كلمة منفعة
الفرح الحقيقي هو ثمرة من ثمار الروح القدس في القلب، إذ يقول الكتاب: أما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام (غل 5: 22).
— فرح حقيقي وفرح زائف
اورشليم
اورشليم، تاريخ ما قبل إسرائيل ( 1)، اسرائيل
حجم الخط
أورشليم - تاريخ ما قبل إسرائيل
ترجع أورشليم إلي عصور ما قبل التاريخ المكتوب . ففي مواقع عديدة في المناطق المجاورة ، كما في البقيع إلي الجنوب الغربي، وفي أقصي الطرف الشمالي لجبل الزيتون إلي الشمال الشرقي منها ، كانت هناك أماكن كثيرة مأهولة في العصر الحجري القديم قبل فجر التاريخ بكثير ، كما يبدو من الكميات الهائلة من الأدوات الحجرية المتناثرة فوق السطح . ومن المؤكد أن موقع المدينة نفسه كان مأهولاً قبل داود بعدة قرون ، والأرجح أنها هي مدينة شاليم (تك 14: 18) والتي كان ملكي صادق ملكاً عليها.
(1) رسائل تل العمارنة: وترجع أول إشارة مؤكدة إلي هذه المدينة إلي 1450 ق.م حيث ورد الاسم أورشليم في عدة خطابات من رسائل تل العمارنة. وفي سبعة من هذه الخطابات يرد الاسم عبد خيبا وواضح أن هذا الرجل كان ملكاً أو حاكماً للمدينة ممثلاًلفرعون مصر . وفي هذه المراسلات يصور عبد خيبا نفسه مجاهداً بكل قواه للمحافظة علي حقوق سيده في وجه القوات المعتدية التي تهدد بالسيطرة عليه . ومن هذا يمكن أن نستنتج أن الموقع كان مدينة حصينة تحرسها قوات مصرية مرتزقة ، وهناك ما يحمل علي الاعتقاد بأن فرعون مصر في ذلك الوقت ، أمنحتب الرابع (أخناتون) ، جعلها مقدساً لإلهه آتون (قرص الشمس. ويبدو أن بعض الأراضي -التي ربما كانت تمتد جهة الغرب حتي عجلون كانت خاضعة لسلطة الحاكم .ويقول البروفسور سايس إن عبد خيبا ربما كان رئيساً حثياً، ولكن هذا امر مشكوك فيه . وتنتهي الرسائل بصورة مفاجئة وتتركنا في حيرة فيما يختص بمصير الكاتب ، ولكننا نعلم أن سيطرة مصر علي فلسطين قد اعتراها الضعف في ذلك الوقت .
(2) غزو يشوع : وفي اثناء غزو يشوع لكنعان ، يذكر اسم أدوني صادق (يش 10: 1-27) باعتباره ملك أورشليم ، وقد اتحد مع ملوك حبرون ويرموت ولخيش وعجلون لمحاربة الجبعونيين الذين صالحوا يشوع . ولكن يشوع هزم الملوك الخمسة ، فهربوا واختبأوا في مغارة مقيدة فأخرجهم يشوع منها وذبحهم جميعاً. وثمة ملك آخر اسمه أدوني بازق هزمه سبط يهوذا بعد موت يشوع، وبعد أن شوهوا جسده، أتوا به إلي أورشليم فمات هناك (قض 1: 1-7) . ثم حارب بنو يهوذا أورشليم وأخذوها وأشعلوا المدينة بالنار (قض 1: 8)، ولكن المدينة ظلت في أيدي اليبوسيين بضع سنوات أخري (قض 1: 21 ، 19: 11) رغم انها كانت محسوبة -من الناحية النظرية -ضمن التخوم الجنوبية لسبط بنيامين (يش 15: 8، 18: 16و 18) . وبعد أن ملك داود سبع سنوات وستة أشهر في حبرون ، قرر أن يجعل من أورشليم عاصمة له ، وفي حوالبي 1000ق.م فتح المدينة واستولي عليها .
(3) موقع المدينة اليبوسية : ولعل أورشليم ظلت إلي ذلك الوقت كباقي المواقع الحصينة المعاصرة لها، مدينة صغيرة نسبياً تحيط بها أسوار حصينة قوية لها باب واحد أو بابان . وهناك إجماع علي أن المدينة كانت تشغل السلسلة الجبلية جنوبي الهيكل ، وهو الموضع الذي أطلق عليه خطأ ولمدة طويلة عوفل (أي الأكمة)، وكانت أسوارها علي سفوح تلال صخرية شديدة الانحدار فوق وادي قدرون من جهة، والتيروبيون من الجهة الأخري . وهناك الكثير من الدلائل علي أن نظام الأنفاق المعروف باسم خندق أو نفق وارن كان موجوداً طوال هذه المدة.
(4) داود : وقصة فتح داود لأورشليم تبدو غامضة، ولكنها قد يكون فيها تفسير لأحد الفصول الصعبة ، (2 صم 5: 6-9 ) ، وإن كنا نستنتج أن اليبوسيين، اعتماداً علي موقعهم المنيع ، تحدوا داود قائلين: لاتدخل إلي هنا … فإن العميان والعرج سيطردونك … (2 صم 5: 6) ، فدفع داود رجاله لأن يصعدوا إلي القناة ويضربوا العمي والعرج، وهو تعبير يذكره هو بدوره، سخرية باليبوسيين فصعد أولاً يوآب ابن صروية فصار رأسا (1 أخ 11: 6)، ويبدو- علي الأقل -أن رجال داود استولوا علي المدينة في هجوم مفاجئ خاطف عن طريق الأنفاق الضخمة. وإذ استولي داود علي حصن صهيون ، دعاه مدينة داود وأقام بها وزاد في تحصينها : وبني داود مستديراً من القلعة فداخلاً ، وبمعونة العمال الفينيقيين الذين أرسلهم إليه حيرام ملك صور، بني لنفسه بيتاً من خشب الأرز (2 صم 5: 11، 7: 2)، وأحضر تابوت عهد الرب من بيت عوبيد أدوم ، ووضعة في خيمة (2 صم 6: 17) في مدينة داود (انظر 1 مل 8: 1). ثم اشتري بيدر أرونة اوارنان (1 أخ 21: 15) اليبوسي،ليبني عليه الهيكل.
(5) امتداد المدينة : وكانت أورشليم التي استولي عليها داود مدينة صغيرة مكتظة بالسكان ، ولكن ثمة دلائل علي أنه في مدة محكمة ، اتسعت بصورة ملحوظة نتيجة لنمو الضواحي خارج الأسوار اليبوسية . ولابد أن عدد السكان قد ازداد من جملة مصادر ، فلاشك في أن تدفق أتباع داود علي المدينة قد دفع بالكثيرين من السكان القدامي الي لالتجمع خارج المنطقة المسورة . كما يبدو أنه كانت هناك حامية عسكرية كبيرة (2 صم 15: 18، 20: 7) وموظفون كثيرون وكهنة مع عائلاتهم (2 صم 8: 16-18، 20: 23-26 ، 23: 8-38) ، وأفراد أسرة داود العديدون وأقاربهم (2 صم 5: 13- 16، 14: 24, 28، 1 مل 1: 5, 53… إلخ) . ومن المستحيل أن نفترض أن كل هولاء قد تجمعوا في مكان جد ضيق ، في الوقت الذي نقرأ فيه أبشالوم قضي سنتين كاملتين في أورشليم دون ان يري وجه الملك ، مما يدل علي وجود ضواح للمدينة (2 صم 14: 24 , 28) أما المساكن الجديدة فيحتمل أنها امتدت إلي الشمال الغربي نحو وادي التيروبيون علي امتداد الطريق الشمالي الكبير ، ولكن ليس من المحتمل أنها شغلت الكثير من التل الغربي.
(6) سليمان : وبتولي سليمان الملك ، فإن عظمة البلاط المتزايدة ، والزوجات الأجنبيات والأماكن التي أعدها لهن ، والموظفين الجدد ، والعدد الغفير من العمال الذين جاءوا إلي المدينة لتشييد المباني الضخمة التي أقامها سليمان ، كل هذا- ولابد -قد ضاعف من عدد سكان المدينة وجعله يتضخم جدا . كما أن المباني المذكورة في الكتاب المقدس : الهيكل وبيت الملك وبيت ابنة فرعون وبيت وعر لبنان، ورواق الكرسي (أو قاعة العرش) ورواق الأعمدة (1 مل 7: 1-8)، لابد أن كل هذا قد غير معالم المدينة تماما. ونتيجة لهذه المباني الجديدة من الهيكل وبيوت عامة الشعب ، كان من الضروري إقامة سور جديد حول المدينة. وهناك عبارة تتكرر مرتين من أن سليمان بني سور أورشليم حواليها (1 مل 3: 1، 9: 15)، كما بني القلعة (1 مل 9: 15و 24، 11: 27)، وأنه سد شقوق مدينة داود أبيه ( 1 مل 11: 27) . ولعل الشقوق تشير إلي السور الذي كان يلزم بناؤه لإدخال القلعة داخل دائرة التحصينات ، أو لعلها جزءاً من التحصينات التي حال دون إتمامها موت داود .
(7) سور المدينة الذي بناه سليمان : أما السور الذي بناه سليمان، فمن المؤكد أنه كان جهة الشمال والغرب، والذي وصفه يوسيفوس بأنه السور الأول .ويشهد الجرف الواسع المحفور في الصخر في الركن الجنوبي الغربي ،بضخامة البناء. ولكن ثمة شك حول ما إذا كان التل الجنوبي الغربي كله داخلاً فيه. وحيث أنه توجد في برج بليس (انظر سادساً من هذا البحث) دلائل علي سور قديم يسير في اتجاه الشمال الشرقي ويشمل قمة التل الجنوبي الغربي، فمن المحتمل جداً أن سور سليمان سار في نفس هذا الاتجاه، وفي هذه الحالة، لأبد أنه عبر التروبيون عند مكان السور الجنوبي الحالي، ثم سار بعد ذلك إلي الجنوب الشرقي ليتصل بالسور الغربي لمدينة اليبوسيين القديمة . وكان يحيط بمباني الهيكل والقصر سور متصل العمارة ، مما جعلها مكاناً حصيناً كما يبدو من التاريخ العبري . وكانت هذه الأسوار -في الأجزاء خارج المدينة- تكوِّن جزءا من دائرة التحصينات.
ومع أن سليمان بني بيتاً فخماً للرب ، فإنه أقام في الأماكن المجاورة معابد لآلهة أخري (1 مل 11: 7, 8)، وهي زلة ترجع أساساً إلي تأثير نسائه الأجنبيات، والتحالفات الأجنبية التي ترتب ذلك .
(8) الانقسام (933 ق.م) : ولابد أن انقسام المملكة كان ضربة قوية لأورشليم ، إذ لم تعد عاصمة لدولة موحدة، ولكن لسبط صغير. وقد انقطعت فجأة الموارد التي كانت تحت إمراة سليمان لبناء المدينة، نظراً للسياسة التي أعلنها يربعام. ولابد أن حالة الحرب الطويلة التي دارت بين الشعبين ، والتي امتدت ستين عاماً (1 مل 14: 30، 15: 6و 16، 22: 44) ، قد أعاقت نمو التجارة والفنون التي تزدهر في أيام السلم .
(9) غزوة شيشق (928 ق.م) : وفي السنة الخامسة للملك رحبعام (928 ق.م) صعد شيشق (شيشنق) ملك مصر إلي أورشليم ( 1 مل 14: 25و 26) وأخذ المدن الحصينة التي ليهوذا (2 أخ 12: 4) . وكان يظن أنه حاصر أورشليم واستولي عليها ، ولكن حيث أنه لا يُذكر شيء عن تدمير التحصينات ، وحيث أن اسم هذه المدينة لم يكتشف في السجلات المصرية عن هذه الحملة، فالأرجح- وهو ما يتفق مع ما جاء بالكتاب المقدس -أن شيشق اكتفي بأن قدموا له : خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك … وجميع أتراس الذهب التي عملها سليمان (1 مل 14: 26) .
(10) العرب ينهبون المدينة: وواضح أنه عندما تولي يهوشفاط العرش، استردت المدينة أهميتها (انظر 1 مل 22). ولكن في مدة حكم ابنه يهورام (849- 842 ق.م) صعد العرب والفلسطينيون إلي يهوذا وافتتحوها ونهبوا كل الأموال الموجودة في بيت الملك (2 أخ 21: 16و 17) . أما أخزيا (842 ق.م) ابن يهورام فقد ذهب لزيارة أقارب أمه في يزرعيل ، وبعد أن جرح في مركبته بالقرب من يبلعام ، مات بالقرب من مجدو، ونقل جسده إلي أورشليم ودفن هناك (2 مل 9: 27و 28) . وأصبحت أورشليم في ذلك الوقت مسرحاً للأحداث المثيرة من اغتصاب عثليا للعرش ثم مقتلها (2 مل 11: 16، 2 أخ 23: 15) ، وتتويج حفيدها يوآش وما قام به من إصلاحات (2 مل 12: 1-16، 2 أخ 24: 1-14) . وبعد موت الكاهن التقي يهوياداع، أزاغ رؤساء يهوذا الملك وتركوا بيت الرب (2 أخ 24: 15-22) .
(11) حزائيل ملك أرام (797 ق.م ) : وكانت النتيجة أن الأراميين بقيادة حزائيل ، حاربوا يهوذا وأورشليم وقتلوا الأمراء وضربوا الأرض، وأعطاه يوآش الكثير من خزائن القصر وبيت الرب ( 2 مل 12: 17و 18، 2 أخ 24: 23) . وأخيراً فتن عبيد يوآش عليه وقتلوه (2 مل 12: 20و 21، 2 اخ 24: 25) في بيت القلعة حيث ينزل إلي سليَّ .
(12) يهوآش ملك إسرائيل يستولى علي المدينة : في أثناء حكم أمصيا (797- 729 ق.م) ابن الملك المقتول، يبدو ان الانتصار علي أدوم جعل أمصيا يغتر بنفسه ، حتي إنه أرسل يتحدي يهوآش ملك اسرائيل للحرب (2مل 14: 8و 9) ، وتقابل الجيشان في بيت شمس وانهزم يهوذا وهربوا كل واحد إلي خيمته . ولم تستطع أورشليم أن تقاوم المنتصرين ، فهدم يهوآش سور أورشليم من باب أفرايم إلي باب الزاوية أربع مئة ذراع ، ثم عاد بعد ذلك إلي السامرة محملاً بالغنائم والرهائن (عدد 14 ) وبعد ذلك بخمسة عشر عاماً، قتل أمصيا في لخيش التي هرب إليها من فتنة ضده، ولكنهم حملوا جثته علي الخيل ودفنوه في أورشليم.
(13) عزيا يعيد بناء التحصينات (779- 740 ق.م) : لا شك في أن ما جعل عزيا (أو عزريا) يعمل علي تقوية نفسه، إنما هو تذكره لإذلال الذي أصاب أباه . فهزم عزيا الفلسطينيين والعرب في جور ، ووضع العمونيين تحت الجزية (2 أخ 26: 7و 8) وبني أبراجاً في أورشليم عند باب الزاوية وعند باب الوادي وعند الزاوية وحصَّنها (عد 9)، كما أنه عمل في أورشليم منجنيقات اختراع مخترعين لتكون علي الأبراج وعلي الزوايا لترمى بها السهام والحجارة العظيمة (عدد 15) . ويبدو أن أورشليم في عهده قد استعادت بعض أمجادها التي كانت لها في أيام سليمان في وقت السلم الطويل الذي تمتعت به مع جيرانها في الشمال. وفي أيامه حدثت في المدينة زلزلة كبيرة (زك 14: 5، عا 1: 1، انظر إش 29: 6، عا 4: 11، 8: 8) . وبني يوثام ابنه الباب الأعلي لبيت الرب (2 مل 15: 35 ، 2 اخ 27: 3) . ويحتمل أنه هو باب بنيامين الأعلي ( إرميا 20: 2) ، وبني كذلك معظم السور الذي علي الأكمة، ويحتمل أن في ذلك إشارة إلي حصن صهيون القديم علي التل الجنوبي الشرقي ( 2 أخ 27: 3).
(14) آحاز يتحالف مع آشور (736- 728 ق.م) : كان علي آحاز أن يشكر لأبيه وجده ما قاما به لتحصين المدينة ، فقد نجحت أسوارها في الدفاع عنها ضد ملوك أرام وإسرائيل (2 مل 16: 5و 6) ، ولكن آحاز -وقد شعر بضعف مملكته الصغيرة- اشتري بالذهب والفضة التي أخذها من بيت الرب ، تحالفا مع تغلث فلاسر ملك أشور، وذهب لملاقاة ملك أشور في دمشق، وتملقه بأن بني مذبحاً مشابهاً للمذبح الذي كان في دمشق، ليقدم عليه الذبائح في الهيكل (الأعداد 10: 12) . وقد خيم الظلام علي عهده بالممارسات الوثنية، وبخاصة أنه عبَّر ابنه في النار - كذبيحة بشرية- في وادي بن هنوم (1 مل 16: 3, 4، 2 أخ 28: 3) .
(15) أعمال حزقيا العظيمة : خلف حزقيا آحاز أباه علي العرش (727- 699 ق.م) في وقت خطر شديد ، فقد سقطت السامرة ومعها مملكة إسرائيل ، وبصعوبة فائقة ردت أشور علي أعقابها ، وكان الشعب في حالة ارتداد عظيم ، ومع هذا فإن أورشليم لم تبلغ من قبل مثل هذه العظمة والتقدير في أعين الأنبياء (إش 7: 4و 5، 8: 8, 10، 10: 28و 29 ، 14: 25-32… إلخ) . وفي بداية ملكه، كان قيام مردوخ بلادان الكلداني ضد أشور ، عاملاً علي إراحة يهوذا من أعظم الأخطار التي كانت تتهددها، ودخل حزقيا في علاقات صداقة مع ملك بابل الجديد، عندما أطلع رسله علي كل كنوزه (إش 39: 1و 2) . ويبدو أن حزقيا قد قام -في ذلك الوقت أو بعده بقليل- بأعمال عظيمة، بها هيأ عاصمته للأوقات العصيبة القادمة فسد مخرج مياه جيحون الأعلي وأجراها تحت الأرض وأدخل الماء إلي المدينة ليمنع ملوك أشور من الوصول إليها (2 مل 20: 20، 2 أخ 32: 4و 30) .
ومن المؤكد، أنه ليكون للنفق الذي عملوه أي فائدة، لابد أن التل الجنوبي الغربي كان داخل دائرة السور، ومن المرجح جداً أن ما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني (32: 5) من أنه بني كل السور المنهدم ، وأعلاه إلي الأبراج، وسوراً آخر خارجاً، يشير- في العبارة الأخيرة- إلي امتداد السور علي حافة التل الجنوبي الغربي إلي سلوام. ومن الناحية الأخري ، لو أن هذا كان من عمل سليمان،فإن السور الآخر قد يكون هو السد العظيم الذي يغلق فم التروبيون، فقد كان ذلك جزءاً أساسياً في خطته ليمنع جيشاً يحاصر المدينة من الوصول إلي المياه. كما حصَّن القلعة علي التل الجنوبي الشرقي. وإذ أصبح حزقيا آمناً داخل هذه التحصينات التي جعلت من أورشليم مدينة من أقوي المدن المسورة في أسيا الضربية، وبمعاونة المرتزقة العرب- كما نعلم من الأقوال التي سجلها سنحاريب- كان قادراً علي التخلص من الملك الأشوري العظيم، والاحتفاظ بمدينته عزيزة (2 مل 18: 13-16) ، غير أنه يبدو أنه واجه تهديداً جديداً بالهجوم علي المدينة (2 مل 19: 9-37) .
(16) إصلاحاته الدينية : قام حزقيا بإصلاحات كثيرة فهو أزال المرتفعات وكسر التماثيل وقطع السواري وسحق حية النحاس التي عملها موسي …. ودعوها نحشتان أي قطعة من النحاس (2 مل 18: 4) .
(17) تحالف منسي مع أشور : جاء منسي بعد أبيه حزقيا ، وكان عمره حين ملك اثنتي عشرة سنة، وملك خمساً وخمسين سنة (698 -643 ق.م.) في أورشليم ، وكان خاضعاً لآسرحدون وأشور بانيبال كما نعلم من نقوشهم، ويشير أشور بانيبال في أحد نقوشه ، إلي منسي بأنه ملك مدينة يهوذا. وملك أشور الذي أخذ منسي مقيداً في سلاسل إلي بابل،يحتمل أنه كان أشور بانيبال (2 أخ 33: 11، انظر يوسيفوس- المجلد العاشر 3: 2) . ويتضح مدي تغلغل النفوذ الأشوري في البلاد ، من اللوحين اللذين عثر عليهما حديثاً في جازر وعليهما كتابة مسمارية من عهد هذا الملك الأشوري .
وقد امتد هذا النفوذ إلي المجال الديني حيث نقرأ عن منسي : وبني مذابح لكل جند السماء في داري بيت الرب (2 مل 21: 5) . وهناك إشارات أخري لعبادة الأصنام التي أدخلها هذا الملك (انظر إرميا 7: 18، 2 مل23: 5و 11و 12… إلخ ) ، كما ملأ أورشليم من دم الشهداء الأزكياء الأمناء للرب (2 مل 21: 16، إرميا 19: 4). ويحتمل أن فترة السلام الطويلة مع الأمم المجاورة، قد أدت إلي ازدياد عدد السكان وبخاصة بتدفق الغرباء من المناطق المتاخمة لها.
(18) ترميمه الأسوار : ونقرأ في سفر أخبار الأيام الثاني (33: 14) عن الإصلاحات المعمارية التي قام بها هذا الملك لتحصين أورشليم : وبعد ذلك بني سوراً خارج مدينة داود غرباً إلي جيحون في الوادي وإلي مدخل باب السمك. ولابد أن هذا السور كان سوراً جديداً ، أو سوراً أعيد بناؤه علي كل الجانب الشرقي من المدينة، وحوط الأكمة بسور وعلاَّه جداً.
وكان منسي أول ملك من ملوك يهوذا يدفن بعيدا عن مدافن الملوك، فقد دفن (كما دفن ابنه آمون) في بستان بيته في بستان عزا (2 مل 21: 18)، ولعل هذه القبور هي المشار إليها في حزقيال (43: 7-9) والقريبة من مباني الهيكل.
(19) يوشيا والإصلاحات الدينية (640- 609 ق.م) : وجد سفر الشريعة في زمن يوشيا ، وبناء علي ذلك قام الملك بإصلاحات جذرية (2 مل 22، 23) . لقد أحرق السارية في وادي قدرون ودقها إلي أن صارت غباراً، وذري الغبار علي قبور عامة الشعب ، وأحرق كل آنية البعل، ونجس توفة التي في وادي بني هنوم (2 مل 23: 6-10). وبعد حكم دام 31 عاماً (2 مل 23: 29و 30). حاول يوشيا أن يعترض طريق فرعون مصر، نخو، حتي لا ينضم إلي ملك بابل ضد أشور ، فهزم وقتل في مجدو، ودفن في قبره في أورشليم، ويحتمل أنه دفن في نفس المكان الذي دفن فيه أبوه وجده. وبعد ذلك أخذ نخو فرعون مصر يهوآحاز أسيراً إلي مصر بعد ملك دام ثلاثة شهور فقط (2 مل 23: 34) ومات في مصر ، ودفن-علي ما يبدو- في قبور الغرباء (إرميا 22: 10-12) . أما أخوه ألياقيم- الذي غيَّر نخو ملك مصر اسمه إلي يهوياقيم -فقد خلفه علي العرش ، وفي السنة الرابعة لملكه هزم البابليون مصر في كركميش، فكان علي يهوياقيم أن يتحول عن الخضوع لمصر إلي الخضوع لبابل (1مل 23: 35- 24: 7) .
(20) إرميا يتنبأ بالمصير المرتقب : وفي أثناء هذه الفترة كان إرميا يطوف بكل همة في شوارع أورشليم وساحاتها (إرميا 5: 1…..إلخ) منبئاً بالخراب القادم علي المدينة، وقد قوبلت أقواله بالازدراء والغضب من الملك والبلاط (إرميا 36: 23). ونتيجة لتمرد يهوياقيم علي ملك بابل، أرسل الرب عليه غزاة الكلدانيين والأراميين والموآبيين والعمونيين (2 مل 24: 2) ومات مغموراً (2 مل 24: 6، إرميا 22: 18و 19).
وخرج ابنه يهوياكين-الذي خلفه في الحكم- مع كل أهل بيته إلي نبوخذ نصر ملك بابل، واستسلموا له (597 ق.م)، فأخذه الملك نبوخذ نصر إلي بابل حيث قضي أكثر من 37 سنة (2 مل 25: 27-30)، ونهبت كل كنوز أورشليم، وسبى كل سكانها من ذوي الجاه والمركز.
(21) نبوخذ نصر يفتح أورشليم مرتين (586 ق.م) : بعد أحد عشر عاماً، قام صدقيا الملك المعين من قبل ملك بابل، بالثورة ضده، فحاصرت الجيوش البابلية أورشليم مدة سنة ونصف حتي اشتد الجوع في المدينة. وفي التاسع من شهر آب هرب جميع رجال القتال ليلا عن طريق الباب بين السورين اللذين نحو جنة الملك أي بالقرب من فم التيروبيون .أما الملك فقد ذهب في طريق البرية فقبض عليه في برية أريحا . ولقد لقي عقاباً صارماً لعدم أمانته لبابل (2 مل 25: 1-7) ، وأخربت المدينة وأحرقت بالنار، ولقي الهيكل نفس المصير ،وهدمت أسوار أورشليم ولم يبق بها إلا مساكين الأرض ليعملوا كرامين وفلاحين (2 مل 25: 8-12، 2 أخ 36: 17-21) ، والأرجح أن التابوت قد نقل في ذلك الوقت.
(22) كورش والرجوع الأول (538 ق.م) : بعد أن دمرت المدينة ، اتجهت قلوب أفضل العناصر في يهوذا ، بأشواقها إلي فكرة إعادة بنائها. ويحتمل أن بعضاً من السكان الباقين في البلاد، قد احتفظوا ببعض المظاهر الخارجية لعبادة الرب في موقع الهيكل. وأخيراً في 538 ق.م عندما أصبح كورش الفارسي سيداً علي الامبراطورية البابلية ، أصدر الكثير من الأوامر بإعادة بناء معابد الآلهة الأشورية والبابلية، كما أعطي الإذن لليهود بالعودة إلي بلادهم وبناء بيت الرب (عز 1: 1و 2) .وقد عاد أكثر من 40.000 (عز 1، 2) بقيادة شيشبصر رئيس يهوذا (عز 1: 8, 11) حاملين معهم آنية بيت الرب المقدسة ، واستؤنف تقديم الذبائح اليومية والاحتفال بالأعياد والأصوام (عز 3: 3-7) .
وأخيراً وضعت أساسات الهيكل (عز 3: 10، 5: 16). ولكن نظراً لمعارضة سكان البلاد والسامريين لم يكتمل البناء إلا بعد عشرين سنة (عز 6: 15) .
(23) نحميا يعيد بناء الأسوار : إن الوصف التفصيلي لإعادة بناء أسوار أورشليم في زمن نحميا (445 ق.م) يعطينا صورة عن هذه التحصينات أوفي من أي وقت سابق، فلقد كرس نحميا نفسه لإعادة بناء الأسوار إلي الحالة التي كانت عليها قبيل السبي ، بقدر المستطاع. وقد تم إنجاز العمل بسرعة رغم ظروف الخطر التي كانت تحدق بهم، فقد كان نصف العمال يمسكون الرماح والأتراس والقسي والدروع، للدفاع عن الباقين، كان كل عامل جنديا (نح 4: 13و 16-21) . وقد استغرقت عملية إعادة البناء 52 يوما ، وما كان ذلك ممكناً علي الإطلاق ، لو لم تكن كمية ضخمة من المواد في متناول اليد وسط أنقاض الأبنية المنهدمة . ولاشك في أن العجلة والموارد المحدودة، أدت إلي بناء سور أضعف كثيراً من السور الذي حطمه نبوخذ نصر منذ 142 سنة مضت ، ولكن السور الذي بناه نحميا سار علي نفس الخط ، وكان له نفس الطراز المعماري.
(24) الحاكم باغوهي : وليس لدينا معلومات تاريخية وافية عن أورشليم طيلة المائة العام التالية لذلك. غير أن البرديات التي وجدت في جزيرة ألفنتين ( قرب أسوان ) تعطينا لمحة من ذلك التاريخ ، حيث نقرأعن جماعة يهودية في صعيد مصر ، تلتمس من باغوهي حاكم اليهودية أن يمنحهم الإذن بإعادة بناء هيكلهم، هيكل الرب في مصر .ويذكرون في سياق الحديث أنهم سبق أن رفعوا التماساً إلي يهوحنان رئيس الكهنة ورفقائه في أورشليم، ولكن بلا جدوي. وفي وثيقة أخري نجد أن هذا الالتماس المقدم للحاكم الفارسي قد لقي قبولاً. ويرجع تاريخ هذه الوثائق إلي 411-407 ق.م. وبعد ذلك- ويحتمل أنه في حوالي 350 ق.م . نجد بعض الشواهد -الغامضة بعض الشيء -عن تدمير أورشليم، وأسر عدد من اليهود في زمن ارتحشستا الثالث (358- 337 ق.م) .
ولكن ابتداء من معركة ايسوس وحملة الإسكندر الأكبرعلي فلسطين (332 ق.م تقريبباً) ، نجد انفسنا أمام حقائق تاريخية أثبت، علي الرغم من أن تفاصيل قصة زيارة الأسكنر لأورشليم، يحوطها الشك. وبعد موته في 323 ق.م . عانت فلسطين كثيراً نتيجة لموقعها بين البطالمة في مصر والسلوقيين في أنطاكية ، فقد تبادل الاثنان حكمها . ويبدو أن الجزية كانت تقسم بينهما في وقت من الأوقات.
(25) حكم البطالمة : في 321 ق.م . غزا بطليموس سوتر فلسطين واستولي علي أورشليم بخدعة إذ دخل المدينة يوم السبت كما لو كان راغباً في تقديم ذبيحة. وأخذ معه عدداً كبيراً من الأسري اليهود إلي مصر وأسكنهم فيها . وفي الصراع بين الملوك المتنافسين، ظلت أورشليم بمنأي عن الاضطرابات تحت حكم مصر المطلق ، وذلك بسبب موقعها المنعزل، علي الرغم من أن فلسطين نفسها قاست الكثير . وفي 217 ق.م. زار بطليموس الرابع (فيلوباتر) الهيكل في أورشليم وقدم القرابين بعد انتصاره علي أنطيوكس الثالث في رافيا. وجاء في الأصحاح الأول من المكابيين الثالث أنه دخل (قدس الأقداس). وازدهار المدينة النسبي في أيام الحكم المصري ، يشهد به هيكاتيوس الأبديري، الذي يستشهد به يوسيفوس، إلي حد أنه يقدَّر عدد سكان المدينة بنحو 120.000 نسمة ، ولكن يحتمل أنه كان مغالياً في ذلك .
(26) أنطيوكس الكبير : وفي 198 ق.م. عندما هزم أنطيوكس الكبير جيش بطليموس في موقعة بانياس الحاسمة- والتي تعتبر نقطة تحول في التاريخ- ذهب اليهود من أنفسهم إليه وزودوا جيشه بكميات كبيرة من المؤن، وأعانوه في محاصرة القوات المصرية المرابطة في القلعة . ويذكر يوسيفوس رسائل يسجل فيها أنيوكس رضاه عن الاستقبال الذي قوبل به من اليهود، ومنحه لهم الكثير من الامتيازات. وكتب يشوع بن سيراخ تقريراً عن ازدهار المدينة في ذلك الوقت (190-180 ق.م. ) في كتاب حكمة يشوع . لقد كانت المدينة مزدحمة تعج بمظاهر الحياة أو الأنشطة الكثيرة ، ويذكر بعبارات براقة ، رئيس الكهنة العظيم سمعان بن أونياس (226-199 ق.م.) (حكمة يشوع 50: 1-4) الذي رمم الهيكل وحصنه، وقوَّي الأسوار لمقاومة أي حصار . ويقدم لنا خطاب أرستياس -الذي يحتمل أن يكون قد كتب في نهاية حياة هذا الرجل العظيم (حوالي 20 ق.م.) صورة مماثلة. ولكن سرعان ما تعرَّض للخطر ذلك الازدهار الملحوظ والحرية الدينية -التي نعم بها اليهود تحت حكم المصرييين- عندما صاروا تحت سلطة الحاكم الجديد، فقد زادت الضرائب ، وأصبح الولاء للمبادئ اليهودية يعتبر خيانة للحاكم السلوقي .
ترجع أورشليم إلي عصور ما قبل التاريخ المكتوب . ففي مواقع عديدة في المناطق المجاورة ، كما في البقيع إلي الجنوب الغربي، وفي أقصي الطرف الشمالي لجبل الزيتون إلي الشمال الشرقي منها ، كانت هناك أماكن كثيرة مأهولة في العصر الحجري القديم قبل فجر التاريخ بكثير ، كما يبدو من الكميات الهائلة من الأدوات الحجرية المتناثرة فوق السطح . ومن المؤكد أن موقع المدينة نفسه كان مأهولاً قبل داود بعدة قرون ، والأرجح أنها هي مدينة شاليم (تك 14: 18) والتي كان ملكي صادق ملكاً عليها.
(1) رسائل تل العمارنة: وترجع أول إشارة مؤكدة إلي هذه المدينة إلي 1450 ق.م حيث ورد الاسم أورشليم في عدة خطابات من رسائل تل العمارنة. وفي سبعة من هذه الخطابات يرد الاسم عبد خيبا وواضح أن هذا الرجل كان ملكاً أو حاكماً للمدينة ممثلاًلفرعون مصر . وفي هذه المراسلات يصور عبد خيبا نفسه مجاهداً بكل قواه للمحافظة علي حقوق سيده في وجه القوات المعتدية التي تهدد بالسيطرة عليه . ومن هذا يمكن أن نستنتج أن الموقع كان مدينة حصينة تحرسها قوات مصرية مرتزقة ، وهناك ما يحمل علي الاعتقاد بأن فرعون مصر في ذلك الوقت ، أمنحتب الرابع (أخناتون) ، جعلها مقدساً لإلهه آتون (قرص الشمس. ويبدو أن بعض الأراضي -التي ربما كانت تمتد جهة الغرب حتي عجلون كانت خاضعة لسلطة الحاكم .ويقول البروفسور سايس إن عبد خيبا ربما كان رئيساً حثياً، ولكن هذا امر مشكوك فيه . وتنتهي الرسائل بصورة مفاجئة وتتركنا في حيرة فيما يختص بمصير الكاتب ، ولكننا نعلم أن سيطرة مصر علي فلسطين قد اعتراها الضعف في ذلك الوقت .
(2) غزو يشوع : وفي اثناء غزو يشوع لكنعان ، يذكر اسم أدوني صادق (يش 10: 1-27) باعتباره ملك أورشليم ، وقد اتحد مع ملوك حبرون ويرموت ولخيش وعجلون لمحاربة الجبعونيين الذين صالحوا يشوع . ولكن يشوع هزم الملوك الخمسة ، فهربوا واختبأوا في مغارة مقيدة فأخرجهم يشوع منها وذبحهم جميعاً. وثمة ملك آخر اسمه أدوني بازق هزمه سبط يهوذا بعد موت يشوع، وبعد أن شوهوا جسده، أتوا به إلي أورشليم فمات هناك (قض 1: 1-7) . ثم حارب بنو يهوذا أورشليم وأخذوها وأشعلوا المدينة بالنار (قض 1: 8)، ولكن المدينة ظلت في أيدي اليبوسيين بضع سنوات أخري (قض 1: 21 ، 19: 11) رغم انها كانت محسوبة -من الناحية النظرية -ضمن التخوم الجنوبية لسبط بنيامين (يش 15: 8، 18: 16و 18) . وبعد أن ملك داود سبع سنوات وستة أشهر في حبرون ، قرر أن يجعل من أورشليم عاصمة له ، وفي حوالبي 1000ق.م فتح المدينة واستولي عليها .
(3) موقع المدينة اليبوسية : ولعل أورشليم ظلت إلي ذلك الوقت كباقي المواقع الحصينة المعاصرة لها، مدينة صغيرة نسبياً تحيط بها أسوار حصينة قوية لها باب واحد أو بابان . وهناك إجماع علي أن المدينة كانت تشغل السلسلة الجبلية جنوبي الهيكل ، وهو الموضع الذي أطلق عليه خطأ ولمدة طويلة عوفل (أي الأكمة)، وكانت أسوارها علي سفوح تلال صخرية شديدة الانحدار فوق وادي قدرون من جهة، والتيروبيون من الجهة الأخري . وهناك الكثير من الدلائل علي أن نظام الأنفاق المعروف باسم خندق أو نفق وارن كان موجوداً طوال هذه المدة.
(4) داود : وقصة فتح داود لأورشليم تبدو غامضة، ولكنها قد يكون فيها تفسير لأحد الفصول الصعبة ، (2 صم 5: 6-9 ) ، وإن كنا نستنتج أن اليبوسيين، اعتماداً علي موقعهم المنيع ، تحدوا داود قائلين: لاتدخل إلي هنا … فإن العميان والعرج سيطردونك … (2 صم 5: 6) ، فدفع داود رجاله لأن يصعدوا إلي القناة ويضربوا العمي والعرج، وهو تعبير يذكره هو بدوره، سخرية باليبوسيين فصعد أولاً يوآب ابن صروية فصار رأسا (1 أخ 11: 6)، ويبدو- علي الأقل -أن رجال داود استولوا علي المدينة في هجوم مفاجئ خاطف عن طريق الأنفاق الضخمة. وإذ استولي داود علي حصن صهيون ، دعاه مدينة داود وأقام بها وزاد في تحصينها : وبني داود مستديراً من القلعة فداخلاً ، وبمعونة العمال الفينيقيين الذين أرسلهم إليه حيرام ملك صور، بني لنفسه بيتاً من خشب الأرز (2 صم 5: 11، 7: 2)، وأحضر تابوت عهد الرب من بيت عوبيد أدوم ، ووضعة في خيمة (2 صم 6: 17) في مدينة داود (انظر 1 مل 8: 1). ثم اشتري بيدر أرونة اوارنان (1 أخ 21: 15) اليبوسي،ليبني عليه الهيكل.
(5) امتداد المدينة : وكانت أورشليم التي استولي عليها داود مدينة صغيرة مكتظة بالسكان ، ولكن ثمة دلائل علي أنه في مدة محكمة ، اتسعت بصورة ملحوظة نتيجة لنمو الضواحي خارج الأسوار اليبوسية . ولابد أن عدد السكان قد ازداد من جملة مصادر ، فلاشك في أن تدفق أتباع داود علي المدينة قد دفع بالكثيرين من السكان القدامي الي لالتجمع خارج المنطقة المسورة . كما يبدو أنه كانت هناك حامية عسكرية كبيرة (2 صم 15: 18، 20: 7) وموظفون كثيرون وكهنة مع عائلاتهم (2 صم 8: 16-18، 20: 23-26 ، 23: 8-38) ، وأفراد أسرة داود العديدون وأقاربهم (2 صم 5: 13- 16، 14: 24, 28، 1 مل 1: 5, 53… إلخ) . ومن المستحيل أن نفترض أن كل هولاء قد تجمعوا في مكان جد ضيق ، في الوقت الذي نقرأ فيه أبشالوم قضي سنتين كاملتين في أورشليم دون ان يري وجه الملك ، مما يدل علي وجود ضواح للمدينة (2 صم 14: 24 , 28) أما المساكن الجديدة فيحتمل أنها امتدت إلي الشمال الغربي نحو وادي التيروبيون علي امتداد الطريق الشمالي الكبير ، ولكن ليس من المحتمل أنها شغلت الكثير من التل الغربي.
(6) سليمان : وبتولي سليمان الملك ، فإن عظمة البلاط المتزايدة ، والزوجات الأجنبيات والأماكن التي أعدها لهن ، والموظفين الجدد ، والعدد الغفير من العمال الذين جاءوا إلي المدينة لتشييد المباني الضخمة التي أقامها سليمان ، كل هذا- ولابد -قد ضاعف من عدد سكان المدينة وجعله يتضخم جدا . كما أن المباني المذكورة في الكتاب المقدس : الهيكل وبيت الملك وبيت ابنة فرعون وبيت وعر لبنان، ورواق الكرسي (أو قاعة العرش) ورواق الأعمدة (1 مل 7: 1-8)، لابد أن كل هذا قد غير معالم المدينة تماما. ونتيجة لهذه المباني الجديدة من الهيكل وبيوت عامة الشعب ، كان من الضروري إقامة سور جديد حول المدينة. وهناك عبارة تتكرر مرتين من أن سليمان بني سور أورشليم حواليها (1 مل 3: 1، 9: 15)، كما بني القلعة (1 مل 9: 15و 24، 11: 27)، وأنه سد شقوق مدينة داود أبيه ( 1 مل 11: 27) . ولعل الشقوق تشير إلي السور الذي كان يلزم بناؤه لإدخال القلعة داخل دائرة التحصينات ، أو لعلها جزءاً من التحصينات التي حال دون إتمامها موت داود .
(7) سور المدينة الذي بناه سليمان : أما السور الذي بناه سليمان، فمن المؤكد أنه كان جهة الشمال والغرب، والذي وصفه يوسيفوس بأنه السور الأول .ويشهد الجرف الواسع المحفور في الصخر في الركن الجنوبي الغربي ،بضخامة البناء. ولكن ثمة شك حول ما إذا كان التل الجنوبي الغربي كله داخلاً فيه. وحيث أنه توجد في برج بليس (انظر سادساً من هذا البحث) دلائل علي سور قديم يسير في اتجاه الشمال الشرقي ويشمل قمة التل الجنوبي الغربي، فمن المحتمل جداً أن سور سليمان سار في نفس هذا الاتجاه، وفي هذه الحالة، لأبد أنه عبر التروبيون عند مكان السور الجنوبي الحالي، ثم سار بعد ذلك إلي الجنوب الشرقي ليتصل بالسور الغربي لمدينة اليبوسيين القديمة . وكان يحيط بمباني الهيكل والقصر سور متصل العمارة ، مما جعلها مكاناً حصيناً كما يبدو من التاريخ العبري . وكانت هذه الأسوار -في الأجزاء خارج المدينة- تكوِّن جزءا من دائرة التحصينات.
ومع أن سليمان بني بيتاً فخماً للرب ، فإنه أقام في الأماكن المجاورة معابد لآلهة أخري (1 مل 11: 7, 8)، وهي زلة ترجع أساساً إلي تأثير نسائه الأجنبيات، والتحالفات الأجنبية التي ترتب ذلك .
(8) الانقسام (933 ق.م) : ولابد أن انقسام المملكة كان ضربة قوية لأورشليم ، إذ لم تعد عاصمة لدولة موحدة، ولكن لسبط صغير. وقد انقطعت فجأة الموارد التي كانت تحت إمراة سليمان لبناء المدينة، نظراً للسياسة التي أعلنها يربعام. ولابد أن حالة الحرب الطويلة التي دارت بين الشعبين ، والتي امتدت ستين عاماً (1 مل 14: 30، 15: 6و 16، 22: 44) ، قد أعاقت نمو التجارة والفنون التي تزدهر في أيام السلم .
(9) غزوة شيشق (928 ق.م) : وفي السنة الخامسة للملك رحبعام (928 ق.م) صعد شيشق (شيشنق) ملك مصر إلي أورشليم ( 1 مل 14: 25و 26) وأخذ المدن الحصينة التي ليهوذا (2 أخ 12: 4) . وكان يظن أنه حاصر أورشليم واستولي عليها ، ولكن حيث أنه لا يُذكر شيء عن تدمير التحصينات ، وحيث أن اسم هذه المدينة لم يكتشف في السجلات المصرية عن هذه الحملة، فالأرجح- وهو ما يتفق مع ما جاء بالكتاب المقدس -أن شيشق اكتفي بأن قدموا له : خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك … وجميع أتراس الذهب التي عملها سليمان (1 مل 14: 26) .
(10) العرب ينهبون المدينة: وواضح أنه عندما تولي يهوشفاط العرش، استردت المدينة أهميتها (انظر 1 مل 22). ولكن في مدة حكم ابنه يهورام (849- 842 ق.م) صعد العرب والفلسطينيون إلي يهوذا وافتتحوها ونهبوا كل الأموال الموجودة في بيت الملك (2 أخ 21: 16و 17) . أما أخزيا (842 ق.م) ابن يهورام فقد ذهب لزيارة أقارب أمه في يزرعيل ، وبعد أن جرح في مركبته بالقرب من يبلعام ، مات بالقرب من مجدو، ونقل جسده إلي أورشليم ودفن هناك (2 مل 9: 27و 28) . وأصبحت أورشليم في ذلك الوقت مسرحاً للأحداث المثيرة من اغتصاب عثليا للعرش ثم مقتلها (2 مل 11: 16، 2 أخ 23: 15) ، وتتويج حفيدها يوآش وما قام به من إصلاحات (2 مل 12: 1-16، 2 أخ 24: 1-14) . وبعد موت الكاهن التقي يهوياداع، أزاغ رؤساء يهوذا الملك وتركوا بيت الرب (2 أخ 24: 15-22) .
(11) حزائيل ملك أرام (797 ق.م ) : وكانت النتيجة أن الأراميين بقيادة حزائيل ، حاربوا يهوذا وأورشليم وقتلوا الأمراء وضربوا الأرض، وأعطاه يوآش الكثير من خزائن القصر وبيت الرب ( 2 مل 12: 17و 18، 2 أخ 24: 23) . وأخيراً فتن عبيد يوآش عليه وقتلوه (2 مل 12: 20و 21، 2 اخ 24: 25) في بيت القلعة حيث ينزل إلي سليَّ .
(12) يهوآش ملك إسرائيل يستولى علي المدينة : في أثناء حكم أمصيا (797- 729 ق.م) ابن الملك المقتول، يبدو ان الانتصار علي أدوم جعل أمصيا يغتر بنفسه ، حتي إنه أرسل يتحدي يهوآش ملك اسرائيل للحرب (2مل 14: 8و 9) ، وتقابل الجيشان في بيت شمس وانهزم يهوذا وهربوا كل واحد إلي خيمته . ولم تستطع أورشليم أن تقاوم المنتصرين ، فهدم يهوآش سور أورشليم من باب أفرايم إلي باب الزاوية أربع مئة ذراع ، ثم عاد بعد ذلك إلي السامرة محملاً بالغنائم والرهائن (عدد 14 ) وبعد ذلك بخمسة عشر عاماً، قتل أمصيا في لخيش التي هرب إليها من فتنة ضده، ولكنهم حملوا جثته علي الخيل ودفنوه في أورشليم.
(13) عزيا يعيد بناء التحصينات (779- 740 ق.م) : لا شك في أن ما جعل عزيا (أو عزريا) يعمل علي تقوية نفسه، إنما هو تذكره لإذلال الذي أصاب أباه . فهزم عزيا الفلسطينيين والعرب في جور ، ووضع العمونيين تحت الجزية (2 أخ 26: 7و 8) وبني أبراجاً في أورشليم عند باب الزاوية وعند باب الوادي وعند الزاوية وحصَّنها (عد 9)، كما أنه عمل في أورشليم منجنيقات اختراع مخترعين لتكون علي الأبراج وعلي الزوايا لترمى بها السهام والحجارة العظيمة (عدد 15) . ويبدو أن أورشليم في عهده قد استعادت بعض أمجادها التي كانت لها في أيام سليمان في وقت السلم الطويل الذي تمتعت به مع جيرانها في الشمال. وفي أيامه حدثت في المدينة زلزلة كبيرة (زك 14: 5، عا 1: 1، انظر إش 29: 6، عا 4: 11، 8: 8) . وبني يوثام ابنه الباب الأعلي لبيت الرب (2 مل 15: 35 ، 2 اخ 27: 3) . ويحتمل أنه هو باب بنيامين الأعلي ( إرميا 20: 2) ، وبني كذلك معظم السور الذي علي الأكمة، ويحتمل أن في ذلك إشارة إلي حصن صهيون القديم علي التل الجنوبي الشرقي ( 2 أخ 27: 3).
(14) آحاز يتحالف مع آشور (736- 728 ق.م) : كان علي آحاز أن يشكر لأبيه وجده ما قاما به لتحصين المدينة ، فقد نجحت أسوارها في الدفاع عنها ضد ملوك أرام وإسرائيل (2 مل 16: 5و 6) ، ولكن آحاز -وقد شعر بضعف مملكته الصغيرة- اشتري بالذهب والفضة التي أخذها من بيت الرب ، تحالفا مع تغلث فلاسر ملك أشور، وذهب لملاقاة ملك أشور في دمشق، وتملقه بأن بني مذبحاً مشابهاً للمذبح الذي كان في دمشق، ليقدم عليه الذبائح في الهيكل (الأعداد 10: 12) . وقد خيم الظلام علي عهده بالممارسات الوثنية، وبخاصة أنه عبَّر ابنه في النار - كذبيحة بشرية- في وادي بن هنوم (1 مل 16: 3, 4، 2 أخ 28: 3) .
(15) أعمال حزقيا العظيمة : خلف حزقيا آحاز أباه علي العرش (727- 699 ق.م) في وقت خطر شديد ، فقد سقطت السامرة ومعها مملكة إسرائيل ، وبصعوبة فائقة ردت أشور علي أعقابها ، وكان الشعب في حالة ارتداد عظيم ، ومع هذا فإن أورشليم لم تبلغ من قبل مثل هذه العظمة والتقدير في أعين الأنبياء (إش 7: 4و 5، 8: 8, 10، 10: 28و 29 ، 14: 25-32… إلخ) . وفي بداية ملكه، كان قيام مردوخ بلادان الكلداني ضد أشور ، عاملاً علي إراحة يهوذا من أعظم الأخطار التي كانت تتهددها، ودخل حزقيا في علاقات صداقة مع ملك بابل الجديد، عندما أطلع رسله علي كل كنوزه (إش 39: 1و 2) . ويبدو أن حزقيا قد قام -في ذلك الوقت أو بعده بقليل- بأعمال عظيمة، بها هيأ عاصمته للأوقات العصيبة القادمة فسد مخرج مياه جيحون الأعلي وأجراها تحت الأرض وأدخل الماء إلي المدينة ليمنع ملوك أشور من الوصول إليها (2 مل 20: 20، 2 أخ 32: 4و 30) .
ومن المؤكد، أنه ليكون للنفق الذي عملوه أي فائدة، لابد أن التل الجنوبي الغربي كان داخل دائرة السور، ومن المرجح جداً أن ما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني (32: 5) من أنه بني كل السور المنهدم ، وأعلاه إلي الأبراج، وسوراً آخر خارجاً، يشير- في العبارة الأخيرة- إلي امتداد السور علي حافة التل الجنوبي الغربي إلي سلوام. ومن الناحية الأخري ، لو أن هذا كان من عمل سليمان،فإن السور الآخر قد يكون هو السد العظيم الذي يغلق فم التروبيون، فقد كان ذلك جزءاً أساسياً في خطته ليمنع جيشاً يحاصر المدينة من الوصول إلي المياه. كما حصَّن القلعة علي التل الجنوبي الشرقي. وإذ أصبح حزقيا آمناً داخل هذه التحصينات التي جعلت من أورشليم مدينة من أقوي المدن المسورة في أسيا الضربية، وبمعاونة المرتزقة العرب- كما نعلم من الأقوال التي سجلها سنحاريب- كان قادراً علي التخلص من الملك الأشوري العظيم، والاحتفاظ بمدينته عزيزة (2 مل 18: 13-16) ، غير أنه يبدو أنه واجه تهديداً جديداً بالهجوم علي المدينة (2 مل 19: 9-37) .
(16) إصلاحاته الدينية : قام حزقيا بإصلاحات كثيرة فهو أزال المرتفعات وكسر التماثيل وقطع السواري وسحق حية النحاس التي عملها موسي …. ودعوها نحشتان أي قطعة من النحاس (2 مل 18: 4) .
(17) تحالف منسي مع أشور : جاء منسي بعد أبيه حزقيا ، وكان عمره حين ملك اثنتي عشرة سنة، وملك خمساً وخمسين سنة (698 -643 ق.م.) في أورشليم ، وكان خاضعاً لآسرحدون وأشور بانيبال كما نعلم من نقوشهم، ويشير أشور بانيبال في أحد نقوشه ، إلي منسي بأنه ملك مدينة يهوذا. وملك أشور الذي أخذ منسي مقيداً في سلاسل إلي بابل،يحتمل أنه كان أشور بانيبال (2 أخ 33: 11، انظر يوسيفوس- المجلد العاشر 3: 2) . ويتضح مدي تغلغل النفوذ الأشوري في البلاد ، من اللوحين اللذين عثر عليهما حديثاً في جازر وعليهما كتابة مسمارية من عهد هذا الملك الأشوري .
وقد امتد هذا النفوذ إلي المجال الديني حيث نقرأ عن منسي : وبني مذابح لكل جند السماء في داري بيت الرب (2 مل 21: 5) . وهناك إشارات أخري لعبادة الأصنام التي أدخلها هذا الملك (انظر إرميا 7: 18، 2 مل23: 5و 11و 12… إلخ ) ، كما ملأ أورشليم من دم الشهداء الأزكياء الأمناء للرب (2 مل 21: 16، إرميا 19: 4). ويحتمل أن فترة السلام الطويلة مع الأمم المجاورة، قد أدت إلي ازدياد عدد السكان وبخاصة بتدفق الغرباء من المناطق المتاخمة لها.
(18) ترميمه الأسوار : ونقرأ في سفر أخبار الأيام الثاني (33: 14) عن الإصلاحات المعمارية التي قام بها هذا الملك لتحصين أورشليم : وبعد ذلك بني سوراً خارج مدينة داود غرباً إلي جيحون في الوادي وإلي مدخل باب السمك. ولابد أن هذا السور كان سوراً جديداً ، أو سوراً أعيد بناؤه علي كل الجانب الشرقي من المدينة، وحوط الأكمة بسور وعلاَّه جداً.
وكان منسي أول ملك من ملوك يهوذا يدفن بعيدا عن مدافن الملوك، فقد دفن (كما دفن ابنه آمون) في بستان بيته في بستان عزا (2 مل 21: 18)، ولعل هذه القبور هي المشار إليها في حزقيال (43: 7-9) والقريبة من مباني الهيكل.
(19) يوشيا والإصلاحات الدينية (640- 609 ق.م) : وجد سفر الشريعة في زمن يوشيا ، وبناء علي ذلك قام الملك بإصلاحات جذرية (2 مل 22، 23) . لقد أحرق السارية في وادي قدرون ودقها إلي أن صارت غباراً، وذري الغبار علي قبور عامة الشعب ، وأحرق كل آنية البعل، ونجس توفة التي في وادي بني هنوم (2 مل 23: 6-10). وبعد حكم دام 31 عاماً (2 مل 23: 29و 30). حاول يوشيا أن يعترض طريق فرعون مصر، نخو، حتي لا ينضم إلي ملك بابل ضد أشور ، فهزم وقتل في مجدو، ودفن في قبره في أورشليم، ويحتمل أنه دفن في نفس المكان الذي دفن فيه أبوه وجده. وبعد ذلك أخذ نخو فرعون مصر يهوآحاز أسيراً إلي مصر بعد ملك دام ثلاثة شهور فقط (2 مل 23: 34) ومات في مصر ، ودفن-علي ما يبدو- في قبور الغرباء (إرميا 22: 10-12) . أما أخوه ألياقيم- الذي غيَّر نخو ملك مصر اسمه إلي يهوياقيم -فقد خلفه علي العرش ، وفي السنة الرابعة لملكه هزم البابليون مصر في كركميش، فكان علي يهوياقيم أن يتحول عن الخضوع لمصر إلي الخضوع لبابل (1مل 23: 35- 24: 7) .
(20) إرميا يتنبأ بالمصير المرتقب : وفي أثناء هذه الفترة كان إرميا يطوف بكل همة في شوارع أورشليم وساحاتها (إرميا 5: 1…..إلخ) منبئاً بالخراب القادم علي المدينة، وقد قوبلت أقواله بالازدراء والغضب من الملك والبلاط (إرميا 36: 23). ونتيجة لتمرد يهوياقيم علي ملك بابل، أرسل الرب عليه غزاة الكلدانيين والأراميين والموآبيين والعمونيين (2 مل 24: 2) ومات مغموراً (2 مل 24: 6، إرميا 22: 18و 19).
وخرج ابنه يهوياكين-الذي خلفه في الحكم- مع كل أهل بيته إلي نبوخذ نصر ملك بابل، واستسلموا له (597 ق.م)، فأخذه الملك نبوخذ نصر إلي بابل حيث قضي أكثر من 37 سنة (2 مل 25: 27-30)، ونهبت كل كنوز أورشليم، وسبى كل سكانها من ذوي الجاه والمركز.
(21) نبوخذ نصر يفتح أورشليم مرتين (586 ق.م) : بعد أحد عشر عاماً، قام صدقيا الملك المعين من قبل ملك بابل، بالثورة ضده، فحاصرت الجيوش البابلية أورشليم مدة سنة ونصف حتي اشتد الجوع في المدينة. وفي التاسع من شهر آب هرب جميع رجال القتال ليلا عن طريق الباب بين السورين اللذين نحو جنة الملك أي بالقرب من فم التيروبيون .أما الملك فقد ذهب في طريق البرية فقبض عليه في برية أريحا . ولقد لقي عقاباً صارماً لعدم أمانته لبابل (2 مل 25: 1-7) ، وأخربت المدينة وأحرقت بالنار، ولقي الهيكل نفس المصير ،وهدمت أسوار أورشليم ولم يبق بها إلا مساكين الأرض ليعملوا كرامين وفلاحين (2 مل 25: 8-12، 2 أخ 36: 17-21) ، والأرجح أن التابوت قد نقل في ذلك الوقت.
(22) كورش والرجوع الأول (538 ق.م) : بعد أن دمرت المدينة ، اتجهت قلوب أفضل العناصر في يهوذا ، بأشواقها إلي فكرة إعادة بنائها. ويحتمل أن بعضاً من السكان الباقين في البلاد، قد احتفظوا ببعض المظاهر الخارجية لعبادة الرب في موقع الهيكل. وأخيراً في 538 ق.م عندما أصبح كورش الفارسي سيداً علي الامبراطورية البابلية ، أصدر الكثير من الأوامر بإعادة بناء معابد الآلهة الأشورية والبابلية، كما أعطي الإذن لليهود بالعودة إلي بلادهم وبناء بيت الرب (عز 1: 1و 2) .وقد عاد أكثر من 40.000 (عز 1، 2) بقيادة شيشبصر رئيس يهوذا (عز 1: 8, 11) حاملين معهم آنية بيت الرب المقدسة ، واستؤنف تقديم الذبائح اليومية والاحتفال بالأعياد والأصوام (عز 3: 3-7) .
وأخيراً وضعت أساسات الهيكل (عز 3: 10، 5: 16). ولكن نظراً لمعارضة سكان البلاد والسامريين لم يكتمل البناء إلا بعد عشرين سنة (عز 6: 15) .
(23) نحميا يعيد بناء الأسوار : إن الوصف التفصيلي لإعادة بناء أسوار أورشليم في زمن نحميا (445 ق.م) يعطينا صورة عن هذه التحصينات أوفي من أي وقت سابق، فلقد كرس نحميا نفسه لإعادة بناء الأسوار إلي الحالة التي كانت عليها قبيل السبي ، بقدر المستطاع. وقد تم إنجاز العمل بسرعة رغم ظروف الخطر التي كانت تحدق بهم، فقد كان نصف العمال يمسكون الرماح والأتراس والقسي والدروع، للدفاع عن الباقين، كان كل عامل جنديا (نح 4: 13و 16-21) . وقد استغرقت عملية إعادة البناء 52 يوما ، وما كان ذلك ممكناً علي الإطلاق ، لو لم تكن كمية ضخمة من المواد في متناول اليد وسط أنقاض الأبنية المنهدمة . ولاشك في أن العجلة والموارد المحدودة، أدت إلي بناء سور أضعف كثيراً من السور الذي حطمه نبوخذ نصر منذ 142 سنة مضت ، ولكن السور الذي بناه نحميا سار علي نفس الخط ، وكان له نفس الطراز المعماري.
(24) الحاكم باغوهي : وليس لدينا معلومات تاريخية وافية عن أورشليم طيلة المائة العام التالية لذلك. غير أن البرديات التي وجدت في جزيرة ألفنتين ( قرب أسوان ) تعطينا لمحة من ذلك التاريخ ، حيث نقرأعن جماعة يهودية في صعيد مصر ، تلتمس من باغوهي حاكم اليهودية أن يمنحهم الإذن بإعادة بناء هيكلهم، هيكل الرب في مصر .ويذكرون في سياق الحديث أنهم سبق أن رفعوا التماساً إلي يهوحنان رئيس الكهنة ورفقائه في أورشليم، ولكن بلا جدوي. وفي وثيقة أخري نجد أن هذا الالتماس المقدم للحاكم الفارسي قد لقي قبولاً. ويرجع تاريخ هذه الوثائق إلي 411-407 ق.م. وبعد ذلك- ويحتمل أنه في حوالي 350 ق.م . نجد بعض الشواهد -الغامضة بعض الشيء -عن تدمير أورشليم، وأسر عدد من اليهود في زمن ارتحشستا الثالث (358- 337 ق.م) .
ولكن ابتداء من معركة ايسوس وحملة الإسكندر الأكبرعلي فلسطين (332 ق.م تقريبباً) ، نجد انفسنا أمام حقائق تاريخية أثبت، علي الرغم من أن تفاصيل قصة زيارة الأسكنر لأورشليم، يحوطها الشك. وبعد موته في 323 ق.م . عانت فلسطين كثيراً نتيجة لموقعها بين البطالمة في مصر والسلوقيين في أنطاكية ، فقد تبادل الاثنان حكمها . ويبدو أن الجزية كانت تقسم بينهما في وقت من الأوقات.
(25) حكم البطالمة : في 321 ق.م . غزا بطليموس سوتر فلسطين واستولي علي أورشليم بخدعة إذ دخل المدينة يوم السبت كما لو كان راغباً في تقديم ذبيحة. وأخذ معه عدداً كبيراً من الأسري اليهود إلي مصر وأسكنهم فيها . وفي الصراع بين الملوك المتنافسين، ظلت أورشليم بمنأي عن الاضطرابات تحت حكم مصر المطلق ، وذلك بسبب موقعها المنعزل، علي الرغم من أن فلسطين نفسها قاست الكثير . وفي 217 ق.م. زار بطليموس الرابع (فيلوباتر) الهيكل في أورشليم وقدم القرابين بعد انتصاره علي أنطيوكس الثالث في رافيا. وجاء في الأصحاح الأول من المكابيين الثالث أنه دخل (قدس الأقداس). وازدهار المدينة النسبي في أيام الحكم المصري ، يشهد به هيكاتيوس الأبديري، الذي يستشهد به يوسيفوس، إلي حد أنه يقدَّر عدد سكان المدينة بنحو 120.000 نسمة ، ولكن يحتمل أنه كان مغالياً في ذلك .
(26) أنطيوكس الكبير : وفي 198 ق.م. عندما هزم أنطيوكس الكبير جيش بطليموس في موقعة بانياس الحاسمة- والتي تعتبر نقطة تحول في التاريخ- ذهب اليهود من أنفسهم إليه وزودوا جيشه بكميات كبيرة من المؤن، وأعانوه في محاصرة القوات المصرية المرابطة في القلعة . ويذكر يوسيفوس رسائل يسجل فيها أنيوكس رضاه عن الاستقبال الذي قوبل به من اليهود، ومنحه لهم الكثير من الامتيازات. وكتب يشوع بن سيراخ تقريراً عن ازدهار المدينة في ذلك الوقت (190-180 ق.م. ) في كتاب حكمة يشوع . لقد كانت المدينة مزدحمة تعج بمظاهر الحياة أو الأنشطة الكثيرة ، ويذكر بعبارات براقة ، رئيس الكهنة العظيم سمعان بن أونياس (226-199 ق.م.) (حكمة يشوع 50: 1-4) الذي رمم الهيكل وحصنه، وقوَّي الأسوار لمقاومة أي حصار . ويقدم لنا خطاب أرستياس -الذي يحتمل أن يكون قد كتب في نهاية حياة هذا الرجل العظيم (حوالي 20 ق.م.) صورة مماثلة. ولكن سرعان ما تعرَّض للخطر ذلك الازدهار الملحوظ والحرية الدينية -التي نعم بها اليهود تحت حكم المصرييين- عندما صاروا تحت سلطة الحاكم الجديد، فقد زادت الضرائب ، وأصبح الولاء للمبادئ اليهودية يعتبر خيانة للحاكم السلوقي .
اقتراحات موسوعية أخرى
النوبة
نُوبَة
النوبة : النازلة أو المصيبة ، وجمعها نُوب . ويقول أيوب : إن أذنبت فويل لي ... تجدد شهورك تجا...
عازر
عــازر
اسم عبري معناه عون أو مساعدة وهو اسم :
(1) عازر أبو حوشة ، وابن فنوئيل من نسل حور بكر أفرات...
صفينا
صَفُنيا
اسم عبري معناه : الرب قد كنز أو خبأ أو ستر، وهو اسم :
1- أحد اللاويين من نسل قورح من بني ق...
ابفية
أبفية
يبدو أنه اسم فريجي يحمل معنى الاعزاز . وهي امرأة مسيحية في كولوسي ، ويحتمل أنها كانت زوجة فلي...
شوباي
شـوباي
اسم عبري معناه يهوه مجيد ، وهو رأس عائلة من البوابين في الهيكل الذين رجعوا في الزمرة الأولي...
لاونديوس
إسم معناه شبل أو أسد