كلمة منفعة
ما هو شعورك حينما تزور مواضع القديسين.كمن يزور ديرًا لقديس في مناسبة عيده؟
— في مواضِع القديسين

التجلي

التجلي
حجم الخط
التجلي
في نحو منتصف خدمة الرب يسوع على الأرض ، اخذ بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد بهم إلي جبل عال منفردين للصلاة ( ويرجح انه جبل حرمون )، وفيما هو يصلي " تغيرت هيئته.. وأضاء وجهه كالشمس ( مت 17 : 2 ) " وصارت ثيابه تلمع بيضاء جدا كالثلج ، لا يقدر قصار على الأرض أن يبيض مثل ذلك ( مرقس 9 : 3 ). وكان الوقت ليلا والجو باردا ، وكان النوم يداعب أجفان التلاميذ، بيد أنهم أدركوا منذ البداية المعجزة التي تجري أمام عيونهم، ومن سبط النور الباهر سمعوا أصواتا . لقد كان يسوع يتكلم مع موسى وإيليا، وكان موضوع الحديث " عن خروجه الذي كان عتيدا أن يكمله في أورشليم " ( لو 9 : 31 ). ولما استيقظ التلاميذ ، كان موسى وإيليا ينسحبان من المشهد ، " وفيما هما يفارقانه " طلب بطرس باندفاع ، أن يصنع ثلاث مظال من اجل يسوع وزائريه السمائيين، فلربما تطول إقامته أو لعلها تصبح دائمة . وعندئذ ظللتهم سحابة " وصار صوت من السحابة قائلا : " هذه هو ابني الحبيب، له اسمعوا " ( لو 9 : 35 ). " ولما سمع التلاميذ الصوت سقطوا على وجوههم ، وخافوا جدا " ( مت 17 : 6 ) وانتظروا في صمت. وفجأة " رفعوا أعينهم ولم يروا أحدا إلا يسوع وحده " ( مت 17 : 8 ). هذا هو التسجيل البسيط لتلك المعجزة الرائعة ، فما هو مغزاها ؟
لماذا كان التجلي ؟!
لعل من الأسباب التي دفعت الرب إلي التجلي في هذا الحدث الفريد هي :
1 – لكي يصحح التلاميذ الفكرة الخاطئة التي كانت تعم كل شعب إسرائيل عن المسيا انه ملك على مستوى دنيوي سياسي ، وذلك بإدراكهم لمجده وملكه السماوي . فقد اظهر المسيح في التجلي أنه هو الرب .
2 – جاء التجلي في الإنجيل في وقت حاسم كشف فيه الرب يسوع لتلاميذه كيف سيتم عمله بعد أن تعرفوا بأنه هو المسيا ، وقبل أن يبدأ مباشرة رحلته الأخيرة إلي أورشليم . ففي التجلي اثبت المسيح قدرته على القيامة من الموت بعد آلامه وصلبه حتى لا تخور قوى التلاميذ ويعتريهم اليأس من بشاعة آلامه حتى الموت والدفن . ويبدوا أن الإنجيليين قصدوا أن يشيروا إلى ارتباط آلام المسيح بتمجيده ، لأنهم ذكروا قصة التجلي في معرض الحديث عن أول تنبؤ للرب عن آلامه وموته وقيامته (مت16 : 21 – 23 ، مر9 : 31 – 33 ، لو9 : 22 ) .
3 – ثبّت التجلي اعتراف القديس بطرس بأن يسوع هو المسيح ابن الله الحي الذي سيتم بموته وقيامته جميع الكتب ، ويكشف عن شخصية يسوع الابن المحبوب الذي له مجد الله الآب عينه .
4 – بظهور النبيين موسى وإيليا معه اثبت الرب انه أعظم من جميع الأنبياء الذين شهدوا له ومهدوا لمجيئه ، وانه ليس إيليا كما يظن الناس أو انه كاسر ناموس موسى كما يظن الفريسيين .
لم يشر احد إلي هذا الحادث العظيم، إلا الرسول بطرس بعبارة موجزة (2بط 1 : 16 ـ 18 )، وربما أشار إليها الرسول يوحنا ( يو 1 : 14 ) . أما إنها كانت حادثة فاصلة في مجرى حياة الرب يسوع، فهذا ما لا شك فيه. فمنذ ذلك الوقت سار يسوع تحت ظل الصليب. وقد أمر الرب يسوع أولئك الشهود الثلاثة ألا يقولوا لأحد شيئا عما رواه، " حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات " ( مت 17 : 9 ). وهذا يعني أن الرب يسوع بدا يعلن طبيعة خدمته الكفارية ، بدا يعلن انه يسير بخطوات سريعة نحو الموت الأليم الرهيب ، وان رسالته إتماما للناموس( موسى ) والأنبياء ( إيليا ) لن يحبطها الموت. ولقد ظهرت ثلاث عجائب في هذا الحدث السري :
الأولى : تغيرت هيئة الرب ، فأضاء وجهه كالشمس وصار كله مشعا بمجد عظيم .
الثانية : ظهر معه النبيان موسى وإيليا اللذان كانا قد رحلا من العالم منذ مئات السنين .
الثالثة : " كانت سحابة فظللتهم ( المسيح مع التلاميذ والنبيين) ....وصار صوت من السحابة قائلا : هذا هو ابني الحبيب . له اسمعوا " (لو9 :34 – 35 ).
ولكن لماذا اخذ الرب هؤلاء التلاميذ الثلاثة وحدهم ؟! فكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم لأنهم كانوا متفوقين على الباقين . فبطرس اظهر تفوقه بإعلانه الإيمان، يوحنا كان محبوبا جدا من الرب أما يعقوب فقد اظهر حبه عندما أجاب على الرب بأنه يستطيع أن يشرب كأس الرب ويصطبغ بصبغته (مت20 : 20 – 22 ) وبهذا يمثل الثلاثة الإيمان العامل بالمحبة
أولا : تغير هيئة الرب :
أنها لحظة رؤيوية تلك التي كشفت فيها للتلاميذ طبيعة المسيح الحقيقية ، والتي رمز إليها بالنور ، وهذا هو كيانه المجيد الذي سيظهر به في مجيئه الثاني ويدوم إلى الأبد . ويتساءل بعض الشراح : هل المسيح هو الذي تجلى أم تلاميذه ؟! في الواقع ان المسيح لم يضيف إلى كيانه شيئا بالتجلي ، بل انه أعطى لتلاميذه نعمة لكي يروه على حقيقته في مجد لاهوته الذي كان قد " أخلى ذاته " منه (في2 :7 ) ، والذي أضاء من خلال هيئته وملابسه .
وقد استعمل الإنجيليون الكلمة اليونانية " ميتامورفوماى " (Metamorphoomai) تشير إلى طبيعة تجلي الرب وهذه الكلمة تتكون من مقطعين : المقطع الأول( ميتا ) ، وهو يحمل معنى التحول أو التغير أو التبدل . والمقطع الثاني مشتق من كلمة (مورفي ) ومعناه " الصورة أو الشكل أو الهيئة الخارجية التي تعبر عن ، وتنبع من الطبيعة الداخلية " ومن ثم يكون معنى هذا الفعل " يتغير في صورته الخارجية بحيث تصير هيئته الخارجية نابعة من طبيعته الداخلية وتمثلها تماما ". لذلك ترجمت هذه الكلمة في العربية إلي " تغيرت هيأته " فلقد كان الرب يسوع في صورة عبد ، ففي التجلي تغيرت هذه الصورة بصورة نابعة من حقيقته الداخلية ، أي تعبر عن مجد اللاهوت الذي ظهر في الجسد . ولكي ندرك أكثر مفهوم التغير الذي حدث ، نقارن هذا الفعل اليوناني الذي يعبر عن التغير ، بفعل آخر ترجم أيضا إلي " يتغير" .
ففي رسالة كورنثوس الثانية (11 : 13 – 15 ) يقول القديس بولس الرسول " لان مثل هؤلاء هم رسل كذبة ، فعلة ماكرون ، مغيرون شكلهم إلي شبه رسل المسيح ، ولا عجب ، لان الشيطان نفسه يغير شكله " ميتاسخيماتيزو " (metaschematizo ) إلي شبه ملاك نور " . فالفعل اليوناني الذي ورد في هذه الآية يتكون أيضا من مقطعين : الأول ( ميتا ) وهو نفس المقطع الأول في الكلمة الأولى والذي يحمل معنى التغيير أو التحول . أما المقطع الثاني فهو مشتق من كلمة (سخيما ) ، وهي تحمل معنى الشكل أو الهيئة . ولكن معنى الفعل هنا يُضاد تماما معنى الفعل السابق ، فهذا الفعل يترجم إلي " يغير هيأته أو صورته الخارجية ويتخذ لنفسه شكلا لا ينبع من طبيعته الداخلية أي يتنكر ويلبس قناعا تنكريا يخفي به هيأته . فطبيعة الشيطان مظلمة ، وعندما يظهر في شبه ملاك نور ، فإن مظهره الخارجي فقط هو الذي يتغير ، وتبقى طبيعته مظلمة كما هي دون أي تغير ، كذلك خدامه .
أما بخصوص ضياء وجه الرب وملابسه فيقول القديس أوغسطينوس [ عندما أضاء وجه المسيح كالشمس كان ذلك نموذجا لضياء نور الإنجيل . والثياب البيضاء رمز لطهارة الكنيسة ]
ولكن كان لابد أن يعبر هذا التجلي سريعا لان التجلي والمجد الدائم للرب يأتيان من خلال آلامه فقط ، تلك التي كانت موضوع الحديث بين الرب والزائرين السماويين (لو9 :31 ) ، وهو ما أوضحه القديس بولس في (في2 : 5 – 11 ) ، أن الرب يسوع أطاع حتى الموت ولهذا رفعه الله ومجده . وهذا هو ما عبر عنه القديس غريغوريوس النزينزي بقوله : [ كان الرب على الجبل مضيئا كالبرق وصار مشرقا أكثر من الشمس ، فأطلعنا بذلك على سر المستقبل ]
ثانيا : النبيان موسى وإيليا :
يقول الإنجيل أن النبيين موسى وإيليا : " ظهرا بمجد ، وتكلما عن خروجه الذي كان عتيدا أن يكمله في أورشليم " (لو9:31) . هذا يعني أن الناموس ممثلا في موسى والنبوة ممثلة في إيليا ، يؤيدان الرب يسوع ورسالته . وكما ظهر الله لكل من موسى وإيليا على جبل ، هكذا أيضا تراءى النبيان موسى وإيليا على الجبل مع الرب المتجلي كممثلين للعهد القديم : موسى معطي الناموس ، وإيليا النبي العظيم . أما حديثيهما عن خروج الرب ، أي آلامه خارج المحلة ، فلكي يوضحا أن هذه الآلام هي المعبر الضروري إلى ميثاق العهد الجديد الأبدي الذي بواسطته سيرى مجد الله جميع الذين يسمعون الكلمة المتجسد ويؤمنون به .
لماذا قدم الرب لتلاميذه موسى وإيليا ؟!
يشرح لنا القديس يوحنا ذهبي الفم أسباب ظهور النبيين بقوله :
1 - لان بعض الناس قالوا عن الرب انه إيليا أو ارميا أو احد الأنبياء . فقد اظهر لقادة المؤمنين به الفرق بين الخدام والسيد ، وان بطرس كان على حق عندما اعترف انه (أي المسيح ) هو ابن الله .
2 - لان الناس يتهمون الرب انه يتعدى الناموس ويعتبرونه مجدفا لأنه ينسب لنفسه مجدا لا يخصه ...فإذ أراد الرب أن يظهر أن هذه الاتهامات كانت تنبع من الحسد ، ويبرهن على انه ليس عرضة لأي منها ، لذلك احضر أمامهم النبيين اللذين تجليا معه موسى معطي الناموس ....وإيليا النبي أيضا الذي كان غيورا على مجد الله ...
3 - لكي يظهر الرب مجد الصليب ، ولكي يعزي بطرس والباقين في رهبتهم من آلامه ويسمو بأذهانهم . ولما ظهر النبيان تكلما عن المجد " الذي كان عتيدا أن يكمله في أورشليم " (جاءت كلمة ’’المجد ‘‘ بدلا من ’’خروجه ‘‘ في بعض مخطوطات انجيل لوقا )، أي الآلام والصليب اللذان يطلق عليهما دائما كلمة ’’المجد‘‘ . كما أن الرب أبهج تلاميذه بالبهاء الذي ظهر به النبيان لكي عندما يتبعوه ويحفظوا وصاياه يبلغون إلى نفس هذا البهاء ، وإذا فقد التلاميذ حياتهم يجدوها عند الرب ، وبذلك لا يخشون الطغاة ، بل يتشبهون بالنبيين اللذين تكلما بجسارة أمام الملوك : موسى أمام فرعون ، وإيليا أمام أخاب .
4 - لكي يعرف تلاميذه أن لديه قوة الموت والحياة ، وهو المتحكم في كل شيء ، لذلك احضر أمامهم كلا ممن ذاق الموت (موسى ) ، ومن لم يذقه (إيليا ) . وفى الحقيقة، فإن ظهور موسى وإيليا فيه الدليل الأكيد على الخلود ؟ وكيف لهم في مواجهة دليل كهذا أن يساورهم أدنى شك فى انتصار الحياة، وفي ذاك الذي هو رب الحياة ؟
5 - لان الرب أراد أن يتشبهوا بطرق ووسائل هذين النبيين التي تربح الناس وذهنهما الحاضر وصلابتهما ، وانه ينبغي أن يكونوا ودعاء كموسى وغيورين للرب كإيليا ، وان يمتلئوا بالحرص والاحتمال مثلهما .
ثالثا : اقتراح بطرس :
لقد أعجب القديس بطرس منظر التجلي والمكان الهادئ المنعزل عن ضجيج الجموع ، كما انه بسبب حبه للرب أراد أن يجنبه الآلام والموت اللذين تنبأ عنهما . كل هذه الأسباب جعلته يقدم اقتراحه : " يارب ، جيد أن نكون ههنا ! فإن شئت نصنع ثلاث مظال . لك واحدة ، ولموسى واحدة ، ولإيليا واحدة " (مت17: 4 ) ، " لأنه لم يكن يعلم ما يتكلم به إذ كانوا مرتعبين " (مر9 : 6 ) . وقد يوحي ذلك بأن التجلي تم أثناء عيد المظال الذي كان يستغرق أسبوعا يقيم فيه الإسرائيليون في خيام أو مظال تذكارا لآبائهم الذين عاشوا في خيام في البرية (لا23 : 33 – 43 ) .
ويعلق على ذلك القديس يوحنا ذهبي الفم بقوله :
[ لما سمع بطرس أن المسيح مزمع أن يصعد إلى أورشليم ويتألم ، وإذ كان لا يزال خائفا ومرتعبا لأجله ، إلا انه بعد أن وبخه الرب : " اذهب عني يا شيطان ..." لم يجرؤ أن يقول له نفس الأمر مرة أخرى : " حاشاك يا رب " (مت16 : 22 – 23 ) ! فإنه من اجل خوفه على الرب اقترح نفس الأمر بتعبير مختلف ، حيث انه لما رأى إنهم في مكان هادئ منعزل ، وإنهم في أمان بعيدين عن الكتبة والفريسيين الذين في أورشليم ، رغب في بقاء الرب هناك على الدوام ...حقا كم كان غيورا في حبه للمسيح رغم أن الطريقة التي قدم بها هذا الاقتراح لم تكن متزنة تماما ! ولئلا يوبخه الرب مرة أخرى قال : " أن شئت نصنع ثلاث مظال " .....فلماذا تقول ذلك يا بطرس ؟؟؟ هل تعتبر الرب واحدا من الخدام وتساويه بهم ؟؟!!ّ أترى كم كان التلاميذ في نقص روحي قبل الصليب ؟ ولكن الإنجيل يصفه بقوله : " لأنه لم يكن يعلم ما يتكلم به إذ كانوا مرتعبين " .]
ويرى القديس كيرلس الكبير أن بطرس : " لم يكن يعلم ما يتكلم به " لأنه " ليس المنتهى بعد " ، ولان المسيح ما كان يليق به أن يتخلى عن موته الكفاري عنا ، فيقول :
[ نام التلاميذ قليلا ثم استيقظوا وصاروا مشاهدين لتغيرات بهية ومجيدة ، وربما ظن بطرس أن زمن ملكوت الله قد حل الآن ، لذلك اقترح إقامة مساكن ( خيام ) على الجبل ، ولكنه " لم يكن يعلم ما يتكلم به " ، لأنه لم يكن هذا هو وقت نهاية العالم ، ولا صار للقديسين أن يمتلكوا الرجاء الموعود لهم بعد ، لأنه حينئذ كما يقول بولس : " سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده " (فى3 : 21 ) . وحيث أن التدبير كان لا يزال في بدايته ولم يتم بعد ، فكيف كان يليق بالمسيح أن يتخلى عن حبه للعالم ويترك هدفه الذي هو التألم من أجل العالم ؟! لأنه فدى جميع الذين تحت السماء باحتماله الموت بالجسد ، ثم بسحقه للموت بقيامته من الموت . ] .
السحابة والصوت :
هما ذروة أحداث التجلي ، كما أنهما رمزان معروفان جيدا ، فالسحابة المضيئة تمثل حضرة الله وتدل على الظهور الإلهي كما حدث عندما تلاقى موسى مع الله على الجبل (خر19 و 24 ) ، وعندما صلى سليمان لتدشين هيكل الله (1مل8 : 10 – 11 ) .وبينما دعي الشعب المختار في القديم " ابن الله " (خر4 : 22 ) ، دعا صوت الآب من السحابة المسيح ’’ابني الحبيب ‘‘ ؛ ولأنه يتمم مشيئة الآب ، فهو موضع مسرته ؛ كما أن المسيح هو كلمة الله الذي أعطى كلمة الله للبشر ، ولذلك فالجميع ملزمون بالاستماع إليه . وصوت السحابة يكرر ويؤكد صوت الآب الذي سمع على نهر الأردن عندما اعتمد الرب .
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم [ ثم تكلم مَن هو أعظم من الكل ونطق بصوت من السحابة ، لان الرب : " السحاب والضباب حوله " (مز97 : 2 ،104 : 3 دا 7 : 3 ) ، فلكي يُصدق التلاميذ أن الصوت صادر من الله جاء الصوت من السحابة . والسحابة كانت مضيئة : "إذا سحابة نيرة ظللتهم " (مت17 :5 ) . أن الله عندما ينذر يُظهر سحابا كثيفا أي ضبابا كما حدث على جبل سيناء (خر19 ، 20 ،مز18 : 11 ) ؛ أما الآن فلأن الرب يريد أن يُعلم لا أن يُنذر ، فقد كانت السحابة مضيئة . وقد ظللت السحابة التلاميذ مع المسيح لكي يعلموا أن الصوت جاء من الله الآب وليس من المسيح : " هذا هو ابني الحبيب " . وان كان هو المحبوب فلا تخف يا بطرس ، لأنك يجب حقا أن تعرف بالفعل قوته ، وان تكون متأكدا بالكامل من قيامته ، ولكن حيث انك لم تعرف فعلَى الأقل تشجع من صوت الآب ، فلا ترتعب من تلك الأمور المخيفة . وطالما أن الابن هو محبوب الآب ، فلا تخف لأنه لا يضحي احدٌ بمن أحبه ، وأنت لا يمكن أن تحبه بمقدار حُب الذي وَلده . ] كان لشهادة الآب : هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت " وقعها القوي، وسيظل صداها يتردد إلي الأبد، ولهذا " احتمل الصليب مستهينا بالخزي " (عب 12 : 2 ). ولقد خلق هذا المشهد في التلاميذ ثقة جديدة وإيمانا وطيدا في سيدهم. وفي الأيام الحالكة التي كانت على وشك أن تخيم بظلها الكثيف عليهم، كانت ذكرى ذلك الضياء الباهر والإعلان السماوي، مصدر قوة لهم. قد يواجهون اعنف المواقف، ولكن لم يكن ممكنا أن تكون الهزيمة من نصيب سيدهم الذي شهد عنه موسى وإيليا، بل والله الآب نفسه.
إن في التجلي، لأكبر دليل على حقيقة العالم غير المنظور، وقربه منا، وعلى تلك الحقيقة المعزية والملهمة، وهي " التقاء الأرواح ".
( 2 ) تجلي القديسين :
القديس بولس الرسول يوصي جميع المؤمنين أن يتغيروا ، أي أن يصيروا في حالة تجلٍّ كما حدث للرب يسوع . ففي رسالته إلى أهل رومية (12 : 2 ) يطلب إلى المؤمنين قائلا : " ولا تشاكلوا هذا الدهر . بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم ، لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة " . في هذه الآية يستعمل القديس بولس الفعلين السابق الحديث عنهما . فالفعل الأول "لا تشاكلوا "هو نفس الفعل الذي ورد في( 2كو11 : 15 ) عن الشيطان الذي يغير شكله إلى شبه ملاك نور . هنا يستحث القديس بولس المؤمنين أن لا يشاكلوا هذا الدهر ، أي أن لا يكونوا على شاكلته . بمعنى أن لا يتغيروا عن شكلهم الخارجي بصورة لا تنم ولا تنبع من طبيعتهم الداخلية . فهو ينهاهم عن التنكر في صورة خارجية تماثل أبناء هذا الدهر ، ولكنها لا تعبر عن " الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البرّ وقداسة الحق " (أف4 : 24 ) .
وفى باقي الآية يأمرهم أن يتغيروا عن شكلهم ، وهو هنا يستعمل نفس الفعل الذي ورد في حادثة التجلي . أي انه يأمرهم أن يصيروا في حالة تجلٍّ ، أو أن يظهروا بمظهر صورة المسيح المنطبعة على قلوبهم : " يا أولادي الذين أتمخَّض بكم أيضا إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم " (غل4 :19 ) ، " وعندئذ يخر كل من يراهم على وجهه ويسجد لله مناديا أن الله بالحقيقة فيكم " ( 1كو14 : 25 ) ،
أن وصية بولس الرسول للقديسين بأن يتغيروا عن شكلهم ، أي أن يتجلوا ، تسندها حقيقة هامة ، وهي انه في القيامة العتيدة سيحدث تجل للقديسين ، وسيصير منظرهم الخارجي معبرا عن طبيعتهم الجديدة التي سينالونها ، وذلك عندما تتغير أجسادهم لتصبح على صورة جسد مجده . ففي (2كو3 : 18 ) يقول بولس الرسول : " ونحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة ، نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح " . وهنا يستعمل القديس بولس نفس الفعل الذي يعبر عن التجلي ، ولكن التجلي هنا سيكون في صورته الكاملة عندما تنطبع صورة الله على وجوهنا ، فيحدث تغيير أو تجلٍّ لطبيعتنا ، ولكن في حركة ديناميكية مستمرة لا تنقطع : " من مجد إلى مجد " بقوة عمل الرب الروح في داخلنا .