كلمة منفعة
من الصعب أن نقول كلام واحد لكل واحد..فكل شخص له ما يناسبه، وما يناسب ظروفه.
— ما يناسب

الامبراطورية الرومية والمسيحية2

الامبراطورية الرومية والمسيحية2
حجم الخط
الإمبراطورية الرومية والمسيحية
رابعاً : العلاقات بين الامبراطورية الرومانية والمسيحية :
علينا هنا أن نوضح كيف أن موقف الامبراطورية الرومانية الذي كان في البداية وديًّا أو غير مبالٍ ، تحول الى صراع وحشي ، وكذلك المراحل المختلفة في سياسة الحكومة الرومانية - لو أمكننا الحديث عن أي سياسة مرسومة - تجاه المسيحية ، والاتهامات أو الاجراءات التي حوكم على أساسها المسيحيون ، وأن نبين أيضاً متى وكيف أصبح الاعتراف بالمسيحية جريمة . وسنرى أن الامبراطورية الرومانية كانت تسير باضطراد نحو الضعف ، بينما كانت المسيحية تكتسب على الدوام أرضاً جديدة . ولإيضاح ذلك سنقسم تاريخ الامبراطورية الرومانية إلى ست فترات :
( 1 ) من بداية المسيحية حتى موت نيرون في 68 م :
لم يكن الايمان المسيحي - في البداية - معروفاً للسلطات الرومانية ، فقد ظهرت المسيحية في بداية الأمر كنوع من اليهودية المصلحة والأكثر روحانية ، كما لم يفكر تابعوها والمبشرون الأولون بها في الانفصال عن المجتمع اليهودي ، فلم يكن ينظر إلى المسيحية إلا كمذهب من المذاهب اليهودية التي ينتمي إليها كل يهودي بينما يظل يهودياً موسوياً . لكن سرعان ما توترت هذه العلاقة الودية بسبب اتساع التبشير بالمسيحية وقبول الدخلاء من الأمم. وجاء أول اضطهاد للكنيسة الوليدة من اليهودية الحاقدة ، فكان اليهود هم أول من اشتكوا ضد المسيحيين أمام المحاكم الرومانية . ولم ترفض الحكومة الرومانية أن تضطهد المسيحيين فحسب ، بل وحمت الايمان الجديد من الاتهامات اليهودية ومن عنف الغوغاء
( أع 21 : 31 و 32 ) . وسرعان ما وجد المبشرون المسيحيون - وبخاصة الرسول بولس- في الامبراطورية الرومانية حليفاً للخير . وعندما كتب الرسول بولس رسالته إلى الكنيسة في روما نصحهم بالخضوع للسلاطين المرتبة من الله . ولابد أن هذا الانطباع الطيب قد تدعم بالمعاملة السمحة التي لقيها الرسول بولس في سجنه الأول في روما واطلاق نيرون سراحه في المحاكمة الاولى . وكان العسكر الرومان قد أسرعوا إليه في أورشليم أنقذوه من تعصب أبناء جنسه . وكان موقف الرومان من اتهامات اليهود للمسيحيين إما عدم المبالاة كما فعل غاليون وإلى أخائية الذي لم يهمه شئ من ذلك (أع 18 : 12 - 17)، أو اكتشفوا براءة المتهمين كما فعل فيلكس ( أع 24 : 1 - 9 ) ، وبوركيوس فستوس
( أع 25 : 14 - 22 ) وهكذا نظر الرومان الى المسيحية باعتبارها مذهباً من المذاهب اليهودية ، ولكن اليهود تقدموا خطوة أخرى في اتهام المسيحيين بعدم الولاء لقيصر ( وهو ما اتهموا به الرب يسوع أمام بيلاطس ) ، مدَّعين أن المسيحيين كلهم يعملون ضد أحكام قيصر ، قائلين إنه يوجد ملك آخر يسوع ( أع 17 : 7 ، انظر أيضاً 25 : 8 ) . وهكذا تبرأت اليهودية من المسيحية ، ووقفت المسيحية بمفردها . كما أن الأعداد المتزايدة من المسيحيين أكدت للحكومة الرومانية ، استقلال المسيحية عن اليهودية ، علاوة على أن محاكمة مواطن روماني - هو بولس الرسول - في روما ذاتها ، زاد الحقيقة وضوحاً .
ولم يقع أول اضطهاد من الدولة الرومانية للمسيحية ، نتيجة لسياسة معينة أو لتوجس الخطر على الدولة ، كما لم تكن هناك اتهامات محددة ، لكنه نتج عن شرارة عارضة أشعلت الحريق في روما ( في يوليو 64 م ) ، فحتى ذلك التاريخ لم يأبه أي امبراطور بالمسيحية . لقد وُلد يسوع في متصف فترة حكم أوغسطس قيصر ، وكانت خدمة يسوع الجهارية في زمن طيباريوس قيصر ، وفي عهده أيضاً صلب المسيح وقام . إلا أن حكمه انتهي مبكراً
( 37 م ) فلم يشهد انتشار الايمان الجديد ، رغم أنه ينسب لهذا الامبراطور تقديم قرار لمجلس الشيوخ بضم المسيح الى البانثيون ( مجمع الآلهة ) الرومانى ، ( وهي أسطورة بالطبع ) ، وفي الحكم القيصر لغايوس (Gaius) المجنون ( 37 - 41 م ) لم يكن
الطريق الجديد قد أنفصل بعد تماماً عن اليهودية . وقد قام غايوس باجراء ضد اليهود ، إذ أمر باقامة تمثال له في الهيكل . وفي حكم كلوديوس ( 41 - 54 م ) كانت معاملة الرومان لليهود قاسية وقد أمر بنفي عدد منهم من روما . ويرى البعض أن هذا الأمر قد شمل المسيحين أيضاً ، إذ نفى بعض المسيحيين باعتبارهم يهودًا ، إلا أن ديو كاسيوس (Dio Cassius) يلمِّح إلى أن ذلك كان اجراء بوليسياً للحد من انتشار العبادة اليهودية في روما . وفي عهد نيرون - بعد حريق روما 64 م - حدثت أول خطوة عدائية اتخذتها الحكومة ضد المسيحيين ، وكان تاسيتوس المؤرخ الروماني هو أول من وصفها . فقد أدت تصرفات نيرون الطائشة إلى إشاعة انه هو السبب في هذا الحريق المتعمد ، لأنه كان يرغب في إعادة بناء المدينة على أساس خطط أفخم . ومع أنه عمل كل ما كان ممكناً لإخماد الحريق معرضاً حياته للخطر ، كما بذل كل ما استطاعه لتخفيف غضب الناس ، وأمر بإقامة الطقوس الدينية لاسترضاء الآلهة وصرف غضبهم ، إلا أن الاتهام ظل معلقاً برقبته . ومن اجل تبديد الشائعات ، ألقى بالذنب على المسيحيين المكروهين من الجميع وأوقع بالمسيحيين أقسى العقوبات . فتم اعتقال أعداد ضخمة ممن يعترفون بمسيحيتهم ، ولم تكن التهمة الموجهة إليهم هي اشعال الحريق عمداً ، بقدر ما كانت هي كراهيتهم للجنس البشري بعامة . ومات الضحايا وسط استهزاء الناس ، بعضهم ألبسوهم جلود حيوانات فمزقتهم الوحوش إرباً إرباً ، وعلقوا البعض الآخر على صلبان وأشعلت فيهم النيران للاضاءة ليلاً ، حتى بدأ الناس يحسون بالرثاء لهم كما يقول تاسيتوس .
وهنا يثور السؤال : لماذا أصبح المسيحيون وحدهم هدفاً للاضطهاد ؟ لقد أسهمت في ذلك جملة اسباب :
( 1 ) يرى فارار (Farrar) في اعتناق بوبيا للمسيحية - الذي استغله اليهود بخبث التفسير الوحيد للاضطهاد الأول للمسيحيين ، ويؤيده في ذلك لا يتفوت ، إلا أننا نرى أن ذلك - في حد ذاته - لم يكن سبباً كافياً رغم أن اليهود كان يسعدهم انتهاز هذه الفرصة للانتقام من أعدائهم .
( 2 ) كان المسيحيون قد أصبحوا - في نظر السلطات - طائفة متميزة ، سواء من خلال تقارير الحكام في الأقطار الشرقية حيث كانت المسيحية تتقدم بخطوات واسعة ، أو مما أثارته محاكمة الرسول بولس في روما من اهتمام كأحدث طائفة دينية ، وبذلك كانوا أنسب الضحايا لارضاء الآلهة وعامة الشعب .
( 3 ) كان عدد المسيحين في روما كبيرًا - بلا شك يسبب نشاطهم الدءوب في اكتساب دخلاء حتى تضخمت أعدادهم .
( 4 ) لم يكونوا متحفظين في التعبير عن معتقداتهم ، فقد صرحوا بأن الأرض نهايتها للحريق ، وأنهم ينتظرون بشوق مجئ ملكهم ثانية ليصلح المجتمع. وكان كل ذلك كفيلاً بأن يلقي عليهم بالشك بسهولة .
( 5 ) لقد كسبوا كراهية الشعب بانعزاليتهم ، فتحولت كراهية الشعب لليهود إلى كراهية للمسيحيين . وإن جماعة أصبحت موضع كراهية عامة الشعب ، لا بد أن توضع تحت رقابة إدارة شرطة المدينة .
( 6 ) كان قسم كبير من المسيحيين في روما من غير الرومانيين ، ومن ثم لم تكن لهم امتيازات المواطنين الرومانيين .
ولعل في هذه الأسباب - مع ما سبق في البند الثالث - ما يفسر لماذا أصبح المسيحيون هدفاً للاضطهاد . على أي حال لقد وقع عليهم اختيار نيرون ليكونوا كبش فداء لأغراضه الخاصة وأغراض مشيره تيجلينوس (Tigellinus) . وهكذا حدث الاضطهاد الأول وليد الصدفة لتحويل الشكوك بعيداً عن نيرون ، ولم يكن بسبب أي سياسة مرسومة ، أو لتوجس الخطر منهم على الدولة ، أو لأن المسيحيين أرتكبوا جرائم . لكن اضطهادهم أتاح الفرصة لأعدائهم لالتماس الأدلة ضدهم وتصيد الأسباب .
ومع أن هذا الاضطهاد كان في أساسه أمراً عارضاً ، إلا أن نتائجه كانت بالغة الأهمية . وهناك ثلاثة آراء بالنسبة لتاريخ سياسة تحريم الحكومة الرومانية للإيمان الجديد :
( 1 ) الرأي القديم وهو أن الاضطهاد لمجرد الاعتراف بالمسيحية ، بدأ في أيام تراجان في 112 م ، وهو رأي أصبح الآن لا يقلى قبولاً بصورة عامة .
( 2 ) يؤمن سير رمزي (Ramsay) أن هذا التطور من العقاب على جرائم محددة ، إلى تجريم مجرد الاعتراف بالمسيحية ، حدث فيما بين 68 م - 96 م .
( 3 ) يرى هاردي (Hardy) و مومسن (Mommsen) و سانداى (Sunday) و انجوس (S. Angus) أن محاكمة المسيحيين في أيام نيرون قد أدت إلى اعتبار مجرد الاعتراف بالمسيحية جريمة عقوبتها الموت.
ويذكر تاسيتوس اضطهاد المسيحية كأمر عارض لم يدم طويلاً ، بينما يذكر
سوتونيوس (Suetonius) أن عقاب المسيحيين كان مذكوراً في قائمة لوائح الشرطة الدائمة لحفظ النظام ، وهو ما لا يتفق مع ما ذكره تاسيتوس من أنها كانت اجراءات استثنائية فريدة ضد الخرافة المقيتة . ولكن ليست الروايتان متعارضتان ، اذ أن
تاسيتوس يذكر المرحلة الأولى ، بينما يذكر سوتونيوس عبارة موجزة عن المبدأ الاداري الذى أدى إليه ما عمله نيرون ، فقد واصلت ادارة البوليس - في عهد نيرون - ما بدأته واعتربته سياسة دائمة . ومع ذلك - كما يرى سير رمزي لم يحاكم المسيحيون لكونهم مسيحيين ، بل على أساس بعض الاتهامات المرتبطة بهذا الاعتراف واعتبارهم أعداء للمجتمع واتهامهم بالسحر وغير ذلك ، كعدم التعاطف مع النظم السياسية والاجتماعية للامبراطورية . وبالتدريج رأوا أن الدين ذاته يتضمن هذه الجرائم فتم تجريمه كدين ، وأوكلت الرقابة عليهم ومعاقبتهم لادارة الشرطة التي أصبح لها الحق - في أي وقت - في اتخاذ ارجاءات عنيفة ضدهم ، أو أن تتجاهلهم حسب مقتضيات الأحوال . وهكذا صارت المسيحية ديناً محرماً . ولكن لم تكن الحكومة الرومانية تمارس اضطهاد المسيحيين بصورة منتظمة ، بل كان اضطهادهم أو عدم اضطهادهم ، يتوقف - منذ ذلك الوقت - على مزاج الامبراطور الحاكم وعلى طبيعة ادارته وحكمه ، ونشاط حكام الأقاليم ، وعلى حالة الشعور العام تجاههم . وليس هناك دليل مبكر على أن الاضطهاد نيرون قد امتد إلى خارج روما . ولكن من الطبيعي أن المثال الذي قدمه الامبراطور كان - بالضرورة - قدوة لكل الحكام في الامبراطورية . وقد خلقت النهاية العاصفة لحكم نيرون ، والأيام المضطربة التي سبقت ارتقاء فسباسيان ، جوًّا مواتياً للمسيحية.
ويبدو أن الرسول بولس - بعد تبرئته عند المحاكمة الأولى أمام الامبراطور - واصل نشاطه التبشيري بدون عوائق غير عادية ، حتى استدعي إلى روما للمرة الثانية . والاضطهاد في عهد نيرون له أثر بالغ في تاريخ المسيحية ، فقد بدأ نيرون في اضطهاد المسيحيين ، فخلق بذلك سابقة لمن جاءوا بعده من الحكام . كما أن المتاعب بدأت أولاً في عاصمة العالم ثم انتقلت في المرحلة التالية إلى الشرق ثم إلى أفريقية ثم إلى الغرب . ولكن حتى ذلك الوقت ظل الاضطهاد محلياً . وكان نيرون أول المضطهدين الرومان ، وقد انتهت حياته نهاية مفجعة مثل هيرودس أغريباس ، وهي حقيقة ملفته للنظر وقد علق عليها كثيراً
لاكتانتيوس (Lactantius) وغيره من الكتَّاب المسيحيين .
( 2 ) فترة حكم أسرة فلافيوس ( 68 م - 96 م ) :
يري سير رمزي أن الأباطرة الفلافيين حوَّلوا النظام - الذي وضعه نيرون لمعاقبة المسيحيين على جرائم محددة - إلى تجريم المسيحية ذاتها . فقد رسم اضطهاد نيرون منهجاً للدولة الرومانية - فيما بعد - لموقفها من الايمان الجديد ، فلم يستطع الأباطرة الفلافيون أن يحيدوا عن النهج الذي رسمه نيرون . وكانت المسيحية آخذة في الانتشار وبخاصة في الشرق وفي روما نفسها . وليس لدينا أي خبر عن أي اضطهاد في عهد فسباسيان (Decius) رغم ان هيلاري يذكره - بطريق الخطأ 0 على أنه مضطهد مثل نيرون و ديسيوس ، وكذلك لا نقرأ عن أي اضطهاد في عهد ابنه تيطس . ولكن لا يعني ذلك أنه لم يحدث في عهديهما أي نوع من الاضطهاد ، حيث أن الأمر كله كان منوطاً بادارة الشرطة ، ولابد أنه وقعت بعض أحداث العنف بين الحين والآخر حسب الظروف المحلية . ولابد أنه كان لسقوط أورشليم من أثر على الديانة اليهودية ، مثلما كان لسقوط روما - على يد القوط والوندال والجرمان - من أثر في ديانة روما ، فقد أضعف فكرة وجود إله قومي يرتبط بديانة سياسية ، واتسعت الهوة بين الديانة اليهودية والديانة المسيحية ، فتحررت المسيحية من نفوذ اليهودية . كما أن اليهود - بعامة - أدركوا وقتئذ عدم جدوى الأحلام السياسية ، وأصبحوا أكثر استعداداً للانضمام للإيمان المسيحي ، وأصبح التمييز بين المسيحية واليهودية واضحاً ، كما زادت المقاومة والعداء . ومع أن فاسبسيان قد فرض الضريبة على كل شخص بالغ من المسيحيين من أصل يهودي ، ومن اليهود على السواء ، ولكن لا يذكر التاريخ شيئاً عن حدوث عنف على المسيحية في عهد فاسباسيان . كما لم يعرف عن تيطس أنه كان مضطهداً ، إلا أن رأيه في اليهودية والمسيحية - كما سجله في مجلس الحرب أمام أورشليم في 70 م ، والذي نقله لنا سولبيشيوس ساويروس -(Solpicious Severus) يستلفت النظر لموافقته على السياسة التي بدأها نيرون . ولا شك في أن ساويرس قد نقل ذلك عن تاسيوس دون تمحيص ، حيث أنه يناقض ما ذكره يوستيوس . ويدافع تيطس عن تدمير الكهنة بأنه أراد أن يستأصل ديانة اليهود والمسيحيين تماماً ، حيث أن هاتين الديانتين - رغم معارضة إحداهما للأخرى - هما من أصل واحد فقد خرجت المسيحية من تحت عباءة اليهودية ، فإن استؤصل الأصل ، فلا بد أن يبيد الفرع سريعاً . إلا أننا لا نعرف أي إجراءات عنيفة قام بها تيطس ضد أي منهما مباشرة، ولعل مدة حكمه القصيرة لم تمهله لذلك .
ويبرز دوميتيان كمضطهد واضح ، في تلك الحقبة من التاريخ ، كما برز نيرون في الحقبة الأولى ، ولم تكن اجراءاته ضد المسيحيين عملاً قائماً بذاته ، بل كان جزءًا من سياسة عامة قاسي منها غيرهم . فكان حكمه عودة للمبادئ القديمة . وقد حاول إصلاح الأخلاق ، والقضاء على الترف والرذيلة ، والطقوس الشرقية اللاأخلاقية ، وأن يتخلص من الممثلين والفلاسفة والمنجمين . وفي محاولته لإحياء الديانة القومية اصطدم بهذا الدين العالمي الجديد . وقد حكم بالموت على ابن عمه فلافيوس كليمنس (Flarius Clemens) لاعتناقه المسيحية ( أو الالحاد في نظر دوميتيان ) ، كما نفى زوجته دوميتيلا (Domitilla) . ولم يكن الاعتراف بالمسيحية تهمه كافيه لادانه المواطنيين الرومانيين من الطبقة العليا ، فكانت تلصق بهم تهمة الالحاد أوالسحر ، ويندرج تحت ذلك رفض الخضوع لدين الآلهة القومية . أما بالنسبة للمواطنين الرومانيين من عامة الشعب ، وشعوب الولايات المختلفة ، فكان مجرد اعتناق المسيحية يستحق الحكم بالموت . ولم يصدر الامبراطور مرسوماً محدداً أو حظراً عاماً ، ولكن استمر العمل بالمبدأ الذي وضعه نيرون . وقد كان هناك - كما يقول مومسن (Mommsen) حظر ساري المفعول على المسيحيين ، كما على قطَّاع الطرق ، إلا أن الاجراءات العنيفة ضد الفريقين ، كانت تحدث في نوبات غير منتظمة بناء على أهواء حكام الأقاليم . وقد اتخذ دوميتيان خطوة واحدة محددة ضد المسيحيين حين وضع اختباراً سهلاً للتعرف على المسيحيين ، ومن ثم يسهِّل عملية البحث والتحري . وكان هذا الاختبار هو أن يطلب منهم السجود لتمثال الامبراطور . وكان هذا الأمر أيضاً جزءاً من سياسة دوميتيان العامة ، لتأكيد سيادته وألوهيته وترسيخ عبادة الامبراطور كرباط للوحدة السياسية للامبراطورية . ويعكس سفر الرؤيا معاناة الكنيسة في عهد هذا الامبراطور .
( 3 ) مدة اسرة الأنطونية ( 96 - 192 م ) :
( 1 ) نرفا وتراجان : (Nerva & Tragan) :
بموت دوميتيان استعادت الكنيسة سلامها الذي استمر خلال الفترة القصيرة لحكم نرفا ( 96 - 98 م ) ، والثلاثة عشر عاماً الأولى من حكم تراجان . ومن العجيب أن البعض من أفضل الأباطرة الرومان ( تراجان ، ماركس أوريليوس ، وديثيوس و دقلديانوس ) كانوا قساة على المسيحيين ، في حين أن البعض من أسوأ الأباطرة ( مثل كومودوس (Commodus) و كاركلا (Caracalla) و هيلوجابلوس (Heliogabalus) ) تركوا المسيحيين في سلام . وكانت المسيحية تنتشر بسرعة في فترة الهدوء . ولما تولى بليني حكم ولاية بيثينية في 111 م ، ووجد - وبخاصة في القسم الشرقي من ولايته - أن المعابد والهياكل تكاد تكون مهجورة تماماً ، أحضر أمامه بعض المسيحيين ، وعلى أساس ما فعله سابقوه ، أمر باعدامهم بسبب ديانتهم . إلا أن بليني سرعان ما اكتشف تورط الكثيرين جداً من الرجال والنساء ومن كل الأعمار ، ومن المواطنيين الرومان وسكان الولايات . فأرسل المواطنين الرومان إلى روما لمحاكمتهم . ولكن بسبب نزعته الانسانية ، استنكف من إعدام كل المسيحيين ، كما كانت تقتضي السياسة العامة للدولة .
وكتب بليني إلى الامبراطور تراجان ، يخبره بما قام به بالفعل ، محبذاً - بطريقة خفية - ابداء التسامح معهم ، ومتسائلاً ألا يجب التمييز بين المسنين والشباب ؟ ألا نغفر لمن ارتدوا عن المسيحية وسجدوا لصورة الامبراطور ، ولعنوا المسيح ؟ أيكون مجرد الإعتراف باعتناق المسيحية جريمة تستحق الموت دون اثبات جرائم أخرى ، أم يجب معاقبة ما يصاحب ذلك الإيمان من جرائم ، ثم بعد ذلك يشرح أسلوبه هو ، فقد أعطى المتهمين فرصة للارتداد . أما الذين ثبتوا على الإيمان فأعدمهم ، حيث اعتبر عنادهم واصرارهم - في حد ذاتيهما - يستحقان العقاب ، إلا أن الادارة بتدخلها وجدت الكثير لتفعله ، فقد قدمت لها عريضة مجهولة بها اسماء كثيرة ، انكر غالبيتهم انهم مسيحيون ، وقد قام الوشاة اسماء اخرى كثيرة ، وقد انكر اولئك بالمثل انتمائهم للإيمان المسيحي ، وكان بيليني مقتنعا تماما بأن اجتماعات المسيحيين تخلو من الضرر ، وبتعريض اثنتين من الخادمات للتعذيب ، لم يكتشف سوى أوهام متطرفة خاطئة ، وأجاب تراجان بأنه لا يمكن وضع قاعدة عامة محددة وشاملة ، وكان من الواضح أنه يؤيد صحة ما فعله بليني ، وربما لم يكن يتفق تماما مع بيلني في اقتراحاته التي تتسم بالانسانية ، ومع ذلك فقد اصدر الامبراطور ثلاثة قرارات هامة ( 1 ) يجب ألا تبحث سلطات الشرطة عن المسيحيين ، لكن ان اتهموا وادينوا فيجب معاقبتهم . ( 2 ) ألا تقبل البلاغات المجهولة ضد المسيحيين . ( 3 ) المشتبه فيهم يعفون من العقاب متى ثبت انهم لم يكونوا مسيحيين ، أو أنهم انطروا المسيحية .
وقد اعتبر البعض ان هذا القرار من تراجان ، كان اول تقنين رشمي لحطر المسيحية ولكننا سبق ان رأينا ان المسيحية تم حظرها بناء على محاكمات نيرون علاوة على ذلك ، ليس هناك أدنى أثر لأي مبدأ جديد لاستخدام القسوة ، لا في خطابات بليني وزلا في اجابة تراجان ، فلم يكن اضطهاد المسيحيين امرا منظما أو عاما كما لم تكناجابة تراجان مرسوما بالتسامح ، إلا انها في مجملها كانت في صالح المسيحيين ، اذ قللت من المخاطر التي يترعضون لها وكان الامر كله متعلقا بالادارة .
لم يستدحث تراجان أي أجراء ضد المسيحيين ، كما لم يشجع أي اجراء ضدهم وطلب من قائد الجيش ان يتغاضي عن المذنبين في هذا الخصوص ، وقد استشاره بيليني على أمل اقرار معاملة اكثر اعتدالا للمسيحيين بأن وضع في صيغة سؤال ، ما كان يرغب هو فعليا في الموافقة عليه إن جواب تراجان وضع نهاية للنظام القديم من العداء الذي لا يلين .
( 2 ) هادريان : كانت فترة حكم هارديان ( 117 - 138 م ) فترة تسامح مع المسيحيين ، فلم يكن هاردياتن متعصبا بل منفتحا يبحث في كل الأديان والكثير من الأسرار ، وكان على استعداد لترك الحرية لكل الأديان ، وفي أسيا حيث كانت المسيحية تنتشر بشدة ، حدثت حالة من الرعب بسبب تشجيع الوشاة ضد المسيحيين فكان أي شخص يعترف بالمسيحية معرضا للتهديد من الوشاة من أجل الحصول على رشوة وقد وجد ليسنوس سلوانس جرانيانوس - مثل بيليني - نفسه في مواجهة مشاكل في هذا الخصوص ، فكتب الى هارديان يطلب النصيحة وقد وصل جواب هارديان الى خليفة جرانيانوس وهو مينوسيوس فوندانوس والى اسيا ( حوالي 124 م ) ، وقد طعن في اصالة هذا المستند الهام افربك و كايم و لايتفوت و السير وليم رمزي وفي الحقيقة نرى انها وثيقة أقرب إلى الصالة منها الى الزيف ، لأنه من سوى هارديان - المتفتح الذهن - كان يمكنه أن يكتب مثل هذا الجواب ؟ ومن الجلي أن المسائل التي رفعها الوالي الى هارديان كانت مشابهة للمشاكل التي رفعها بيليني الى تراجان ، وكانت اجابة هارديان خطوة حاسمة لصالح المسيحية ، خطوة ابعد ما جاء في جواب تراجان ، وكان جواب هارديان يسير على الخطوط الاتية :
( 1 ) لا يمكن تجاهل الوشاة ، لئلا يعاني الأبرياء ( كما كان في عهد بيليني ) ، ولئلا يتاجر الوشاة في تقديم الاتهامات .
( 2 ) على من يتهمون المسيحيين ان يثبتوا ان المتهمين قد ارتكبوا ما يخالف القانون
( 3 ) ليس مسموحا بتقديم عرائض أو القيام بمظارهات ضد المسيحيين .
( 4 ) إذا لم يستطع الواشي اثبات دعواه ، فلابد من عقابه .
وهذه المواد زادت كثيرا من المخاطر امام الوشاة ، وقللت من الأخطار التي يتعرض لها المسيحيون ، ولم يرد بها اعتبار مجرد الاعتراف بالمسيحية جريمة ، ولكن لم ينسخ هذا المبدأ ايضا ولعل جواب هارديان قد اعطى دافعا معينا نحو استخدام اجراء اكثر تحديدا وأدق انتظاما .


( 3 ) انطونيونوس بيوس :
( من 138 - 161 م ) ، وقد واصل انطونيونس سياسة تراجان وهارديان إلا انه حدث اضطهاد في عهده حيث اعدم بطلماوس و لوكيوس في روما ، كما أعدم بوليكاربوس أسقف سميرنا ، إلا أن انطونيوس أيد بشدة سياسة هارديان في حماية المسيحيين الذين لم يحكم عليهم ضد عنف الرعاع ، وذلك في خطاباته الى لاريسا واثينا وتسالونيكي وإلى كل الهيلينيين .

( 4 ) ماركوس أوريليوس :
( 161 - 180 م ) - بدأ تحت حكم أوريليوس رد فعل قوي كان له أثره على المسيحيين ، وذلك بسبب حوادث الحدود وتفشي الوباء ، كما إلى سياسة أوريليوس التي كانت تهدف إغلى العودة الى المبادئ القديمة وإحياء الديانة الرومانية القومية ، وفي عهده امتد الاضطهاد الى الغرب ( الى بلاد الغال أي في فرنس ) وغلى أفريقية كمقدمة للاضطهاد العام الذي حدث في القرن الثالث ورغم ان ارويليوس لم يقم عمليا بإجراء أي تغيير إلا أنه لم يكن هناك التسامح الذي ميز العهود الثلاثة السابقة ، حقيقة أنه لم يصدر أي مرسوم عام أو قرار محدد بالاضطهاد ، وتعود حالات الاستشهاد العديدة التي سجلت في ذلك العهد الى كثرة الكتابات المسيحية المفصلة التي وصلتنا عن ذلك العهد .
ظلت المسيحية - في حد ذاتها - جريمة ، كما ان عناد المسيحيين وحده كان يكفي سببا للعقاب ، ولكن يبدو ان اوريليوس قد لام الحكام على صرامتهم في لوجدون ، ولم يشجع الوشاة ضد المسيحيين ، بل ان ترتليانوس : وصفه بأنه حامي المسيحيين : ، ومن ثم لا نجد في ذلك العهد أي محاولة جادة أو منظمة للقضاء على الإيمان الجديد ، وظلت الادارة المركزية : طوال ذلك الوقت بلا أي سياسة ثابتة نحو المسيحيين ، غذ يبدو أن الدولة لم تكن قد حزمت أمرها بعد ( كما يقول هاردي )
أما في عهد كومودوس ( 180 - 192 ) فقد تمتع المسيحيون بالراحة ، ويعتقد ان هاردي ان التنظيم المسيحي لم يكن يعتبر خطرا جسيما على الامبراطورية في القرنين الأول والثاني ، فلو أن روما رأت مثل هذا الخطر في المسيحية ، أو انها امبراطورية داخل الامبراطورية ، لبدأت سياسة ابادة منظمة خلال الفترة التي كانت فيها المسيحية اضعف من أن يقاوم ، وعندما أدركت الامبراطورية مدي خطر المسيحية عليها - كما حدث في القرن الثالث الميلادي - اتخذت اقسى الاجراءات ، كانت المسيحية قد أصبحت أقوى من أن تضار أو تنهار ، وقد أخذت الامبراطورية منذ ذلك الحين في الضعف والاستسلام .

( 5 ) الأسر المتغيرة ( 192 - 284 م ) :
وفي الفترة التالية التي سادها عدم الاستقرار ، إذ تعاقب على العرش في أقل من مائة عام ، نحو عشرين امبراطورا بدا كل منهم أسرة حاكمة جديدة ، مما سمح للمسيحية أن تنتشر بلا متاعب تقريبا ، كما أن حروب القبائل المتبربرة المستمرة ، وضورة اليقظة الدائمة عند نقط الحدود أو جدت ظروفا مواتية للمسيحية ، كما ان ابتعاد المسيحيين عن حلبة الصراع السياسي ، مع قبولهم لكل أسرة حاكمة جديدة ، حفظهم من الصدام مع الحكام الجدد ، بالإضافة الى ان العديد من هؤلاء الأباطرة لم يكونوا رومانيين أصلا بل أجانب لا ارتباط قوي لهم بالإيمان الروماني القديم ، ولم تكن أفكارهم الدينية متزمتة ، وكل ذلك كان بالغ الأهمية لإيمان الجديد القادم من الشرق ، كما أتيت بعض الأباطرة أنهم لم يكونوا غير معاديين للمسيحية فحسب ، بل متعاطفين معها ، فلم يحدث في هذه الفترة أي اضطهاد شرس _ ربما باستثناء ما حدث في عهد ديسيوس ، وبالتأكيد لم يحدث اضطهاد طويل الأمد في تلك الفترة ، كما أن الكنيسة ذاتها كانت قد نزمت نفسها على مبادئ الادارة الامبراطورية ، ومن ثم اصبحت قوية متحدة ، حتى عندما هبت عليها العواصف ، لم تهتز ، ففي 202 م بدأ ساويروس اضطهادا قاسيا في افريقية ومصر ، إلا أن كاراكلا المتقلب أعاد لها السلام ، أما هيلو جالبوس ، فقد ساند المسيحية بطريق غير مباشر :

( 1 ) بتحقي الديانة الرومانية .
( 2 ) بالتسامح ، وقد عرض - حسب أحد الكتاب - ان يمزج بين المسيحية واليهودية والسامرية في ديانة واحدة ، كما كان الكسندر ساوريوس ط متسامحا يسعى للتوفيق بين الديانمات ، فقد وضع في معبده الخاص تماثيل لكل من اورفيوس وأبولونيوس وابراهيم والمسيح ويقال انه كان في نيته إقامة معبد للمسيح وقد تفجر اضطهاد محلي في عهد ماكسيمن التراقي أما أول اضطهاد عام فكان في عهد ديسيوس وفيه نقتطان تستحقان النظر :
( 1 ) لم يكن الموت هو العقوبة الب\مباشرة للاعتراف بالمسيحية ، بل استخدمت كل وسيلة ممكنة لحث المسيحيين على ارتداد وانكار المسيح .
( 2 ) وجهت السلطات الرومانية كل جهودها - بصفة خاصة - الى المسؤولين في الكنيسة ، بعد أنم أدركت هذه السلطات خطورة التنظيم المسيحي ، وقد واصل جاليوس هذه السياسة أما ط\ فاليرون فبعد ان وقف الاضطهاد سعى الى الحد من النتشار هذه الديانة بنفي الأساقفة وغلق الكناس ، ثم بعد ذلك أصدر قانونا يقضي بعقوبة الموت ، وقد أصدر جالينوس أول قرار فعلى بالتسامح ومتنع الاضطهاد ورد الاملاك المسيحية وبذلك دخلت المسيحية فترة اربعين سنة من الهدوء ، وبنقص المخاطر الخارجية امامها قل عدد الراغبين في الإيمان ، انهمك اعضاؤها الانشغال بالأمور العالمية ، ولم يوقف هذا الانحدار الا اضطهاد دقلديانوس .

( 6 ) من دقلديانوس حتى صدور أول مرسوم امبراطوري بالتسامح ( 284 - 311 م ) :
كان دقلديانوس - مثل بعض المضطهدين الآخرين - واحدا من أقدر الحكام الرومكان ، ولم يكن ميالا الى الوقوف ضد المسيحيين ، إلا أنه اضطر أخيرا - بسبب زوج ابنته جاليريوس 0 الى اتخاذ اجراءات عنيفة ولم يكن مقصودا من أول مرسوم اصدره دقلديانوس في الربع والعشرين من فبراير سنة 303 م ابادة المسيحية ، بل كان القصد منه الحد من نموها واضعاف تأثيرها السياسي وكان موجهها اساس ضد الكتب المقدسة والكنائس والاجتماعات المسيحية ، آما المرسوم الثاني فكان ضد النظام الكنسي ، وقد ضمن المرسوم الثالث الحرية للمرتدين عن المسيحية ، لكنه سعى الى اجبار المسيحيين العندين على الخضوع بتعذيبهم ، وكان هذا اعتراف ضمنيا بفشل الحكومة الامبراطورية وبعد ان ألغيت عقوبة الموت ، اصدر مكسيمين مرسوما رابعا بإعادة عقوبة الموت ومطالبة المسيحيين بتقيدم الذبائح للآلهة ، وفي نفس السنة في 304 م اقتنع دقلديانوس بعدم جدوى هذه الاجراءات ، فأوقف عقوبة الموت ، فكان هذا التقلب في سياسة الامبراطورية ، ثم تنازله عن العرش في العام التالي ، اعترافا واقعيا بانتصار الناصري .
وبعد ان استمر الاضطهاد ثماني سنوات ( أو عشر سنوات لو حسبنا الاضطهادات المحلية بعد 311 م ) أصدر جاليورس - الذي اصابه مرض عضال - من مدينة نيقوميديا ، مع قسطنطين وليسينوس أول مرسوم عام للتسامح في 30 ابريل 311م بعد ان كانت المسيحية في تلك الأثناء اثبتت انها دولة داخل الدولة ، واخيرا تم الاعتراف بها كديانة قانونية ولو انها لم تكن على قدم المساواة مع الوثنية .

( 7 ) من أول مرسوم عام بالتسامح حتى سقوط الامبراطورية الغربية ( 311 - 476 م ) :
في هذه المرحلة اصبحت المسيحية - في البداية - على قدم المساواة مع غيرها من الديانات المنافسة ، ثم علت فوقها ، وأخيرا اصبحت الديانة الرسمية للدولة في الشرق والغرب ، وما أن حصلت المسيحية على التسامح حتى اصبحت هي نفسها غير متسامحة ، بل أضحت مضطهدا مريرا لكل الديانات المنافسة وللهرطقات ، وبعد ان انتصر قسطنطين على ماكسنتيوس في موقعة قنطرة ملفيان في 27 أكتوبر سنة 312 م ، اصبح هو الحاكم الوحيد في الغرب واصدر مع زميله ليسنيوس امبراطور الشرق ، مرسوم التسامح الشهير في 30 مارس سنة 313 من مدينة ميلانو وبموجبه اكتسبت كل الأديان حقا متساويا في التسامح ، وهكذا وقفت المسيحية على قدم المساواة مع الوثنية ، وكان تعاطف قسطنطين مع المسيحية لدوافع سياسية في أكثره ، فقد اردا ان يكون مع الجانب الفائز ، ومع كل نجاح جديد كان يزداد ميلا الى المسيحية رغم ان حياته في مجملها كانت وسطا ، وكان يحلم بأن يمزج الوثنية والمسيحية في مجتمع واحد تحت نفس النظام القوانين والشرائع ، فهو لم يحظر الوثنية بأي حال من الأحوال ،وبتأسيس مدينة القسطنطينية ، صارت المسيحية - في الواقع - دين الدولة ، وهو تحالف أدى الى عواقب وخيمة على المسيحية ، فقد بدأت عندئذ في خنق حرية الضمير التي قاست من أجلها كثيرا ، وبدأ الايمان القديم لفترة طويلة يمارس عدم التسامح ، وقد ورث ابناء قسطنطين عن ابيهم طبيعته القاسية ومسيحيته الاسمية ، كان قسطنطين قد ترك الوثنية والمسحية واقتين على قدم المساواة ، وبدأ أبناؤه بعده في ابادة الوثنية بالعنف ، وبعد ان صار قسطنطيوس الامبراطور الوحيد ولأنه لم يرث عن ابيه الاعتادل والحذر ، وبتحريض من النساء والأساقفة أصدر مراسيم تأمر بإغلاق المعابد ومنع الذبائح وقد تررد الحكماء من حكام الاقاليم ، في تنفيذ هذه الاجراءات المتسرعة ، وهكذا بدأت المسيحية في السيطرة والهجوم ، ولم تضطهد الوثنية فحسب ، بل ان حزب الأغلبية في المسيحية حظر كل منافسيه ، وفي هذه المرة هاجمت البدع والهرطقات الإيمان القويم ،ولعل عنف أبناء قسطنطين وعدم تسامحهم وقسوتهم تبرر رد الفعل لدى يوليانوس المرتد الذي قام بجهد خيالي لاعادة الدين القديم ، وبينما كان يعلن التسامح مع المسيحية سعى الى اضعافها بالسخرية من عقائدها ، كما أوقف امتيازات رجال الدين ، ومنع الكنيسة من قبول العديد من لهبات والعطايا ، واستبعد المسيحيين من المراكز العامة ، ومنع تعليم الكلاسيكيات في المدارس المسيحية خشية ان يصبح لسان المسيحيين افضل في مواجهة حجج الوثنيين واخيرا اضفى على العبادة الوثنية فخفخة ومهابة لجذب الناس اليها ، إلا أن القوة الأدبية في المسيحية انتصرت على كل ذلك ، وعند موته في احدى ساحات القتال في حربة مع الفرس ، قال متأوها : لقد انتصرت أيها الجليلي ( وهو يقول لا يستند الى مصدر ثقة ) ، واستمر الحياد الدينة مدة قصيرة بعد موته ، وقد خرج جراتيان بتحريض من امبروزيوس ( اسقف ميلان ) عن هاذ الحياد فأزال تمثال النصر من مقر مجلس الشيوخ ، ورفض ان يخلع على نفسه لقب وثياب الكهنة الأعظم ، وحظر الذبائح الدموية وسدد ضريبة قاضية للديانة القديمة اذ سحب منها بعض الامتيازات المالية ، وبذلك جعلها تعتمد على التبرعات الاختيارية ، وقد اتخذ ثيودسيوس الأول - أو الكبير - سياسة دينية عنيفة تجاه كل من الهرطقة والوثنية ، ويُعزي تعصبه الى امبروزيوس ، الذي كان يعتبر انه ليس لليهود أو للوثنيين أو للهراطقة أي حقوق على الاطلاق ، وهكذا بدأ التحريم المنظم للوثنية ، ففي 381 م رفض حق اصدار الوصية للمترتدين عن المسيحية ، وفي 383 م أنكر عليهم حقهم في الميراث ، وفي 391 م حرمت العبادة الوثينية العامة ، وفي 392 م حرم العديد من العبادات الوثنية الخاصة والعامة ، وفرضت عقوبات اكبر على تقديم الذبائح ، وهكذا ارتدت المسيحية بربرية الوندال ، ومارست كل أنواع العنف ومصادرة الاملاك ، زكثيرا ما كان الرهبان والكهنة يقودون الرعاع في هذه الاعمال ، وواصل ابناء ثيودسيوس سياسة التمادي في قمع الوثنية ، وقد عزل هونوريوس في الغرب في 408 م الوثنيين من الوظائف المدنية والعسكرية ، وفي مرسوم لاحق في 423 م اصبح بقاء الوثنية أمرا مشكوكا فيه ، وتثبت القوانين المتلاحة ضد الارتداد ، ان الوثنية كانت ما زالت مصدر جذب للناس ، وقد صدرت في عهد فالتنبات الثالث 423 - 455 م وثؤدسيوس الثاني قوانين لهدم المعابد أو تحويلها الى كنائس مسيحية ، واستمر اضطهاد الوثنية في الغرب في 476 م بالقضاء على الوثنية وقد عجل سقوط الامبراطورية الغربية في 467 م بالقضاء على الوثنية نهائيا وفي الشرق اغلق وبروح استبداية منعت العبادة الوثنية في الخفاء تحت طائلة العقاب بالموت .

خامسا - انتصار المسيحية وتحول الامبراطورية الرومانية اليها :
تم الآن الاعتراف بالمسيحية ديانة رسمية للغرب والشرق ، وصارت المسيحية من القوة حتى انها ضمنت اليها المتبربرين الذين استولوا على الغرب ، فكبحت جماحهم وعلمتهم تحت قيادة البابوية حتى امتدت انتصارها الى ما وراء حدود الامبراطورية الرومانية .
وينسب ميريفال تحول الامبراطورية الرومانية الى المسيحية الى اربعة اسباب هي :
( 1 ) الدليل الخارجي الظاهر في اتمام النبوات وعمل المعجزات .
( 2 ) الدليل الداخلي في اشباع الاحتياجات الروحية للناس وتقديم الفادي لهم .
( 3 ) نماذج الحياة النقية ، والاستشهاد البطولي ، للمسيحيين الأوائل .
( 4 ) النجاح الذي حققة المسيحيون في عهد قسطنطين .
ويعلل جيبون ظاهرة نجاح المسيحية في الامبراطورية الرومانية بما يلي :
( 1 ) حماسة وغيرة المسيحيين الأوائل .
( 2 ) اعتقاد المسيحية في الخلود مكافآت وعقوبات في المستقبل .
( 3 ) المعجزات .
( 4 ) القانون الأخلاقي السامي والفضائل النقية الواضحة في حياة المسيحيين .
( 5 ) التنظيم المسيحي الكنسي القوي حسب نظم الامبراطورية .
إلا أنه ما من قائمة من قوائم هذه الأسباب تكفي لتعليل نمو ونحاج ديانة يسوع الناصري .
( أ ) أسباب سلبية :
كان لانتصار المسيحية - في المقام الأول - اسباب سلبية - منها : الافلاس الأدبي والروحي للعالم القديم ، والفساد الداخلي وانحلال الأنظمة الوثنية ، وقد فشلت كل الديانات القومية القديمة ، وهجرها جميع الفلاسفة وجماهير الشعب ، ولم يكن تقديم ديانة عالمية للإنسانية كلها ، إلا في المسيحية ، فقد تدهورت البعادات الى مجرد شكليات بحته ، لا تمنح القلب أي راحة ، وأحس الناس بحاجة ماسة وملحة الى اعلان الهي ، لا يمكن لديانة فلسفية او طبيعية ان تشبعها .

( ب ) أسباب ايجابية :
ولكن يرجع نجاح الدين الجديد اساسا الى اسباب ايجابية ، من بينها الحماسة والغيرة للإيمان المسيحي ، والجدية الصادقة في الحياة وفي الكرازة ، وقد تجلت صفاتها الأصيلة الخالصة - على أفضل ما يكون - في اتباعها في وسط الاضطهاد ، كما في الموت البطولي لشهدائها ، أما الوثنية فرغم تحالفها مع القوة المدنية ، ورغم ماضيها الأسطوري ، فلم يكن في مقدورها مواجهة الاضطهاد ، وعندما اضطرت الوثنية الى الاعتماد على الهبات التطوعية ، لم يمكنها ان تنجح كما حدث مع المسيحية ، ومثلها العليا في انكار الذات ، وقد بلغت جدية المسيحية الأولى الذروة لاعتقادها في المجئ الثاني الوشيك للرب ونهاية الدهر ، كما ان وسائل الاتصال ساعدت المسيحية كثيرا في انتشارها ، وكانت أهم وسيلة لها هي الحياة المثالية لأتباعها ، وقد قابلت المسيحية القوة السياسية بالقوة الأدبية والروحية ، علاوة على أنه عندما درس المفكرون - في العالم القديم - المسيحية وجدوها تطابق اسمى مبادئ العقل والطبيعة ، إلا أن السبب الرئيسي في نجاح المسيحية ، هو توافق تعليمها مع الطبيعة الروحية للانسان ، وكانت هناك جدية عميقة عند قطاع كبير من العالم القديم ، قدمت له المسيحية السلام والراحة والقوة المنشودة ، كما كان في المسيحية ايضا ميزة ضخمة جدا فوق كل الأديان المنافسة لها في الامبراطورية الرومانية ، وهي ملاءمتها لكل الطبقات في كل الظروف والتغيرات ، فلم يكن فيها شئ محلي أو قومي ، كما قدمت أعظم صورة للنموذج المعاصر عن الأخوة ، كما ان احترامها للمرأة قد أكسبها العديد من المؤمنين ، فكانت المسيحية - في هذا الصدد - أسمى جداً من عبادة مثرا منافستها العظمى ، وفي عصر التغيرات الاجتماعية الكبيرة والعديد من الكوارث والمحن ، استهوت المتألمين بانكارها لنفسها وسعيها الدائب من أجل سعادة الآخرين ، وكقانون أخلاقي كانت المسيحية أسمى وأنبل من كل النظم والعبادات المعاصرة أنا الميزة التي لا تقدر بثمن والتي تفوقت بها المسيحية على كل الديانات والفلسفات الأخرى ، فكان ما في حياة يسوع المثالية الكاملة من سحر وقوة وجمال وروعة ، فقد كان شخص يسوع مثالا وحافزا للحياة الاسمي أمام كل الفلاسفة وعامة الشعب ، أقوى من كل فضيلة مجردة أو كمال ، ويقول ليكي في كتابه تاريخ الأخلاقيات ) لقد أمكن للمسيحية ان تعمق جذورها في قلوب الناس لأنها كانت مثالا للأشواق الأدبية لذلك العصر ، ولأنها جسمت بصدق المثل الأعلى للسمو الذي كان يسعي اليه البشر ، ولأنها تجاوبت مع احتياجاتهم الروحية وأهدافهم وعواطفهم ، ولأن الكيان الروحي كله للإنسان استطاع ان يتسع ويمتد من خلال تأثيرها أضف الى كل هذه الظروف المواتية المذكورة آنفا في البند ثانيا الأعداد للمسيحية - وبذلك يمكننا ان نفهم كيف تحولت الامبراطورية الرومانية الى ملكوت المسيح .