فبدلاً من أن يعبدوا الله ، ويقدموا له ذبائحهم ، نجدهم يعبدون الأوثان ( با 4 : 7 ) . وليس هذا فقط ، إنما يقدمون لها ذبائح بشرية من بنيهم وبناتهم ، الأمر الذي أحزن قلب الله جداً ( إر 7 : 31 ) . وأعطي باروخ لقب الشياطين للأوثان ( با 4 : 7 ) . ونجد بولس الرسول أخذ عنه هذا التشبيه في ( 1 كو 10 : 19 – 22 ) .
+ فتري أورشليم كل هذا ، وتحزن وتئن . ولاسيما أن أهله سبوا ، وأصبحت أرضاً خربة بلا ساكن .
(ب) فتوجه أورشليم حديثها إلي جيرانها من المدن والبلدان لتعلمهم أن الله هو الذي سمح بالسبي ، وبالتالي جلب عليها هذا النوح ( با 4 : 9 ، 10 ) . وتحذرهم بأن لا يشمتوا بها ، وتذكرهم بأن ما حدث لها كان بسبب خطايا شعبها ( با 4 : 12 ، 13 ) . وكأنها تقول لهم إن لم تتوبوا أنتم أيضاً ، فلابد أن تشربوا من كأس غضب الله . لأنه إن كان لم يشفق علي مقدسه فكم بالحري أنتم ( إر 25 : 29 ) .
+ وتصف أورشليم الأمة التي إستخدمها في تأديب شعبها ، بأنها أمة من بعيد ، وقحة ، أعجمية اللسان ، قاسية ( با 4 : 15 ) .
(ج) ثم توجه أورشليم حديثها إلي المسبيين ، وتوصيهم أن يسلكوا في طريق التوبة قائلة لهم : " سيروا يا بني سيروا " ( با 4 : 19 ) وكأنها تقول لهم لابد أن تسلكوا بجدية .
+ ونلاحظ تكرار القول للتأكيد مثل " عزوا عزوا شعبي " ( إش 40 : 1 ) " الحق الحق أقول لكم " ( يو 16 : 23 ) . وتشدد علي علاقتهم بالله مثل : " إستغيثوا بالله ... بقدر ذلك عشر مرات تلتمسونه تائبين ... الله سيردكم لي بفرح ، ومسرة " ( با 4 : 21 ، 28 ، 23 ، 29 ) .... وهكذا .
+ ونلاحظ هنا تكرار صفة ( الأزلي ) تسع مرات ، وكأنها تقول لهم كل هؤلاء يبيدون أما إلهنا فباق إلي الأبد ، ولابد أنه سيخلصكم كما خلصكم من المصريين قديماً . ومن صفات الله في هذا الجزء أيضاً ( القدوس ) ، وكأنها تقول لهم لابد ان ينعزلوا عن كل شر وشبه شر . وتصفه أيضاً بـ ( مخلصكم ) وتعرفهم أنه ليس بأحد غير الخلاص ( أع 4 : 12 ) . وتؤكد أن خلاصهم قريب .
+ وتصف عودتهم من السبي أنه يكون بمجد وبهاء الله ذاته . وكأنه هو قائد الراجعين من السبي ، فبهاؤه ومجده سينعكس عليهم .
(د) وهنا يتدخل باروخ في الحديث موجهاً حديثه إلي أورشليم قائلاً : " ثقي يا أورشليم فإن الذي سماك بإسمه ( أي مدينة الله " مز 87 : 3 " ) سيعزيك " ( با 4 : 30 ) . ويصف إشعياء النبي سبب هذه التعزية في الإصحاح الستين قائلاً بأن : " الرب سيجعلها فخراً أبدياً ، فرح الأجيال . وتسمي أسوارها خلاصاً ، وأبوابها تسبيحاً . ولا تحتاج إلي الشمس بالنهار أو القمر ليلاً ، لأن الرب هو يكون نورها ، وزينتها ، وتدعي مدينة الرب صهيون ، قدوس إسرائيل ، ويعلق إشعياء علي إسمها قائلاً : بأن : " الرب سيعطيها إسماً جديداً سيعين بفم الرب ذاته . فهي المدينة التي يسر بها فهو عريسها وهي المدينة الغير مهجورة منه " ( إش 62 : 1 – 5 ) .
+ ويعطي باروخ النبي الويل للمدن التي جارت عليها ، أو شمتت بها ( با 4 : 31 ) . لأن الرب سيذل رفعة المتكبرين ويرفع الوضعاء . كما قالت السيدة العذراء : " شتت المستكبرين بفكر قلوبهم ، أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين " ( لو 1 : 51 ، 52 ) . ويعطي الويل أيضاً للذين شمتوا بهم " لأن الفرحان بالبلية لا يتبرأ " ( أم 17 : 5 ) . " ولأنه قريب هو يوم الرب علي كل الأمم . لأنه كما فعلت " المدن الشامته " يفعل بها ، إعمالها ترتد علي رأسها " (عو 15) .
+ ويطلب باروخ النبي من أورشليم أن تخلع حلة النوح والمذلة ، وتلبس بدلاً منها بهاء المجد ، وتتسربل بثوب البر، وتضع علي رأسها تاج مجد الله ( با 5 : 1 ، 2 ) . ويوصي القديس بولس الرسول النفوس الساعية في طريق الله قائلاً : " فأثبتوا ممنطقين أحقاءكم بالحق ، ولابسين درع البر ، وحاذين أرجلكم بإستعداد إنجيل السلام . حامين فوق الكل ترس الإيمان ، الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة . وخذوا خوذة الصلاة ، وسيف الروح الذي هو كلمة الله " ( أف 6 : 14 – 17 ) .
+ وكل ذلك لكي تستقبل أورشليم أبناءها العائدين من السبي وهم في كرامة عظيمة ( با 5 : 6 ) ، بدلاً من الذل والعار التي ساروا بها إلي السبي. ويصف إشعياء النبي عودتهم من السبي قائلاً : " فيأتون بأولادك في الأحضان ، وبناتك علي الأكتاف يحملن ، ويكون الملوك حاضنيك وسيداتهم مرضعاتك ، وبالوجوه إلي الأرض يسجدون لك ويلحسون غبار رجليك " ( إش 49 : 22 ، 23 ) . وبالتالي يدللونهم علي الركب ( إش 66 : 12 ) . وكإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا – أي الله – وفي أورشليم تعزون ( إش 66 : 13 ) .
6- رسالة إرميا ( با 6 : 1 – 72 ) :-
+ يبدأ إرميا رسالته بلماذا هم سبوا بيد نبوخذنصر إلي بابل ( با 6 : 1 ) . ويؤكد لهم نبوته الموجودة بسفره أنهم سيظلون في السبي لمدة سبعين سنة ( با 6 : 2 ) . ثم يعرفهم أنهم سينظرون في بابل آلهة مصنوعة بأيدي البشر أي التماثيل ، وكيف أن هذه التماثيل تلقي رهبتها علي سكان تلك البلاد . فيحذرهم أن لا يتشبهوا بهم ، وإنما عندما يرونهم يفعلون ذلك يعطون المجد والسجود للإله الحقيقي أي لإله إسرائيل ( با 6 : 3 – 5 ) .
+ ويصف هذه الآلهة أنها مجرد بعض التحف الفنية المغشاة بالذهب والفضة ، ولكنها من الداخل خشب أو حجر ( با 6 : 7 ) .
+ ويصف رد فعل البابليين نحو هذه الآلهة ، وكيف أن كهنتهم ليسوا علي خلق كريم ( با 6 : 8 ، 9 ) .
+ وبعد ذلك يعدد صفات هذه الآلهة بأنها لا تسلم من الصدأ والسوس ، وأنها لا تستطيع أن تنظف نفسها ، وليس في يدها سلطة مع أنها تمسك صولجاناً ، وليست تستطيع أن تنجي نفسها من الحرب أو اللصوص ، وأنها تباع وتشتري بالمال ، وأنها لا تستطيع أن تتحرك من مكانتها ، وإن سقطت لا تقوم من مكانها بنفسها ( با 6 : 10 – 26 ) .
+ وبعد ذلك يصف معاملات الكهنة والشعب نحوها ، وكيف أن الطامث والنفساء تلمسان ذبائحها , . وكيف أن الكهنة يبيعون ذبائحها لمنفعة أنفسهم . وأنهم يجلسون ممزقي الثياب ، ومحلوقي الرؤوس ، وكيف أن رؤوسهم مكشوفة ، وهم يعجون صائحين أمامها كمن يندبون ميتاً . وإن الكهنة يسرقون ما عليها من ملابس ليكسوا نساءهم وأولادهم ( با 6 : 27 – 32 ) .
+ وبعد ذلك يظهر ما في هذه الآلهة من ضعف ، بحيث أنها لا تقدر أن تقيم ملكاً أو تخلعه ، أو تنجي أحداً من الموت ، أو ترد البصر للأعمي ، أو تفرج عمن في ذي شدة ، وأنها لا تلتفت إلي أرملة أو يتيم لكي تساعدهم (با 6 : 33 – 37).
+ ومن فترة إلي أخري ينبه إرميا إلي كيف هذه التي من الخشب أو الحجر تكون آلهة أو حتي تسمي بالآلهة ( با 6 : 14 ، 22 ، 28 ، 38 ، 39 ، 44 ، 55 ، 63 ، 64 ، 68 ، 71 ) .
+ وبعد ذلك يصف معاملات البابليين نحو هذه الآلهة ، وكيف يزدرونها وهم لا يعملون ( با 6 : 29 ، 40 ، 41 ) . وكيف أن الزني يمارس كجزء من العبادة ( با 6 : 43 ، 44 ) .
+ وبعد ذلك يصف صفات هذه الآلهة ولكن في ترتيب جديد ( با 6 : 45 – 58 ) .
+ وبعد ذلك يصف بعض المخلوقات أنها ذات فائدة أكثر من هذه الآلهة وأنها تطيع خالقها ( با 6 : 59 – 68 ) . ويصف هذه الآلهة علي أنها كخيال الحقل فإنها لا تستطيع عمل أي شئ ( با 6 : 69 – 71 ) .
+ ويعدد الصفات التي لا تجعل التماثيل آلهة من خلال عرضه للرسالة بصفة عامة . ثم يختتم إرميا رسالته هذه بأن الرجل الصديق الذي لا صنم له هو بمعزل عن العار ( با 6 : 72 ) .
النبوات في سفر باروخ
النبوة الأولي ( با 2 : 35 )
العهد الجديد
" وأقيم لهم عهداً أبدياً فأكون لهم إلهاً ويكونون لي شعباً ولا أعود أزعزع شعبي إسرائيل من الأرض التي أعطيتها لهم "
( با 2 : 35 ) .
+ قصة الله مع الإنسان هي قصة عهود مستمرة ومتجددة . فمنها العهود المشروطة ، ومنها العهود الأبدية . وأحياناً كان الله يعطي علامات علي هذه العهود لكي يتذكرها الإنسان ولا ينساها .
+ العهود المشروطة عندما كان ينكثها الإنسان ، كان الله يتخلي عنه ، وأحياناً ينسبه إلي غيره كما فعل مع بني إسرائيل عندما نسبهم إلي موسي قائلاً : " قد فسد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر " ( خر 32 : 7 ) .
+ أما العهود الأبدية فهي لا تنقض ، لأنها قائمة علي الله . ولذلك يقول بولس الرسول : " إن كنا غير أمناء فهو يبقي أميناً لن يقدر أن ينكر نفسه " ( 2 تي 2 : 13 ) .
+ فهذه المرة يعطيهم الله عهداً أبدياً ، ويعلق إرميا النبي علي هذا العهد ويزيده إيضاحاً فيقول : " وأقطع " أي الله " مع بيت إسرائيل وبيت يهوذا " حيث يجعل الله الإثنين واحداً ، مصالحاً إياهم بدمه " عهداً جديداً " تمييزاً له عن العهود السابقة . وكلمة جديد إما تفيد الزمان أو الموضوع ، وهنا تفيد أنه جديد بالنسبة إلي موضوعه " ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكت بيدهم لأخرجهم من أرض مصر " ويسمي عهد سيناء لأن هذا العهد تم في جبل سيناء ، أو يسمي عهد الشريعة " حين نقضوا عهدي فرفضتهم " لأنه كان عهداً مشروطاً ( تث 4 : 25 ، 26 ) " يقول الرب بل هذا هو العهد " أي العهد الجديد " الذي أقطعه مع بيت إسرائيل ، بعد تلك الأيام يقول الرب ، أجعل شريعتي في داخلهم " ليست خارج الإنسان كما كان قديماً ، حيث كان علي ألواح حجرية ( خر 31 : 18 ، 34 : 28 ) . أي يعطي الله الإنسان قدرة داخلية وميولاً طبيعية نحو تنفيذ الوصية " وأكتبها علي قلوبهم " حيث ينتقي القلب ويتطهر بكلام الله " وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً ، ولا يعلمون كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين إعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفونني " بسبب عمل الروح القدس داخل الإنسان " من صغيرهم إلي كبيرهم يقول الرب ، لأني أصفح عن إثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد " بسبب أن المسيح دفع ثمن الخطية بدلاً منا بموته علي الصليب " ( إر 31 : 31 – 34 ) .
+ أما حزقيال النبي فيقول عن هذا العهد إنه عهد سلام " لأنه قائم علي بر المسيح وحده حيث أنه هو سلامنا الذي جعل الإثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة . مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض ( أف 2 : 14 ، 15 ) " فيكون معهم عهداً مؤبداً . وأقرهم وأكثرهم وأجعل مقدسى فى وسطهم " عندما نجتمع بأسم المسيح " إلى الأبد ويكون مسكنى فوقهم " وكأنه يذكرنا بحلوله فى خيمة الإجتماع " وأكون لهم إلهاً ويكونون لى شعباً فتعلم الأمم " عندما يروا أعمالنا الصالحة " أنى أنا الرب مقدس إسرائيل إذ يكون مقدسى فى وسطهم إلى الأبد ( حز 37 : 26 ـ 28 ) .
+ أما بولس الرسول فيعلل سبب تغيير العهد قائلا ً : " فإنه لو كان ذلك الأول " عهد سيناء " بلا عيب " حيث أنه قائم على بر الناموس وبالتالى لا يستطيع أحد أن يتممه " لما طلب موضوع لثان " العهد الجديد " لأنه يقول لهم لائماً هوذا أيام تأتى يقول الرب حين أكمل مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً " قائم على جسد ودم عمانوئيل إلهنا " لا كالعهد الذى عملته مع آبائهم يوم أمسكت بيدهم لأخرجهم من أرض مصر " حيث أنه قائم على الذبائح الحيوانية أى خروف الفصح " لأنهم لم يثبتوا فى عهدى " بسبب سلطان الخطية الذى كان على الإنسان قبل أن يفتديه المسيح " وأنا أهملهم "
( عب 8 : 7 ـ 9 ) .
+ وكلمة شعبى إسرائيل لا تعنى دولة إسرائيل ـ فبولس الرسول يقول : " لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون " ( رو 9 : 6 ) ـ لكن تعنى أسرة الله التى تنعم بوجوده داخلها وفيها ولا تستطيع أن تبتعد عنه لأنها ليست من العالم حتى لو سكنت فى وسط العالم .
+ أما الأرض التى لا يزعزعها منهم وأعطاها لهم هى السماء الجديدة والأرض الجديدة " كورة الأحياء إلى الأبد . ( مز 27 : 13 ) " التى تكلم عنها الرائى فى الأصحاح الحادى والعشرين من سفر الرؤيا ( رؤ 21 : 1 ـ 7 ) .
النبوة الثانية ( با 3 : 36 ـ 38 )
تجسد الكلمة
" هذا هو إلهنا ولا يعتبر حذاءه ( نظيره ) آخر . هو وجد طريق التأدب بكماله وجعله ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه . وبعد ذلك تراءى على الأرض وتردد بين البشر " ( با3 : 36 ـ 38 ) .
+ لا توجد آية فى سفر باروخ أثارت جدلاً لاهوتياً مثل هذه الآية ، لأن آباء الكنيسة إستشهدوا بها عن تجسد المسيح ضد هرطقة أريوس .
+ ففى هذا العدد يؤكد باروخ النبى ـ كما فى سائر الكتاب المقدس ، أنه لا يوجد إله غيره أو نظيره . وهو الذى أعطى الناموس ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه ، وقال له من حيث أنه الحكمة " إسكنى فى يعقوب ورثى فى إسرائيل ... فلذلك أراحنى فى المدينة المحبوبة وسلطانى فى أورشليم فتأصلت فى شعب مكرم ، فى قسمة الرب ، ميراثه " ( سى24 : 13 ، 15 ، 16 ) .
+ ويقول عن وصايا العهد الجديد أنها طريق التأدب بكماله ، حيث أن السيد المسيح يقول : " ما جئت لأنقض " الناموس الطبيعى والناموس الأدبى من حيث أنه شريعة موسى " بل لأكمل " أى يكمل معانيه " ( مت 5 : 17 ) . ونحن نصف السيد المسيح فى ليتورجية سر الزيجة بأنه : مشرع ( أى واضع ) شريعة الكمال ومتمم ناموس الأطهار .
+ ويجد باروخ نفسه أمام إعلان خطير جداً حيث يرى الله يتراءى على الأرض ويتردد بين البشر . وهذا ما أوضحه القديس يوحنا الحبيب قائلاً " والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً "
( يو 1 : 14 ) . ويزيده إيضاحاً فيقول : " الذى كان من البدء ، الذى سمعناه ، الذى رأيناه بعيوننا ، الذى شاهدناه ، ولمسته أيدينا ، من جهة كلمة الحياة " ( 1يو 1 : 1 ) . أما بولس الرسول فيقول عنه : " عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد ، تبرر فى الروح ، تراءى لملائكة . كرز به بين الأمم ، أومن به فى العالم ، رفع فى المجد " (1تى 3: 16).
+ فقد رآه باروخ النبى يتردد بين البشر أى يجول يصنع خيراً ( أع 10 : 38 ) ولم يقل أنه أقام بيننا إقامة دائمة . فالمسيح وعدنا قائلاً : حيثما إجتمع إثنان أو ثلاثة بإسمى فهناك أكون فى وسطهم " ( مت 18 : 20 ) فهذا هو ما أشار إليه باروخ النبى بقوله : ( تردد بين البشر ) . وهو ما تممه السيد المسيح حسب وعده الصادق . حيث كان يظهر لتلاميذه بعد القيامة أى يتردد عليهم .
النبوة الثالثة ( با 4 : 25 )
النصرة
" قد إضطهدك العدو لكنك سترى هلاكه عن قليل وتطأ رقابهم " ( با 4 : 25 ) .
+ فقد تمت هذه النبوة حرفياً ، حيث سرعان ما ظهرت مملكة مادى وفارس وإنتصرت على البابليين ، وأعطت حرية رجوع المسبيين إلى أوطانهم ومن بينهم اليهود . ولقد كان الماديون يبيعون الأسرى البابليين فكان بعض اليهود يشترونهم كعبيد لهم .
+ وهنا تنتقل النبوة من السلطان على البابليين إلى السلطان على الشيطان بقوة المسيح .
+ فإضطهاد الشيطان لنا واضح جداً على مستوى الكتاب المقدس . ولقد لقبه يوحنا الرائى بالمشتكى قائلاً : " لأنه قد طرح المشتكى على إخواتنا ، الذى كان يشتكى عليهم أمام إلهنا نهاراً وليلاً " ( رؤ 12 : 10 ) . ويلقبه بالمضل حيث يقول عنه : " فطرح التنين العظيم ، الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان ، الذى يضل العالم كله ، إلى الأرض ، وطرحت معه ملائكته " ( رؤ 12 : 9 ) . ويلقبه أيضاً بالمضطهد : " ولما رأى التنين أنه طرح إلى الأرض ، أضطهد المرأة " أى الكنيسة " التى ولدت الإبن الذكر...فغضب التنين على المرأة ، وذهب ليصنع حرباً مع باقى نسلها الذين يحفظون وصايا الله ، وعندهم شهادة يسوع المسيح " ( رؤ 12 : 13 ، 17 ) .
+ وسنرى هلاك الشيطان بالمجىء الثانى للسيد المسيح فى مجده عندما يطرحه فى البحيرة المتقدة بالنار والكبريت . ويقول فى ذلك القديس يوحنا الحبيب : " وإبليس الذى كان يضلهم طرح فى بحيرة النار والكبريت ، حيث الوحش والنبى الكذاب . وسيعذبون نهاراً وليلاً إلى أبد الآبدين " ( رؤ 20 : 10 ) .
+ فالسيد المسيح أعطانا السلطان أن ندوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو ـ الشيطان وصوره ـ ولا يضرنا شىء
( لو 10 : 19 ) . فالحيات والعقارب هى قوة العدو . والسيد المسيح قد أعطانا السلطان على الشيطان من خلال سلطاننا على قوى الشر المنظورة لحياة الإنسان . ويوضح القديس مرقس الرسول هذا السلطان قائلاً : " يخرجون " أى الرسل والمؤمنين " الشياطين بإسمى ، ويتكلمون بألسنة جديدة ، يحملون حيات ، وإن شربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم ، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون " ( مر 16 : 17 ، 18 ) . وهذه النبوة صدى للمزمور الحادى والتسعين حيث يقول المرتل : " على الأسد والصل تطأ . الشبل والثعبان تدوس . لأنه تعلق بى " أى بالله " أنجيه ، أرفعه لأنه عرف إسمى "
( مز 91 : 13 ، 14 ) .
النبوة الرابعة ( با 4 : 37 ، 5 : 5 ، 9 ) .
العودة من السبي
" ها إن بنيك الذين ودعتيهم قادمون . يقدمون مجتمعين من المشرق إلي المغرب بكلمة القدوس مبتهجين بمجد الله ... إنهضي يا أورشليم وقفي في الأعالي وتطلعي من حولك نحو المشرق وأنظري بنيك مجتمعين من مغرب الشمس إلي مشرقها بكلمة القدوس مبتهجين بذكر الله ... إن الله سيعيد إسرائيل بسرور في نور مجده برحمة وعدل من عنده " ( با 4 : 37 ، 5 : 5 ، 9 ) .
+ فهنا يبشر باروخ النبي أورشليم بأن أولادها سيرجعون حتماً وفي القريب . وأن رجوعهم هذا ليس بقوتهم أو مقدرتهم ، ولكنه بكلمة الله التي لا ترجع إليه فارغة بل تعمل ما يسر به وتنجح فيما أرسلها إليه ( إش 55 : 11 ) . وأنهم سيرجعون من المشرق والمغرب ، كناية عن رجوعهم من أماكن متفرقة وبعيدة عن بعضها البعض ، من أنحاء الأرض . ولذلك يرجو منها أن تقف في الأعالي لكي تراهم وتستقبلهم كما يليق بإبن راجع بتوبة حقيقية إلي أحضان أبيه السماوي .
+ وهذا يذكرنا بمثل الإبن الضال : كيف كان أبوه ينتظر عودته بلهفة وشوق ، حتي أنه رآه من بعيد وركض إليه معانقاً إياه ( لو 15 : 20 ) . وفي المقابل نري الإبن لا يطلب شيئاً سوي أن يعيش في أحضان أبيه حتي ولو بصفة أجير ، وهو ما يقصده باروخ بمبتهجين بذكر الله . ولكن الله يتناسي كل ما صنعناه في الماضي ، ويسر بعودتنا إليه ، ويطلب من الملائكة أن تفرح وتسر معه برجوعنا إليه ( لو 15 : 7 ) .
+ فهذه نبوة واضحة وصريحة عن المسيح الفاتح أحضانه لكل نفس تائبة في أنحاء العالم . فهو كلمة الله القدوس ، المولود من العذراء مريم ( يو 1 : 14 ، لو 1 : 35 ) . الذي حررنا بمجيئه في الجسد وصلب عنا وفدانا ، وأعتقنا من سلطان الشيطان والظلمة . ولذلك يوصينا بولس الرسول قائلاً : " فإثبتوا إذاً في الحرية التي قد حررنا المسيح بها ولا ترتبكوا أيضاً بنير عبودية " ( غل 5 : 1 ) .
الإعتراضات والرد عليها ؟
الإعتراض الأول :-
+ يعترض البعض معتمداً علي التاريخ . أنه لم يذكر شئ عن رجوع الأواني المذكورة في ( با 1 : 8 ) إلي أورشليم .
الرد :-
+ لكن لو تمعنا النص جيداً . لا نجد أي إعتراض لأنه مكتوب " عندما أخذ " باروخ " آنية بيت الرب المسلوبة من الهيكل ليردها إلي أرض يهوذا في العاشر من شهر سيوان .... "
+ فالنص يذكر ( لكي يردها ) ولم يذكر أنه ( ردها ) . وأيضاً في العدد العاشر من نفس الإصحاح ، يذكر أنه أرسل فضة لكي يبتاعوا بها محرقات وذبائح للخطية لكي يقدموها علي مذبح الرب . وفي العدد الرابع عشر من نفس الإصحاح ، أيضاً يذكر أنه أرسل السفر لكي يقرأ في بيت الرب . ولم يذكر أنه أرسل مع هذه الأشياء الأواني التي أخذها لكي يردها . فهذه هي إحدي المحاولات الفاشلة لإسترداد هذه الأواني لكي تتم نبوات إرميا النبي ( إر 27 : 16 – 22 ، 28 : 1 – 9 ) .
الإعتراض الثاني :-
+ البعض يظن أنه يوجد تناقض بين خراب الهيكل المذكور ( با 2 : 26 ) ، مع المقدمة التي تتكلم عن أن المعبد تقام فيه شعائر العبادة ( با 1 : 10 ، 14 ) .
الرد :-
+ نحن لا نعارض أو ننافي أن الهيكل قد أحرق . ولكن يذكر كل من كاتب سفر الملوك ( 2 مل 25 : 9 ، 10 ) ، وكاتب سفر الأيام ( 2 أي 36 : 19 ) . وإرميا النبي ( إر 52 : 13 ، 14 ) ويؤكدون علي حقيقتين هما إحراق أورشليم بما في الهيكل ، وهدم أسوار أورشليم . ولم يذكروا أن الهيكل هدم ولو بحثنا في الكتاب المقدس قليلاً سوف نجد أنه لا يشترط سلامة المبني عند تقديم الذبائح . فمثلاً :-
+ في أيام صموئيل النبي عندما خربت خيمة الإجتماع التي كانت في شيلوه ، كان يقوم بعمل مذابح ويقدم عليها محرقات وذبائح سلامة .
+ ففي بلدة المصفاة ، إجتمع كل الشعب لكي يقدموا توبة جماعية ، فسمع الفلسطنيون أن بني إسرائيل إجتمعوا في المصفاة ، فأجتمعوا هم أيضاً لكي يحاربوهم . فطلب الشعب من صموئيل النبي أن لا يكف عن التضرع إلي الرب من أجلهم . فقدم صموئيل حملاً رضيعاًً بتمامه محرقة للرب . مع العلم بأن تابوت العهد كان موجوداً في قرية يعاريم
( 1 صم 7 : 1 – 10 ) .
+ ومرة أخري في بلدة الجلجال ، كان سيقدم ذبيحة محرقة وذبائح سلامة ، ولكنه تأخر عن الميعاد المحدد ، فقام شاول الملك بهذا العمل ، فغضب منه الرب ، ونزعه من الملك لأنه تجاسر وقدم الذبائح – لأن تقديم الذبائح من إختصاص الكهنة وليس الملوك ( 1 صم 13 : 8 – 14 ) .
+ ومرة ثالثة في أرض صوف ( 1 صم 9 : 12 ) .
+ ومرة رابعة في بيت لحم عندما مسح داود ملكاً ( 1 صم 16 : 5 ) .
+ وأيضاً في أيام داود الملك أقام مذبحاً في بيدر أرونة اليبوسي ، وأصعد عليه محرقات وذبائح سلامة – وكان جاد النبي هو الذي أمره بذلك ( 2 صم 24 : 18 – 25 ) . وقد كان تابوت العهد في ذلك الوقت في أورشليم – مدينة داود – في وسط الخيمة التي نصبها داود النبي ( 2 صم 6 : 12 – 19 ) . والرب قد أجابه بنار فإلتهمت الذبيحة (1 أي 21: 26).
+ وأيضاً في أيام آخاب الملك ، قدم إيليا النبي ذبيحة علي المذبح الذي كان في الكرمل ، بعد ما قام بعملية ترميم له – لأنه كان منهدماً ( 1 مل 18 : 30 – 40 ) . والرب أجابه بنار فإلتهمت الذبيحة . مع العلم بأن الهيكل كان مبنياً في ذلك الوقت . والعبادة قائمة فيه .
+ وأما النقطة المهمة التي ذكرها إرميا النبي في الإصحاح الحادي والأربعين فهي : أن ثمانين رجلاً أتوا من شكيم ، ومن شيلوه ، ومن السامرة ، محلوقي الشعر مشققي الثياب ومخمشين ( من يخدش وجهه ) ، وبيدهم تقدمة ولبان ليدخلوهما إلي بيت الرب . وكان ذلك بعد حرق أورشليم وسبيها بيد نبوخذنصر ملك بابل ، ونبوزرادان رئيس الشرط ، وقتل جدليا بن أخيقام الذي نصبه نبوخذنصر بدلاً من صدقيا ( إر 41 : 1 – 8 ) .
+ ولقد سار علي هذا النهج يشوع ( يهوشع الكاهن العظيم ) ، أي تقديم الذبائح بين أركان الهيكل وهو منهدم ، وذلك بعد العودة من السبي مباشرة ، حيث يذكر سفر عزرا : " إبتدأوا من اليوم الأول من الشهر السابع يصعدون محرقات للرب وهيكل الرب لم يكن قد تأسس " ( عز 3 : 6 ) .
+ وهذا يدل علي أن الشعب كان يجتمع ويقوم بالعبادة بين أركان الهيكل وبذلك لا يوجد أي تعارض ....
الإعتراض الثالث :-
+ يعترض البعض علي ذكر يهوياقيم الكاهن ( با 1 : 7 ) ، لأن هذا الإسم لم يذكر إلا بعد قرن كامل من الزمان في كتب التاريخ .
الرد :-
+ من الواضح جداً أن نبوخذنصر كان يغير الأسماء . مثلما غير إسم متنيا – عم يهوياقيم الملك } الذي سبق أن غيره نخو ملك مصر من الياقيم إلي ياهوياقيم عندما سبي أخاه يهوآحاز ( 2 مل 23 : 31 – 34 ) { - غيره من متنيا إلي صدقيا ( 2 مل 24 : 17 ) .
+ فعندما قام نبوخذنصر بالمرحلة الثانية من السبي بواسطة نبوزرادان رئيس الشرط ، قام بقتل سرايا الكاهن الأول وصفنيا الكاهن الثاني ( إر 52 : 24 – 27 ) . وسبي يهوصاداق بن سرايا رئيس الكهنة ( 1 أي 6 : 13 – 15 ) . ولا نعلم هل أرجعه مرة ثانية إلي أورشليم أم لا ، وهل غير إسمه ، أم أخذ أحد أخويه وأعطاه إسم يوياقيم ؟!! لأن باروخ يذكره أنه إبن حلقيا بن شالوم ، قارن ( 1 أي 6 : 13 ، 14 و 9 : 11 ونح 11 : 11 مع با 1 : 7 ) .
+ وإن كتب في كتب التاريخ إسم آخر غير يوياقيم ( با 1 : 7 ) ، فذلك لأنه كتب إسمه الطبيعي لكي يحافظ علي سلسلة أنساب الكهنة – وتتضح أهمية ذلك من سفر عزرا ( عز 2 : 61 ، 62 ) ، وبذلك يحافظ علي كهنوت أولاده .
+ ومن المعروف مدي ولع اليهود بسلسة أنسابهم ....
الإعتراض الرابع :-
+ البعض يظن أنه يوجد تناقض بين ( با 3 : 10 ) و ( با 1 : 1 – 3 : 8 و 4 : 11 – 25 ) . معللين بأن في ( با 3 : 10 ) يشعر القارئ بأن السبي قد حدث منذ زمان ، بينما في ( با 1 : 1 – 3 : 8 و 4 : 14 – 25 ) يشعر القارئ بأن السبي قد حدث منذ وقت قريب .
الرد :-
+ عند قراءتنا الأعداد التي يشير إليها المعترض ، لا نجد أي تناقض أو تعارض بينهما . لأن باروخ في الإصحاح الثالث والعدد العاشر يذكر : لماذا يا إسرائيل لماذ أنت في أرض الأعداء ؟ " . لأن حرق أورشليم والهيكل وسبيها حدث قبل كتابة السفر بخمس أعوام ، وبالتالي أصبح سبي أورشليم في بابل منذ فترة ليست قليلة . وهنا أحب أن أوضح أن السبي قد تم علي عدة مراحل . وهذا يتضح ممايلي :
1- المرحلة الأولي :
+ في السنة الأولي من حكم نبوخذنصر ، وهي الثالثة أو الرابعة من حكم يهوياقيم ملك يهوذا ، هجم نبوخذنصر علي يهوذا ولكنه أخذ عدداً من الرهائن منهم دانيال ، وحنانيا ، وميشائيل ، وعزريا ( دا 1 : 1 ، 6 ) ، وبعضاً من أواني الهيكل – وهذا ما يعلل وجود دانيال في السنة الثانية من حكم نبوخذنصر في بابل ( دا 2 : 1 ، 13 ) – ومن هنا تحسب بداية السبي .
+ وفي السنة الرابعة من حكم نبوخذنصر ، وهي الثامنة من حكم يهوياقيم ملك يهوذا ، هجم مرة أخري علي يهوذا ، وأدخل يهوذا تحت الجزية ( 2 مل 24 : 1 ) .
باروخ
+ إسم باروخ بالعبرانية يعني مبارك أو مغبوط ، وبالقبطية مكاري .
+ وباروخ هو ابن نيريا بن محسيا ، من سبط يهوذا ، وأخو سرايا رئيس المحلة ( إر 51 : 59 ) . وهو تلميذ إرميا النبي ، ويسمي في سفر إرميا بباروخ الكاتب ( إر 36 : 26 ، 32 ) . لأنه كان يكتب سفر إرميا عن فم إرميا عندما يمليه عليه ( إر 36 : 4 ، 32 ) . وأول مرة نقرأ عنه في سفر إرميا : عندما تسلم باروخ من إرميا النبي صك بيع قطعة الأرض التي لحنمئيل إبن عم إرميا الموجودة في عناثوث ، أمام حنمئيل وأمام شهود البيع . ونفذ باروخ وصية معلمه إرميا ، بوضعه الصك المختوم ( مقفول ) والصك المفتوح في إناء من الخزف ، لتبقي هذه الصكوك مدة طويلة لتكون نبوة عن عودة الشعب وتملك الأرض ( إر 32 : 8 – 15 ) .
+ وإحتمل باروخ آلاماً كثيرة بسبب ملازمته لمعلمه إرميا ، وتنفيذ وصاياه ، فكان معرضاً للقتل من يهوياقيم الملك ( إر 36 : 26 ) . فمن جراء ذلك كان يقول لنفسه " ويل لي لأن الرب قد زاد حزناً علي ألمي " ( إر 45 : 3 ) . وكان البعض يعتقد أن باروخ يهيج إرميا علي الشعب ليدفعهم ليد الكلدانيين ( إر 43 : 3 ) . وإن كان ذلك يوضح قوة شخصيته ، ومدي إحساسه بالمسئولية نحو الشعب .
+ ويفهم من الإصحاح الخامس والأربعين من سفر إرميا النبي ، أن باروخ كان صاحب أملاك كثيرة ، وحدائق ، وكروم ، وكان يتطلع إلي مركز سام في المملكة أيام يهوياقيم ، لكن الرب قد أوصاه في السنة الرابعة من ملك الملك يهوياقيم علي لسان معلمه إرميا ، بأن لا يطلب لنفسه أموراً عظيمة . " لأن الرب يهدم ما قد بناه ويقلع ما قد غرسه ، وكل هذه الأرض ، ولكن سيعطيه نفسه غنيمة في كل المواضع التي يسير فيها " ( إر 45 : 4 ، 5 ) .... فأطاع .
+ وقد أجبر علي النزول إلي مصر هو وإرميا النبي معلمه بعد إغتيال جدليا بن أخيقام بن شافان بيد إسماعيل بن نثنيا ( إر 41 : 2 ، 43 : 5 – 7 ) .
+ وهو كاتب السفر المسمي بإسمه : باروخ أو باروك ( با 1 : 1 ) . وأحياناً يسمي كتاب أو نبوءة بارخ أو باروك . ويحدد تاريخ كتابته في السنة الخامسة ، بعدما أخذ الكلدانيون أورشليم وأحرقوها بالنار بيد نبوزرادان رئيس شرط نبوخذنصر ملك بابل ( با 1 : 2 ) .
+ ويحتمل ان يكون باروخ قد ذهب إلي بابل قبيل أو بعد وفاة إرميا ، ثم عاد إلي أورشليم حاملاً معه سفره .
نياحته :-
+ توجد تقاليد كثيرة عن نياحته ، ولكن لا يعرف علي وجده التحديد متي تنيح ولا أين دفن .
+ فمن التقاليد اليهودية من يقول :-
1- عندما كان باروخ في بابل – حينما أخذه نبوخذنصر من مصر هو وإرميا معلمه بعدما إنتصر نبوخذنصر علي حفرع ملك مصر – صار معلماً لعزرا ، وإن عزرا رفض ترك بابل والذهاب إلي اليهودية إلا بعد وفاة معلمه الشيخ باروخ النبي – وهو الرأي الأرجح .
2- ورأي آخر يقول عندما رجع باروخ إلي أورشليم حاملاً معه سفره ، أقام في وسط خرائب أورشليم إلي أن تنيح .
+ والبعض يظن أنه تنيح في مصر .
قانونية السفر
+ أدرج سفر باروخ ضمن الترجمة السبعينية التي تمت أيام بطليموس الثاني فيلادلفوس سنة 285 – 247 ق.م. أي أن السفر كان موجوداً ومعروفاً قبل هذا العصر – وكان ترتيبه بين سفري إرميا والمراثي ضمن هذه الترجمة . وأدرج ضمن ترجمة تاودسيون التي تمت سنة 130 م . وأدرج أيضاً ضمن ترجمة الفولجاتا اللاتينية التي قام بها القديس جيروم سنة 331 – 420 م ، وكان ترتيبه في هذه الترجمة بعد المراثي . وكان اليهود يستعملونه .
+ أما فلماذا لم يدرج ضمن الكتب القانونية العبرية في مجمع يمنيا – اليهودي – بفلسطين سنة 90 م . فذلك لسببين : أولهما :- أن اليهود لم يعتبروا باروخ ضمن الأنبياء ، ولكنه كان تلميذاً لإرميا النبي . والثاني :- ( وهو الأهم ) فهو تمسك المسيحيين به ، وخاصةً بنبوءته عن تجسد الكلمة : " هذا هو إلهنا ولا يعتبر حذاءه آخر . هو وجد طريق التأدب بكماله ، وجعله ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه.وبعد ذلك تراءي علي الأرض وتردد بين البشر" (با 3 : 36 – 38) .....
+ ولكن كل آباء الكنيسه إعتبروه سفراً قانونياً وجزءاً من سفر إرميا النبي ، هو ورسالته إلي المسبين في بابل .
+ فالقديس أثناسيوس الرسولي ( 326 – 373 م ) يذكره ضمن قائمته للكتب القانونية ( كما ورد في البذاليون في التعليق علي قانون الرسل رقم 85 عند الروم ) ، وضمن رسائله أيضاً . وقد إستشهد بآية التجسد ( با 3 : 35 ) في مقالتيه الأولي والثانية ضد الأريوسيين .
+ وأيضاً القديس يوحنا ذهبي الفم ( 344 – 407 م ) يعتبره جزءاً من سفر إرميا ، فيقول في إحدي مقالاته : " وباروخ في سفر إرميا يقول ، هذا هو إلهنا وليس آخر يوازيه . وجد طريق التهذب ، ووهبها ليعقوب فتاه ولإسرائيل المحبوب منه . بعد هذا ظهر علي الأرض ، ومع الناس تصرف " ( با 3 : 36 – 38 ) .
+ ويذكر أيضاً مع رسالة إرميا ضمن قوائم الكتب القانونية التي لأوريجانوس ( 185 – 254 م ) ، وإبيفانيوس ( نحو 153 – 403 م ) ، وكيرلس الأورشليمي ( توفي 386 م تقريباً ) .
+ وقد ذكر أيضاً في مجمع اللاذقية ( لاودكيه ) – المنعقد في سنة 343 م تقريباً – في القانون رقم 60 ضمن سفر إرميا هو ورسالة إرميا النبي إلي الذين في سبي بابل .
+ وقد ذكر أيضاً ضمن الكتب القانونية في مجمع قرطاجنة سنة 419 م في القانون رقم 24 – وهذا المجمع يعتبر مصدر التشريع الكنسي لكنائس أفريقيا لأنه إعتمد قوانين 16 مجمعاً سابقة له من الفترة 345 – 419 م . ومن ضمن هذه المجامع مجمع هيبو المنعقد في سنة 393 م ، ومجمع قرطاجنة المنعقد في سنة 397 م ، وهي من المجامع التي إعترفت بقانونية السفر – وقد إستمرت جلساته لمدة ست سنوات متتالية ، وقد حضره القديس أغسطينوس ( 354 – 430 ) . وهذا المجمع في حبرية البابا كيرلس الكبير الملقب بعمود الدين بابا الإسكندرية .
+ وبسبب إعتراض مارتن لوثر علي هذا السفر مع مجموعة أخري من الأسفار من الكتاب المقدس بعهديه ، فقد إجتمعت الكنيسة الكاثوليكية وأكدت قانونية السفر ورسالة إرميا – مع الأسفار التي إعترض عليها مارتن لوثر – في مجمع تردنت سنة 1546 م .
+ وكنيسة الروم الأرثوذكسية اليونانية أكدته أيضاً في المجمعين المنعقد أحدهما في القسطنطينية وكمل في ياش سنة 1645 م ، والثاني في أورشليم سنة 1672 م . وأيضاً في مجمع سنة 1675 م .
+ والكنيسة الروسية الأرثوذكسية تطبعه ضمن العهد القديم باللغة السلافية .
+ ولقد كان ضمن طبعات الكتاب المقدس ، حتي بدأت جمعيات الكتاب المقدس طبعه مع أسفار ( طوبيا ، يهودت ، حكمة سليمان ، حكمة يشوع بن سيراخ ، المكابيين الأول والثاني ، وتتمة سفري دانيال وأستير ) في ملحق خاص به في أول طبعة باللغة الألمانية للكتاب المقدس . وقد سارت علي هذا المبدأ جمعية الكتاب المقدس البريطانية حتي سنة 1728 م ، حينما حذفته نهائياً . ولكن بعض جمعيات الكتاب المقدس تراجعت بعد الحرب العالمية الثانية ، بسبب إحساسها بالعمل المسكوني ، فبدأت في طبعه كملحق بين العهدين تحت شعار : ( طبعة مسكونية للمرة الأولي منذ عهد الإصلاح وهذه الطبعة الكاملة للكتاب المقدس نالت موافقة الكنائس البروتستانتية والكاثوليكية والأرثوذكسية ) .
+ وأخيراً أصدرت دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ترجمة حديثة ضمت هذه الأسفار منفصلة بين العهدين ، ولكن توجد بعض التحفظات من كنيستنا تجاه هذه الترجمة ( الطبعة الأولي سنة 1993 م ) .
+ أما كنيستنا القبطية فقد كانت بعيدة عن هذا الصراع ، فلقد سارت علي النهج الرسولي تجاه هذا السفر ، وأعطته مكانته ضمن الأسفار القانونية ، وإقتبست منه في صلواتها الطقسية ، ففي ليتورجية لقان عيد الغطاس وضعت نبوته عن تجسد المسيح ( با 3 : 36 – 4 : 4 ) ضمن النبوات التي تقرأ ضمن هذه الليتورجية ، وأيضاً جزءاً من صلاته ( با 2 : 11 – 16 ) ضمن تسابيح سبت الفرح .
+ ولأنها لم تطبع حتي الآن الكتاب المقدس ككل ، تقوم بطبع هذه الأسفار ( طوبيا ، يهودت ، تتمة أستير ، حكمة سليمان ، حكمة يشوع بن سيراخ ، باروخ ، تتمة دانيال ، المكابيين الأول والثاني ) في كتيبات خاصة لمنفعة أولادها ، ولتعوضهم عن حرمانهم نتيجة ما تنتهجه جمعية الكتاب المقدس ببيروت لحذفها هذ الأسفار .
+ فلقد ترجم عن القبطية التي عن اليونانية ثم قامت بطبعه مطبعة عين شمس الأثرية سنة 1911 م ، بأمر قداسة البابا كيرلس الخامس بابا الإسكندرية . وقامت بطبع نفس الترجمة كنيسة السيدة العذراء مريم بمحرم بك بالإسكندرية طبعة أولي سنة 1955 م وطبعة ثانية 1975م . ولقد طبعته كنيسة مارجرجس بإسبورتنج عن ترجمة الفولجاتا العربية التي قام بها الآباء اليسوعيون ، وكذلك طبعته مطرانية بني سويف والبهنسا وهو مطابق لهذ الترجمة أيضاً . ولقد طبعته بالتصوير عن الترجمة العربية للفولجاتا كل من كنيسة السيدة العذراء مريم بالفجالة ، ومكتبة المحبة بالقاهرة ، وأصدرت كنيسة العذراء مريم بالعمرانية بعض أجزاء منه علي هيئة نبذات ، وهذه الترجمة هي الأكثر إنتشاراً حالياً ...
+ ونشرت مجلة مرقس سفر باروخ عن الترجمة اليونانية مع بعض التعليقات عليها . " كما إن كتاب إرميا النبي لاشك فيه ، كذلك كتاب باروخ لا ريب فيه ، وليس لنا أن نرتاب في بقية الأسفار التي قبلتها الكنيسة بل علينا أن نجعل لها من المنزله ما للكتب القانونية عينها " . يوحنا ذهبي الفم .
لغة السفر :
+ يقسم الدارسون سفر باروخ من الناحية اللغوية إلي ثلاثة أقسام .
فالقسم الأول : ( با 1 : 1 – 3 : 8 ) يوافق الجميع أن له أصلاً عبرياً .
والقسم الثاني : ( با 3 : 9 – 4 : 4 ) يوافق البعض علي أن له أصلاً عبرياً ، وقد ترجم ترجمة ممتازة إلي اللغة اليونانية .
والقسم الثالث : ( با 4 : 5 – 5 : 9 ) البعض يشك أن ليس له أصل عبري ، مع العلم أنه لا يوجد دليل إيجابي واحد علي هذا الشك . ولكن الأغلبية توافق علي أن له أصلاً عبرياً ، وقد ترجم ترجمة حرة بدون تقيد بالنص العبري ( مثل تعريب موضوع عن لغة أخري ) .
+ فالقسم الأول : ( با 1 : 1 – 3 : 8 ) قد كتب أصلاً باللغة العبرية ، وفيما بعد ترجم إلي اللغة اليونانية ترجمة بها ألفاظ عبرية ، وبعض الأخطاء البسيطة في النسخ ، علي سبيل المثل :
+ كلمة نهر سود المذكورة في ( با 1 : 4 ) ربما تكون نهر ( أهوا ) المذكورة في ( عز 8 : 15 ، 21 ، 31 ) بسبب خطأ الناسخ أثناء نقل الحروف اليونانية لهذا الإسم فتحول حرف (e) اليوناني إلي (s) و (a) الأخيرة إلي (d) .
+ وفي ( با 1 : 10 ) تقرأ هذه الآية باليونانية : " .... تقدمات محرقة وإعتبارات خطية " وهذه الآية ترجمة حرفية للنص العبري المقصود به " ... تقدمات لذبائح المحرقة وذبائح الخطية " .
+ وفي نفس العدد إستخدمت كلمة منا ( manna ) في اليونانية بدلاً من كلمة مينهاه ( minhah ) العبرية . وقد ترجمت في العربية عن القبطية ( منحا ) والتي تعني ( تقدمات أو قربان ) ، وقد جاءت كإسم علم في النسخة السبعينية والتي تعني ( المنّ ) كما ورد في ( إر 17 : 26 ، 41 : 5 ) .
+ وكلمة ( idiom ) في العبرية تعني ( اليوم ) بينما تترجم في النص اليوناني ( كما في هذا اليوم ) المذكورة في ( با 1 : 15 ، 20 و 2 : 6 ، 11 ) .
+ وخطأ آخر في الترجمة في ( با 3 : 4 ) والتي يجب أن تترجم من العبري " صلاة رجال إسرائيل " بدلاً من " صلاة موتي إسرائيل " في اليونانية لأن كلمة (Methe) العبرية والتي تعني رجال قرئت خطأ بمعني ( أموات ) . وهذا الخطأ حدث في ترجمة أكيلا في ( أش 41 : 14 ومز 17 : 14 ) وفي الترجمة السبعينية ( إش 5 : 13 ) .
+ ومن الصيغ العبرية في هذا القسم :
* " حسب إستطاعة يد كل منهم " ( با 1 : 6 قارن تث 16 : 10 ، 17 ) .
* وأيضاً " إستحقاقات آبائنا " ( با 2 : 19 قارن تث 9 : 4 ، 5 ومت 3 : 9 ، لو 3 : 8 ) علي الأرجح ترجمة للأصل العبري ( زكوت آفوت ) وترجمتها ( تزكية الأباء ) .
* وأيضاً " بالجوع والسيف والوباء " ( با 2 : 25 قارن لا 26 : 25 ، 26 و 2 صم 24 : 13 و 1 مل 8 : 37 وأر 14 : 12 ، 24 : 10 ، 32 : 36 ، 38 : 2 ) كضربات مترادفة .
* ولا يمكن فهم الآية " سوف يرجعون عن ظهورهم الصلبة " ( با 2 : 30 ، 33 ) بدون أصل عبري لها وهو " قساة الرقاب " . وهكذا ...
+ أما القسم الثاني : ( با 3 : 9 – 4 : 4 ) فهو يعطي نظرة دقيقة علي أن الكاتب له معرفة تامة بتطور الفكر اليهودي ونظرتهم لمفهوم الحكمة . وهذا الجزء كتب باللغة العبرية وقد ترجم ترجمة ممتازة إلي اليونانية ، ( وهذا مثلما ترجمت بعض الأسفار العبرية ترجمات ممتازة مثل سفر عزرا علي سبيل المثال ) . وهذا القسم به بعض التعبيرات العبرية ، وأخطاء في الترجمة مثل :
+ الكلمة اليونانية مران ( Meran ) أو ميران ( ميرهان ) ( Merrhan ) المذكورة في ( با 3 : 23 ) ترجمت عن الأصل العبري ( مدان أو مديان ) لأن من السهل الخلط بين حرفي (r),(d) في العبرية .
+ والكلمة ( سوف يجدها ) المذكورة في ( با 3 : 30 ) ترجمت بدلاً من الكلمة العبرية ( وجدها ) .
+ والكلمة اليونانية فوس (fos) المذكورة في ( با 3 : 33 ) التي تعني ( نور ) كتبت بدلاً من الكلمة العبرية ( أور ) التي تعني أحياناً ( برق ) كما جاء في ( أي 37 : 11 ، 15 ) .
+ والكلمة التي ترجمت في اليونانية ( نواميس ) المذكورة في ( با 4 : 1 ) بدلاً من الكلمة العبرية ( ناموس ) .
+ ومن الصيغ العبرية في هذا القسم :
* " الذين هم في الجحيم " ( قارن با 3 : 11 مع مز 28 : 1 ، 88 : 4 ) .
* " ولا يفحص عن عملهم " ( قارن با 3 : 18 مع أي 5 : 9 ، 9 : 10 ) .
* " طول الأيام " ( با 3 : 14 ) .
* " ولا نهاية لممتلكاتهم " ( با 3 : 17 ) .
* " لا يسمعون ولا يرون " ( با 3 : 22 ) .
+ الذين درسوا لغة السفر في النص السرياني ، يؤكدون علي أنه ترجم من العبرية مع الرجوع إلي النص اليوناني . وعند مقارنة النص اليوناني بالنص السرياني ، وجدت بعض الإختلافات الحادثة بينهما مما يؤكد علي وجود النص العبري خلف كليهما فمثلاً :
# الترجمة اليونانية في ( با 3 : 21 ) تستخدم كلمة ( طريقهم ) – أي طريق آبائهم ( darkam ) العبرية ، بينما تستخدم في الترجمة السريانية كلمة ( طريقها ) أي طريق الحكمة التي في العبرية (derkah ) ، وهي الأنسب .
# الترجمة اليونانية في ( با 3 : 16 ) تستخدم كلمة ( ناس أو شعب ) التي في العبرية بها حرفي ( m,m ) ، بينما وجدت في النسخة السريانية مترجمة بمعني ( عالم ) التي العبرية بها حرفي ( I , m ) .
+ أما في القسم الثالث : ( با 4 : 5 – 5 : 9 ) فهو مكتوب باللغة العبرية أيضاً . فقد إستعمل بعض الدارسين نموذجاً فريداً في التحليل اللغوي للوصول إلي الأصول العبرية أو الأرامية فوجدوها بالعبرية . ولقد نجح أحد الدارسين أيضاً في تحديد الوزن الشعري والقافية العبرية ، فوجد أن القسم الثاني ( با 3 : 9 – 4 : 4 ) ثلاثي الإيقاع ، بينما القسم الثالث ( با 4 : 5 – 5 : 9 ) فهو خماسي الإيقاع .
+ ومن الصيغ العبرية في هذا القسم :
* " ذبحتم للشياطين ( الأوثان ) لا لله " ( قارن با 4 : 7 مع تث 32 : 17 ) . والذين درسوا لغة النص السرياني في هذا الجزء يؤكدون أيضاً أنه ترجم عن اللغة العبرية واليونانية .
+ أما رسالة إرميا فقد أجمع معظم الدارسين علي وجود أصل عبري لها ، وقد أشار إليه العلامة أوريجانوس أنه كان موجوداً في عصره .
* ومن التعبيرات العبرية : ( با 6 : 44 ) ، و ( با 6 : 69 قارن مع إر 10 : 5 ) .
سفر باروخ
1- المقدمة ( با 1 : 1 – 1 : 14 ) :-
وهي تصف ظروف كتابة السفر ، وأهدافه ، وكاتبه .
(أ) كاتبه : هو باروخ بن نيريا بن معسيا .
(ب) ظروف كتابته : كتبه في بابل سنة 581 ق.م. ويؤرخ كتابته في السنة الخامسة من حريق أورشليم بيد نبوزرادان رئيس شرط نبوخذنصر . وقد تلا كلام هذا السفر ، علي مسمع من يكنيا بن يهوياقيم ملك يهوذا ، وعلي مسمع من جميع الشعب الذين حضروا للإستماع . ويقسم باروخ هذا الشعب إلي عدة مجموعات ، منهم النسل الملكي ، العظماء ، شيوخ إسرائيل ، وجميع الشعب من الصغار إلي الكبار جميع اليهود الساكنين علي نهر سود .
(ج) أهدافه : إستجاب الشعب لنداء باروخ . فبكوا ، وصاموا ، وصلوا أمام الرب . وهذه هي البداية الطبيعية للتوبة . فالبكاء والصوم والصلاة هي أفعال متوالية متتابعة للنمو في الطريق الروحي ( قارن با 1 : 5 مع نح 1 : 3 ، 4 و9 : 1 ، 2 ودا 9 : 3 ، 4 ، 20 و10 : 11 ، 12 ) .
+ البكاء يعبر عن الندم والإستعداد لتغيير إتجاه الحياة ، من الإتجاه السلبي إلي الإتجاه الإيجابي . عن طريق الصوم عن الأشياء التي كانت تجذبنا بعيداً عن الله .
+ أما الصوم فهو إذلال النفس أمام الله ، وليس إذلال الجسد ، لأن الكتاب المقدس يعلمنا أن نقوته ونربيه ( أف 5 : 29 ) ، ولا ندللة ( جا 10 : 17 ) . فإذلال النفس هو تعبير الندم عن الخطية ، والأفعال الرديئة التي صدرت عن الإنسان في لحظة ضعف ، أو عن إصرار . وهو تقوية لعزيمة الإنسان من الإحساس بالضعف أمام مغريات الخطية ، وإن كان لا يقدر علي النصرة من ذاته ، وإنما بمعونة الله التي يسكبها علينا .
+ أما الصلاة فهي إتحاد بالله . وهي الشرارة الأولي في النصرة علي إبليس ، لأننا من خلالها نعلن له أنه لم يقدر أن يفصلنا عن الله ، لأننا نتحدث إليه ، ونتكلم معه ، بلا حاجز يفصل بيننا وبينه ، فالصلاة حديث متبادل .
+ وكانت النتيجة الطبيعية للبكاء ، والصوم ، والصلاة ، هي أن يعترفوا بخطاياهم ، ويقدموا عنها ذبيحة لأنه " بدون سفك دم لا تحدث مغفرة " ( عب 9 : 22 ) .
+ فجمع باروخ وقادة الشعب كماً من الفضة حسب إستطاعة كل إنسان ، وأرسلوها إلي يوياقيم رئيس الكهنة ، والكهنة في أورشليم . وهنا يفرق بين يوياقيم الكاهن ، والكهنة ، ليوضح أنه رئيس كهنة . أما جمع المال وتقديمه إلي الهيكل فهذا ليس بجديد علي الشعب اليهودي ( أنظر علي سبيل المثال " خر 25 : 2 – 7 ، 35 : 4 – 9 ، تث 16 : 10 ، 16 ، 17 و2 أي 24 : 5 ، عزرا 1 : 4 و 2 : 68 ، 69 و 2 مك 12 : 43 ) .
+ وأوصوهم (أ) أن يصلوا من أجل نبوخذنصر ، وبيلشاصر إبنه لكي يجعل الله أيامه كأيام السماء علي الأرض .
+ يصلوا من أجل نبوخذنصر ؟!!
+ أليس هذا هو الذي هدم أورشليم وأحرقها هي والهيكل ؟!!
+ أليس هذا هو الذي سباهم وجعلهم عبيداً في أرض غريبة ؟!!
+ أليس هذا هو عدوهم اللدود ؟!!
+ نعم إنه هو نبوخذنصر ، الذي أمرهم الله أن يخضعوا له علي فم إرميا النبي ( إر 27 : 6 – 13 ) . " لأن كل سلطان مرتب من الله " ( رو 13 : 1 ) . وهم خدام الله للصلاح ( رو 13 : 4 – 6 ) . وها هو بطرس الرسول يوصينا أن نخضع لهم ليس للصالحين فقط وإنما للمعوجين أيضاً ( 1 بط 2 : 13 – 18 ) .
+ وأليس الصلاة من أجله ، هو التطبيق العملي للوصية : " أحبو أعدائكم . باركوا لاعينيكم . أحسنوا إلي مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم " ( مت 5 : 44 ) ؟
+ فإرميا النبي يطلب منهم أن يصلوا من أجل سلام مدينة بابل ، لكي يكون بسلامها سلام لهم ( إر 29 : 7 ) . ومن أجل ذلك يطلب داريوس الملك أن يصلي من أجله ، ومن أجل النسل الملكي ( عز 6 : 9 ، 10 ) . وبعد ذلك أصبح تقليداً أن يصلي من أجل البلاد ، والملوك . وقد سار علي هذا النمط يوناثان المكابي ( 1 مك 12 : 11 ) . وأصبحت الصلاة من أجلهم لا تقتصر علي الأعياد فقط ، وإنما في كل الأيام . وبولس الرسول يؤكد هذا التقليد ، فيوصي تلميذه تيموثاوس أن يصلي من أجل الملوك وجميع الذين هم في منصب ، معللاً بنفس السبب – الذي من أجله أوصي إرميا النبي – وهو : " لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوي ووقار . لأن هذا حسن ومقبول لدي مخلصنا " ( 1 تي 2 : 1 – 3 ) . وهو نفس السبب الذي من أجله يطلب باروخ الصلاة : " فيؤتينا الرب القوة وينير عيوننا ونحن نائلين لديهم حظوة ( نعمة ) "
( با 1 : 12 ) .
+ ولقد تسلمت الكنيسة هذا التقليد وسارت عليه إلي الآن :
{} ففي تسبحة الخدمة الأولي من صلاة نصف الليل ، نوجه حديثنا إلي العذراء طالبين أن تحصن مدينتنا ، وعن ملوكنا تحارب ، وتتشفع عن سلام العالم .
* وفي أوشية السلام الكبيرة ، يطلب الكاهن ويقول : " السلام الذي من السموات ، أنزله علي قلوبنا ، بل وسلام هذا العمر أنعم به علينا إنعاماً . الرئيس والجند ، والرؤساء والوزراء والجموع ، وجيراننا ومداخلنا ومخارجنا ، زينهم بكل سلام يا ملك السلام " .
* وفي القداس الغريغوري ، يطلب الكاهن ويقول : " أذكر يارب الذين تملكوا في التقوي ، الذين هم الآن ملوك " . فيرد الشماس قائلاً : " صلوا من أجل ملوكنا محبي المسيح " . ويصلي الكاهن مرة أخري قائلاً : " أذكر يارب إخوتنا المؤمنين الأرثوذكسيين الذين في البلاط ، وجميع الجنود " .
* وفي القداس الكيرلسي ، يطلب ويقول : " أذكر يارب رئيس أرضنا عبدك ... إحفظه بسلامة وعدل وجبروت ، ولتخضع له كل الأمم الذين يريدون الحرب في جميع مالنا من الخصب . تكلم في قلبه من أجل سلام كنيستك الواحدة الوحيدة المقدسة الجامعة الرسولية . أعط أن يفكر بالسلام فينا وفي إسمك القدوس . لكي نحيا نحن أيضاً في سيرة هادئة ساكنة ، ونوجد في كل تقوي وكل عفاف بك " .
+ " ويجعل الله أيامهم كأيام السماء علي الأرض " . فهنا يطلب أن تكون الأرض مثل السماء ، في الحب والسلام بين الخليقة وبعضها البعض ، بعيداً عن الحروب وآثارها وويلاتها .
(ب) الصلاة من أجل المسبيين أنفسهم ، لكي الله " ينير عيونهم " . ولقد لفتت هذه الطلبة نظر بولس الرسول ، فصلي لأجل أهل أفسس قائلاً : " لا أزال شاكراً لأجلكم ، ذاكراً إياكم في صلواتي ، كي يعطيكم إله ربنا يسوع المسيح ، أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته ، مستنيرة عيون أذهانكم ، لتعلموا ما هو رجاء دعوته ، وما هو غني مجد ميراثه في القديسين " ( أف 1 : 16 – 18 ) .
+ وفي ( با 1 : 13 ) أوصوهم لأجل طلب مراحم الله بإرتداد سخطه ، وغضبه عنهم ، ومغفرة خطاياهم .
2- الإعتراف بالخطايا ( با 1 : 15 – 2 : 10 ) :
+ فهذا الإعتراف إعتراف جماعي ، يشترك فيه كل الشعب مقرين أن خطاياهم وخطايا آبائهم هي التي جلبت كل هذا ، ولم يحاولوا التملص ، ولا إلقاء اللوم على الآخرين ، كما حدث معهم من قبل .
+ فلا الملوك ، ولا الكهنة ، ولا رؤساء البيوت ، ولا الأنبياء ، ولا الشعب ، يحاولون أن يبرروا أنفسهم ، فالكل يقر أمام الله أنه خاطىء ، وبالتالى يستحق العقاب .
+ فهنا وقفة جادة مع النفس ، فى سبيل الشفاء من الخطية ، فالكل يقر أنه صار فى عناد ، وإصرار ضد الله . ولم يعطه أذناً صاغية لسماع صوته ، أو العمل بأقواله ، من يوم خروجهم من مصر إلى الآن . مع أن الله كان دائماً يحذرهم على فم أنبيائه ، مرة بالإنذار ، والأخرى بالوعيد ، وثالثة بالوعود لمن يتوب ويتمسك بأقواله . ولكن الكل سار حسب هواه ، وتصور قلبه الشرير ، وصارت لهم حرية الإرادة والإختيار ستاراً للشر ( 1بط 2 : 16 ) .
+ فهنا يصوب باروخ النبى بأصبعه ، مشيراً إلى مكان الداء ، حيث تكمن الخطية . ويؤكد أن العصيان ، نتيجة عدم سماع الصوت الإلهى ، والسلوك فى وصاياه ، كان سبباً طبيعياً فى أن الله يقيم كلامه ـ أى تأديبه الذى سبق فأنذرهم به ـ لأن وعيد الله ليس لمجرد التهديد . لذلك يقول الرسول " إن أخطأنا بإختيارنا بعدما أخذنا معرفة الحق ، لا تبقى بعد ذبيحة عن الخطايا بل قبول دينونة مخيف وغيرة نار عتيدة أن تأكل المضادين ... مخيف هو الوقوع فى يدى الله الحى " ( عب 10 : 26 ، 27 ، 31 ) .
+ فجلب الله قضاءه على إسرائيل ، كما تكلم على فم موسى النبى فى ( سفر التثنية الأصحاحات من 27 ـ 32 ) : شروراً لم تعمل تحت السماء كلها مثل ما أحدثه فى أورشليم . حتى أن إرميا النبى يصف ما حدث وهو يبكى بدلاً من الدمع دماً : " أيادى النساء الحنائن طبخت أولادهن صاروا طعاماً لهن فى سحق بنت شعبى " ( مرا 4 : 10 ) . وهذه هى المره الثانية التى يذكر فيها أن النساء ذبحن أولادهن لكى ما يقتتن بهن فى الحروب المرة الأولى أيام إليشع النبى عندما حاصر بنهدد ملك أرام السامرة . ( 2مل 6 : 24 ـ 31 ) .
+ أفإلى هذه الدرجة تحدث الخطية ؟ !!!
+ أفهكذا تتغير الطبيعة البشرية ، فتتحول العواطف الغريزية إلى أداة فتاكة ضد الإنسان نفسه ؟ !!!
+ نعم لأن الله يسلم مثل هؤلاء إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق ( رو 1 : 28 ) .
+ فأرجوك يا إلهى الصالح لا تسلمنا إلى أهوائنا، وميولنا ، وغرائزنا . لكن إجتذبنا إليك بمراحمك الجزيلة ، حتى لو أضطررت أن تؤدبنا . فمن حبك لنا أسلمت ذاتك عنا ، وكل من تحبه تؤدبه ( عب 12 : 5 ـ 11 ) .
+ أرجوك يا رب أعطنا أذناً صاغية لنسلك فى أوامرك ووصاياك المقدسة . لأن لك كل مجد وإكرام وسجود من الآن وإلى الأبد آمين .
3 ـ الصلاة ( با 2 : 11 ـ 3 : 8 ) :-
+ أما هذه الصلاة فهى فسيفساء من الآيات الكتابية ، تكون لوحة جمالية من الإعتراف بالخطية ( 2 : 12 ، 24 ، 26 و 3 : 2 ـ5 ) ، وإلتماس الرحمة ( 2 : 13 ـ 23 ، 25 و 3 : 1 ـ 5 ) ، وطلب النجاة ( 2 : 27 ـ 35 ) ، والحمد والتسبيح ( 3 : 6 ، 7 ) .
+ فكثيراً ما نقابل هذا التقسيم الرباعى فى مجموعة مزامير الإغاثة . فردية كانت أم جماعية ، وإن كانت لا تلتزم بنفس ترتيب هذه العناصر ، أو يهمل بعضها ، أو يكررها . ولا عجب فى ذلك لأن مشاعر الإنسان فى وقت الصلاة ليست بجامدة .
+ ونلاحظ أن القديس بولس الرسول يقسم الصلاة إلى أربعة عناصر أيضاً ، فيوصى تلميذة تيموثاوس قائلاً : " فأطلب أول كل شىء أن تقام طلبات وصلوات وإبتهلات وتشكرات لأجل جميع الناس ، لأجل الملوك وجميع الذين هم فى منصب " ( 1تى 2 : 1 ، 2 ) .
+ فما من أحد يقف أمام الله ، ولا يحس أنه كلا شىء أو خاطىء ، ويعترف له بإحساناته طوال فترة حياته الماضية . ويعتمد على وعوده السابقة .
+ فإبراهيم أب الأباء يقول : " إنى شرعت أكلم المولى وأنا تراب ورماد " ( تك 18 : 27 ) . وداود يقول : " أما أنا فدودة لا إنسان .عار عند البشر ومحتقر الشعب ... لأن أثامى قد طمت فوق رأسى . كحمل ثقيل أثقل مما أحتمل . قد أنتنت قاحت حبر ضربى من جهة حماقتى " ( مز 22 : 6 و 38 : 4 ، 5 ) . وأيوب الصديق يقول : " فمن ذا الذى يخفى القضاء بلا معرفة ولكنى قد نطقت بما لم أفهم . بعجائب فوقى لم أعرفها . إسمع الآن وأنا أتكلم . أسألك فتعلمنى . بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عينى . لذلك أرفض وأندم فى التراب والرماد " ( أى 42 : 3 ـ 6 ) . وفى مثل الفريسى والعشار نجد أن السيد المسيح طوب العشار دون الفريسي . وذلك بسبب تزلله أمام الله ، ووصفه قائلاً : " وقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء . بل قرع علي صدره قائلاً : اللهم إرحمني أنا الخاطئ " ( لو 18 : 13 ) .
+ فباروخ النبى يقف هو والشعب أمام الله ، ويعترفون بأخطاء الماضى ، وكيف أن هذه الأخطاء تضاعفت من التمرد والعصيان إلى رفض التأديب . وإن هذه الخطايا هى موجهة ضد الله مباشرة أو ضد رسومه وشرائعه فيقول : " إننا خطئنا ونافقنا وأثمنا ـ لاحظ تطور الخطية ـ أيها الرب إلهنا فى جميع رسومك ... فلم نسمع بأن نتعبد لملك بابل ـ رفض التأديب ـ ... فإننا قد خطئنا إليك ... إسمع صلاة قوم إسرائيل وبنى الذين خطئوا إليك الذين لم يسمعوا لصوت إلههم وقد لحق الشر بنا ـ العقاب واليد العالية " . ونتيجة التألم فى الجسد كفوا عن الخطية ( 1بط 4 : 1 ) .
+ فبدأوا يرجعون بكل قلوبهم ، ويلتمسون مراحم الله ، ويذكرون أنهم شعبه ، وأن أية إهانة لهم هى إهانة له شخصياً . فلذلك يرجونه أن يعمل لأجل إسمه المهان بين الأمم ، وكأنهم يرددون قول المزمور : " ليس لنا يا رب ليس لنا لكن لإسمك القدوس أعط مجداً ، من أجل رحمتك من أجل أمانتك " ( مز 115 : 1 ) . أو قول إرميا النبى : " إن تكن آثامنا تشهد علينا يا رب ، فأعمل لأجل إسمك ... يا رب قد دعينا بإسمك فلا تتركنا " ( إر 14 : 7 ، 9 ) .
+ ومما يلفت النظر فى هذه الأعداد ، ترادف مجموعة أفعال ذات طابع خاص : " أسمع يا رب صلاتنا ... أيها الرب ألتفت ... أنظر إلينا وأمل أذنك وأستجب وأفتح عينيك وأنظر ... نلقى تضرعنا أمامك " . وهذه الأفعال تمثل ردود فعل المصلى كما لو كان الله غافلاً عن البلايا التى تحيط به . ونرى هذه الأفعال فى صلاة حزقيا ملك يهوذا عندما حاصره ربشاقى فقال : " أمل يا رب أذنك وأسمع . أفتح يا رب عينيك وأنظر وأسمع كل كلام سنحاريب الذى أرسله ليعير الله الحى " ( إش 37 : 17 ) .
+ ونلاحظ أن توسلهم لم يقم على إستحقاقاتهم الشخصيه ، أو بر آبائهم إبراهيم وإسحق ويعقوب ، أو ملوكهم داود وسليمان وحزقيا ويوشيا . بل قائم على تمجيد أسم الله ، وإذلالهم لأنفسهم والرجوع إليه ونبذ كل خطية .
+ " لكن الروح الكئيب من الشدة والذى يمشى منحنياً ضعيفاً " بسبب التأديب ـ ويعلق بولس الرسول على هذا الموضوع قائلاً : كل تأديب فى الحاضر لا يرى أنه للفرح بل للحزن . وأما أخيراً فيعطى الذين يتدربون به ثمر بر للسلام . ( عب 12 : 11 ) " والعيون الكليلة " من كثرة البكاء " والنفس الجائعة " من كثرة الصوم " ( با 2 : 18 ) . فهذه هى علامات التائب ، لأن روح الإنسان تتأثر بسلوكياته كما أن سلوكيات الإنسان تتأثر بروحياته .
+ وهنا ( با 2 : 17 ، 18 ) يضع باروخ النبى تضاداً شعرياً بين الإنسان المصر على خطاياه ـ حيث أنه مائت بسبب بعده عن الله ، وبين الإنسان التائب ـ حيث أنه حى ويستجيب لعمل الروح القدس .
+ ويلتمس باروخ رحمة الله ، من أجل عظام الملوك ، وعظام آبائهم ، التي أصبحت دمنة علي وجه الأرض . فإكرام عظام الموتي ، هو تقليد قديم ، وفي كل الشعوب ، قديماً وحديثاً ، شرقاً وغرباً ، وفي جميع الأديان . فكم بالحري يكون إكرام عظام القديسين مثل عظام إليشع النبي التي عندما مست ميتاً قام في الحال ( 2 مل 13 : 12 ) .
+ ويطلب باروخ النجاة علي أساس وعود الله مع آبائهم إبراهيم وإسحق ويعقوب ، متذكراً معاملات الله معهم قديماً حيث أحاطهم بكل رأفة ورحمة ، لأنه يفتقد بالإحسان إلي ألوف الأجيال ، كما تكلم علي لسان موسي عبده قائلاً : " لأني أنا الرب إلهك إله غيور ، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء وفي الجيل الثالث والرابع من الذين يبغضونني ، وأصنع إحساناً إلي ألوف من محبي وحافظي وصاياي ... فاعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين الحافظ العهد والإحسان للذين يحبونه ويحفظون وصاياه إلي ألف جيل ، والمجازي الذين يبغضونه بوجوههم ليهلكهم . لا يمهل من يبغضه ، بوجهه يجازيه " ( تث 5 : 9 و7 : 9 ، 10 ) . ويستشهد باروخ ببعض الآيات من سفري اللاويين والتثنية .
+ ويختتم باروخ صلاته بنبرة الثقة في وعود الله . لذلك يسبحه ويحمده ، مؤكداً أن هذا التسبيح ناتج عن عمل الله فيهم ، بوضعه مخافته في قلوبهم ، ومؤكداً قول إشعياء النبي : " بك وحدك نذكر إسمك ... يارب تجعل لنا سلاماً ، لأنك كل أعمالنا صنعتها لنا " ( أش 26 : 13 ، 12 ) . ويركز باروخ علي قلب الإنسان – حيث أن القلب مركز الأحاسيس والعواطف والمشاعر ، ومكان إستعلان الله في الإنسان ، حيث تسكن كلمته .
+ وهذه الصلاة تشبه صلاة دانيال النبي ( دا 9 : 4 – 19 ) ، إلي حد كبير . وذلك بسبب الخلفية الدينية والظروف السياسية والإجتماعية التي كانت تحيط بهم ، والتقارب الفكري الناتج عن الإختلاط في العبادة . حيث كانوا يعيشون في نفس الزمن . ولحد ما تتشابه مع صلاة عزرا ( عز 9 : 5 – 15 ) ، ومع صلاة نحميا ( نح 1 : 1 – 14 ) .
4- الحكمة ( با 3 : 9 – 4 : 4 ) :-
+ ويمكن تقسيمها إلي الآتي :-
(أ) أهمية الحكمة ( 3 : 9 – 14 ) .
(ب) لا يستطيع إنسان أن يجد الحكمة من ذاته ( 3 : 15 – 31 ) .
(ج) الحكمة هي الناموس ( 3 : 32 – 4 : 4 ) .
+ فقد كانت وما زالت الحكمة هي مفخرة لبعض الشعوب مثل قدماء المصريين ( إش 19 : 11 ) ، وشعوب بابل ( إش 47 : 10 ) ، وآدوم ( إر 49 : 7 وعو 8 ) ، وصور وصيدون – أرض كنعان – ( زك 9 : 2 ) . ولكن الحكمة التي تنبع من الذات أي من ذات الإنسان ، فالله يرفضها ويحمقها ويزيلها ( إش 5 : 21 ، 29 : 14 وإر 4 : 22 ، 8 : 9 ، 9 : 23 ) . لأن الله هو مركز الحكمة ( أم 15 : 33 ، 19 : 20 ، 21 ) ، ومنه تنبع ( أم 1 : 7 ، 9 : 10 ) ، وإليه تنتهي ( أم 2 : 5 وسي 1 : 14 – 22 ) . وتتميز الحكمة في العهد القديم بأنها مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بالعلاقة الصحيحة مع الله " لأن رأس الحكمة مخافة الرب " ( مز 111 : 10 وسي 21 : 13 ) .
+ فكلمتي ( حوخما ، وسكل ) العبرانية ، وكلمة ( صوفيا ) اليونانية ومرادفتها ، تترجم إلي حكمة ومرادفاتها ، مثل معرفة ، تعقل ، فطنة ، فهم ، التأدب أو التهذيب .
(أ) يبدأ باروخ يتكلم عن أهمية الحكمة ، فيطرح سؤالاً : " لماذا يا إسرائيل ، لماذا أنت في أرض الأعداء ؟ " ( با 3 : 10 ) . ويجيب : لأنهم قد تركوا ينبوع الحكمة ( با 3 : 12 ) . وكأنه يردد قول إشعياء النبي : " ليتك أصغيت لوصاياي . فكان كنهر سلامك ، وبرك كلجج البحر ، وكان كالرمل نسلك ، وذرية أحشائك كأحشائه " أي الحصي " لا ينقطع ولا يباد إسمه من أمامي " ( إش 48 : 18 ، 19 ) .
+ فالحكمة هي إستعلان لمشيئة الله ( أي الوصية ) تجاه الإنسان . وعلي الإنسان أن يسعي وراءها وينفذها . فسليمان الحكيم يقول عنها أنها : " تزيدك طول الأيام وسني حياة وسلامة . لا تدع الرحمة والحق يتركانك ، تقلدهما علي عنقك ، إكتبهما علي لوح قلبك ، فتجد نعمة وفطنة صالحة في أعين الله والناس " ( أم 3 : 2 – 4 ) . أما يشوع بن سيراخ يقول أنها : " تنشئ السلام والشفاء والعافية ... وفروعها طول الأيام " ( سي 1 : 22 ، 25 ) .
+ ويتساءل باروخ مرة ثانية : " أين الفطنة ؟ وأين القوة ؟ وأين التعقل ؟ لكي تعلم أيضاً أين طول الأيام والحياة ؟ " ( با 3 : 14 ) . ويجيب : " هذا كتاب أوامر الله والشريعة التي إلي الأبد كل من تمسك بها فله الحياة ، والذين يهملونها يموتون " ( با 4 : 1 ) . وكأنه يذكرهم بوصية موسي النبي عندما قال : " فالآن يا إسرائيل إسمع الفرائض والأحكام التي أنا أعلمكم لتعملوها لكي تحيوا ... فإحفظوا وإعملوا . لأن ذلك حكمتكم وفطنتكم " ( تث 4 : 1 ، 6 ) .
(ب) ويتساءل مرة أخري : من يستطيع أن يجد الحكمة ما لم يهبها له الله ؟ ويجيب : إنه لا الرؤساء ، ولا الذين يتسلطون علي الوحوش ، ولا الذين يلاعبون الطيور ، ولا الذين يدخرون المال ويتكلون عليه . فكل هؤلاء هبطوا إلي مكان الإنتظار ( أي الجحيم ) دون أن يحصلوا عليها ( با 3 : 16 – 18 ) . وبنوهم لم يستفيدوا من ماضي آبائهم ولم ياخذوا لهم عبرة ، لكنهم أصروا أن يبتعدوا عن الله . فلم يسمع به – الله – في كنعان ، ولم ير في أدوم ، والإسماعيليون أيضاً لم يعرفوا طريق الحكمة ( با 3 : 22 ، 23 قارن تك 25 : 12 وأنظر تك 37 : 28 ) . فهذه البلاد إشتهرت بالحكمة نتيجة تجارة البضائع وتسويقها ، فلذلك إشتهرت كلمة ( تاجر ) بـ ( الكنعاني ) " تصنع قمصاناً وتبيعها وتعرض مناطق علي الكنعاني ... مثل الكنعاني في يده موازين الغش " ( أم 31 : 24 وهو 12 : 7 وأنظر أيضاً أي 41 : 6 ) . وأهم من إشتهر بالحكمة من هذه البلاد أليفاز التيماني – أحد أصدقاء أيوب وأول المتكلمين معه ( أي 4 : 1 ) . ويتسائل إرميا عن حكمة أدوم قائلاً : " ألا حكمة بعد في تيمان ؟! هل بادت المشورة من الفهماء ؟ هل فرغت حكمتهم ؟! " ( إر 49 : 7 وأنظر عو 8 ) .
+ وأخذ باروخ يلتفت يميناً ويساراً في كل الأرض ، ويستعيد الماضي القديم والحديث ، ليري هل إستطاع أحد أن يحصل علي الحكمة ؟ فلم ير أحداً ، حتي من الجبابرة ( با 3 : 26 ) الذين يصفهم الكتاب المقدس بذوي إسم ( تك 6 : 4 ) ، والذين منهم نمرود الذي يصفه الكتاب المقدس أنه " إبتدأ أن يكون جباراً " ( تك 10 : 8 – 10 ) .
+ هؤلاء لم يحصلوا علي الحكمة . ولكن كانت حكمتهم أرضية نفسانية شيطانية ( يع 3 : 15 ) ... فهلكوا بسببها .
+ وفي مقابل كل هؤلاء نجد أن الله وحده هو الذي يعرف طريقها . وبها خلق كل الخليقة ، فسليمان يصفها بأنها : " صانعة كل شئ مهندسة الأكوان " ( حك 8 : 5 ، 6 ) . لأنها قائمه عنده قبل كون العالم ( أي 28 : 20- 27 وأم 8 : 22 – 31 وسي 1 : 4 ، 9 و 24 : 5 – 14 ) . فوهبها ليعقوب عبده وإسرائيل حبيبه . وقال لها : " إسكني في يعقوب ورثي في إسرائيل " ( سي 24 : 13 ) .
(ج) وينبه باروخ بني إسرائيل أن يتوبوا ويرجعوا ويسيروا في ضيائها ( با 4 : 2 ) ، لأنه " سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي " ( مز 119 : 105 ) ، ولأن " الوصية مصباح والشريعة نور " ( أم 6 : 23 ) . لأنهم يعرفون ما هو المرضي عند الله ، حيث ثمر البر يزرع في السلام من الذين يفعلون السلام ( يع 3 : 17 ، 18 ) .
+ وفي تجليه هذا يجد باروخ نفسه أمام أمر واقع ، وهو : الله بذاته يتراءي علي الأرض ويتردد بين البشر (با 3 : 38). ولم يقل تراءي في يهوذا وتردد بين بني إسرائيل ، لأن الله الكلمة عندما تجسد تراءي في الأمم أيضاً حيث زار مصر وتردد بين شعبها ( مت 2 : 13 – 21 ) . ومثله أيضاً تنبأ ميخا النبي قائلاً : " فإنه هوذا الرب يخرج من مكانه وينزل ويمشي علي شوامخ الأرض " ( مي 1 : 3 ) . ويعلل سبب ذلك قائلاً : " كل هذا من أجل إثم يعقوب ، ومن أجل خطية بيت إسرائيل " ( مي 1 : 5 ) .
+ وليس باروخ وحده هو الذي تكلم عن الحكمة كشخص ( أي أقنوم الحكمة ) ، ولكن أيضاً سليمان ويشوع بن سيراخ وأيوب . كل منهم تكلم في صور تختلف عن الآخر . " فالكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً " ( يو 1 : 14 ) . والسيد المسيح قال عن نفسه " ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء " ( مت 23 : 34 ) ، وقيل عنه في لوقا " لذلك أيضاً قالت حكمة الله : إني أرسل إليهم أنبياء ورسلاً " ( لو 11 : 49 ) ، وبولس الرسول يقول : " فبالمسيح قوة الله وحكمة الله " ( 1 كو 1 : 24 ) .
+ ولقد نجح باروخ في إظهار تطور مراحل تكوين الحكمة في الفكر اليهودي :-
1- الحكمة التأديبية أو الأخلاقية ... قارن ( با 3 : 13 – 15 مع أم 8 : 4 – 21 وسي 1 : 6 ، 7 ، 22 ، 25 ) .
2- الحكمة المبنية علي التأمل في الخليقة ... قارن ( با 3 : 29 – 35 مع أي 28 : 1 – 28 وحك 7 : 17 – 21 ) .
3- الحكمة هو اللوغوس ( الكلمة المتجسد ) ... قارن ( با 3 : 36 – 38 مع أم 28 – 31 وحك 7 : 22 وسي 24 : 34 ، 35 ) .
4- الحكمة هي الشريعة ... قارن ( با 4 : 1 – 4 مع تث 4 : 1 – 6 ، سي 24 : 29 – 32 ) .
5- عزاء لأورشليم ( 4 : 5 – 5 : 9 ) :-
ويمكن تقسيمها إلي الآتي :-
(أ) النبي يحدث المسبيين ( 4 : 5 – 9 ) .
(ب) أورشليم تحدث جيرانها ( 4 : 9 – 16 ) .
(ج) أورشليم تحدث الذين في السبي ( 4 : 17 – 29 ) .
(د) النبي يحدث أورشليم ( 4 : 30 – 5 : 9 ) .
(أ) النبي يحدث المسبيين :
+ يعطي باروخ النبي في هذه القصيدة ، تعليلاً واضحاً لماذا هم في السبي . ويفتح باب الرجاء علي مصراعيه أمام بني إسرائيل . فيبدأ كلامه بنبرة الفرح ، والثقة ، واليقين قائلاً : " ثقوا يا شعبي " ( با 4 : 5 ) فهذه الثقة نابعة عن الله ، ومن وعوده . ويؤكد أنهم في السبي لأجل تأديبهم ، وليس لهلاكهم ( با 4 : 6 ) . وهذا التأديب كان بسبب أنهم تركوا ينبوع المياه الحي ( أي الله ) لينقروا لأنفسهم آباراً مشققة لا تضبط ماء ( إر 2 : 13 ) . فبدلاً من أن يعبدوا الله ، ويقدموا له ذبائحهم ، نجدهم يعبدون الأوثان ( با 4 : 7 ) . وليس هذا فقط ، إنما يقدمون لها ذبائح بشرية من بنيهم وبناتهم ، الأمر الذي أحزن قلب الله جداً ( إر 7 : 31 ) . وأعطي باروخ لقب الشياطين للأوثان ( با 4 : 7 ) . ونجد بولس الرسول أخذ عنه هذا التشبيه في ( 1 كو 10 : 19 – 22 ) .
+ فتري أورشليم كل هذا ، وتحزن وتئن . ولاسيما أن أهله سبوا ، وأصبحت أرضاً خربة بلا ساكن .
(ب) فتوجه أورشليم حديثها إلي جيرانها من المدن والبلدان لتعلمهم أن الله هو الذي سمح بالسبي ، وبالتالي جلب عليها هذا النوح ( با 4 : 9 ، 10 ) . وتحذرهم بأن لا يشمتوا بها ، وتذكرهم بأن ما حدث لها كان بسبب خطايا شعبها ( با 4 : 12 ، 13 ) . وكأنها تقول لهم إن لم تتوبوا أنتم أيضاً ، فلابد أن تشربوا من كأس غضب الله . لأنه إن كان لم يشفق علي مقدسه فكم بالحري أنتم ( إر 25 : 29 ) .
+ وتصف أورشليم الأمة التي إستخدمها في تأديب شعبها ، بأنها أمة من بعيد ، وقحة ، أعجمية اللسان ، قاسية ( با 4 : 15 ) .
(ج) ثم توجه أورشليم حديثها إلي المسبيين ، وتوصيهم أن يسلكوا في طريق التوبة قائلة لهم : " سيروا يا بني سيروا " ( با 4 : 19 ) وكأنها تقول لهم لابد أن تسلكوا بجدية .
+ ونلاحظ تكرار القول للتأكيد مثل " عزوا عزوا شعبي " ( إش 40 : 1 ) " الحق الحق أقول لكم " ( يو 16 : 23 ) . وتشدد علي علاقتهم بالله مثل : " إستغيثوا بالله ... بقدر ذلك عشر مرات تلتمسونه تائبين ... الله سيردكم لي بفرح ، ومسرة " ( با 4 : 21 ، 28 ، 23 ، 29 ) .... وهكذا .
+ ونلاحظ هنا تكرار صفة ( الأزلي ) تسع مرات ، وكأنها تقول لهم كل هؤلاء يبيدون أما إلهنا فباق إلي الأبد ، ولابد أنه سيخلصكم كما خلصكم من المصريين قديماً . ومن صفات الله في هذا الجزء أيضاً ( القدوس ) ، وكأنها تقول لهم لابد ان ينعزلوا عن كل شر وشبه شر . وتصفه أيضاً بـ ( مخلصكم ) وتعرفهم أنه ليس بأحد غير الخلاص ( أع 4 : 12 ) . وتؤكد أن خلاصهم قريب .
+ وتصف عودتهم من السبي أنه يكون بمجد وبهاء الله ذاته . وكأنه هو قائد الراجعين من السبي ، فبهاؤه ومجده سينعكس عليهم .
(د) وهنا يتدخل باروخ في الحديث موجهاً حديثه إلي أورشليم قائلاً : " ثقي يا أورشليم فإن الذي سماك بإسمه ( أي مدينة الله " مز 87 : 3 " ) سيعزيك " ( با 4 : 30 ) . ويصف إشعياء النبي سبب هذه التعزية في الإصحاح الستين قائلاً بأن : " الرب سيجعلها فخراً أبدياً ، فرح الأجيال . وتسمي أسوارها خلاصاً ، وأبوابها تسبيحاً . ولا تحتاج إلي الشمس بالنهار أو القمر ليلاً ، لأن الرب هو يكون نورها ، وزينتها ، وتدعي مدينة الرب صهيون ، قدوس إسرائيل ، ويعلق إشعياء علي إسمها قائلاً : بأن : " الرب سيعطيها إسماً جديداً سيعين بفم الرب ذاته . فهي المدينة التي يسر بها فهو عريسها وهي المدينة الغير مهجورة منه " ( إش 62 : 1 – 5 ) .
+ ويعطي باروخ النبي الويل للمدن التي جارت عليها ، أو شمتت بها ( با 4 : 31 ) . لأن الرب سيذل رفعة المتكبرين ويرفع الوضعاء . كما قالت السيدة العذراء : " شتت المستكبرين بفكر قلوبهم ، أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين " ( لو 1 : 51 ، 52 ) . ويعطي الويل أيضاً للذين شمتوا بهم " لأن الفرحان بالبلية لا يتبرأ " ( أم 17 : 5 ) . " ولأنه قريب هو يوم الرب علي كل الأمم . لأنه كما فعلت " المدن الشامته " يفعل بها ، إعمالها ترتد علي رأسها " (عو 15) .
+ ويطلب باروخ النبي من أورشليم أن تخلع حلة النوح والمذلة ، وتلبس بدلاً منها بهاء المجد ، وتتسربل بثوب البر، وتضع علي رأسها تاج مجد الله ( با 5 : 1 ، 2 ) . ويوصي القديس بولس الرسول النفوس الساعية في طريق الله قائلاً : " فأثبتوا ممنطقين أحقاءكم بالحق ، ولابسين درع البر ، وحاذين أرجلكم بإستعداد إنجيل السلام . حامين فوق الكل ترس الإيمان ، الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة . وخذوا خوذة الصلاة ، وسيف الروح الذي هو كلمة الله " ( أف 6 : 14 – 17 ) .
+ وكل ذلك لكي تستقبل أورشليم أبناءها العائدين من السبي وهم في كرامة عظيمة ( با 5 : 6 ) ، بدلاً من الذل والعار التي ساروا بها إلي السبي. ويصف إشعياء النبي عودتهم من السبي قائلاً : " فيأتون بأولادك في الأحضان ، وبناتك علي الأكتاف يحملن ، ويكون الملوك حاضنيك وسيداتهم مرضعاتك ، وبالوجوه إلي الأرض يسجدون لك ويلحسون غبار رجليك " ( إش 49 : 22 ، 23 ) . وبالتالي يدللونهم علي الركب ( إش 66 : 12 ) . وكإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا – أي الله – وفي أورشليم تعزون ( إش 66 : 13 ) .
6- رسالة إرميا ( با 6 : 1 – 72 ) :-
+ يبدأ إرميا رسالته بلماذا هم سبوا بيد نبوخذنصر إلي بابل ( با 6 : 1 ) . ويؤكد لهم نبوته الموجودة بسفره أنهم سيظلون في السبي لمدة سبعين سنة ( با 6 : 2 ) . ثم يعرفهم أنهم سينظرون في بابل آلهة مصنوعة بأيدي البشر أي التماثيل ، وكيف أن هذه التماثيل تلقي رهبتها علي سكان تلك البلاد . فيحذرهم أن لا يتشبهوا بهم ، وإنما عندما يرونهم يفعلون ذلك يعطون المجد والسجود للإله الحقيقي أي لإله إسرائيل ( با 6 : 3 – 5 ) .
+ ويصف هذه الآلهة أنها مجرد بعض التحف الفنية المغشاة بالذهب والفضة ، ولكنها من الداخل خشب أو حجر ( با 6 : 7 ) .
+ ويصف رد فعل البابليين نحو هذه الآلهة ، وكيف أن كهنتهم ليسوا علي خلق كريم ( با 6 : 8 ، 9 ) .
+ وبعد ذلك يعدد صفات هذه الآلهة بأنها لا تسلم من الصدأ والسوس ، وأنها لا تستطيع أن تنظف نفسها ، وليس في يدها سلطة مع أنها تمسك صولجاناً ، وليست تستطيع أن تنجي نفسها من الحرب أو اللصوص ، وأنها تباع وتشتري بالمال ، وأنها لا تستطيع أن تتحرك من مكانتها ، وإن سقطت لا تقوم من مكانها بنفسها ( با 6 : 10 – 26 ) .
+ وبعد ذلك يصف معاملات الكهنة والشعب نحوها ، وكيف أن الطامث والنفساء تلمسان ذبائحها , . وكيف أن الكهنة يبيعون ذبائحها لمنفعة أنفسهم . وأنهم يجلسون ممزقي الثياب ، ومحلوقي الرؤوس ، وكيف أن رؤوسهم مكشوفة ، وهم يعجون صائحين أمامها كمن يندبون ميتاً . وإن الكهنة يسرقون ما عليها من ملابس ليكسوا نساءهم وأولادهم ( با 6 : 27 – 32 ) .
+ وبعد ذلك يظهر ما في هذه الآلهة من ضعف ، بحيث أنها لا تقدر أن تقيم ملكاً أو تخلعه ، أو تنجي أحداً من الموت ، أو ترد البصر للأعمي ، أو تفرج عمن في ذي شدة ، وأنها لا تلتفت إلي أرملة أو يتيم لكي تساعدهم (با 6 : 33 – 37).
+ ومن فترة إلي أخري ينبه إرميا إلي كيف هذه التي من الخشب أو الحجر تكون آلهة أو حتي تسمي بالآلهة ( با 6 : 14 ، 22 ، 28 ، 38 ، 39 ، 44 ، 55 ، 63 ، 64 ، 68 ، 71 ) .
+ وبعد ذلك يصف معاملات البابليين نحو هذه الآلهة ، وكيف يزدرونها وهم لا يعملون ( با 6 : 29 ، 40 ، 41 ) . وكيف أن الزني يمارس كجزء من العبادة ( با 6 : 43 ، 44 ) .
+ وبعد ذلك يصف صفات هذه الآلهة ولكن في ترتيب جديد ( با 6 : 45 – 58 ) .
+ وبعد ذلك يصف بعض المخلوقات أنها ذات فائدة أكثر من هذه الآلهة وأنها تطيع خالقها ( با 6 : 59 – 68 ) . ويصف هذه الآلهة علي أنها كخيال الحقل فإنها لا تستطيع عمل أي شئ ( با 6 : 69 – 71 ) .
+ ويعدد الصفات التي لا تجعل التماثيل آلهة من خلال عرضه للرسالة بصفة عامة . ثم يختتم إرميا رسالته هذه بأن الرجل الصديق الذي لا صنم له هو بمعزل عن العار ( با 6 : 72 ) .
النبوات في سفر باروخ
النبوة الأولي ( با 2 : 35 )
العهد الجديد
" وأقيم لهم عهداً أبدياً فأكون لهم إلهاً ويكونون لي شعباً ولا أعود أزعزع شعبي إسرائيل من الأرض التي أعطيتها لهم "
( با 2 : 35 ) .
+ قصة الله مع الإنسان هي قصة عهود مستمرة ومتجددة . فمنها العهود المشروطة ، ومنها العهود الأبدية . وأحياناً كان الله يعطي علامات علي هذه العهود لكي يتذكرها الإنسان ولا ينساها .
+ العهود المشروطة عندما كان ينكثها الإنسان ، كان الله يتخلي عنه ، وأحياناً ينسبه إلي غيره كما فعل مع بني إسرائيل عندما نسبهم إلي موسي قائلاً : " قد فسد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر " ( خر 32 : 7 ) .
+ أما العهود الأبدية فهي لا تنقض ، لأنها قائمة علي الله . ولذلك يقول بولس الرسول : " إن كنا غير أمناء فهو يبقي أميناً لن يقدر أن ينكر نفسه " ( 2 تي 2 : 13 ) .
+ فهذه المرة يعطيهم الله عهداً أبدياً ، ويعلق إرميا النبي علي هذا العهد ويزيده إيضاحاً فيقول : " وأقطع " أي الله " مع بيت إسرائيل وبيت يهوذا " حيث يجعل الله الإثنين واحداً ، مصالحاً إياهم بدمه " عهداً جديداً " تمييزاً له عن العهود السابقة . وكلمة جديد إما تفيد الزمان أو الموضوع ، وهنا تفيد أنه جديد بالنسبة إلي موضوعه " ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكت بيدهم لأخرجهم من أرض مصر " ويسمي عهد سيناء لأن هذا العهد تم في جبل سيناء ، أو يسمي عهد الشريعة " حين نقضوا عهدي فرفضتهم " لأنه كان عهداً مشروطاً ( تث 4 : 25 ، 26 ) " يقول الرب بل هذا هو العهد " أي العهد الجديد " الذي أقطعه مع بيت إسرائيل ، بعد تلك الأيام يقول الرب ، أجعل شريعتي في داخلهم " ليست خارج الإنسان كما كان قديماً ، حيث كان علي ألواح حجرية ( خر 31 : 18 ، 34 : 28 ) . أي يعطي الله الإنسان قدرة داخلية وميولاً طبيعية نحو تنفيذ الوصية " وأكتبها علي قلوبهم " حيث ينتقي القلب ويتطهر بكلام الله " وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً ، ولا يعلمون كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين إعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفونني " بسبب عمل الروح القدس داخل الإنسان " من صغيرهم إلي كبيرهم يقول الرب ، لأني أصفح عن إثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد " بسبب أن المسيح دفع ثمن الخطية بدلاً منا بموته علي الصليب " ( إر 31 : 31 – 34 ) .
+ أما حزقيال النبي فيقول عن هذا العهد إنه عهد سلام " لأنه قائم علي بر المسيح وحده حيث أنه هو سلامنا الذي جعل الإثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة . مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض ( أف 2 : 14 ، 15 ) " فيكون معهم عهداً مؤبداً . وأقرهم وأكثرهم وأجعل مقدسى فى وسطهم " عندما نجتمع بأسم المسيح " إلى الأبد ويكون مسكنى فوقهم " وكأنه يذكرنا بحلوله فى خيمة الإجتماع " وأكون لهم إلهاً ويكونون لى شعباً فتعلم الأمم " عندما يروا أعمالنا الصالحة " أنى أنا الرب مقدس إسرائيل إذ يكون مقدسى فى وسطهم إلى الأبد ( حز 37 : 26 ـ 28 ) .
+ أما بولس الرسول فيعلل سبب تغيير العهد قائلا ً : " فإنه لو كان ذلك الأول " عهد سيناء " بلا عيب " حيث أنه قائم على بر الناموس وبالتالى لا يستطيع أحد أن يتممه " لما طلب موضوع لثان " العهد الجديد " لأنه يقول لهم لائماً هوذا أيام تأتى يقول الرب حين أكمل مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً " قائم على جسد ودم عمانوئيل إلهنا " لا كالعهد الذى عملته مع آبائهم يوم أمسكت بيدهم لأخرجهم من أرض مصر " حيث أنه قائم على الذبائح الحيوانية أى خروف الفصح " لأنهم لم يثبتوا فى عهدى " بسبب سلطان الخطية الذى كان على الإنسان قبل أن يفتديه المسيح " وأنا أهملهم "
( عب 8 : 7 ـ 9 ) .
+ وكلمة شعبى إسرائيل لا تعنى دولة إسرائيل ـ فبولس الرسول يقول : " لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون " ( رو 9 : 6 ) ـ لكن تعنى أسرة الله التى تنعم بوجوده داخلها وفيها ولا تستطيع أن تبتعد عنه لأنها ليست من العالم حتى لو سكنت فى وسط العالم .
+ أما الأرض التى لا يزعزعها منهم وأعطاها لهم هى السماء الجديدة والأرض الجديدة " كورة الأحياء إلى الأبد . ( مز 27 : 13 ) " التى تكلم عنها الرائى فى الأصحاح الحادى والعشرين من سفر الرؤيا ( رؤ 21 : 1 ـ 7 ) .
النبوة الثانية ( با 3 : 36 ـ 38 )
تجسد الكلمة
" هذا هو إلهنا ولا يعتبر حذاءه ( نظيره ) آخر . هو وجد طريق التأدب بكماله وجعله ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه . وبعد ذلك تراءى على الأرض وتردد بين البشر " ( با3 : 36 ـ 38 ) .
+ لا توجد آية فى سفر باروخ أثارت جدلاً لاهوتياً مثل هذه الآية ، لأن آباء الكنيسة إستشهدوا بها عن تجسد المسيح ضد هرطقة أريوس .
+ ففى هذا العدد يؤكد باروخ النبى ـ كما فى سائر الكتاب المقدس ، أنه لا يوجد إله غيره أو نظيره . وهو الذى أعطى الناموس ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه ، وقال له من حيث أنه الحكمة " إسكنى فى يعقوب ورثى فى إسرائيل ... فلذلك أراحنى فى المدينة المحبوبة وسلطانى فى أورشليم فتأصلت فى شعب مكرم ، فى قسمة الرب ، ميراثه " ( سى24 : 13 ، 15 ، 16 ) .
+ ويقول عن وصايا العهد الجديد أنها طريق التأدب بكماله ، حيث أن السيد المسيح يقول : " ما جئت لأنقض " الناموس الطبيعى والناموس الأدبى من حيث أنه شريعة موسى " بل لأكمل " أى يكمل معانيه " ( مت 5 : 17 ) . ونحن نصف السيد المسيح فى ليتورجية سر الزيجة بأنه : مشرع ( أى واضع ) شريعة الكمال ومتمم ناموس الأطهار .
+ ويجد باروخ نفسه أمام إعلان خطير جداً حيث يرى الله يتراءى على الأرض ويتردد بين البشر . وهذا ما أوضحه القديس يوحنا الحبيب قائلاً " والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً "
( يو 1 : 14 ) . ويزيده إيضاحاً فيقول : " الذى كان من البدء ، الذى سمعناه ، الذى رأيناه بعيوننا ، الذى شاهدناه ، ولمسته أيدينا ، من جهة كلمة الحياة " ( 1يو 1 : 1 ) . أما بولس الرسول فيقول عنه : " عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد ، تبرر فى الروح ، تراءى لملائكة . كرز به بين الأمم ، أومن به فى العالم ، رفع فى المجد " (1تى 3: 16).
+ فقد رآه باروخ النبى يتردد بين البشر أى يجول يصنع خيراً ( أع 10 : 38 ) ولم يقل أنه أقام بيننا إقامة دائمة . فالمسيح وعدنا قائلاً : حيثما إجتمع إثنان أو ثلاثة بإسمى فهناك أكون فى وسطهم " ( مت 18 : 20 ) فهذا هو ما أشار إليه باروخ النبى بقوله : ( تردد بين البشر ) . وهو ما تممه السيد المسيح حسب وعده الصادق . حيث كان يظهر لتلاميذه بعد القيامة أى يتردد عليهم .
النبوة الثالثة ( با 4 : 25 )
النصرة
" قد إضطهدك العدو لكنك سترى هلاكه عن قليل وتطأ رقابهم " ( با 4 : 25 ) .
+ فقد تمت هذه النبوة حرفياً ، حيث سرعان ما ظهرت مملكة مادى وفارس وإنتصرت على البابليين ، وأعطت حرية رجوع المسبيين إلى أوطانهم ومن بينهم اليهود . ولقد كان الماديون يبيعون الأسرى البابليين فكان بعض اليهود يشترونهم كعبيد لهم .
+ وهنا تنتقل النبوة من السلطان على البابليين إلى السلطان على الشيطان بقوة المسيح .
+ فإضطهاد الشيطان لنا واضح جداً على مستوى الكتاب المقدس . ولقد لقبه يوحنا الرائى بالمشتكى قائلاً : " لأنه قد طرح المشتكى على إخواتنا ، الذى كان يشتكى عليهم أمام إلهنا نهاراً وليلاً " ( رؤ 12 : 10 ) . ويلقبه بالمضل حيث يقول عنه : " فطرح التنين العظيم ، الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان ، الذى يضل العالم كله ، إلى الأرض ، وطرحت معه ملائكته " ( رؤ 12 : 9 ) . ويلقبه أيضاً بالمضطهد : " ولما رأى التنين أنه طرح إلى الأرض ، أضطهد المرأة " أى الكنيسة " التى ولدت الإبن الذكر...فغضب التنين على المرأة ، وذهب ليصنع حرباً مع باقى نسلها الذين يحفظون وصايا الله ، وعندهم شهادة يسوع المسيح " ( رؤ 12 : 13 ، 17 ) .
+ وسنرى هلاك الشيطان بالمجىء الثانى للسيد المسيح فى مجده عندما يطرحه فى البحيرة المتقدة بالنار والكبريت . ويقول فى ذلك القديس يوحنا الحبيب : " وإبليس الذى كان يضلهم طرح فى بحيرة النار والكبريت ، حيث الوحش والنبى الكذاب . وسيعذبون نهاراً وليلاً إلى أبد الآبدين " ( رؤ 20 : 10 ) .
+ فالسيد المسيح أعطانا السلطان أن ندوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو ـ الشيطان وصوره ـ ولا يضرنا شىء
( لو 10 : 19 ) . فالحيات والعقارب هى قوة العدو . والسيد المسيح قد أعطانا السلطان على الشيطان من خلال سلطاننا على قوى الشر المنظورة لحياة الإنسان . ويوضح القديس مرقس الرسول هذا السلطان قائلاً : " يخرجون " أى الرسل والمؤمنين " الشياطين بإسمى ، ويتكلمون بألسنة جديدة ، يحملون حيات ، وإن شربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم ، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون " ( مر 16 : 17 ، 18 ) . وهذه النبوة صدى للمزمور الحادى والتسعين حيث يقول المرتل : " على الأسد والصل تطأ . الشبل والثعبان تدوس . لأنه تعلق بى " أى بالله " أنجيه ، أرفعه لأنه عرف إسمى "
( مز 91 : 13 ، 14 ) .
النبوة الرابعة ( با 4 : 37 ، 5 : 5 ، 9 ) .
العودة من السبي
" ها إن بنيك الذين ودعتيهم قادمون . يقدمون مجتمعين من المشرق إلي المغرب بكلمة القدوس مبتهجين بمجد الله ... إنهضي يا أورشليم وقفي في الأعالي وتطلعي من حولك نحو المشرق وأنظري بنيك مجتمعين من مغرب الشمس إلي مشرقها بكلمة القدوس مبتهجين بذكر الله ... إن الله سيعيد إسرائيل بسرور في نور مجده برحمة وعدل من عنده " ( با 4 : 37 ، 5 : 5 ، 9 ) .
+ فهنا يبشر باروخ النبي أورشليم بأن أولادها سيرجعون حتماً وفي القريب . وأن رجوعهم هذا ليس بقوتهم أو مقدرتهم ، ولكنه بكلمة الله التي لا ترجع إليه فارغة بل تعمل ما يسر به وتنجح فيما أرسلها إليه ( إش 55 : 11 ) . وأنهم سيرجعون من المشرق والمغرب ، كناية عن رجوعهم من أماكن متفرقة وبعيدة عن بعضها البعض ، من أنحاء الأرض . ولذلك يرجو منها أن تقف في الأعالي لكي تراهم وتستقبلهم كما يليق بإبن راجع بتوبة حقيقية إلي أحضان أبيه السماوي .
+ وهذا يذكرنا بمثل الإبن الضال : كيف كان أبوه ينتظر عودته بلهفة وشوق ، حتي أنه رآه من بعيد وركض إليه معانقاً إياه ( لو 15 : 20 ) . وفي المقابل نري الإبن لا يطلب شيئاً سوي أن يعيش في أحضان أبيه حتي ولو بصفة أجير ، وهو ما يقصده باروخ بمبتهجين بذكر الله . ولكن الله يتناسي كل ما صنعناه في الماضي ، ويسر بعودتنا إليه ، ويطلب من الملائكة أن تفرح وتسر معه برجوعنا إليه ( لو 15 : 7 ) .
+ فهذه نبوة واضحة وصريحة عن المسيح الفاتح أحضانه لكل نفس تائبة في أنحاء العالم . فهو كلمة الله القدوس ، المولود من العذراء مريم ( يو 1 : 14 ، لو 1 : 35 ) . الذي حررنا بمجيئه في الجسد وصلب عنا وفدانا ، وأعتقنا من سلطان الشيطان والظلمة . ولذلك يوصينا بولس الرسول قائلاً : " فإثبتوا إذاً في الحرية التي قد حررنا المسيح بها ولا ترتبكوا أيضاً بنير عبودية " ( غل 5 : 1 ) .
الإعتراضات والرد عليها ؟
الإعتراض الأول :-
+ يعترض البعض معتمداً علي التاريخ . أنه لم يذكر شئ عن رجوع الأواني المذكورة في ( با 1 : 8 ) إلي أورشليم .
الرد :-
+ لكن لو تمعنا النص جيداً . لا نجد أي إعتراض لأنه مكتوب " عندما أخذ " باروخ " آنية بيت الرب المسلوبة من الهيكل ليردها إلي أرض يهوذا في العاشر من شهر سيوان .... "
+ فالنص يذكر ( لكي يردها ) ولم يذكر أنه ( ردها ) . وأيضاً في العدد العاشر من نفس الإصحاح ، يذكر أنه أرسل فضة لكي يبتاعوا بها محرقات وذبائح للخطية لكي يقدموها علي مذبح الرب . وفي العدد الرابع عشر من نفس الإصحاح ، أيضاً يذكر أنه أرسل السفر لكي يقرأ في بيت الرب . ولم يذكر أنه أرسل مع هذه الأشياء الأواني التي أخذها لكي يردها . فهذه هي إحدي المحاولات الفاشلة لإسترداد هذه الأواني لكي تتم نبوات إرميا النبي ( إر 27 : 16 – 22 ، 28 : 1 – 9 ) .
الإعتراض الثاني :-
+ البعض يظن أنه يوجد تناقض بين خراب الهيكل المذكور ( با 2 : 26 ) ، مع المقدمة التي تتكلم عن أن المعبد تقام فيه شعائر العبادة ( با 1 : 10 ، 14 ) .
الرد :-
+ نحن لا نعارض أو ننافي أن الهيكل قد أحرق . ولكن يذكر كل من كاتب سفر الملوك ( 2 مل 25 : 9 ، 10 ) ، وكاتب سفر الأيام ( 2 أي 36 : 19 ) . وإرميا النبي ( إر 52 : 13 ، 14 ) ويؤكدون علي حقيقتين هما إحراق أورشليم بما في الهيكل ، وهدم أسوار أورشليم . ولم يذكروا أن الهيكل هدم ولو بحثنا في الكتاب المقدس قليلاً سوف نجد أنه لا يشترط سلامة المبني عند تقديم الذبائح . فمثلاً :-
+ في أيام صموئيل النبي عندما خربت خيمة الإجتماع التي كانت في شيلوه ، كان يقوم بعمل مذابح ويقدم عليها محرقات وذبائح سلامة .
+ ففي بلدة المصفاة ، إجتمع كل الشعب لكي يقدموا توبة جماعية ، فسمع الفلسطنيون أن بني إسرائيل إجتمعوا في المصفاة ، فأجتمعوا هم أيضاً لكي يحاربوهم . فطلب الشعب من صموئيل النبي أن لا يكف عن التضرع إلي الرب من أجلهم . فقدم صموئيل حملاً رضيعاًً بتمامه محرقة للرب . مع العلم بأن تابوت العهد كان موجوداً في قرية يعاريم
( 1 صم 7 : 1 – 10 ) .
+ ومرة أخري في بلدة الجلجال ، كان سيقدم ذبيحة محرقة وذبائح سلامة ، ولكنه تأخر عن الميعاد المحدد ، فقام شاول الملك بهذا العمل ، فغضب منه الرب ، ونزعه من الملك لأنه تجاسر وقدم الذبائح – لأن تقديم الذبائح من إختصاص الكهنة وليس الملوك ( 1 صم 13 : 8 – 14 ) .
+ ومرة ثالثة في أرض صوف ( 1 صم 9 : 12 ) .
+ ومرة رابعة في بيت لحم عندما مسح داود ملكاً ( 1 صم 16 : 5 ) .
+ وأيضاً في أيام داود الملك أقام مذبحاً في بيدر أرونة اليبوسي ، وأصعد عليه محرقات وذبائح سلامة – وكان جاد النبي هو الذي أمره بذلك ( 2 صم 24 : 18 – 25 ) . وقد كان تابوت العهد في ذلك الوقت في أورشليم – مدينة داود – في وسط الخيمة التي نصبها داود النبي ( 2 صم 6 : 12 – 19 ) . والرب قد أجابه بنار فإلتهمت الذبيحة (1 أي 21: 26).
+ وأيضاً في أيام آخاب الملك ، قدم إيليا النبي ذبيحة علي المذبح الذي كان في الكرمل ، بعد ما قام بعملية ترميم له – لأنه كان منهدماً ( 1 مل 18 : 30 – 40 ) . والرب أجابه بنار فإلتهمت الذبيحة . مع العلم بأن الهيكل كان مبنياً في ذلك الوقت . والعبادة قائمة فيه .
+ وأما النقطة المهمة التي ذكرها إرميا النبي في الإصحاح الحادي والأربعين فهي : أن ثمانين رجلاً أتوا من شكيم ، ومن شيلوه ، ومن السامرة ، محلوقي الشعر مشققي الثياب ومخمشين ( من يخدش وجهه ) ، وبيدهم تقدمة ولبان ليدخلوهما إلي بيت الرب . وكان ذلك بعد حرق أورشليم وسبيها بيد نبوخذنصر ملك بابل ، ونبوزرادان رئيس الشرط ، وقتل جدليا بن أخيقام الذي نصبه نبوخذنصر بدلاً من صدقيا ( إر 41 : 1 – 8 ) .
+ ولقد سار علي هذا النهج يشوع ( يهوشع الكاهن العظيم ) ، أي تقديم الذبائح بين أركان الهيكل وهو منهدم ، وذلك بعد العودة من السبي مباشرة ، حيث يذكر سفر عزرا : " إبتدأوا من اليوم الأول من الشهر السابع يصعدون محرقات للرب وهيكل الرب لم يكن قد تأسس " ( عز 3 : 6 ) .
+ وهذا يدل علي أن الشعب كان يجتمع ويقوم بالعبادة بين أركان الهيكل وبذلك لا يوجد أي تعارض ....
الإعتراض الثالث :-
+ يعترض البعض علي ذكر يهوياقيم الكاهن ( با 1 : 7 ) ، لأن هذا الإسم لم يذكر إلا بعد قرن كامل من الزمان في كتب التاريخ .
الرد :-
+ من الواضح جداً أن نبوخذنصر كان يغير الأسماء . مثلما غير إسم متنيا – عم يهوياقيم الملك } الذي سبق أن غيره نخو ملك مصر من الياقيم إلي ياهوياقيم عندما سبي أخاه يهوآحاز ( 2 مل 23 : 31 – 34 ) { - غيره من متنيا إلي صدقيا ( 2 مل 24 : 17 ) .
+ فعندما قام نبوخذنصر بالمرحلة الثانية من السبي بواسطة نبوزرادان رئيس الشرط ، قام بقتل سرايا الكاهن الأول وصفنيا الكاهن الثاني ( إر 52 : 24 – 27 ) . وسبي يهوصاداق بن سرايا رئيس الكهنة ( 1 أي 6 : 13 – 15 ) . ولا نعلم هل أرجعه مرة ثانية إلي أورشليم أم لا ، وهل غير إسمه ، أم أخذ أحد أخويه وأعطاه إسم يوياقيم ؟!! لأن باروخ يذكره أنه إبن حلقيا بن شالوم ، قارن ( 1 أي 6 : 13 ، 14 و 9 : 11 ونح 11 : 11 مع با 1 : 7 ) .
+ وإن كتب في كتب التاريخ إسم آخر غير يوياقيم ( با 1 : 7 ) ، فذلك لأنه كتب إسمه الطبيعي لكي يحافظ علي سلسلة أنساب الكهنة – وتتضح أهمية ذلك من سفر عزرا ( عز 2 : 61 ، 62 ) ، وبذلك يحافظ علي كهنوت أولاده .
+ ومن المعروف مدي ولع اليهود بسلسة أنسابهم ....
الإعتراض الرابع :-
+ البعض يظن أنه يوجد تناقض بين ( با 3 : 10 ) و ( با 1 : 1 – 3 : 8 و 4 : 11 – 25 ) . معللين بأن في ( با 3 : 10 ) يشعر القارئ بأن السبي قد حدث منذ زمان ، بينما في ( با 1 : 1 – 3 : 8 و 4 : 14 – 25 ) يشعر القارئ بأن السبي قد حدث منذ وقت قريب .
الرد :-
+ عند قراءتنا الأعداد التي يشير إليها المعترض ، لا نجد أي تناقض أو تعارض بينهما . لأن باروخ في الإصحاح الثالث والعدد العاشر يذكر : لماذا يا إسرائيل لماذ أنت في أرض الأعداء ؟ " . لأن حرق أورشليم والهيكل وسبيها حدث قبل كتابة السفر بخمس أعوام ، وبالتالي أصبح سبي أورشليم في بابل منذ فترة ليست قليلة . وهنا أحب أن أوضح أن السبي قد تم علي عدة مراحل . وهذا يتضح ممايلي :
1- المرحلة الأولي :
+ في السنة الأولي من حكم نبوخذنصر ، وهي الثالثة أو الرابعة من حكم يهوياقيم ملك يهوذا ، هجم نبوخذنصر علي يهوذا ولكنه أخذ عدداً من الرهائن منهم دانيال ، وحنانيا ، وميشائيل ، وعزريا ( دا 1 : 1 ، 6 ) ، وبعضاً من أواني الهيكل – وهذا ما يعلل وجود دانيال في السنة الثانية من حكم نبوخذنصر في بابل ( دا 2 : 1 ، 13 ) – ومن هنا تحسب بداية السبي .
+ وفي السنة الرابعة من حكم نبوخذنصر ، وهي الثامنة من حكم يهوياقيم ملك يهوذا ، هجم مرة أخري علي يهوذا ، وأدخل يهوذا تحت الجزية ( 2 مل 24 : 1 ) .
اقتراحات موسوعية أخرى
راجل
راجل
اى رجل يسير على قدميه ، اى ماش ( خر 12 : 37 ، عدد 11 : 21 ) ، كما أنها تدل على المشاة فى الجيش...
اهيه - اهية
إسم قبطى معناه اى نعم
التميم
التميم
هي تعني الكمالات وتذكر دائما مع الأوريم فيقال دائما الأوريم والتميم ، وكانا يوضعان فألواح صد...
جرشوم
جرشوم
معناه نزيل أو غريب ( خر 2 : 22، 18 : 3 ) و هو اسم :
(1) ــ ابن موسى البكر من زوجته صفورة،...
لهابيم
لهابيم
أحد الشعوب المنتسبة لمصرايم بن حام بن نوح ، فنقرأ في سفر التكوين ( تك 10 : 13 ، انظر أيضاً 1...
اشتاول
أشتأول
اسم عبرى لعله مشتق من السؤال وهو اسم مدينة فى تخوم يهوذا جاء اسمها بعد صرعة ( يش 15 : 33 ، 1...