أسقف - أسقفية
أسقف - أسقفية
حجم الخط
أسقف Bishop
الكلمة اليونانية ( إبيسكوبوس ) تعني الناظر - الرقيب من أعلي - الحارس وهي أعلي درجة كهنوتية في الكنيسة المسيحية فيتميز الأسقف عن باقي الدرجات الكنسية الأخرى بأنه يرسم الكهنة من دون رتبته بموهبة خاصة من الروح القدس أثر تسلسل أسقفي يمتد راجعا حتى إلى الآباء الرسل القديسين . ويختار الأسقف في الكنيسة الجامعة حاليا من بين طغمة الرهبان أما في الكنيسة السريانية الأنطاكية فيمكن أن يختار الأسقف من بين القسوس العلمانيين الذين التحقوا بالدير بعد أن توفيت زوجاتهم . وفي الكنيسة الأنجليكانية بإنجلترا يقام فيها أساقفة متزوجون وهي حالة استثنائية بين كافة الكنائس . ويكرس الأسقف بواسطة ثلاثة أساقفة بحسب قوانين مجمع نيقية المسكوني ويكرس حاليا بواسطة الأب البطريرك ومعه أسقفان علي الأقل وبموافقة باقي الأساقفة وفي الكنيسة السريانية الأنطاكية تعد أي رسامة لأسقف أو لمطران لا يعاون فيها البطريرك مطران واحد علي الأقل عند الضرورة رسامة باطلة
أسقف - أسقفية
1- استخدمها فى الترجمة السبعينية :
استخدمت فى الترجمة السبعينية للدلالة على " مشرفين " ، " نظار " ، " رقباء " ، " وكلاء " ( عد 4 :16، 31 :14 ) سواء فيما يختص بالكنيسة أو فى الجيوش ( قض 9 : 28 ،2مل 12 :11 ، 2أخ 34 :12و17 ، 1مك 1 :54 ) .
2- استخدامها فى العهد الجديد :
استخدمت الكلمة مرة واحدة عن المسيح نفسه : " كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأسقفها " ( 1بط 2 :25 ) . ولكن الكلمة ترد مرارا فى رسائل الرسول بولس مرادفة لكلمة " شيخ أو قسيس " ( أع 20: 17و28 ، تى1: 5و7 ،1تى3 :1، 4: 14 ، 5 : 17 و19 ) .
وأقدم الخدمات الكنسية فى تاريخ الكنيسة هى خدمة الشيوخ(القسوس ) والشمامسة ، أو بالحري الشمامسة والشيوخ، حيث أنه سرعان ما شعر المجتمع المسيحي فى أورشليم بالحاجة إلى خدمة الشمامسة ( أع 6: 1-6 ) . كما أن الاساقفة وجدوا فى الكنيسة منذ عهدها الباكر ( أع 11 :30) . وقام الاساقفة بخدمتهم جنبا إلى جنب مع الرسل ( أع 15 :2و4و6و22و23، 16 :4) . وقد أقام الرسول بولس ، منذ منتصف القرن الأول ، اساقفة فى كل كنيسة من الكنائس التى تأسست فى آسيا نتيجة لكرازته بالإنجيل . ولكنه فى رسالته إلى فيلبى (1 :1) يذكر عبارة " أساقفة وشمامسة " مما يدل على استخدام هذه الألقاب فى كنائس الأمم، ولا نجد كلمة " شيوخ " إلا فى الرسائل الرعوية . وكلمة " شيخ " عند اليهود تشير إلى العمر والمكانة في الكنيسة ، بينما كلمة " أسقف " تشير بالحري إلى خدمتهم. ولكن كلتا الكلمتين تشيران إلى نفس الأشخاص ، وعملهم هو " التدبير" ( رو 12 :8) ، والنظارة أو الاشراف ( أع 20 :17و28، 1بط 5: 2) . ولكن لم تستخدم مطلقا كلمة " أرخن " أي " يحكم أو يسود " بالمعنى الكهنوتي ، بل كان بكل كنيسة مجموعة من القسوس والأساقفة ( أع 20: 17و28، فى 1:1 ، تى 4 :14 ) وواضح أنه فى حياة بولس ، لم يكن هناك أدنى تمييز بين الشيوخ والأساقفة .
وقد توجد إشارة " للتعيين " الرسمي بالمعنى الكهنوتى الحديث ، فالكلمات المستخدمة هى : " انتخبا " (أع14 :23) و " تقيم" ( تى 1 :5) ، وكلتا الكلمتين اليونانيتين المستخدمتين يمكن أن يفهم منهما " التعيين " ، رغم أن هذا المفهوم قديم فى الكنيسة . أما موضوع " وضع اليد " المذكور فى العهد الجديد ( أع 13 :3، 1 تى4 :14 ،2تى 1 :6 ، انظر أيضا أع 14 :26، 15 :40 ) فيشير إلى الشركة فى المواهب الروحية أو التماسها وأيضا إلى خلع صفة رسمية .
1- تطور الفكرة فيما بعد :
تقول كنيسة روما - كما عبرت عن ذلك قرارات مجمع ترنت ، وفكرة الأسقفية عموما - إن التنظيم الكهنوتى الذى نشأ فى القرن الثالث ، كان موجودا منذ بداية الكنيسة فى العهد الجديد ، ولكن بالإضافة إلى الآيات التى استشهدنا بها من العهد الجديد - كما ذكرنا آنفا- فإن شهادات آباء الكنيسة تؤيد المطابقة الكاملة بين " الشيوخ " والأساقفة". كما ذكر أكليمندس الروماني وإيريناوس وأمبروزيوس وفم الذهب ، بصورة لا تحتمل أي لبس أو تأويل : " أن كلمة الشيوخ( في الترجمة البيروتية المتداولة الآن) أصلها " أساقفة " . وكذلك يقول جيروم : إن الشيخ هو نفسه الأسقف " . كما كان أوغسطينوس وغيره من الآباء فى القرنين الرابع والخامس ، يعتنقون نفس الرأي .
ثانيا : الوظائف فى الكنيسة الأولى :
لا يحدد العهد الجديد الأسقف ، وفى الحقيقة يبدو أنه كانت هناك درجات كثيرة للخدمة فى الكنيسة الوليدة : رسل ، أنبياء ، مبشرون ، معلمون ، شيوخ ، أساقفة أو رقباء ،شمامسة.
ولا ينال الموقف الفكري للرسل والكنيسة المسيحية الأولى ، عادة نصيبه من الاعتبار ، فلقد كانوا يتوقعون مجيء المسيح سريعا ، ولذلك لم يعنوا كثيرا بتنظيم الكنيسة وهي فى طفولتها ، ولكن لما امتد بها العمر ، كان من اللازم القيام بذلك . ولهذا السبب فإنه بينما لم يتداخل عمل هؤلاء الأشخاص المختلفين من الخدام المسيحيين ، ولم يكن يتعدى عمل أحدهم على عمل الآخر ، لأنه لم تحدد المرتبة بالنسبة لكل خادم أو مدى أسبقيته بالنسبة لغيره .
1-الرسل :
كان للرسل - بلا أدنى ريب - المكانة الأولى ، فيهم تركزت كل السلطة ، بل كانوا هم مستودع السلطة التى أعطيت لهم من المسيح .
2- الأنبياء : كان الأنبياء يلون الرسل فى المكانة ( أع 11 :27) ، كما يذكرون بعد الرسل . وتبدو أهميتهم في الكنيسة الأولى ، من أن الكنيسة فى أورشليم قد أرسلت إلى الكنيسة فى أنطاكية التى كانت تتزايد بسرعة ، لتحذيرها من المجاعة العتيدة أن تحدث . ثم نقرأ عن أنبياء مقيمين فى أنطاكية ، و كانوا من الرجال البارزين إذ تذكر أسماءهم : برنابا وسمعان ولوكيوس ومناين وشاول ( أع 13 :1) وقد أمرهم الروح القدس : " أفرزوا لى برنابا وشاول" " فوضعوا عليهما الأيادي ثم أطلقوهما " للقيام بخدمتهما ويبدو أن الانتخاب قد تم على نفس المنوال الذى انتخب به الأحد عشر رسولا متياس . ودعى برنابا وبولس بعد ذلك رسولين . إنه تعيين لأرفع المراكز فى الخدمة المسيحية بواسطة " الأنبياء والمعلمين " . ولا يمكن الجزم بما إذا كانت الكلمتان " أنبياء ومعلمين " تدلان على خدمتين متميزتين أو أنهما تدلان على خدمة واحدة . ولربما كان البعض من هؤلاء الخمسة أنبياء والبعض معلمين . ونجد فى سفر الأعمال ( 15 :32 ) أسمى نبيين آخرين هما يهوذا وسيلا ويكتب الرسول بولس للكورنثيين ( 1كو 12: 28) أن الله " وضع أناسا فى الكنيسة : أولا رسلا ، وثانيا أنبياء ، وثالثا معلمين .. " ويكتب لكنيسة أفسس : "وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلا والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة " ( أف 4 :11و12 ) ، فوضع الأنبياء فى نفس الترتيب أي بعد الرسل ، كما يقول إن سر المسيح " قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح " ( أف 3 :5 ) . كما يقول الرسول بولس فى تصويره الرائع للمؤمنين كمبنيين مسكناً لله فى الروح أنهم مبنيون " على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية " ( أف 2 :20 ).
وفى تعيين تيموثاوس الذى يقول عنه الرسول بولس - بكل وضوح - أنه تم بوضع أيدى الاسقفية ، تجدر بنا ملاحظة أن الرسول بولس يقول لتيموثاوس إن تعيينه كان حسب النبوات التى سبقت عليك" ( 1تى 1 :18) ويبدو من هذا أن الأنبياء بإرشاد الروح القدس - كما حدث فى حالة بولس وبرنابا - انتخبوا تيموثاوس أسقفا . والرسول بولس يؤكد دائما أنه تم بواسطة الأنبياء (1تى 1: 18 ، 4 :14، 2تى 1: 6) .
أما فى سفر الرؤيا فإن كلمة " نبى " تدل على مرتبة معادلة لمرتبة " رسول حيث نقرأ : " الرسل القديسون والأنبياء " رؤ18 :20 ) ، " ودم أنبياء وقديسين " ( رؤ 18 :24،16 :6) ، ويقول الملاك عن نفسه : " لأنى عبد معك ومع إخوتك الأنبياء " (رؤ 22 :9) . وكلمة نبى تستخدم هنا بمعناها الواسع الذى لا يقتصر على مفهوم العهد القديم لكلمة " نبى " .
3- القسوس (الشيوخ) : لقد كانت خدمة القسوس فى الكنيسة المسيحية على نمط الخدمة فى المجمع اليهودي حيث كان يوجد شيوخ ومعلمين . ( أع 15 :4و6و22 ،16 :4،20 :17، يع 5: 14 ) .
4 - المعلمون : كان هؤلاء المعلمون يماثلون المعلمين فى المجمع اليهودي الذين جلس الرب فى وسطهم يسمعهم ويسألهم (لو2 :46).
5-المبشرون : الأرجح أن المبشرين كانت لديهم موهبة الخطابة ، فقد كانت خدمتهم هى كرازة بالأخبار الطيبة ، وكان فيلبس أحد هؤلاء المبشرين ( أع 21 :8) ويطلب الرسول بولس من تيموثاوس أن يعمل عمل المبشر ، أ ى أن يكرز بالإنجيل ، فقد كان هذا جزءا من خدمته .
كما يكتب الرسول بولس لتيموثاوس بأن الله جعله " كارزا ورسولا ومعلما " ( 2تى1 :11) ، ولكن ليس معنى هذا أنه كان يقوم بثلاث درجات من الخدمة ، ولكنه كرسول كان من واجباته أن يكرز ويعلم . وكون أن الرسل قد دعوا أنفسهم " شيوخا " لا يثبت الرأي الذى يقول بأن الأساقفة الذين أقاموهم أيضا معلمين ومبشرين ، وليس معنى هذا أيضا أن المعلمين والمبشرين كانوا على مستوى واحد من الرسل .
6- الأساقفة : يحتمل أن الأساقفة ( أو النظار ) كانوا بعض الشيوخ انتخبوا من بين جماعة الشيوخ فى الكنيسة المحلية . وفى النظام اليهودي ، كان الشيوخ يمكثون فى بيوتهم ولا يقومون بخدمة الزيارات ، ولكن سرعان ما ظهرت الحاجة في الكنيسة المسيحية إلى قيام بعضهم بالخدمة الخارجية للقيام بشرح الكتاب وإقناع الآخرين لربحهم للمسيح . وكان هذا يستلزم زيارة العائلات فى محيطهم ، كما أصبح من اللازم رعاية القطيع ، وكان لابد من وجود من يراقب أو يشرف على العمل المتشعب . لقد كان للشيوخ اليهود دائما رئيس ، وكانت الشروط التى يجب أن تتوافر فى الرئيس فى المجامع الكبيرة هى نفس الشروط التى كتبها الرسول بولس لتيموثاوس بخصوص،الأساقفة ، فكان يجب أن يكون أبا لعائلة ، غير واسع الثراء ، غير مرتبك بأعمال أخرى ، له صيت حسن ، وأن يكون قادرا على التعليم ..إلخ .
لقد كانت كلمة "أبسكوبس " معروفة جيدا فى العالم الهيلينى بين اليهود والأمم ، ولذلك أصبحت الكلمة الملائمة لوصف الرجال الذين دعوا من بين الشيوخ ، للقيام بهذا العمل المميز فى الإشراف والرعاية . ثم أن الكلمة أصبحت عزيزة جدا عند المؤمنين الأوائل لأنها أطلقت على الرب نفسه : " راعى نفوسكم وأسقفها " ( 1بط2 :25 ) ولكن واجبات الشيوخ غير محددة بوضوح فى العهد الجديد .
وترد الكلمة فى اليونانية مرتين فى سفر الأعمال ، مرة عن يهوذا " ليأخذ وظيفته ( أو أسقفية فى اليونانية ) آخر " ( أع 1 :20) ، ثم فى خطاب الرسول بولس لشيوخ أفسس ( كلمة شيوخ هنا مترجمة فى العربية " بقسوس " (أع 20 :17)، يوصيهم أن يرعوا كنيسة الله التى أقامهم الروح القدس فيها " أساقفة " أى " نظارا " ، ويستحيل الجزم بما إذا كان يشير بهذه " النظارة " لكل الشيوخ الذين خاطبهم أو أنه كان يشير فقط للشيوخ الذين قد تمت إقامتهم نظارا أو أساقفة.
أما فى الرسائل ، فنرى الكنيسة وقد أصبحت أكثر تنظيما ، لذلك يتكرر ذكر الأساقفة وواجباتهم ( فى 1 :1 ، 1تى 3: 1و2 ، تى 1 :7 ، 1بط 2 :25) .
يقول الرسول بولس لتيموثاوس : " إن إبتغى أحد الأسقفية ( أو النظارة ) فيشتهي عملا صالحا ، فيجب أن يكون الأسقف بلا لوم " ( 1تى 3 :1و2) ، كما يوصى تيطس أن يقيم " فى كل مدينة شيوخا … يجب أن يكون الأسقف بلا لوم كوكيل الله … " ( تى1 :5و7) .
ومن الناحية الأخرى يذكر الشيوخ وواجباتهم كثيرا ، دون أى إشارة إلى الأسقفية أو النظارة ، فيبدو من الرسائل أن الأمر استلزم تنظيم الخدمة على نمط المجمع اليهودي حيث كانت خدمة الأسقفية أو النظارة توكل لبعض الشيوخ ، وفي نفس الوقت لم تكن مرتبة الأسقف أو الناظر قد أصبحت أعلى المرتبات ، فلم يذكرها الرسول بين وجوه الخدمة فى كتابته لكنيسة أفسس حيث ذكر : " رسلا ، أنبياء ، مبشرين ، ورعاة معلمين " ( أف 4 :11) .
وواضح أن تيموثاوس كان له الإشراف على الشيوخ من قول الرسول بولس له : " لا تقبل شكاية على قس (شيخ) إلا على شاهدين أو ثلاثة شهود . الذين يخطئون وبخهم أمام الجميع " ( 1تى 5:19و20) ، وهذا - بالطبع - يعنى المحاكمة الرسمية من شخص له السلطة على أشخاص أقل منه فى المرتبة .
7- الشمامسة : كان الشمامسة هم السبعة الذين عينوا لتولي مسئولية الأمور الزمنية فى الكنيسة ، ولعل جامعى الصدقات فى المجمع كانوا أساس اقتراح تعيينهم ، ولا يبدو من العهد الجديد أن الشمامسة كان لهم دور فى الخدمة المقدسة ، إلا فى حالة فيلبس المبشر ، إذا افترضنا أنه كان أحد الشمامسة - وهو أمر غير مؤكد - فلا يذكر مطلقا أنهم قد وضعوا أيديهم على أحد أو كانت لهم القدرة على منح أى نعمة . وقد ذكروا فى الرسالة إلى فيلبي مع الأساقفة : " أساقفة وشمامسة " ( 1 :1 ) مما يبين أن طبيعة عملهم هى مساعدة الأساقفة فى إدارة الشئون المالية ، أو إدارة ممتلكات الكنيسة .
ثالثا : الأسقفية بحسب العهد الجديد : المواضع التى ورد فيها ذكر الأساقفة فى العهد الجديد محدودة ، فهى الأعمال (20 :17و28) حيث يخاطب الرسول شيوخ أفسس الذين يطلق عليهم أيضا " أساقفة " ( نظارا أو رقباء ) لكى يرعوا كنيسة الله ، وفيلبى ( 1 :1 ) حيث يوجه الرسول وتيموثاوس التحية إلى " اساقفة وشمامسة " ، وتيموثاوس الأولى ( 3 :1و2 ) ، وتيطس (1 :7) ، حيث يكتب الرسول لتيموثاس وتيطس باعتبارهما يشغلان مركز أسقف . وفى بطرس الأولى ( 2 :25 )حيث يتحدث الرسول بطرس عن المسيح قائلا : " لكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأساقفها " .
رابعا - الديداخي ( تعليم الرسل ) : فإذا انتقلنا من أسفار العهد الجديد إلى الكتابات المسيحية المبكرة ، نجد أمامنا ما يسمى بتعليم الاثنى عشر رسولا ، وإذا تركنا جانبا موضوع لأى فئة من المسيحيين كتبت هذه الوثيقة ، فإن الحقيقة الواضحة التى تبرز أمامنا هى . أنه فى التاريخ الذى كتبت فيه ، كانت أرفع الدرجات فى الخدمة المسيحية هما الرسل والأنبياء . وقد نسبت هذه الوثيقة إلى تورايخ مختلفة بين سنتى 80،160 ميلادية .
وفى ختام الأصحاح العاشر من الديداخي الذى يتناول موضوع الشكر والأفخارستيا ، نجد هذه العبارة : " ولكن ائذن للأنبياء أن يقدموا الشكر حسبما يشاون " . ويتناول الأصحاحان الحادى عشر والثالث عشر موضوع الرسل والأنبياء ، الذين يجب معاملتهم " حسب أمر الإنجيل " ، يجب ألا يسمح للرسول، بالبقاء أكثر من يومين ، ويجب ألا يأخذ أى أموال بأى حال من الأحوال ، وإلا يعتبر" نبيا كذابا " . يمكن للنبى أن يستعطى من أجل الآخرين ولكن ليس من أجل نفسه . كما يمكن للنبي أن يستقر بين جماعة من الجماعات المسيحية ،وفى هذه الحالة يمكنه أن يأخذ الباكورات " من المال والثياب وغيرها من الأشياء " كما كان يأخذ رئيس الكهنة فى العهد القديم . ونلاحظ أن الأنبياء ، وإن كانوا فى المرتبة الثانية - فى الواقع - لكن كان من الواجب معاملتهم بأعظم احترام ، فمتى استقر النبى فى جماعة ، يصبح الرجل الأول فى تلك الجماعة . ويتناول الأصحاح الخامس عشر موضوع الأساقفة والشمامسة ، فيقول لنا إن الأساقفة متى عينوا فإنهم يقومون بعمل الأنبياء والمعلمين ، ويعطى هذا التحذير : " لذلك لا تحتقروهم لأنهم المكرمون بينكم مع الأنبياء والمعلمين " ، ومعنى هذا أن الأساقفة كانوا أساقفة محليين ، ومع أنه من الممكن تعيينهم على جماعة ما ، لكنهم لم يكونوا يعتبروهم فى مرتبة مساوية لمرتبة الأنبياء .
خامسا - أكليمندس الرومانى : يقول أكليمندس الروماني فى رسالته إلى الكورنثيين إن الرسل - وهم يكرزون بالإنجيل فى أنحاء البلاد والمدن - أقاموا باكورات تعبهم أساقفة وشمامسة (اصحاح 42 ) . وفى الأصحاح الرابع والأربعين، يحذر أكليمندس من خطية طرد أحد من الأسقفية يكون قد قدم قرابين ، ويقول : "مبارك أولئك الشيوخ الذين أكملوا سعيهم " .
وسبب هجران استعمال كلمتى " الرسل والأنبياء " لم يكن من قبيل الاستهانة بالرسل الأصليين ، ولكن بالأحرى لأن الرسل فى العصر التالى لعصر الرسل ، أصبحوا مجرد مبشرين متجولين من مرتبة أدنى ، وبانهيار الرسل والأنبياء برز دور الأساقفة والشمامسة .
سادسا - الأساقفة والشمامسة : عمل الشمامسة أمناء سر ( سكرتيرين ) وخازنين للأساقفة ، فكانوا أياديهم اليمنى ، يمثلونهم فى كل الأمور الدنيوية . وعندما ازدادت أعداد المسيحيين ، أصبح من اللازم أن يفوض الأساقفة رجالا من الصف الاثني للقيام ببعض مهام سلطتهم الروحية .
سابعا - الأساقفة والشيوخ ( كهنة ) :
وهكذا ظهر - ببطء شديد - من بين جماعة الشيوخ ، الشيوخ الرسميون أو الكهنة ، وقد خولهم الأسقف الحق فى التعليم والكرازة والمعمودية وخدمة الأفخارستيا المقدسة ، ويظهر مدى هذا البطء من أن مجمع " فرن " الذى انعقد فى 755 م منع الكهنة من أن يقوموا بالمعمودية إلا بإذن خاص من أسقفهم .
ثامنا - الرسائل الأغناطيوسية بخصوص الرتب الثلاث :
إذا انتقلنا إلى الرسائل الأغناطيوسية التى كتبت فيما بين 110 ، 170م ، نجد ثلاث رتب متميزة فيذكر أسماء داماس الأسقف ، وباسوس وأبولونيوس الكاهنين ،وزوتيون الشماس. وفي كل هذه الرسائل نجد بدون أدنى لبس - أن الأسقف يشغل أسمى مكانة ، وأنه لا ذكر مطلقا للرسل والأنبياء ، فالأسقف يتولى كل السلطات التى كانت للرسل والأنبياء ، وكما كان الحال مع الشيوخ من اليهود ، هكذا أيضا كان القسوس المسيحيون يكونون مع الأسقف مجلسا لإدارة الكنيسة ، وهنا نرى بوضوح - ما كنا نتوقع حدوثه فى زمن الرسل - مجلسا من الكهنة مع وجود رئيس لهم ، ووجود شمامسة للإشراف على الشئون المالية .
ولا أهمية بالمرة لعدد القسوس الذين تحت رياسة الأسقف ، سواء كانوا عشرة أو مائة كما لا أهمية للمدينة التى يقوم الأسقف فيها بعمله ، سواء أكانت مدينة كبيرة أو صغيرة ، فموضوع الأعداد التى تحت رياسته لا تأثير لها فى سلطته المخولة له ، فعظمة المدينة التى يمارس فيها سلطته قد تضفى كرامة أعظم على مركزه ، ولكن لا تأثير لها على سلطته الأساسية .
ويعترف الجمع بأنه منذ ذلك العهد ، وجد الأساقفة والكهنة والشمامسة بصفة مستمرة.
الخاتمة :
وهكذا إنه لمن الجلى لكل من يقرأ - بعناية - الكتاب المقدس وكتابات القدامى ، أنه قد وجدت منذ أيام الرسل ، هذه الرتب من الخدام فى كنيسة المسيح : الأساقفة ، الكهنة ، الشمامسة .
الكلمة اليونانية ( إبيسكوبوس ) تعني الناظر - الرقيب من أعلي - الحارس وهي أعلي درجة كهنوتية في الكنيسة المسيحية فيتميز الأسقف عن باقي الدرجات الكنسية الأخرى بأنه يرسم الكهنة من دون رتبته بموهبة خاصة من الروح القدس أثر تسلسل أسقفي يمتد راجعا حتى إلى الآباء الرسل القديسين . ويختار الأسقف في الكنيسة الجامعة حاليا من بين طغمة الرهبان أما في الكنيسة السريانية الأنطاكية فيمكن أن يختار الأسقف من بين القسوس العلمانيين الذين التحقوا بالدير بعد أن توفيت زوجاتهم . وفي الكنيسة الأنجليكانية بإنجلترا يقام فيها أساقفة متزوجون وهي حالة استثنائية بين كافة الكنائس . ويكرس الأسقف بواسطة ثلاثة أساقفة بحسب قوانين مجمع نيقية المسكوني ويكرس حاليا بواسطة الأب البطريرك ومعه أسقفان علي الأقل وبموافقة باقي الأساقفة وفي الكنيسة السريانية الأنطاكية تعد أي رسامة لأسقف أو لمطران لا يعاون فيها البطريرك مطران واحد علي الأقل عند الضرورة رسامة باطلة
أسقف - أسقفية
1- استخدمها فى الترجمة السبعينية :
استخدمت فى الترجمة السبعينية للدلالة على " مشرفين " ، " نظار " ، " رقباء " ، " وكلاء " ( عد 4 :16، 31 :14 ) سواء فيما يختص بالكنيسة أو فى الجيوش ( قض 9 : 28 ،2مل 12 :11 ، 2أخ 34 :12و17 ، 1مك 1 :54 ) .
2- استخدامها فى العهد الجديد :
استخدمت الكلمة مرة واحدة عن المسيح نفسه : " كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأسقفها " ( 1بط 2 :25 ) . ولكن الكلمة ترد مرارا فى رسائل الرسول بولس مرادفة لكلمة " شيخ أو قسيس " ( أع 20: 17و28 ، تى1: 5و7 ،1تى3 :1، 4: 14 ، 5 : 17 و19 ) .
وأقدم الخدمات الكنسية فى تاريخ الكنيسة هى خدمة الشيوخ(القسوس ) والشمامسة ، أو بالحري الشمامسة والشيوخ، حيث أنه سرعان ما شعر المجتمع المسيحي فى أورشليم بالحاجة إلى خدمة الشمامسة ( أع 6: 1-6 ) . كما أن الاساقفة وجدوا فى الكنيسة منذ عهدها الباكر ( أع 11 :30) . وقام الاساقفة بخدمتهم جنبا إلى جنب مع الرسل ( أع 15 :2و4و6و22و23، 16 :4) . وقد أقام الرسول بولس ، منذ منتصف القرن الأول ، اساقفة فى كل كنيسة من الكنائس التى تأسست فى آسيا نتيجة لكرازته بالإنجيل . ولكنه فى رسالته إلى فيلبى (1 :1) يذكر عبارة " أساقفة وشمامسة " مما يدل على استخدام هذه الألقاب فى كنائس الأمم، ولا نجد كلمة " شيوخ " إلا فى الرسائل الرعوية . وكلمة " شيخ " عند اليهود تشير إلى العمر والمكانة في الكنيسة ، بينما كلمة " أسقف " تشير بالحري إلى خدمتهم. ولكن كلتا الكلمتين تشيران إلى نفس الأشخاص ، وعملهم هو " التدبير" ( رو 12 :8) ، والنظارة أو الاشراف ( أع 20 :17و28، 1بط 5: 2) . ولكن لم تستخدم مطلقا كلمة " أرخن " أي " يحكم أو يسود " بالمعنى الكهنوتي ، بل كان بكل كنيسة مجموعة من القسوس والأساقفة ( أع 20: 17و28، فى 1:1 ، تى 4 :14 ) وواضح أنه فى حياة بولس ، لم يكن هناك أدنى تمييز بين الشيوخ والأساقفة .
وقد توجد إشارة " للتعيين " الرسمي بالمعنى الكهنوتى الحديث ، فالكلمات المستخدمة هى : " انتخبا " (أع14 :23) و " تقيم" ( تى 1 :5) ، وكلتا الكلمتين اليونانيتين المستخدمتين يمكن أن يفهم منهما " التعيين " ، رغم أن هذا المفهوم قديم فى الكنيسة . أما موضوع " وضع اليد " المذكور فى العهد الجديد ( أع 13 :3، 1 تى4 :14 ،2تى 1 :6 ، انظر أيضا أع 14 :26، 15 :40 ) فيشير إلى الشركة فى المواهب الروحية أو التماسها وأيضا إلى خلع صفة رسمية .
1- تطور الفكرة فيما بعد :
تقول كنيسة روما - كما عبرت عن ذلك قرارات مجمع ترنت ، وفكرة الأسقفية عموما - إن التنظيم الكهنوتى الذى نشأ فى القرن الثالث ، كان موجودا منذ بداية الكنيسة فى العهد الجديد ، ولكن بالإضافة إلى الآيات التى استشهدنا بها من العهد الجديد - كما ذكرنا آنفا- فإن شهادات آباء الكنيسة تؤيد المطابقة الكاملة بين " الشيوخ " والأساقفة". كما ذكر أكليمندس الروماني وإيريناوس وأمبروزيوس وفم الذهب ، بصورة لا تحتمل أي لبس أو تأويل : " أن كلمة الشيوخ( في الترجمة البيروتية المتداولة الآن) أصلها " أساقفة " . وكذلك يقول جيروم : إن الشيخ هو نفسه الأسقف " . كما كان أوغسطينوس وغيره من الآباء فى القرنين الرابع والخامس ، يعتنقون نفس الرأي .
ثانيا : الوظائف فى الكنيسة الأولى :
لا يحدد العهد الجديد الأسقف ، وفى الحقيقة يبدو أنه كانت هناك درجات كثيرة للخدمة فى الكنيسة الوليدة : رسل ، أنبياء ، مبشرون ، معلمون ، شيوخ ، أساقفة أو رقباء ،شمامسة.
ولا ينال الموقف الفكري للرسل والكنيسة المسيحية الأولى ، عادة نصيبه من الاعتبار ، فلقد كانوا يتوقعون مجيء المسيح سريعا ، ولذلك لم يعنوا كثيرا بتنظيم الكنيسة وهي فى طفولتها ، ولكن لما امتد بها العمر ، كان من اللازم القيام بذلك . ولهذا السبب فإنه بينما لم يتداخل عمل هؤلاء الأشخاص المختلفين من الخدام المسيحيين ، ولم يكن يتعدى عمل أحدهم على عمل الآخر ، لأنه لم تحدد المرتبة بالنسبة لكل خادم أو مدى أسبقيته بالنسبة لغيره .
1-الرسل :
كان للرسل - بلا أدنى ريب - المكانة الأولى ، فيهم تركزت كل السلطة ، بل كانوا هم مستودع السلطة التى أعطيت لهم من المسيح .
2- الأنبياء : كان الأنبياء يلون الرسل فى المكانة ( أع 11 :27) ، كما يذكرون بعد الرسل . وتبدو أهميتهم في الكنيسة الأولى ، من أن الكنيسة فى أورشليم قد أرسلت إلى الكنيسة فى أنطاكية التى كانت تتزايد بسرعة ، لتحذيرها من المجاعة العتيدة أن تحدث . ثم نقرأ عن أنبياء مقيمين فى أنطاكية ، و كانوا من الرجال البارزين إذ تذكر أسماءهم : برنابا وسمعان ولوكيوس ومناين وشاول ( أع 13 :1) وقد أمرهم الروح القدس : " أفرزوا لى برنابا وشاول" " فوضعوا عليهما الأيادي ثم أطلقوهما " للقيام بخدمتهما ويبدو أن الانتخاب قد تم على نفس المنوال الذى انتخب به الأحد عشر رسولا متياس . ودعى برنابا وبولس بعد ذلك رسولين . إنه تعيين لأرفع المراكز فى الخدمة المسيحية بواسطة " الأنبياء والمعلمين " . ولا يمكن الجزم بما إذا كانت الكلمتان " أنبياء ومعلمين " تدلان على خدمتين متميزتين أو أنهما تدلان على خدمة واحدة . ولربما كان البعض من هؤلاء الخمسة أنبياء والبعض معلمين . ونجد فى سفر الأعمال ( 15 :32 ) أسمى نبيين آخرين هما يهوذا وسيلا ويكتب الرسول بولس للكورنثيين ( 1كو 12: 28) أن الله " وضع أناسا فى الكنيسة : أولا رسلا ، وثانيا أنبياء ، وثالثا معلمين .. " ويكتب لكنيسة أفسس : "وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلا والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة " ( أف 4 :11و12 ) ، فوضع الأنبياء فى نفس الترتيب أي بعد الرسل ، كما يقول إن سر المسيح " قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح " ( أف 3 :5 ) . كما يقول الرسول بولس فى تصويره الرائع للمؤمنين كمبنيين مسكناً لله فى الروح أنهم مبنيون " على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية " ( أف 2 :20 ).
وفى تعيين تيموثاوس الذى يقول عنه الرسول بولس - بكل وضوح - أنه تم بوضع أيدى الاسقفية ، تجدر بنا ملاحظة أن الرسول بولس يقول لتيموثاوس إن تعيينه كان حسب النبوات التى سبقت عليك" ( 1تى 1 :18) ويبدو من هذا أن الأنبياء بإرشاد الروح القدس - كما حدث فى حالة بولس وبرنابا - انتخبوا تيموثاوس أسقفا . والرسول بولس يؤكد دائما أنه تم بواسطة الأنبياء (1تى 1: 18 ، 4 :14، 2تى 1: 6) .
أما فى سفر الرؤيا فإن كلمة " نبى " تدل على مرتبة معادلة لمرتبة " رسول حيث نقرأ : " الرسل القديسون والأنبياء " رؤ18 :20 ) ، " ودم أنبياء وقديسين " ( رؤ 18 :24،16 :6) ، ويقول الملاك عن نفسه : " لأنى عبد معك ومع إخوتك الأنبياء " (رؤ 22 :9) . وكلمة نبى تستخدم هنا بمعناها الواسع الذى لا يقتصر على مفهوم العهد القديم لكلمة " نبى " .
3- القسوس (الشيوخ) : لقد كانت خدمة القسوس فى الكنيسة المسيحية على نمط الخدمة فى المجمع اليهودي حيث كان يوجد شيوخ ومعلمين . ( أع 15 :4و6و22 ،16 :4،20 :17، يع 5: 14 ) .
4 - المعلمون : كان هؤلاء المعلمون يماثلون المعلمين فى المجمع اليهودي الذين جلس الرب فى وسطهم يسمعهم ويسألهم (لو2 :46).
5-المبشرون : الأرجح أن المبشرين كانت لديهم موهبة الخطابة ، فقد كانت خدمتهم هى كرازة بالأخبار الطيبة ، وكان فيلبس أحد هؤلاء المبشرين ( أع 21 :8) ويطلب الرسول بولس من تيموثاوس أن يعمل عمل المبشر ، أ ى أن يكرز بالإنجيل ، فقد كان هذا جزءا من خدمته .
كما يكتب الرسول بولس لتيموثاوس بأن الله جعله " كارزا ورسولا ومعلما " ( 2تى1 :11) ، ولكن ليس معنى هذا أنه كان يقوم بثلاث درجات من الخدمة ، ولكنه كرسول كان من واجباته أن يكرز ويعلم . وكون أن الرسل قد دعوا أنفسهم " شيوخا " لا يثبت الرأي الذى يقول بأن الأساقفة الذين أقاموهم أيضا معلمين ومبشرين ، وليس معنى هذا أيضا أن المعلمين والمبشرين كانوا على مستوى واحد من الرسل .
6- الأساقفة : يحتمل أن الأساقفة ( أو النظار ) كانوا بعض الشيوخ انتخبوا من بين جماعة الشيوخ فى الكنيسة المحلية . وفى النظام اليهودي ، كان الشيوخ يمكثون فى بيوتهم ولا يقومون بخدمة الزيارات ، ولكن سرعان ما ظهرت الحاجة في الكنيسة المسيحية إلى قيام بعضهم بالخدمة الخارجية للقيام بشرح الكتاب وإقناع الآخرين لربحهم للمسيح . وكان هذا يستلزم زيارة العائلات فى محيطهم ، كما أصبح من اللازم رعاية القطيع ، وكان لابد من وجود من يراقب أو يشرف على العمل المتشعب . لقد كان للشيوخ اليهود دائما رئيس ، وكانت الشروط التى يجب أن تتوافر فى الرئيس فى المجامع الكبيرة هى نفس الشروط التى كتبها الرسول بولس لتيموثاوس بخصوص،الأساقفة ، فكان يجب أن يكون أبا لعائلة ، غير واسع الثراء ، غير مرتبك بأعمال أخرى ، له صيت حسن ، وأن يكون قادرا على التعليم ..إلخ .
لقد كانت كلمة "أبسكوبس " معروفة جيدا فى العالم الهيلينى بين اليهود والأمم ، ولذلك أصبحت الكلمة الملائمة لوصف الرجال الذين دعوا من بين الشيوخ ، للقيام بهذا العمل المميز فى الإشراف والرعاية . ثم أن الكلمة أصبحت عزيزة جدا عند المؤمنين الأوائل لأنها أطلقت على الرب نفسه : " راعى نفوسكم وأسقفها " ( 1بط2 :25 ) ولكن واجبات الشيوخ غير محددة بوضوح فى العهد الجديد .
وترد الكلمة فى اليونانية مرتين فى سفر الأعمال ، مرة عن يهوذا " ليأخذ وظيفته ( أو أسقفية فى اليونانية ) آخر " ( أع 1 :20) ، ثم فى خطاب الرسول بولس لشيوخ أفسس ( كلمة شيوخ هنا مترجمة فى العربية " بقسوس " (أع 20 :17)، يوصيهم أن يرعوا كنيسة الله التى أقامهم الروح القدس فيها " أساقفة " أى " نظارا " ، ويستحيل الجزم بما إذا كان يشير بهذه " النظارة " لكل الشيوخ الذين خاطبهم أو أنه كان يشير فقط للشيوخ الذين قد تمت إقامتهم نظارا أو أساقفة.
أما فى الرسائل ، فنرى الكنيسة وقد أصبحت أكثر تنظيما ، لذلك يتكرر ذكر الأساقفة وواجباتهم ( فى 1 :1 ، 1تى 3: 1و2 ، تى 1 :7 ، 1بط 2 :25) .
يقول الرسول بولس لتيموثاوس : " إن إبتغى أحد الأسقفية ( أو النظارة ) فيشتهي عملا صالحا ، فيجب أن يكون الأسقف بلا لوم " ( 1تى 3 :1و2) ، كما يوصى تيطس أن يقيم " فى كل مدينة شيوخا … يجب أن يكون الأسقف بلا لوم كوكيل الله … " ( تى1 :5و7) .
ومن الناحية الأخرى يذكر الشيوخ وواجباتهم كثيرا ، دون أى إشارة إلى الأسقفية أو النظارة ، فيبدو من الرسائل أن الأمر استلزم تنظيم الخدمة على نمط المجمع اليهودي حيث كانت خدمة الأسقفية أو النظارة توكل لبعض الشيوخ ، وفي نفس الوقت لم تكن مرتبة الأسقف أو الناظر قد أصبحت أعلى المرتبات ، فلم يذكرها الرسول بين وجوه الخدمة فى كتابته لكنيسة أفسس حيث ذكر : " رسلا ، أنبياء ، مبشرين ، ورعاة معلمين " ( أف 4 :11) .
وواضح أن تيموثاوس كان له الإشراف على الشيوخ من قول الرسول بولس له : " لا تقبل شكاية على قس (شيخ) إلا على شاهدين أو ثلاثة شهود . الذين يخطئون وبخهم أمام الجميع " ( 1تى 5:19و20) ، وهذا - بالطبع - يعنى المحاكمة الرسمية من شخص له السلطة على أشخاص أقل منه فى المرتبة .
7- الشمامسة : كان الشمامسة هم السبعة الذين عينوا لتولي مسئولية الأمور الزمنية فى الكنيسة ، ولعل جامعى الصدقات فى المجمع كانوا أساس اقتراح تعيينهم ، ولا يبدو من العهد الجديد أن الشمامسة كان لهم دور فى الخدمة المقدسة ، إلا فى حالة فيلبس المبشر ، إذا افترضنا أنه كان أحد الشمامسة - وهو أمر غير مؤكد - فلا يذكر مطلقا أنهم قد وضعوا أيديهم على أحد أو كانت لهم القدرة على منح أى نعمة . وقد ذكروا فى الرسالة إلى فيلبي مع الأساقفة : " أساقفة وشمامسة " ( 1 :1 ) مما يبين أن طبيعة عملهم هى مساعدة الأساقفة فى إدارة الشئون المالية ، أو إدارة ممتلكات الكنيسة .
ثالثا : الأسقفية بحسب العهد الجديد : المواضع التى ورد فيها ذكر الأساقفة فى العهد الجديد محدودة ، فهى الأعمال (20 :17و28) حيث يخاطب الرسول شيوخ أفسس الذين يطلق عليهم أيضا " أساقفة " ( نظارا أو رقباء ) لكى يرعوا كنيسة الله ، وفيلبى ( 1 :1 ) حيث يوجه الرسول وتيموثاوس التحية إلى " اساقفة وشمامسة " ، وتيموثاوس الأولى ( 3 :1و2 ) ، وتيطس (1 :7) ، حيث يكتب الرسول لتيموثاس وتيطس باعتبارهما يشغلان مركز أسقف . وفى بطرس الأولى ( 2 :25 )حيث يتحدث الرسول بطرس عن المسيح قائلا : " لكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأساقفها " .
رابعا - الديداخي ( تعليم الرسل ) : فإذا انتقلنا من أسفار العهد الجديد إلى الكتابات المسيحية المبكرة ، نجد أمامنا ما يسمى بتعليم الاثنى عشر رسولا ، وإذا تركنا جانبا موضوع لأى فئة من المسيحيين كتبت هذه الوثيقة ، فإن الحقيقة الواضحة التى تبرز أمامنا هى . أنه فى التاريخ الذى كتبت فيه ، كانت أرفع الدرجات فى الخدمة المسيحية هما الرسل والأنبياء . وقد نسبت هذه الوثيقة إلى تورايخ مختلفة بين سنتى 80،160 ميلادية .
وفى ختام الأصحاح العاشر من الديداخي الذى يتناول موضوع الشكر والأفخارستيا ، نجد هذه العبارة : " ولكن ائذن للأنبياء أن يقدموا الشكر حسبما يشاون " . ويتناول الأصحاحان الحادى عشر والثالث عشر موضوع الرسل والأنبياء ، الذين يجب معاملتهم " حسب أمر الإنجيل " ، يجب ألا يسمح للرسول، بالبقاء أكثر من يومين ، ويجب ألا يأخذ أى أموال بأى حال من الأحوال ، وإلا يعتبر" نبيا كذابا " . يمكن للنبى أن يستعطى من أجل الآخرين ولكن ليس من أجل نفسه . كما يمكن للنبي أن يستقر بين جماعة من الجماعات المسيحية ،وفى هذه الحالة يمكنه أن يأخذ الباكورات " من المال والثياب وغيرها من الأشياء " كما كان يأخذ رئيس الكهنة فى العهد القديم . ونلاحظ أن الأنبياء ، وإن كانوا فى المرتبة الثانية - فى الواقع - لكن كان من الواجب معاملتهم بأعظم احترام ، فمتى استقر النبى فى جماعة ، يصبح الرجل الأول فى تلك الجماعة . ويتناول الأصحاح الخامس عشر موضوع الأساقفة والشمامسة ، فيقول لنا إن الأساقفة متى عينوا فإنهم يقومون بعمل الأنبياء والمعلمين ، ويعطى هذا التحذير : " لذلك لا تحتقروهم لأنهم المكرمون بينكم مع الأنبياء والمعلمين " ، ومعنى هذا أن الأساقفة كانوا أساقفة محليين ، ومع أنه من الممكن تعيينهم على جماعة ما ، لكنهم لم يكونوا يعتبروهم فى مرتبة مساوية لمرتبة الأنبياء .
خامسا - أكليمندس الرومانى : يقول أكليمندس الروماني فى رسالته إلى الكورنثيين إن الرسل - وهم يكرزون بالإنجيل فى أنحاء البلاد والمدن - أقاموا باكورات تعبهم أساقفة وشمامسة (اصحاح 42 ) . وفى الأصحاح الرابع والأربعين، يحذر أكليمندس من خطية طرد أحد من الأسقفية يكون قد قدم قرابين ، ويقول : "مبارك أولئك الشيوخ الذين أكملوا سعيهم " .
وسبب هجران استعمال كلمتى " الرسل والأنبياء " لم يكن من قبيل الاستهانة بالرسل الأصليين ، ولكن بالأحرى لأن الرسل فى العصر التالى لعصر الرسل ، أصبحوا مجرد مبشرين متجولين من مرتبة أدنى ، وبانهيار الرسل والأنبياء برز دور الأساقفة والشمامسة .
سادسا - الأساقفة والشمامسة : عمل الشمامسة أمناء سر ( سكرتيرين ) وخازنين للأساقفة ، فكانوا أياديهم اليمنى ، يمثلونهم فى كل الأمور الدنيوية . وعندما ازدادت أعداد المسيحيين ، أصبح من اللازم أن يفوض الأساقفة رجالا من الصف الاثني للقيام ببعض مهام سلطتهم الروحية .
سابعا - الأساقفة والشيوخ ( كهنة ) :
وهكذا ظهر - ببطء شديد - من بين جماعة الشيوخ ، الشيوخ الرسميون أو الكهنة ، وقد خولهم الأسقف الحق فى التعليم والكرازة والمعمودية وخدمة الأفخارستيا المقدسة ، ويظهر مدى هذا البطء من أن مجمع " فرن " الذى انعقد فى 755 م منع الكهنة من أن يقوموا بالمعمودية إلا بإذن خاص من أسقفهم .
ثامنا - الرسائل الأغناطيوسية بخصوص الرتب الثلاث :
إذا انتقلنا إلى الرسائل الأغناطيوسية التى كتبت فيما بين 110 ، 170م ، نجد ثلاث رتب متميزة فيذكر أسماء داماس الأسقف ، وباسوس وأبولونيوس الكاهنين ،وزوتيون الشماس. وفي كل هذه الرسائل نجد بدون أدنى لبس - أن الأسقف يشغل أسمى مكانة ، وأنه لا ذكر مطلقا للرسل والأنبياء ، فالأسقف يتولى كل السلطات التى كانت للرسل والأنبياء ، وكما كان الحال مع الشيوخ من اليهود ، هكذا أيضا كان القسوس المسيحيون يكونون مع الأسقف مجلسا لإدارة الكنيسة ، وهنا نرى بوضوح - ما كنا نتوقع حدوثه فى زمن الرسل - مجلسا من الكهنة مع وجود رئيس لهم ، ووجود شمامسة للإشراف على الشئون المالية .
ولا أهمية بالمرة لعدد القسوس الذين تحت رياسة الأسقف ، سواء كانوا عشرة أو مائة كما لا أهمية للمدينة التى يقوم الأسقف فيها بعمله ، سواء أكانت مدينة كبيرة أو صغيرة ، فموضوع الأعداد التى تحت رياسته لا تأثير لها فى سلطته المخولة له ، فعظمة المدينة التى يمارس فيها سلطته قد تضفى كرامة أعظم على مركزه ، ولكن لا تأثير لها على سلطته الأساسية .
ويعترف الجمع بأنه منذ ذلك العهد ، وجد الأساقفة والكهنة والشمامسة بصفة مستمرة.
الخاتمة :
وهكذا إنه لمن الجلى لكل من يقرأ - بعناية - الكتاب المقدس وكتابات القدامى ، أنه قد وجدت منذ أيام الرسل ، هذه الرتب من الخدام فى كنيسة المسيح : الأساقفة ، الكهنة ، الشمامسة .
اقتراحات موسوعية أخرى
مال (مامون)
مال (مامون)
المال هو كل ما يملكه الفرد أو الجماعة من متاع أو عروض تجارة أو عقار أو نقود أو حيوان. و...
جيحون
جيحون
معني الاسم في العبرية متدفق، وهو :
( 1 ) أحد الأنهار الأربعة في جنة عدن ( تك 2 : 13 ) وهو ال...
بروخورس
بروخورس
معناه قائد الكورس أو جماعة المرنمين أو مقدام المصاف. وهو أحد الشمامسة السبعة الذين انتخبتهم...
دس
دسَّ
دسَّ الشيء أي أخفاه أو أدخله خفية أو خلسة، أو بطريق الخداع والنفاق. فلما لم يقدر جماعة اليهود...
رض
رض - مرضوض
رض الشئ رضا دقة وجرشه أو فتته ، فهو مرضوض ورضيض ، والرض الكدم الشديد ( انظر خر 21 : 25 ،...
كر
كُرُّ
الكرّ مكيال للسوائل أو الحبوب ويعادل عشرة أبثاث، أي أنه يعادل الحومر (حوالي 220 لتراً حز 45...