كلمة منفعة
كثيرون يقدمون أعذارًا يغطون بها خطاياهم حتى لا يلاموا، ويغطون بها تقصيراتهم في عمل الخير..
— مشكلة الأعذار
الفيلبيون
الفيلبيون، فيلبي
حجم الخط
فيلبي - الفيلبيون
أولاً - الموقع والاسم: كانت فيلبي إحدى مدن مكدونية، تقع على خط عرض 41.5o شمالاً، وخط طول 24.16 o شرقاً، على الطريق الإغناطي الشهير، على بعد نحو 33 ميلاً رومانياً من أمفيبوليس (Amphepolis)، وعلى بعد نحو 21 ميلاً من أكونتزما (Acontisma)، في وسط سهل يحده من الشرق والشمال جبال بين نهر زيجاكتس (Aygactis) ونستوس (Nestus)، ويحده من الغرب جبل بانجايوس (Pangaeus)، ومن الجنوب جبال كانت تسمى قديماً سيمبولوم (Symbolum) تجري فوقها الطريق التي كانت تربط مدينة فيلبي بمينائها نيابوليس (Neapolis) على بعد ستة أميال منها. وجزء كبير من هذا السهل تغطية المستنقعات الآن كما كانت في القديم. ويربطه بحوض ستريمون (Strymon) وادي الآنجيتس (الذي كان يحمل أيضاً اسم الجانجاس أو الجنجيتس (Gangites).
وكانت المدينة تستمد شهرتها من خصوبة السهل الذي كانت تشرف عليه، ومن موقعها الاستراتيجي على الطريق الإغناطي الشهري، ومن مناجم الذهب في الجبال الشمالية. وكان اسم فيلبي قبلاً كرينيدس (Crenides)، أي الينابيع بالنسبة للينابيع التي كانت تمد النهر والمستنقعات بالمياه، ولكن أعاد فيليب الثاني ملك مكدونية (وأبو الاسكندر الأكبر) بناءها وأطلق عليها اسمه.
ثانياً - تاريخها: استوطن هذا الموقع في البداية مهاجرون من جزيرة تاسوس (Thasos)، كانوا يعملون في مناجم الذهب في الجبال الواقعة إلى شماليها. وقد أدرك فيليب الثاني أهمية المدينة فأرسل إليها مهاجرين جدد في 356 ق. م. وغيَّر اسمها من كرينيدس إلى فيلبي وكانت مناجم الذهب - رغم استنزافها - مازالت تمد فيلبي بأكثر من وزنة من الذهب سنوياً.
وبعد أن فتح الرومان مكدونية في 167 ق.م. أصبحت فيلبي جزءاً من المقاطعة الأولى التي كانت عاصمتها أمفيبوليس. وفي 146 ق. م. أصبحت فيلبي جزءاً من ولاية مكدونية بعد أن أعيد تنظيمها، وأصبحت عاصمتها تسالونيكي. وقد وقعت المعركة الحاسمة في الحرب المدنية الثانية، في فيلبي في 42 ق. م. حين حشد بروتوس وكاسيوس قواتهما بالقرب من الطريق الإغناطي بالقرب من فيلبي، ونجح أنطونيوس في هجومه على معسكر كاسيوس، فانتحر كاسيوس قبل أن يعرف أن قوات بورتوس تغلبت على قوات أوكتافيوس ولكن بعد ذلك بثلاثة أسابيع انهزم بروتوس أيضاً فانتهت الحرب.
وقد اتسعت رقعة المدينة باستيطان الجنود الرومان بها بعد انتهاء الحرب. وبعد ذلك فتح أوغسطس قيصر (أوكتافيوس سابقاً) أبواب المدينة أمام أنصار أنطونيوس الذين جُردوا من ممتلكاتهم في إيطاليا. وكان لحكومة هذه المستعمرة نوع من الاستقلال عن حكومة الولاية. لأنها كانت مستعمرة (كولونية - أع 16: 12) رومانية، وكان لها واليان رئيسيان يعاونهما جلادون (أع 16: 35).
ثالثاً - الاستكشافات الأثرية: قام بالتنقيب عن آثار المدينة القديمة المعهد الفرنسي في أثينا من 1914 -1938، وأسفر ذلك عن الكشف عن سوق المدينة جنوب الطريق الإغناطي، وفي وسطه ساحة كبيرة، لعلها الساحة التي جر موالي الجارية العرافة، بولس وسيلا إليها. كما كشف التنقيب عن أطلال معبدين كبيرين والعديد من المباني التي ترجع إلى القرن الميلادي الثاني. كما كشف عن مسرح روماني كان مبنياً بجوار القلعة. وعلى بعد ميل إلى الغرب من المدينة توجد أطلال قوس روماني بالقرب من نهر الجنجيتس. وكان القوس عادة يمثل حدود المدينة، مثل المقابر أو معابد ديانات أجنبية، ولعل هذا كان السبب في أن بولس وسيلا خرجا إلى خارج المدينة عند نهر حيث جرت العادة أن تكون صلاة (أع 16: 13).
رابعاً - أهميتها الكتابية: تبدو عبارة فيلبي التي هي أول مدينة من مقاطعة مكدونية (أع 16: 12) عسرة الفهم، ويقول البعض إن العبارة تحتمل أن تترجم: مدينة وكولونية من القسم الأول من مكدونية. ويرى البعض الآخر أن المعنى المقصود هو أنها أول مدينة وصل إليها الرسول وهو الأرجح. كما يرى آخرون أن المدينة كان لها بعض الامتيازات التي جعلتها في مقدمة مدن مكدونية أهمية، وأن لوقا (كاتب سفر الأعمال) ذكر هذه العبارة افتخاراً بفيلبي، مما جعل السير وليم رمزي يظن أن لوقا نفسه كان أصلاً من فيلبي، وأنه هو الرجل الذي رآه الرسول بولس في رؤياه، قائماً يطلب إليه ويقول: اعبر إلى مكدونية وأعنا (إع 16: 6).
وكانت فلبي أول مدينة في أوربا كرز فيها الرسول بولس بالإنجيل، وقد جاء إليها من ترواس بطريق البحر إلى نيابوليس (ميناء فيلبي) في رحلته التبشيرية الثانية. وفي يوم السبت خرج هو ورفاقه إلى خارج المدينة عند نهر حيث جرت العادة أن تكون صلاة (أع 16: 13) وجلس أمام جماعة من النساء ، كانت من بينهن امرأة تدعى ليدية بياعة أرجوان من ثياتيرا ففتح الرب قلبها لتصغي إلى ما كان يقوله بولس فآمنت واعتمدت هي وأهل بيتها (أع 16: 13-15).
وبينما كان بولس ورفاقه ذاهبين إلى الصلاة، استقبلتهم جارية بها روح عرافة، كانت تُكَّسِّب مواليها مكسباً كثيراً، وصرخت قائلة: هؤلاء الناس هم عبيد الله العلي الذين ينادون لكم بطريق الخلاص. وكانت تفعل هذا أياماً كثيرة، فضجر بولس والتفت إلى الروح وقال: أنا آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها فخرج من تلك الساعة (أع 16: 16-18). مما جعل مواليها يجرون بولس وسيلا إلى السوق، إلى الحكام، بتهمة أنهما يبلبلان المدينة ويناديان بعوائد لا يجوز أن يقبلوها أو يعملوا بها كرومانيين، فقد كانت المدينة مستعمرة (كولونية) رومانية، فأمر الولاة بضربهما بالعصي ثم ألقوهما في السجن وأوصوا حافظ السجن أن يحرسهما بضبط، فألقاهما في السجن الداخلي وضبط أرجلهما في المقطرة (أع 16: 16-24).
ونحو نصف الليل، وبينما هما يصليان ويسبحان الله بصوت مسموع، حدثت بغتة زلزلة عظيمة حتى تزعزعت أساسات السجن، فانفتحت الأبواب كلها وانفكت قيود الجميع. ولما استيقظ حافظ السجن. ظن أن المسجونين قد هربوا، فشرع في الانتحار، لولا أن ناداه بولس بصوت عظيم ألا يفعل بنفسه شيئاً ردياً لأنهم جميعاً موجودون. وكانت نتيجة شهادة بولس له أن آمن السجان وأهل بيته بالرب يسوع واعتمدوا. وفي الصباح إذ علم الولاة أن بولس وسيلا رومانيان، اعتذروا لهما وطلبوا منهما مغادرة المدينة، فخرجا من السجن وزارا ليدية وسائر الأخوة قبل مغادرتهما فيلبي إلى تسالونيكي (أع 16: 25-40).
وهناك بعض أمور تستلفت النظر: (1) يبدو أن عدد اليهود كان قليلاً، فلم يلعبوا دوراً بارزاً في هذه الأحداث، كما لم يكن لهم مجمع فيها كما كان لهم مثلاً في سلاميس في قبرص (أع 13: 5)، وفي أنطاكية بيسيدية (13: 14و34)، وفي إيقونية (14: 1)، وفي أفسس (18: 19و36، 19: 8)، وفي تسالونيكي (17: 1)، وفي بيرية (17: 10)، وفي أثينا (17: 17)، وفي كورنثوس (18: 4)، لذلك كانت النسوة تصلين في الخلاء عند النهر (16: 13).
(2) بروز العنصر الروماني في الأحداث، فلم يكن طابع المدينة يونانياً أو يهودياً، بل كان رومانياً (16: 21)، كما كان يطلق على الحكام (16: 19) لقب ولاة (16: 20و 22و 35و 36و 38).
خامساً - زيارات الرسول بولس لها بعد ذلك: بعد الأحداث المذكورة في الأصحاح السادس عشر من سفر أعمال الرسل، غادر بولس وسيلا ومعهما تيموثاوس - على الأرجح، ولو أن ذلك لا يذكر صراحة - فيلبي إلى تسالونيكي، ولكن يبدو أن لوقا بقي في فيلبي، لأن ضمير المتكلم (البارز في أعمال 16: 10-17)، لا يظهر ثانية إلا في أع 20: 5، عند مغادرة بولس لفيلبي بعد زيارتها للمرة الثانية في طريق عودته إلى أورشليم. ولعل بقاء لوقا في فيلبي طيلة هذه السنوات الخمس، كان له تأثيره الواضح في قوة الكنيسة في فيلبي وثباتها في وجه الاضطهادات (2كو 8: 2، في 1: 29، 30)، إذ أن بولس لم يزرها مرة أخرى إلا في طريق عودته من رحلته الكرازية الثالثة، وقد سبقه إليها تيموثاوس وأرسطوس بعد أن مكث سنتين في أفسس (أع 19: 22، 20: 1)، والأرجح أنه في فيلبي انتظر مجيء تيطس (2كو 2: 13، 7: 5و6)، وهناك كتب رسالته الثانية إلى الكنيسة في كورنثوس (2كو 8: 1-4، 9: 2-4)، وبعد أن صرف ثلاثة أشهر في بلاد اليونان، عزم على العودة إلى سورية بطريق البحر، ولكن إذ علم أن هناك مكيدة من اليهود ضده، غيَّر خطته ورأى أن يرجع عن طريق مكدونية (أع 20: 3). وكانت فيلبي آخر مكان توقف فيه قبل ركوبه البحر إلى آسيا، وفي فيلبي صرف أيام الفطير، ثم عبر البحر مع لوقا إلى ترواس حيث كان في انتظاره سبعة من رفاقه (أع 20: 4-6). ويبدو أن بولس زار فيلبي مرة أخرى فيما بين سجنه الأول وسجنه الثاني في رومية، أو على الأقل كان يرجو ذلك كما يذكر (في 2: 23و24). والأرجح أن رحلته إلى مكدونية المذكورة في رسالته الأولى لتيموثاوس (1: 3)، شملت زيارته لفيلبي. ويظن الكثيرون أنه إذا كان ما جاء في الرسالة الثانية إلى تيموثاوس (4: 13) يشير إلى بقائه مدة في ترواس، فلابد أنه زار - في خلال هذه المدة - مكدونية للمرة الأخيرة. ولكن صلته بهذه الكنيسة التي أسسها، لم تقتصر على هذه الزيارات المتعددة، ففي أثناء زيارته الأولى لتسالونيكي وصلته عطية مالية - مرتين من المؤمنين في فيلبي (في 4: 16)، كما تكرر ذلك بعد أن ترك مكدونية إلى بلاد اليونان (2كو 11: 9، في 4: 15). كما أنه في أثناء سجنه الأول في رومية، أرسلت له الكنيسة في فيلبي عطية بيد أحد أعضائها، وهو أبفرودتس (في 2: 25، 4: 10و 14-19) الذي مكث بعض الوقت مع الرسول، ومرض قريباً من الموت (في 2: 27)، ثم عاد إلى فيلبي حاملاً معه الرسالة الرائعة إلى كنيسة فيلبي التي عبَّر فيها عن شكره لهم. وقد كان في عزم الرسول بولس أن يرسل لهم تيموثاوس لكي يستطلع أحوالهم (2: 19و23)، ولكننا لا نعلم هل تمت هذه الزيارة أم لم تتم، ولا شك في أن ثمة اتصالات أخرى تم تبادلها بين الرسول بولس وهذه الكنيسة (أع 18: 5، 19: 22، 2كو 11: 9، في 2: 25)، فيذكر بوليكاربوس في رسالته إلى الفيلبيين (3: 2) رسائل كتبها بولس لهم.
سادساً - تاريخ كنيسة فيلبي بعد ذلك: لا نسمع إلا القليل عن الكنيسة في فيلبي، أو في مدينة فيلبي نفسها بعد موت الرسول بولس في أوائل القرن الثاني، حُكم على إغناطيوس أسقف أنطاكية بالموت، وأُخذ إلى رومية لإلقائه للوحوش وبعد أن مر بفيلادلفيا وسميرنا وترواس، جاء إلى فيلبي، فاستقبله المؤمنون في فيلبي بكل حفاوة ومحبة وإكرام، وبعد مغادرته لهم، كتبوا رسالة مواساة للكنيسة في أنطاكية، ورسالة أخرى إلى بوليكاربوس اسقف سميرنا، يلتمسون منه أن يرسل لهم صورة من أي رسائل عنده من إغناطيوس. وقد حقق لهم بوليكاربوس هذا الطلب، وفي نفس الوقت كتب هو لهم رسالة تشجيع ونصح وتحذير. ومن هذه الرسالة نعلم أن أحوال الكنيسة في فيلبي كانت مرضية في جملتها، رغم وجود شيخ اسمه فالنس (Valens) وزوجته، يوجه لهما بوليكاربوس تقريعاً شديداً لجشعهما الذي يكذِّب ادعاءهما بأنهما مسيحيان.
ووصلت إلينا أسماء عدد قليل من أساقفة فيلبي الذين اشتركوا في التوقيع على قرارات المجامع التي عقدت في سرديكا (344 م)، وفي أفسس (431م)، وفي خلقيدون (451م). ويبدو أن كرسي الأسقفية ظل قائماً حتى بعد اضمحلال المدينة نفسها. ولا نعلم متى اختفت المدينة فموقعها لم يعد مأهولاً، وأقرب قرية الآن من الموقع القديم هي قرية ركتكا بين التلال الواقعة إلى شمالي القعلة القديمة مباشرة. فكل الموقع بل والسهل المحيط به، تغطيه الخرائب التي مازالت في حاجة إلى التنقيب المنظم. ومن الآثار الباقية فيها، أطلال التحصينات اليونانية القديمة، وبقايا ضئيلة من المسرح. ويطلق الأتراك على هذه الأطلال اسم الديكلر أي الأعمدة، وبقايا معبد قديم والعديد من النقوش، وبقايا قوس النصر.
أولاً - الموقع والاسم: كانت فيلبي إحدى مدن مكدونية، تقع على خط عرض 41.5o شمالاً، وخط طول 24.16 o شرقاً، على الطريق الإغناطي الشهير، على بعد نحو 33 ميلاً رومانياً من أمفيبوليس (Amphepolis)، وعلى بعد نحو 21 ميلاً من أكونتزما (Acontisma)، في وسط سهل يحده من الشرق والشمال جبال بين نهر زيجاكتس (Aygactis) ونستوس (Nestus)، ويحده من الغرب جبل بانجايوس (Pangaeus)، ومن الجنوب جبال كانت تسمى قديماً سيمبولوم (Symbolum) تجري فوقها الطريق التي كانت تربط مدينة فيلبي بمينائها نيابوليس (Neapolis) على بعد ستة أميال منها. وجزء كبير من هذا السهل تغطية المستنقعات الآن كما كانت في القديم. ويربطه بحوض ستريمون (Strymon) وادي الآنجيتس (الذي كان يحمل أيضاً اسم الجانجاس أو الجنجيتس (Gangites).
وكانت المدينة تستمد شهرتها من خصوبة السهل الذي كانت تشرف عليه، ومن موقعها الاستراتيجي على الطريق الإغناطي الشهري، ومن مناجم الذهب في الجبال الشمالية. وكان اسم فيلبي قبلاً كرينيدس (Crenides)، أي الينابيع بالنسبة للينابيع التي كانت تمد النهر والمستنقعات بالمياه، ولكن أعاد فيليب الثاني ملك مكدونية (وأبو الاسكندر الأكبر) بناءها وأطلق عليها اسمه.
ثانياً - تاريخها: استوطن هذا الموقع في البداية مهاجرون من جزيرة تاسوس (Thasos)، كانوا يعملون في مناجم الذهب في الجبال الواقعة إلى شماليها. وقد أدرك فيليب الثاني أهمية المدينة فأرسل إليها مهاجرين جدد في 356 ق. م. وغيَّر اسمها من كرينيدس إلى فيلبي وكانت مناجم الذهب - رغم استنزافها - مازالت تمد فيلبي بأكثر من وزنة من الذهب سنوياً.
وبعد أن فتح الرومان مكدونية في 167 ق.م. أصبحت فيلبي جزءاً من المقاطعة الأولى التي كانت عاصمتها أمفيبوليس. وفي 146 ق. م. أصبحت فيلبي جزءاً من ولاية مكدونية بعد أن أعيد تنظيمها، وأصبحت عاصمتها تسالونيكي. وقد وقعت المعركة الحاسمة في الحرب المدنية الثانية، في فيلبي في 42 ق. م. حين حشد بروتوس وكاسيوس قواتهما بالقرب من الطريق الإغناطي بالقرب من فيلبي، ونجح أنطونيوس في هجومه على معسكر كاسيوس، فانتحر كاسيوس قبل أن يعرف أن قوات بورتوس تغلبت على قوات أوكتافيوس ولكن بعد ذلك بثلاثة أسابيع انهزم بروتوس أيضاً فانتهت الحرب.
وقد اتسعت رقعة المدينة باستيطان الجنود الرومان بها بعد انتهاء الحرب. وبعد ذلك فتح أوغسطس قيصر (أوكتافيوس سابقاً) أبواب المدينة أمام أنصار أنطونيوس الذين جُردوا من ممتلكاتهم في إيطاليا. وكان لحكومة هذه المستعمرة نوع من الاستقلال عن حكومة الولاية. لأنها كانت مستعمرة (كولونية - أع 16: 12) رومانية، وكان لها واليان رئيسيان يعاونهما جلادون (أع 16: 35).
ثالثاً - الاستكشافات الأثرية: قام بالتنقيب عن آثار المدينة القديمة المعهد الفرنسي في أثينا من 1914 -1938، وأسفر ذلك عن الكشف عن سوق المدينة جنوب الطريق الإغناطي، وفي وسطه ساحة كبيرة، لعلها الساحة التي جر موالي الجارية العرافة، بولس وسيلا إليها. كما كشف التنقيب عن أطلال معبدين كبيرين والعديد من المباني التي ترجع إلى القرن الميلادي الثاني. كما كشف عن مسرح روماني كان مبنياً بجوار القلعة. وعلى بعد ميل إلى الغرب من المدينة توجد أطلال قوس روماني بالقرب من نهر الجنجيتس. وكان القوس عادة يمثل حدود المدينة، مثل المقابر أو معابد ديانات أجنبية، ولعل هذا كان السبب في أن بولس وسيلا خرجا إلى خارج المدينة عند نهر حيث جرت العادة أن تكون صلاة (أع 16: 13).
رابعاً - أهميتها الكتابية: تبدو عبارة فيلبي التي هي أول مدينة من مقاطعة مكدونية (أع 16: 12) عسرة الفهم، ويقول البعض إن العبارة تحتمل أن تترجم: مدينة وكولونية من القسم الأول من مكدونية. ويرى البعض الآخر أن المعنى المقصود هو أنها أول مدينة وصل إليها الرسول وهو الأرجح. كما يرى آخرون أن المدينة كان لها بعض الامتيازات التي جعلتها في مقدمة مدن مكدونية أهمية، وأن لوقا (كاتب سفر الأعمال) ذكر هذه العبارة افتخاراً بفيلبي، مما جعل السير وليم رمزي يظن أن لوقا نفسه كان أصلاً من فيلبي، وأنه هو الرجل الذي رآه الرسول بولس في رؤياه، قائماً يطلب إليه ويقول: اعبر إلى مكدونية وأعنا (إع 16: 6).
وكانت فلبي أول مدينة في أوربا كرز فيها الرسول بولس بالإنجيل، وقد جاء إليها من ترواس بطريق البحر إلى نيابوليس (ميناء فيلبي) في رحلته التبشيرية الثانية. وفي يوم السبت خرج هو ورفاقه إلى خارج المدينة عند نهر حيث جرت العادة أن تكون صلاة (أع 16: 13) وجلس أمام جماعة من النساء ، كانت من بينهن امرأة تدعى ليدية بياعة أرجوان من ثياتيرا ففتح الرب قلبها لتصغي إلى ما كان يقوله بولس فآمنت واعتمدت هي وأهل بيتها (أع 16: 13-15).
وبينما كان بولس ورفاقه ذاهبين إلى الصلاة، استقبلتهم جارية بها روح عرافة، كانت تُكَّسِّب مواليها مكسباً كثيراً، وصرخت قائلة: هؤلاء الناس هم عبيد الله العلي الذين ينادون لكم بطريق الخلاص. وكانت تفعل هذا أياماً كثيرة، فضجر بولس والتفت إلى الروح وقال: أنا آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها فخرج من تلك الساعة (أع 16: 16-18). مما جعل مواليها يجرون بولس وسيلا إلى السوق، إلى الحكام، بتهمة أنهما يبلبلان المدينة ويناديان بعوائد لا يجوز أن يقبلوها أو يعملوا بها كرومانيين، فقد كانت المدينة مستعمرة (كولونية) رومانية، فأمر الولاة بضربهما بالعصي ثم ألقوهما في السجن وأوصوا حافظ السجن أن يحرسهما بضبط، فألقاهما في السجن الداخلي وضبط أرجلهما في المقطرة (أع 16: 16-24).
ونحو نصف الليل، وبينما هما يصليان ويسبحان الله بصوت مسموع، حدثت بغتة زلزلة عظيمة حتى تزعزعت أساسات السجن، فانفتحت الأبواب كلها وانفكت قيود الجميع. ولما استيقظ حافظ السجن. ظن أن المسجونين قد هربوا، فشرع في الانتحار، لولا أن ناداه بولس بصوت عظيم ألا يفعل بنفسه شيئاً ردياً لأنهم جميعاً موجودون. وكانت نتيجة شهادة بولس له أن آمن السجان وأهل بيته بالرب يسوع واعتمدوا. وفي الصباح إذ علم الولاة أن بولس وسيلا رومانيان، اعتذروا لهما وطلبوا منهما مغادرة المدينة، فخرجا من السجن وزارا ليدية وسائر الأخوة قبل مغادرتهما فيلبي إلى تسالونيكي (أع 16: 25-40).
وهناك بعض أمور تستلفت النظر: (1) يبدو أن عدد اليهود كان قليلاً، فلم يلعبوا دوراً بارزاً في هذه الأحداث، كما لم يكن لهم مجمع فيها كما كان لهم مثلاً في سلاميس في قبرص (أع 13: 5)، وفي أنطاكية بيسيدية (13: 14و34)، وفي إيقونية (14: 1)، وفي أفسس (18: 19و36، 19: 8)، وفي تسالونيكي (17: 1)، وفي بيرية (17: 10)، وفي أثينا (17: 17)، وفي كورنثوس (18: 4)، لذلك كانت النسوة تصلين في الخلاء عند النهر (16: 13).
(2) بروز العنصر الروماني في الأحداث، فلم يكن طابع المدينة يونانياً أو يهودياً، بل كان رومانياً (16: 21)، كما كان يطلق على الحكام (16: 19) لقب ولاة (16: 20و 22و 35و 36و 38).
خامساً - زيارات الرسول بولس لها بعد ذلك: بعد الأحداث المذكورة في الأصحاح السادس عشر من سفر أعمال الرسل، غادر بولس وسيلا ومعهما تيموثاوس - على الأرجح، ولو أن ذلك لا يذكر صراحة - فيلبي إلى تسالونيكي، ولكن يبدو أن لوقا بقي في فيلبي، لأن ضمير المتكلم (البارز في أعمال 16: 10-17)، لا يظهر ثانية إلا في أع 20: 5، عند مغادرة بولس لفيلبي بعد زيارتها للمرة الثانية في طريق عودته إلى أورشليم. ولعل بقاء لوقا في فيلبي طيلة هذه السنوات الخمس، كان له تأثيره الواضح في قوة الكنيسة في فيلبي وثباتها في وجه الاضطهادات (2كو 8: 2، في 1: 29، 30)، إذ أن بولس لم يزرها مرة أخرى إلا في طريق عودته من رحلته الكرازية الثالثة، وقد سبقه إليها تيموثاوس وأرسطوس بعد أن مكث سنتين في أفسس (أع 19: 22، 20: 1)، والأرجح أنه في فيلبي انتظر مجيء تيطس (2كو 2: 13، 7: 5و6)، وهناك كتب رسالته الثانية إلى الكنيسة في كورنثوس (2كو 8: 1-4، 9: 2-4)، وبعد أن صرف ثلاثة أشهر في بلاد اليونان، عزم على العودة إلى سورية بطريق البحر، ولكن إذ علم أن هناك مكيدة من اليهود ضده، غيَّر خطته ورأى أن يرجع عن طريق مكدونية (أع 20: 3). وكانت فيلبي آخر مكان توقف فيه قبل ركوبه البحر إلى آسيا، وفي فيلبي صرف أيام الفطير، ثم عبر البحر مع لوقا إلى ترواس حيث كان في انتظاره سبعة من رفاقه (أع 20: 4-6). ويبدو أن بولس زار فيلبي مرة أخرى فيما بين سجنه الأول وسجنه الثاني في رومية، أو على الأقل كان يرجو ذلك كما يذكر (في 2: 23و24). والأرجح أن رحلته إلى مكدونية المذكورة في رسالته الأولى لتيموثاوس (1: 3)، شملت زيارته لفيلبي. ويظن الكثيرون أنه إذا كان ما جاء في الرسالة الثانية إلى تيموثاوس (4: 13) يشير إلى بقائه مدة في ترواس، فلابد أنه زار - في خلال هذه المدة - مكدونية للمرة الأخيرة. ولكن صلته بهذه الكنيسة التي أسسها، لم تقتصر على هذه الزيارات المتعددة، ففي أثناء زيارته الأولى لتسالونيكي وصلته عطية مالية - مرتين من المؤمنين في فيلبي (في 4: 16)، كما تكرر ذلك بعد أن ترك مكدونية إلى بلاد اليونان (2كو 11: 9، في 4: 15). كما أنه في أثناء سجنه الأول في رومية، أرسلت له الكنيسة في فيلبي عطية بيد أحد أعضائها، وهو أبفرودتس (في 2: 25، 4: 10و 14-19) الذي مكث بعض الوقت مع الرسول، ومرض قريباً من الموت (في 2: 27)، ثم عاد إلى فيلبي حاملاً معه الرسالة الرائعة إلى كنيسة فيلبي التي عبَّر فيها عن شكره لهم. وقد كان في عزم الرسول بولس أن يرسل لهم تيموثاوس لكي يستطلع أحوالهم (2: 19و23)، ولكننا لا نعلم هل تمت هذه الزيارة أم لم تتم، ولا شك في أن ثمة اتصالات أخرى تم تبادلها بين الرسول بولس وهذه الكنيسة (أع 18: 5، 19: 22، 2كو 11: 9، في 2: 25)، فيذكر بوليكاربوس في رسالته إلى الفيلبيين (3: 2) رسائل كتبها بولس لهم.
سادساً - تاريخ كنيسة فيلبي بعد ذلك: لا نسمع إلا القليل عن الكنيسة في فيلبي، أو في مدينة فيلبي نفسها بعد موت الرسول بولس في أوائل القرن الثاني، حُكم على إغناطيوس أسقف أنطاكية بالموت، وأُخذ إلى رومية لإلقائه للوحوش وبعد أن مر بفيلادلفيا وسميرنا وترواس، جاء إلى فيلبي، فاستقبله المؤمنون في فيلبي بكل حفاوة ومحبة وإكرام، وبعد مغادرته لهم، كتبوا رسالة مواساة للكنيسة في أنطاكية، ورسالة أخرى إلى بوليكاربوس اسقف سميرنا، يلتمسون منه أن يرسل لهم صورة من أي رسائل عنده من إغناطيوس. وقد حقق لهم بوليكاربوس هذا الطلب، وفي نفس الوقت كتب هو لهم رسالة تشجيع ونصح وتحذير. ومن هذه الرسالة نعلم أن أحوال الكنيسة في فيلبي كانت مرضية في جملتها، رغم وجود شيخ اسمه فالنس (Valens) وزوجته، يوجه لهما بوليكاربوس تقريعاً شديداً لجشعهما الذي يكذِّب ادعاءهما بأنهما مسيحيان.
ووصلت إلينا أسماء عدد قليل من أساقفة فيلبي الذين اشتركوا في التوقيع على قرارات المجامع التي عقدت في سرديكا (344 م)، وفي أفسس (431م)، وفي خلقيدون (451م). ويبدو أن كرسي الأسقفية ظل قائماً حتى بعد اضمحلال المدينة نفسها. ولا نعلم متى اختفت المدينة فموقعها لم يعد مأهولاً، وأقرب قرية الآن من الموقع القديم هي قرية ركتكا بين التلال الواقعة إلى شمالي القعلة القديمة مباشرة. فكل الموقع بل والسهل المحيط به، تغطيه الخرائب التي مازالت في حاجة إلى التنقيب المنظم. ومن الآثار الباقية فيها، أطلال التحصينات اليونانية القديمة، وبقايا ضئيلة من المسرح. ويطلق الأتراك على هذه الأطلال اسم الديكلر أي الأعمدة، وبقايا معبد قديم والعديد من النقوش، وبقايا قوس النصر.
اقتراحات موسوعية أخرى
ارداش
إسم معناه عديم الانتباه
حمام
حمَّام ــ إستحمام
(1) الحمَّام المألوف :نادراً ما ورد في الكتاب المقدس ذكر الاستحمام بالمعنى المأل...
تيموثاوس
تيموثاوس ــ الرسالة الأولى
يمكن تقسيمها بإيجاز كما يأتي :
(أ) ــ بولس وتيموثاوس ( 1 تي 1 : 1 ــ 20...
طوبى
طوبى - تطويبات
الطوبي الحسني والخير . و طوبي له تعني يالغبطته أو يا لسعادته . والكلمة في العبرية هي...
احسباى
أحسباى
معناه مزهر وهو أبو أليفلط أحد أبطال داود ( 2 صم 23 : 34 ) ويوصف بأنه المعكي ولربما كان من عائ...
لعنة
لعن - لعنة
اللعنة هي الدعاء بالشر أو الأذى للأعداء ، فاللعنة ضد البركة :
( 1 ) عقائد الوثنيين : كا...