كلمة منفعة
وسط زحمة الحياة ومشاغلها وضوضائها واهتماماتها الكثيرة ما أجمل أن يتفرغ الإنسان -ولو قليلًا- للجلوس مع الله، في جو التأمل، والصلاة، وانفتاح القلب على الله..
— في البرية والهدوء

يهود

يهود، التهوديون
حجم الخط
يهود - التهوديون
هم جماعة من اليهود الذين اعتنقوا المسيحية ثم حاولوا أن يفرضوا على المسيحيين الخضوع لفرائض الناموس اليهودين ، وبخاصة الختان . ولا ترد كلمـة يتهود في العهد الجديد إلا مرة واحدة (غل 2 : 14)، والمراد منها هو أن يعيش المسيحيون حسب العوائد والتقاليد اليهودية . وفى هذا الجزء يروي الرسول بولس حديثاً جري - من قبل - بينه وبين الرسول بطرس ، إذ قال له قدام الجميع : إن كنت وأنت يهودي ، تعيش أممياً لا يهودياً ، فلماذا تلزم الأمم أن يتهودوا ؟ والقضية بالنسبة للرسول بولس لم تكن مجرد الخضوع للتقاليد اليهودية ، أو عدم الخضوع لها ، بل الاعتقاد بأن ذلك لازم للحصول على الخلاص .
في الأيام الأولي للكنيسة ، كان غالبيته - إن لم يكن جميع ـ المسيحيين من اليهود أصلاً . والقلائل الذين كانوا اصلاً من الأمم ، مثل نيقولاوس الأنطاكي ( أع 6 : 5 ) ، كانوا قد اعتنقوا اليهودية قبل أن يصيروا مسيحيين . وفي ذلك الوقت كان على من يتهود من الأمم أن يخضع لثلاث خطوات : (1) الختان للذكور
(2) الاغتسال طقسياً بالماء
(3) التعهد بالطاعة الكاملة للناموس .
أى الخضوع لستمائة وثلاثة عشرة وصية ، وضعها علماء اليهود ( الربيون ) حسب تفسيراتهم للناموس ( كما وردت في التلمود ) والذين آمنوا منهم بالمسيح ، لم يكن هذا الإيمان يحل محل يهوديتهم فلم تكن المسيحية في اعتبارهم دينا جديداً منفصلاً عن الديانة اليهودية ، بل هي الصورة الصحيحة للديانة اليهودية . وكان اليهود منهم قد اختتنوا وهم أطفال ، واختتن الأمم عند تهودهم ، وخضعوا للتقاليد اليهودية فيما يتعلق بالطعام والشراب ، كما كانوا يعبدون في الهيكل في أورشليم ( أع 3 : 1 ، 21 : 26 ) ، إلى أن دمر الرومان الهيكل في 70 م ، وفي المجامع اليهودية التي كانت منتشرة فى طول الإمبراطورية الرومانية وعرضها ( أع 13 : 5 ، 14 : 42 و 43 ، 114 ، 17 : 1 - 5 ) . فقد بدأت المسيحية وكأنها حركة أو مذهب يهودي ، وسرعان ما انتشرت في الإمبراطورية الرومانية ، وقد اضطر اليهود المسيحيون إلى مغادرة أورشليم تحت وطأة الاضطهاد ( أع 8 : 1 ، 11 : 19 - 24 ) ، وأخذوا يركزون بالإنجيـل في كل مكان ، فذهب فيلبس إلى السامرة ، وربح عدداً كبيراً من السامرين للمسيح ( أع 8 : 4 - 25 ) . كما آمن عدد كبير من اليهود في يوم الخمسـين ( أع 2 : 5 - 11 ) . ولا شك في أنه عندما عاد هؤلاء اليهود إلى البلاد التى كانوا قد جاءوا منها ، حملوا الإنجيل معهم . ويبدو أن الإنجيل وصل إلى رومية عن هذا الطريق . ولقد كان أحد أغراض لوقا فى كتابته لسفر أعمال الرسل ، أن يبين كيف أن المسيحية التى بدأت جماعة يهودية صغيرة مضطهدة في أورشليم ، انتشرت فى كل الإمبراطورية الرومانية، مما عرضها لاضطهاد اليهود، إذ وجدوا الأمم يُقبلون إليها . والنقطة الفاصلة فى سفر أعمال الرسل هي الإصحاح العاشر ، حين استخدام الرب بطرس في الكرازة بالإنجيل لقائد المائة الروماني كرنيليوس وأهل بيته ، فآمنوا جميعاً بالمسيح ، وحل عليهم الروح القدس ، فاندهش المؤمنون الذين من أهل الختان ، كل من جاء مع بطرس ، لأن موهبة الروح القدس قد انسكبت على الأمم أيضاً ( أع 10 : 15 ) .
وقد أدت الأعداد المتزايدة من الأمم الراجعين للرب يسوع المسيح ، إلى مواجهة مشكلة عسيرة هى : هل يجب على الأممي أن يصبح يهوديا أولا ، لكي يصير مسيحيا ؟ فقد رأي بعض المسيحيين من اليهود ، وجوب ذلك ، وأصبح هؤلاء يُعرفون بأهل الختان (أع 11 : 2 ، غل 2 :12). أما الآخرون ، مثل بطرس وبرنابا ، وبخاصة بولـس ، فقد رفضوا ذلك بشدة . وبينما كانت وجهتا النظر هاتان كفيلتين بشق الكنيسة في بداية عهدها إلى قسمـــين كبيرين ، إلا أن ذلك - بعناية الله - لم يحدث ، وذلك لأن الرسولين بولس وبرنابا - بعد جوله تبشيرية ناجحة (أع13 : 1 - 14 : 28) ، جمعا الكنيسة فى أنطاكية ، وأخيراً بكل ما صنع الله معهما ، وأنه فتح للأمم باب الإيمان ( أع 14 : 37 ) . ولكن سرعان ما جاء البعض من أهل الختان من اليهودية إلى انطاكية ، وجعلوا يعلمون الإخوة أنه إن لم تختتنوا حسب عادة موسى ، لا يمكنكم أن تخلصوا ( أع 15 : 1 ) كما حدث نفس الشئ في أورشليم ممن كانوا أصلا من الفريستين ( أع 15 : 5 ) .
واجتمع الرسل والمشايخ لينظروا في هذا الأمر (أع 15 : 6) . وأخيراً قرروا بإرشاد الروح القدس ( أع 15 : 28 ) أن لا يضعوا على المؤمنين من الأمم ثقلاً أكثر ، غير هذه الأشياء الواجبة : أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام ، وعن الدم والمخنوق والزنا ، التى إن حفظتم أنفسكم منها فنعماً تفعلون . كونوا معافين ( أع 15 : 23 - 29) .
ولكن يبدو أن جماعة التهوديين ظلوا يبلبلون أفكار المؤمنين ، فقد كتب الرسول بولس رسالته إلى الكنيسة فى غلاطية ليحذرهم من الاذعان لأولئك التهوديين ، الذين يبدو أنهم نجحوا في إقناع بعض المؤمنين في غلاطية بآرائهم من جهة وجوب الخضوع للناموس وممارسة الختان ( غل 5 : 12 ، 6 : 13 ) . ويبدو أيضاً أن بعض المشكلات التي حدثت في الكنيسة في كورنثوس ، كانت بسـبب التهوديين ( 2 كو 11 : 12 - 15 و 22 ) ، وكذلك في الكنيسة في فيلبي ( في 3 : 2 و 3 ) . كما يبدو أنهم نجحوا - بعض الشئ - في الكنيسة فى كولوسي ، حيث يكتب لهم الرسول : فلا يحكم عليكم أحد فى أكل أو شرب ، أو من جهة عيد أو هلال أو سبت ، التى هي ظل الأمور العتيدة ، وأما الجسد فللمسيح ( كو 2 : 16 و 17 ) .
لقد قاوم الرسول بولس - بكل قوة - دعوة التهوديين بأنه يجب على الأمم أن يتهودوا أولاً لكي يصبحوا مسيحيين . فقد حدث تجديده - الذي تروي قصته ثلاث مرات في سفر أعمال الرسل ( 9 : 1 - 9 ، 22 : 6- 16، 26 : 12 - 32 ) ، كما أشار إليها هو مراراً فى رسائلـه ( غل 1 : 11 - 17 ، 1 كو 9 : 1 ، 15 : 8 ) - لا على أساس حفظه للناموس ، بل على أساس إيمانه بالمسيح ، الذي به وحده نال التبرير أمام الله ، البر الذي من الله بالإيمان ( فى 3 : 2 - 11 ) . ويقول : إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس ، بل بإيمان يسوع المسيح ، آمنا نحن أيضاً بيسوع المسيح لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس ، لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما … لأنه إن كان بالناموس بر ، فالمسيح إذاً مات بلا سبب ( غل 2 : 16 - 21 ) . و وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس ، مشهوداً له من الناموس والأنبياء ، بر الله بيسوع المسيح … متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح … ويبرر من هو من الإيمان بيسوع ، فأين الافتخار ؟ قد انتفى . بأي ناموس ؟ أبناموس الأعمال ؟ كلا ، بل بناموس الإيمان . إذاً نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس ( رو 3 : 21 - 28 ) .