كلمة منفعة
ليس عملك أن تخلع الزوان إنما أن تنمو كحنطة، حتى إذا ما جاء الحاصد العظيم يجد سنابلك مملوءة قمحًا فيجمع منها ثلاثين وستين ومائة وتمتلئ أهراؤه حِنطة(1).
— الحنطة والزوان
سفر لاويين 6
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السادس
الأصحاح السادس
ذبيحة الإثم
وشرائع الذبائح والتقدمات
في هذا الأصحاح يقدم لنا الوحي الإلهي النوع الثاني من ذبيحة الإثم، وهي الذبيحة التي معها يلتزم مقدمها بتقديم تعويض لإخوته الذين سبب لهم ضررًا ماديًا [1-7]. كما يعرض على الكهنة بعض جوانب طقوس الذبائح والتقدمات التي تهمهم أكثر مما تشغل الشعب، إذ سبق في الأصحاحات وتحدث عنها بما يناسب مقدموها.
1. النوع الثاني لذبيحة الإثم [1-7].
2. شريعة المحرقة [8-13].
3. شريعة القربان [14-23].
4. شريعة ذبيحة الخطية [24-30].
1. النوع الثاني لذبيحة الإثم:
بعد أن حدثنا عن ذبيحة الإثم التي تُقدم عمن خان مقدسات الرب، عاد ليُحدثنا عن تلك التي تخص من جحد صاحبه في أمر وديعة أو أمانة (شركة) أو أنكر شيئًا وجده فالتقطه... بهذا يسلب أخاه أو يغتصب حقه.
يقصد بالوديعة ما يودعه إنسان لدى آخر إلى حين كأمانة يجب ردها، أما الأمانة أو خيانة شركة فغالبًا ما تشمل معنى أوسع إذ يعني ما التزم به الإنسان في تدبير شئون آخر كالوصي الذي يدبر أمور قاصر أو مريض أو محجور عليه، إذ يليق بنا ونحن في مركز الأوصياء أن نتوخى الأمانة الكاملة. أما اللقطة فتعني أن يجد إنسان شيئًا ملقيًا فيلتقطه، إذ لا يجوز له أن يخفيه أو ينكره بل يسعى نحو رده لصاحبه.
يعلق العلامة أوريجانوس على إرتكاب مثل هذه الخيانة كأمر غير لائق أن يرد في ذهن المؤمن، إذ يقول: [ليعلموا أن من "خان خيانة بالرب وجحد صاحبه وديعة أو أمانة أو مسلوبًا..." [2]، يسقط تحت دينونة عن خطية كبرى. ليحفظ الله كنيسته! فإنه لا أظن أن أحدًا من جمهور القديسين هذا يسلك هكذا ببؤس حتى ينكر وديعة قريبه أو يغشه في أمانة أو يسلبه خيرًا ليس له، أو يخفي أشياءً مسروقة من آخرين، وإن سُئل عنها يقسم مخالفًا ضميره. كما قلت إن هذا التفكير بعيد عن أحد المؤمنين. فإنني بثقة أقول: "وأما أنتم فلم تتعلموا المسيح هكذا" ولا هكذا "عُلمتم فيّه" (أف 4: 20-21). هذا وأن الناموس ذاته لا يقدم وصايا للقديسين والمؤمنين... "إن الناموس لم يوضع للبار بل للأثمة والمتمردين، للفجار والخطاة، للدنسين والمستبيحين" (1 تي 1: 9-10) ولأمثالهم. مادام الرسول يقول إن الناموس قد وضع لمثل هؤلاء، فليحفظ الله كنيسته من أن تُداس بخطايا كهذه، ولتكن كنيسته متعلمة ومقدسة بالروح[86]].
والآن إن كانت الوصية بمعناها الحرفي لا يجب حتى التفكير فيها، إذ يليق بمؤمن أن يخون صاحبه في أمر وديعة أو أمانة أو لقطة يجدها، فماذا تعني هذه الأمور في المفهوم الروحي؟
أولاً: أول وديعة إستلمها الإنسان هي روحه التي على صورة الله ومثاله، إستلمها من الله ليسلمها كما هي بلا تشويه. وكما يقول العلامة أوريجانوس: [يلزمك أن ترد هذه الوديعة سليمة وكاملة على ذات الحال الذي أخذتها عليه. فإن كنت رحيمًا كما أن أباكم هو رحوم (لو 6: 36) فإن صورة الله تكون في داخلك... إن كنت كاملاً كما أن أباكم في السموات كامل (مت 5: 48) فإن وديعة صورة الله قائمة في داخلك، وهكذا في كل الأمور الأخرى، إن كنت نقيًا وبارًا وقديسًا ونقي القلب الأمور التي في الله بطبيعته تتمثل أنت بها، بهذا تكون وديعة الصورة المقدسة سليمة وصحيحة. لكن إن كان سلوكك على خلاف هذا فكنت قاسيًا عوض أن تكون رحيمًا، شريرًا عوض التقوى، عنيفًا عوض اللطف، زارعًا للإنقسام عوض غرس السلام، سارقا عوض العطاء بسخاء، فإنك بهذا تكون قد رفضت صورة الله لتأخذ صورة إبليس، تجحد الوديعة الصالحة التي وهبك الله إياها كأمانة. أليست وصية الرسول لتلميذه المختار تيموثاوس: "يا تيموثاوس إحفظ الوديعة" (1 تي 6: 20) [87]].
يُطالبك السيد المسيح برد الوديعة بقوله: "إعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (مت 22: 23). وكما يقول القديس أغسطينوس: [كما يطلب قيصر صورته على العمله هكذا يطلب الله صورته فينا[88]].
ثانيًا: الوديعة التي تسلمناها من الكنيسة هي التقليد الكنسي الذي في جوهره هو الإيمان الحيّ بالثالوث القدوس مترجمًا عمليًا خلال العبادة والسلوك في المسيح يسوع. هذه الوديعة يلزم أن نسلمها بأمانة للجيل التالي لا خلال الكتابة أو الوعظ فحسب وإنما خلال كل حياتنا التعبدية وسلوكنا في المنزل والعمل والشارع... نقدمه تقليدًا حيًا بلا انحراف. يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [يكفينا للبرهنة على عبادتنا ذلك التقليد المنحدر إلينا من الآباء، بكونه الميراث الذي تناقلناه بالتتابع منذ الرسل خلال القديسين الذين تبعوهم[89]]. تضم هذه الوديعة المقدسة التي تسلمناها أي التقليد أو التسليم إيماننا بالخلاص وعمل الثالوث القدوس فينا والتمتع بالكتاب المقدس بعهديه وممارستنا للعبادة وسلوكنا بالروح... إلخ.
ثالثًا: يرى العلامة أوريجانوس أن عدم جحد الأمانة يعني الحفاظ على حياة الشركة مع الله في إبنه يسوع المسيح، وشركتنا مع القديسين والسمائيين في الرب بلا إنحراف، إذ يقول: [لنرى الآن ما يجب أن نفهمه من كلمة "أمانة (شركة)". هل تظن أنه توجد ضرورة للتحذير من عدم غش الشريك في أمور مالية أو غير مالية؟ يا لها من تعاسة مُرّة أن يمارس إنسان غشًا كهذا! من أجل الضعف لم يغفل الرسول عن تقديم هذا التحذير: "أن لا يتطاول أحد ويطمع على أخيه في هذا الأمر لأن الرب منتقم لهذه كلها" (1 تس 4: 6). الآن لنبحث عن "الشركة" روحياً. إسمع ما يعبر عنه الرسول بكلماته: "إن كانت تسلية ما للمحبة، إن كانت شركة ما في الروح، إن كانت أحشاء ورأفة، فتمموا فرحي" (في 2: 1-2). أترى كيف فهم الرسول بولس قانون "الشركة"؟ إستمع أيضًا إلى يوحنا إذ يعلن بنفس الروح: "وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع إبنه يسوع المسيح" (1 يو 1: 3). ويقول بطرس نفس الشيء: "تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية" (2 بط 1: 4)، بمعنى أن تكون لنا معه شركة. يقول الرسول بولس: "أي شركة للنور مع الظلمة؟!" (2 كو 6: 14)، فإن كان لا يمكن أن توجد شركة بين النور والظلمة وقد صارت لنا شركة مع الآب والإبن والروح القدس لذا يلزمنا أن نسهر لئلا نجحد هذه الشركة الإلهية المقدسة، فإننا إن تممنا "أعمال الظلمة" (رو 13: 12)، نكون بهذا بالتأكيد قد جحدنا الشركة مع النور[90]].
أمانتنا في الشركة أو في الأمانة التي عهد بها الله إلينا تلزمنا أن نسلك في النور ونرفض أعمال الظلمة، بهذا ننعم بالشركة وذلك بفعل الروح القدس واهب الشركة مع الله في ربنا يسوع المسيح. هذه الشركة تربطنا بشركة مع القديسين كأبناء نور معنا وأيضًا مع السمائيين، إذ يقول العلامة أوريجانوس: [إن كنا بالفعل في شركة مع الآب والإبن، كيف لا نكون كذلك في شركة مع القديسين، ليس فقط الذين على الأرض، وإنما أيضًا مع الذين في السماء؟! لأن المسيح بدمه صالح السمائيين مع الأرضيين (كو 1: 20) ليوحِّد السماء مع الأرض. أظهر هذه الشركة بوضوح عندما قال أنه يوجد فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب (لو 1: 15)، وأيضًا عندما قال: "في القيامة يكونون كملائكة الله في السماء" (مت 22: 30)، واعدًا الناس بصراحة بملكوت السموات (مت 13: 11). هذه الشركة نجحدها عندما نفترق عن السمائيين بأعمالنا الشريرة ومشاعرنا الردية[91]].
رابعًا: أما بخصوص السرقة وسلب الآخرين، فكما يقول العلامة أوريجانوس: [يوجد لصوص أشرار كما يوجد لصوص صالحون. الصالحون هم الذين قال عنهم المخلص إنهم يغتصبون ملكوت السموات (مت 11: 12). لكن يوجد لصوص أشرار، يتحدث عنهم النبي: "سلب البائس في بيوتكم" (إش 3: 14)، كما يقدم الرسول تصريحًا شديد اللهجة: "لا تضلوا: لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون... يرثون ملكوت الله" (1 كو 6: 9، 10)[92]. أما السرقة بالمفهوم الروحي فهي أن يختفي الإنسان بين القديسين فيكون سارقًا لفكرهم الروحي ومعرفتهم الإلهية دون أن تتجدد حياته، فيكون كمن سلب خمرًا جديدة ووضعها في زقاق قديم، فالزقاق ينشق والخمر تنصب (مت 9: 17).
خامسًا: بخصوص الأمور المفقودة، من يجدها ويخفيها دون أن يردها لصاحبها يُحسب مغتصبًا ما لا حق فيه. ولعل هذا يُشير إلى جماعة الهراطقة الذين يغتصبون نفوس البسطاء ويسلبون الكنيسة أولادها، أو يسلبون الله نفسه وأولاده. هؤلاء إذ يرجعون عن ضلالهم وبدعهم يلزمهم أيضًا أن يردوا النفوس التي انحرفت بسببهم وتركت الإيمان الحق.
الآن إذ نعود إلى الذبيحة التي يُقدمها من ارتكب إحدى الخطايا السابقة نلاحظ الآتي:
أولاً: حسب الرب هذا الجحود خيانة له هو شخصيًا، فكل ظلم أو خيانة أو جحود أو سرقة نمارسها ضد إخوتنا يحسبها الله موجهة ضده هو شخصيًا بكونه محب البشر المهتم بخلاصهم، وأيضًا كل حب ولطف وترفق نقدمه لهم يحسبه مقدمًا له شخصيًا. ففي اليوم الأخير يقول: "بما أنكم فعلتم بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر فبيّ قد فعلتم" (مت 25: 40). لذلك يقول القديس جيروم: [كل مرة تبسط يدك بالعطاء أذكر المسيح[93]].
ثانيًا: يطلب من المخطئ أن يرد ما قد سلبه أو اغتصبه أو أنكره، فإن كانت الذبيحة قادرة على غفران الخطية لكنها لا تعمل في قلب متمسك بالشر. رد المغتصب لصاحبه هو إعلان صادق عن التوبة وقبولنا لعمل الله الخلاصي عمليًا.
هذا ويلاحظ أن الشريعة طلبت من موسى النبي أن يقيِّم الخسارة أو الضرر، لكن ليس بشاقل القدس (5: 15) كما في الخطية الموجهة ضد المقدسات...
ثالثًا: يطلب هنا أيضًا أن يقدم المخطئ الخُمس إضافة إلى ما قد سلبه. هذا الخُمس يمثل تعويضًا أدبيًا وماديًا عما لحق بالمضرور من خسائر، ومن جانب آخر يُحسب هذا التعويض تأديبًا للمخطئ حتى لا يكرر ما ارتكبه أو يستهين بالخطية. ومن جانب ثالث فإن هذا الخُمس الذي يقدمه للمضرور يُحسب كأنه مقدم لله... فإن كانت حواسه قد تدنست بالخطية يلزم تسليمها للرب كما في النوع الأول من هذه الذبيحة (أصحاح 5).
رابعًا: تقديم ذبيحة لاثمة كبشًا صحيحًا من الغنم... إذ لا تطهير من الإثم بدون سفك دم حمل الله، حتى وإن رد الإنسان ما اغتصبه مضاعفًا! ويرى العلامة أوريجانوس أن مرتكب الإثم يشتري الكبش أو الحمل من البائعين وهم الأنبياء والرسل الذين قدموا كلمة النبوة والكرازة لنقتني بالإيمان دم السيد المسيح غافر الخطية. إنهم يحثوننا على التوبة عن خطايانا والرجوع إلى الله بقبولنا الإيمان بمخلص العالم.
2. شريعة المحرقة :
في الأصحاحات السابقة كانت كلمات الرب لموسى: "كلم بني إسرائيل وقل لهم" (1: 2، 4: 1)، أما هنا فيقول: "أوصِ هرون وبنيه قائلاً" [8، 24]. هذا ما دفع بعض الدارسين إلى الإعتقاد بأن هذا الجزء وما يليه في الأصحاحين 6، 7 موجه للكهنة لا للشعب.
الآن إذ يقدم للكهنة شريعة ذبيحة المحرقة أبرز لهم بعض النقاط الهامة، وهي:
أولاً: توضع المحرقة المسائية حوالي الساعة السادسة مساءً لكي تظل على نار المذبح حتى الصباح، حيث كان يلزم أن تبقى النار مشتعلة بغير إنقطاع، إذ يقول: "المحرقة تكون على الموقدة (موضع إيقاد النار) فوق المذبح كل الليالي حتى الصباح، ونار المذبح تتقد عليه" [9]. ما هذه المحرقة التي توضع على الموقد الناري الذي للمذبح طول الليل حتى الصباح إلاَّ حياتنا التي نقدمها بنار الروح القدس محرقة حب لله طول ليل هذا العالم دون أن يفتر قلوبنا أو تتراخى روحنا إلى أن يشرق صباح الأبدية التي بلا ظلمة ونلتقي مع شمس البر وجهًا لوجه؟!
يحدثنا العلامة أوريجانوس عن هذه الذبيحة التي نقدمها على النار بلا انقطاع بكوننا كهنة الله - بالمفهوم الروحي العام الذي نناله خلال سر المعمودية - فيقول: [يجب أن تكون لك نار على المذبح بلا توقف. إن أردت أن تكون كاهنًا للرب كما هو مكتوب: "أما أنتم (كلكم) فتدعون كهنة الرب" (إش 61: 6)، وأيضًا كتب عنكم أنكم: "جنس مختار كهنوت ملوكي أمة مقدسة" (1 بط 2: 9)، وإن أردت أن تمارس كهنوتك فلا تبتعد قط عن نار مذبحك. هذه هي وصية الرب في الإنجيل: "لتكن أحقاؤكم ممنطقة ومصابيحكم موقدة" (لو 12: 35). لتكن نار الإيمان وسراج علمك مضيئًا على الدوام بلا توقف[94]].
ثانيًا: في الصباح عند رفع الرماد المتخلف عن الذبائح يلتزم الكاهن بلبس الثياب الكهنوتية المقدسة من قميص ومنطقة وسروال وقلنسوة (خر 28: 40-42) حتى يدرك الكهنة قدسية هذا العمل. بحسب المظهر هو رفع رماد يتطلب لبس ثياب قديمة، لكن في الفهم الروحي ليس مجرد رفع رماد متخلف إنما هو ممارسة جزء لا يتجزأ من عمل قدسي يمس تقديس الإنسان خلال مصالحته مع الله القدوس.
إن كانت الذبائح الحيوانية يتخلف عنها رماد يحمله الكهنة إلى جانب المذبح بقدسية ومهابة ثم ينقلونه بأنفسهم إلى الخارج، فإن ذبيحة السيد المسيح لم يمسها فساد بل قام السيد من الأموات واهبًا إيانا جسده سرّ حياة، يحملنا من رمادنا إلى الأبدية. السيد المسيح نفسه هو الذبيحة واهبة الحياة لنا نحن التراب والرماد!
ثالثًا: إذ يلتزم الكهنة بحمل الرماد إلى خارج المحلة يخلعون ثياب الخدمة ويلبسون ثيابًا أخرى حتى لا يخرجون بثياب الخدمة إلى الخارج. وكانوا يلقون الرماد في مكان مقدس دعى "مرمى الرماد" (4: 12)، محاط بسور حتى لا يأخذ أحد من الرماد الذي فيه، ولكي لا تذريه الرياح... يا للعجب، حتى آثار الرماد مقدس لا يُمس! إنها صورة لتقديس كل ما يمس الذبيحة الحقيقية كقبر السيد المسيح الذي فيه اضطجع واهب الحياة والذي قيل عنه: "ويكون محله (قبره) مجدًا" (إش 11: 1).
حينما نحمل الذبيحة فينا نصير نحن التراب مقدسين... تتقدس نفوسنا وأرواحنا وأيضًا أجسادنا الترابية! نصير أشبه بقبر السيد المسيح الذي تبارك بحلوله فينا!
رابعًا: يلتزم الكهنة ببقاء نار المذبح متقدة نهارًا وليلاً: "نار دائمة تتقد على المذبح لا تُطفأ" [13]. هذه النار التي جاءت من لدن الله بعد مسح هرون وبنيه (9: 24) إحتفظ بها اليهود بإيقاد الحطب والذبائح عليها، وكانوا يضعونها في ثلاثة مواضع على مذبح المحرقة... ويروي سفر المكابيين الثاني أن اليهود لما سبوا إلى بابل خبأوا النار المقدسة في بئر ليس بها ماء، ولما أرسل ملك فارس نحميا وأصحابه إلى أورشليم أرادوا أن يخرجوا النار من البئر فلم يجدوها بل وجدوا فيها ماءً، فوضعوا الوقود على المذبح ووضعوا عليه الذبائح ثم صبوا ماءً من البئر، ولما ظهرت الشمس محتجبة بالغيم إتقدت نار عظيمة على المذبح، فمجد الجميع الله. ولما علم ملك فارس بذلك تعجب وأمر بأن يُسيج حول البئر واعتبره موضعًا مقدسًا (2 مك 1: 19-36).
3. شريعة القربان:
في الأصحاح الثاني وجه الله حديثه لكل بني إسرائيل خلال موسى بخصوص تقدمة القربان، التي تحدثنا عنها في شيء من التفصيل، أما هنا فيركز على دور الكاهن من جوانب متعددة.
أولاً: يأخذ بقبضته بعض دقيق التقدمة وزيتها وكل اللبان الذي على التقدمة ويوقد على المذبح رائحة سرور تذكارها للرب [15] في دراستنا السابقة لبعض أسفار العهد القديم رأينا أن الذراع واليد يُشيران إلى كلمة الله المتجسد الذي جاء يتمم الخلاص عمليًا كما بيده[95] بينما أصبع الله يُشير إلى روحه القدوس. لعل يد الكاهن وهي تقبض بالدقيق والزيت تُشير إلى السيد المسيح الذي أمسك بطبيعتنا كما بقبضته لنصير فيه تقدمة حب لله، وكما قلنا أن الزيت يُشير إلى الروح القدس الذي به تحقق تجسد الكلمة في الأحشاء البتولي، وهو الروح الذي وهبه إيانا لأجل تقديسنا فنحسب بحق تقدمة سرور لله.
ثانيًا: ما يتبقى من دقيق وزيت يأكله فطيرًا الكهنة في دار خيمة الإجتماع دون إستخدام الخمير... يأكله الذكور دون النساء والأطفال، إذ يُشير إلى تمتعنا بالإتحاد مع السيد المسيح خلال جسده المبذول، فلا ينعم به المدللون (النساء) ولا غير الناضجين روحيًا (الأطفال)، إنما يتمتع به الروحيون السالكون كرجال الله في نضوج وجدية.
أما قوله: "إنها قدس أقداس... كل من مسها يتقدس" [17-18]. فيُشير إلى قدسية هذه التقدمة، فلا يأكلها غير الكهنة، يأكلونها داخل دار الخيمة وهم مستعدون روحيًا وجسديًا... ولعله يقصد أن كل من يمسها يصير قدسًا للرب يتكرّس لخدمته الإلهية.
يعلق العلامة أوريجانوس على هذه العبارة: [المسيح الذبيح (1 كو 5: 7) هو الذبيحة الوحيدة الكاملة التي قدمت كل هذه الذبائح كصورة لها، فمن يلمس جسد المسيح يتقدس إن كان دنسًا، يُشفى من آلامه، وذلك كنازفة الدم التي أدركت أن المسيح هو جسد الذبائح، إنه الجسد المقدس لذلك إقتربت إليه ولمسته[96]].
لقد أدركت الكنيسة فاعلية هذه الذبيحة وقدسيتها، لذلك دعى القديس يوحنا ذهبي الفم سرّ الأفخارستيا: [سرًا إلهيًا[97]]، [مائدة إلهية مهوبة[98]]، [سرًا مخوفًا[99]]، [غير منطوق به[100]]، [ذبيحة مقدسة مرهبة[101]].
أما عن تناوله داخل الدار فيُشير إلى تمتعنا بالحياة السماوية خلال هذه الذبيحة. وقد عبرّ القديس يوحنا الذهبي الفم عن هذا بقوة بقوله: [كإن الإنسان قد أُخذ إلى السماء عينها، يقف بجوار عرش المجد، ويطير مع السيرافيم ويتغنى بالتسبحة المقدسة].
والعجيب أن الكاهن وهو يتمتع بنصيب من هذه التقدمة، من دقيقها وزيتها، إذا به يلتزم من جانبه أن يقدم هو أيضًا تقدمة للرب صباحية وتقدمة مسائية. يذكر المؤرخ اليهودي يوسيفوس ومعظم علماء اليهود أن رئيس الكهنة كان يقدم هذه التقدمة يوميًا بالنسبة لخطورة مركزه أما الكاهن العادي فكان يقدمها مرة واحدة يوم مستحه فقط[102].
ولعل الحكمة من تقديم الكهنة للتقدمة أن يدركوا رسالتهم أنهم وإن كانوا باسم الرب يتمتعون بأنصبة كثيرة من الشعب لكنهم كجزء لا يتجزأ من الشعب هم أيضًا ملزمون بتقديم تقدمات. ومن جانب آخر الكاهن وهو يأخذ ينبغي أن يعطي... يعطي قلبه لله ولأولاده الروحيين كما يعطي أيضًا جهده وما تملكه يداه، وكما قال الرسول بولس عن نفسه أنه ينفق ويُنفق.
ما هي التقدمة الصباحية التي يلتزم بها الكاهن إلاَّ تقديم ناموس الرب الذي تسلمته كنيسة العهد القديم كما في الصباح عند بدء الحياة الروحية، يقدمه كما على نار الروح القدس الذي ينزع الحرف ويفيح رائحة الروح الذكية. أما تقدمة المساء فهي تقدمة الإنجيل بالسيد المسيح الذي قدم حياته فدية عن البشرية في ملء الزمان، كما في مساء حياتنا على الأرض. هكذا على ذات المذبح نتقبل الناموس روحيًا ملتحمًا بالكرازة بالإنجيل.
وقد أكدت الشريعة أن توقد تقدمة الكاهن أو تحرق بكمالها ولا توكل [23]... إذ يليق به أن يعطي كل حياته محرقة الرب، حتى إن قدم كل حياته للآخرين فهو يقدمها للرب وحده!
4. شريعة ذبيحة الخطية:
أبرز ما في شريعة ذبيحة الخطية نقطتين أساسين:
أولاً: تحسب أنصبة الكهنة منها "قدس أقداس" يأكلها الكهنة في دار الخيمة، من يمس لحمها يتقدس، بمعنى أنه لا يجوز أن يأكل منها إلاَّ من كان مستعدًا، ومن جانب آخر أن من يمسها يُحسب في ملكية الرب نفسه.
ثانيًا: أهم ما أبرز في شريعة هذه الذبيحة هو قدسية الدم، فإن انتثر من دمها على ثوب يُغسل ما انتثر عليه في مكان مقدس، وإناء الخزف الذي تطبخ فيه يُكسر، وإن كان نحاسيًا فيُجلي جيدًا بماء مقدس ويُشطف لأن النحاس لا يمتص شيئًا من الذبيحة.
يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن فاعلية دم السيد المسيح الذبيح، قائلاً: [هذا الدم يجعل صورة ملكنا واضحة فينا، ويجلب علينا جمالاً لا ينطق به، ولا يسمح بانتزاع سمونا، بل يرويه دائمًا وينعشه...
هذا الدم متى أخذناه بحق يطرد الشياطين، ويبعدهم عنا، بينما يدعو إلينا الملائكة. فإذ يظهر دم الرب تهرب الشياطين وتجتمع الملائكة. هذا الدم المسفوك يطهر كل العالم... هذا الدم يطهر الموضع السري وقدس الأقداس... هذا الدم يقدس المذبح الذهبي... هذا الدم يقدس الكهنة... هذا الدم هو خلاص نفوسنا... تغتسل النفس وتتجمل وتلتهب. به يلتهب فهمنا كالنار، وتتلألأ النفس أكثر من الذهب[103]].
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح السادس
الأيات (1-7):-" 1وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 2«إِذَا أَخْطَأَ أَحَدٌ وَخَانَ خِيَانَةً بِالرَّبِّ، وَجَحَدَ صَاحِبَهُ وَدِيعَةً أَوْ أَمَانَةً أَوْ مَسْلُوبًا، أَوِ اغْتَصَبَ مِنْ صَاحِبِهِ، 3أَوْ وَجَدَ لُقَطَةً وَجَحَدَهَا، وَحَلَفَ كَاذِبًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ كُلِّ مَا يَفْعَلُهُ الإِنْسَانُ مُخْطِئًا بِهِ، 4فَإِذَا أَخْطَأَ وَأَذْنَبَ، يَرُدُّ الْمَسْلُوبَ الَّذِي سَلَبَهُ، أَوِ الْمُغْتَصَبَ الَّذِي اغْتَصَبَهُ، أَوِ الْوَدِيعَةَ الَّتِي أُودِعَتْ عِنْدَهُ، أَوِ اللُّقَطَةَ الَّتِي وَجَدَهَا، 5أَوْ كُلَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ كَاذِبًا. يُعَوِّضُهُ بِرَأْسِهِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ خُمْسَهُ. إِلَى الَّذِي هُوَ لَهُ يَدْفَعُهُ يَوْمَ ذَبِيحَةِ إِثْمِهِ. 6وَيَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ: كَبْشًا صَحِيحًا مِنَ الْغَنَمِ بِتَقْوِيمِكَ، ذَبِيحَةَ إِثْمٍ إِلَى الْكَاهِنِ. 7فَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ أَمَامَ الرَّبِّ، فَيُصْفَحُ عَنْهُ فِي الشَّيْءِ مِنْ كُلِّ مَا فَعَلَهُ مُذْنِبًا بِهِ»."
نجد فيها النوع الثانى أى الخطايا الموجهة للآخرين. ولاحظ تسمية الخطية هنا خيانة بالرب = نفس التسمية الخاصة بالخطية ضد الأقداس فخطيتى تجاه الآخرين هى خطية تجاه الله أولاً. والخطايا المشار إليها معناها أن يودع إنسان أمانة أو وديعةعند شخص ويأتى ليستردها فينكر أن له شيئاً. ويدخل فى هذا قطعاً من يستأمنوه على أموال اليتامى والقصر فيبتلعها. أو من لا يوفى لعامل حقه. وقد يدخل تحت هذه الخطية الإستهتار بما أودعه الله فى روحى ومواهبى فهى وديعة على أن استثمرها لمجد الله "1تى 6 : 20" الله يطلب صورته فينا فأى صورة سنقدمها له فى اليوم الأخير. ويندرج أيضاً تحت هذا البند الوديعة التى سلمها الآباء لكنيستنا أعنى التقليد وحافظت عليه كنيستنا وبنعمة المسيح تحفظ الوديعة لليوم الأخير. هنا التقييم لا يكون بشاقل القدس فهذا بين إنسان وإنسان. وقوله فى آية (7) فيصفح عنه فى الشئ من كل ما فعله مذنباً به = له ترجمة أخرى "فيصفح عنه فى أى شئ يكون قد فعله" هذه فاعلية دم المسيح. وذبيحة الإثم دائماً كبش. كما فدى الكبش إسحق هكذا فدانا المسيح. ولاحظ هنا أننا لا نرى الشخص الخاطئ من هو؟ أو ما هو مركزه ؟ لكننا نرى تصنيفاً للخطية بأنواعها. وفى أى خطية نجد ذبيحة الإثم نوع واحد. فأى خطية عقوبتها الموت مهما كانت صغيرة. والمسيح مات عن كل الخطايا فكل خطية تحتاج لنفس التكفير فهى موجهة لشخص الله الغير محدود (خيانة) فتحتاج لكفارة غير محدودة.
الأيات (8-13):-" 8وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 9«أَوْصِ هَارُونَ وَبَنِيهِ قَائِلاً: هذِهِ شَرِيعَةُ الْمُحْرَقَةِ: هِيَ الْمُحْرَقَةُ تَكُونُ عَلَى الْمَوْقِدَةِ فَوْقَ الْمَذْبَحِ كُلَّ اللَّيْلِ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَنَارُ الْمَذْبَحِ تَتَّقِدُ عَلَيْهِ. 10ثُمَّ يَلْبَسُ الْكَاهِنُ ثَوْبَهُ مِنْ كَتَّانٍ، وَيَلْبَسُ سَرَاوِيلَ مِنْ كَتَّانٍ عَلَى جَسَدِهِ، وَيَرْفَعُ الرَّمَادَ الَّذِي صَيَّرَتِ النَّارُ الْمُحْرَقَةَ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ، وَيَضَعُهُ بِجَانِبِ الْمَذْبَحِ. 11ثُمَّ يَخْلَعُ ثِيَابَهُ وَيَلْبَسُ ثِيَابًا أُخْرَى، وَيُخْرِجُ الرَّمَادَ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ، إِلَى مَكَانٍ طَاهِرٍ. 12وَالنَّارُ عَلَى الْمَذْبَحِ تَتَّقِدُ عَلَيْهِ. لاَ تَطْفَأُ. وَيُشْعِلُ عَلَيْهَا الْكَاهِنُ حَطَبًا كُلَّ صَبَاحٍ، وَيُرَتِّبُ عَلَيْهَا الْمُحْرَقَةَ، وَيُوقِدُ عَلَيْهَا شَحْمَ ذَبَائِحِ السَّلاَمَةِ. 13نَارٌ دَائِمَةٌ تَتَّقِدُ عَلَى الْمَذْبَحِ. لاَ تَطْفَأُ."
شريعة ذبيحة المحرقة
إوصى هرون وبنيه = لأن هذا الكلام موجه للكهنة لا للشعب. لذلك لم يقل كلم بنى إسرائيل. المحرقة تكون على الموقدة فوق المذبح كل الليل حتى الصباح = كان هناك محرقة صباحية ومسائية راجع خر 29 : 38`، 39. وكانت المحرقة المسائية توضع على المذبح حوالى الساعة السادسة مساءً لكى تظل على نار المذبح حتى الصباح. حيث كان يلزم أن تبقى النار مشتعلة بغير إنقطاع. هى علامة تكريس إسرائيل لله وهذه كانت وظيفة الكاهن أن يحفظ الشعلة دائماً بتغذيتها بالشحم والحطب. وهذه المحرقة تشير لحياتنا التى نقدمها بنار الروح القدس ذبيحة حب لله. فالنار الإلهية تحرق أشواك الخطية من قلوبنا ثم تشعلها بنار المحبة. وفى هذا يقول بولس الرسول "من يفصلنى عن محبة المسيح... رو 8" "حسبنا كغنم سيقت للذبح" "من أجلك نمات النهار كله". ولماذا الإشارة هنا للمحرقة المسائية دون الصباحية ؟
1- من المفهوم أن فى النهار هناك كهنة كثيرين مستيقظين فلن تطفأ النار أمامهم. أما فى الليل الذى يشير للنوم أو التراخى والكسل فالغالبية أنهم نيام. إذن هى دعوة أن يكونوا متيقظين "أنا نائمة وقلبى مستيقظ" وهذا واجب الكهنة السهر على الآخرين.
2- تشير إلى أننا ينبغى أن نظل مشتعلين بالحب الإلهى طول ليل هذا العالم حتى يأتى شمس البر.
3- هى نار مشتعلة فى الليل يراها البار فينام فى فرح شاعراً بقبول الله له ويراها الخاطئ فيرى فيها صورة لليل فى جهنم (مر 9 : 44) حيث النار لا تطفأ.
ورفع الرماد = عمل مقدس، يستلزم الكاهن أن يلبس ثيابه الكهنوتية البيضاء. هذا فيه إشارة لقدسية الذبيحة، فحتى رمادها مقدس. وهذا ما حدث مع مخلصنا فهو دفن مع غنى "وكان محله مجداً" اش 11 : 10. والرماد يشير إلى أن الذبيحة لم تتلاشى بل هى تحولت لرماد (الرماد إشارة لجسد المسيح فى القبر) لذلك فالمكان الذى يذهب اليه الرماد يسمى مكان طاهر = إشارة لقبر المسيح. وكما قام المسيح بجسده الممجد سيعطينا نحن الرماد والتراب بعد أن نموت ونتحول لتراب ورماد، جسداً ممجداً مثله. وكان الكاهن يرفع الرماد من على المذبح ويضعه على جانب المذبح الشرقى ثم يستبدل ملابسه البيضاء بملابسه العادية (فلا يصح أن يخرج خارج الخيمة بملابس الخدمة) ثم يخرج الرماد إلى خارج المحلة. وهكذا يفعل الكاهن القبطى فلا يظهر بملابس الخدمة البيضاء خارج الكنيسة، إشارة إلى أننا سنلبس ملابس البر والبهاء فى السماء وليس على الأرض. وكانوا يلقون الرماد فى مكان مقدس دعى مرمى الرماد (4 : 12) وهو محاط بسور حتى لا تذريه الرياح وما كان لأجنبى أن يمسه. هى صورة لجسد المسيح المقدس فى القبر. وراجع أر 31 : 40 وادى الجثث والرماد يتحول لقدس وغالباً كان هذا الوادى قريباً جداً من الجلجثة يو 19 : 41 (ولاحظ أننا حينما نحمل الذبيحة فينا الأن نصير نحن التراب مقدسين) والمعنى أننا نحن الجثث والرماد بصليب المسيح نتحول إلى مقدسين. والنار على المذبح تتقد عليه = هذه جاءت من لدن الله مع مسح هرون وبنيه (9 : 24) ثم إحتفظ بها اليهود (بالشحم والحطب). وكان يوجد على المذبح ثلاث شعلات واحدة منها وهى الكبيرة، هذه للتقدمات اليومية، لحرقها والثانية تسمى شعلة البخور يؤخذ منها لإحراق البخور صباحاً ومساءً والثالثة كان يشعل منها الشعلتين السابقتين وهذه الشعلة الثالثة كانت هى الشعلة الدائمة. وهنا نرى على المذبح ناراً متقدة هى نار غضب الله التى تأكل جسد الذبيحة. وهى النار التى إشتعلت فى جسد المسيح على الصليب وفيها أيضاً نرى حب المسيح النارى الذى قبل هذا لأجلنا، ومن هنا نفهم كيف أن المحبة قوية كالموت. راجع (2مل 1 : 19 – 36) لترى إستمرار هذه الشعلة بعد هدم المذبح فى أيام سبى بابل.
آية (12) تشير للمحرقة الصباحية. وإيقاد ذبائح السلامة عليها معناه أننا حصلنا على السلام بواسطة تقديم المسيح نفسه ذبيحة محرقة أى بطاعته الكاملة للآب فى تدبير الفداء وذبائح السلامة تقدم على المحرقة الصباحية فلن يأتى أحد بذبيحة سلامة ليحتفل ليلاً.
الأيات (14-18):-" 14«وَهذِهِ شَرِيعَةُ التَّقْدِمَةِ: يُقَدِّمُهَا بَنُو هَارُونَ أَمَامَ الرَّبِّ إِلَى قُدَّامِ الْمَذْبَحِ، 15وَيَأْخُذُ مِنْهَا بِقَبْضَتِهِ بَعْضَ دَقِيقِ التَّقْدِمَةِ وَزَيْتِهَا وَكُلَّ اللُّبَانِ الَّذِي عَلَى التَّقْدِمَةِ، وَيُوقِدُ عَلَى الْمَذْبَحِ رَائِحَةَ سَرُورٍ تَذْكَارَهَا لِلرَّبِّ. 16وَالْبَاقِي مِنْهَا يَأْكُلُهُ هَارُونُ وَبَنُوهُ. فَطِيرًا يُؤْكَلُ فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ. فِي دَارِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ يَأْكُلُونَهُ. 17لاَ يُخْبَزُ خَمِيرًا. قَدْ جَعَلْتُهُ نَصِيبَهُمْ مِنْ وَقَائِدِي. إِنَّهَا قُدْسُ أَقْدَاسٍ كَذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ وَذَبِيحَةِ الإِثْمِ. 18كُلُّ ذَكَرٍ مِنْ بَنِي هَارُونَ يَأْكُلُ مِنْهَا. فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أَجْيَالِكُمْ مِنْ وَقَائِدِ الرَّبِّ. كُلُّ مَنْ مَسَّهَا يَتَقَدَّسُ»."
شريعة تقدمة الدقيق
ويأخذ منها بقبضته = الذراع واليد يشيران إلى كلمة الله المتجسد. فالمسيح هو قوة الله وحكمته 1كو 1 : 24. وكون أحدهم يقول فلان ذراعى الأيمن يقصد أنه يعمل ما أريد كما أريد وهكذا المسيح تجسد لينفذ ما يريده الآب. اش 51 : 9 + 52 : 10 + 59 : 1، 16. والأصابع تشير للروح القدس، راجع مت 12 : 28، لو 11 : 20 فالمسيح يخرج الشياطين بسلطان الروح القدس الذى أسماه أصبع الله لأن القوة فى الذراع أما الذى ينفذ العمل فهى الأصابع. والروح القدس هو الذى يعمل فى الأسرار ليؤسس كنيسة المسيح وذلك بإستحقاقات وقوة دم المسيح. وقد بدأ الروح القدس عمله فى تجسد المسيح فى بطن العذراء حين حل على العذراء. وكان جسد المسيح الذى تكون فى بطن العذراء هو بداية تكون جسد الكنيسة. ولنرى منظر الكاهن وهو يمسك فى قبضته بالدقيق ويضعه فى النار ويأكل الباقى لنرى هذه الصورة، وهى أن المسيح أصبح يمسك طبيعتنا (عب 2 :16) كما بقبضته ونصير تقدمة حب لله. وما يوضع فى النار يشير للمسيح والباقى يأكله الكاهن يكون طاهراً ويشير للكنيسة جسد المسيح. واللبان كله لله = فالله له وحده كل التسبيح والتمجيد والكهنة لهم الدقيق والزيت أى لهم التعزية وعطايا الله الوفيرة والشبع الروحى والمعرفة حتى يستطيعوا أن يعلموا الشعب. والزيت كان على الدقيق المقدم على المذبح وعلى الدقيق نصيب الكاهن فالروح القدس حل على المسيح لحساب كنيسته.
رائحة سرور = هذه هى حياة المسيح على الأرض رائحة سرور لقداسته وكماله. وأكل الكهنة من تقدمة الدقيق تشير لتمتعنا بالإتحاد مع المسيح خلال جسده المبذول وهذا لا ينعم به سوى المعمدون أى من لهم الكهنوت العام. كل من يمسها يتقدس = أى كل من يمسها يصير قدساً للرب أى مكرساً له ولخدمته. وكان هناك مكان مخصص لأكل هذه التقدمة = يؤكل فى مكان مقدس فى داخل الخيمة. هذا يشير لتمتعنا بالحياة السماوية خلال هذه الذبيحة. ويشير هذا الي أن معرفتنا بالمسيح تستلزم أن نعتزل شرور العالم فريضة دهرية = بالنسبة لليهود يستمر هذا الطقس ما دام الكهنوت اللاوى قائم. وبالنسبة للكنيسة فهى فريضة حتى يوم القيامة. فطير = أى بدون خمير والخمير رمز للشر
ملحوظة :- كان الكاهن الذى يأكل من هذه التقدمة خارج الخيمة يجلد 39 جلدة. وقوله كل من يمسها يتقدس ينطبق على الآنية فتصبح أنية مكرسة للرب لإستعمال الهيكل.
الأيات (19-23):-" 19وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 20«هذَا قُرْبَانُ هَارُونَ وَبَنِيهِ الَّذِي يُقَرِّبُونَهُ لِلرَّبِّ يَوْمَ مَسْحَتِهِ: عُشْرُ الإِيفَةِ مِنْ دَقِيق تَقْدِمَةً دَائِمَةً، نِصْفُهَا صَبَاحًا، وَنِصْفُهَا مَسَاءً. 21عَلَى صَاجٍ تُعْمَلُ بِزَيْتٍ، مَرْبُوكَةً تَأْتِي بِهَا. ثَرَائِدَ تَقْدِمَةٍ، فُتَاتًا تُقَرِّبُهَا رَائِحَةَ سَرُورٍ لِلرَّبِّ. 22وَالْكَاهِنُ الْمَمْسُوحُ عِوَضًا عَنْهُ مِنْ بَنِيهِ يَعْمَلُهَا فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً لِلرَّبِّ. تُوقَدُ بِكَمَالِهَا. 23وَكُلُّ تَقْدِمَةِ كَاهِنٍ تُحْرَقُ بِكَمَالِهَا. لاَ تُؤْكَلُ»."
تقدمة الكهنة
العجيب أن الكاهن وهو يتمتع بنصيب من هذه التقدمة، إذ به يلتزم هو أيضاً أن يقدم للرب تقدمة. وكان الكاهن يقدم هذه التقدمة يوم تكريسه فقط ككاهن أما رئيس الكهنة فيقدم هذه التقدمة يومياً صباحاً ومساءً. ويقول يوسيفوس أن رئيس الكهنة كان يأتى كل صباح بعشر إيفة دقيق = 1.75 كيلوجرام ويقدسه ثم يقسمه قسمين بمكيال محفوظ فى القدس ثم يأتى بثلاثة مكاييل زيت ويعرف مكيال الزيت باللج وهو يساوى 110 درهم ويعجن الدقيق بالزيت ويقسم العجين إلى 12 قرص ويخبزها قليلاً ويحترس ألا تيبس بل تستمر رخوة. ثم يقسمها إلى قسمين فيقرب 6 أقراص صباحاً و6 أقراص مساءً. هى فريضة دهرية = لاحظ أن عطية الكاهن تحرق كلها فهنا يتكلم عن المسيح الرأس الذى قدم نفسه تماماً وكلية ولا يتكلم عن الكنيسة كما فى آية (16). وتعنى أن الكهنة ملزمون بينما هم متمتعون بخيرات الله أن يقدموا شكرهم لله هم أيضاً. وكيف يقدمون شكرهم للرب ؟ بتكريسهم الكامل هم أيضاً وأنهم يعطوا الله كل حياتهم. هذا وحده يملأهم من عطايا الله. لذلك قيل فى عطايا الكهنة وتملأ يد هرون وأيدى بنيه خر 29 : 9. ثرائد تقدمة فتاتاً هذه هى الأرغفة الإثنى عشر التى يقدمها رئيس الكهنة
الأيات (24-30):-" 24وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 25«كَلِّمْ هَارُونَ وَبَنِيهِ قَائِلاً: هذِهِ شَرِيعَةُ ذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ: فِي الْمَكَانِ الَّذِي تُذْبَحُ فِيهِ الْمُحْرَقَةُ، تُذْبَحُ ذَبِيحَةُ الْخَطِيَّةِ أَمَامَ الرَّبِّ. إِنَّهَا قُدْسُ أَقْدَاسٍ. 26الْكَاهِنُ الَّذِي يَعْمَلُهَا لِلْخَطِيَّةِ يَأْكُلُهَا. فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ تُؤْكَلُ فِي دَارِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 27كُلُّ مَنْ مَسَّ لَحْمَهَا يَتَقَدَّسُ. وَإِذَا انْتَثَرَ مِنْ دَمِهَا عَلَى ثَوْبٍ تَغْسِلُ مَا انْتَثَرَ عَلَيْهِ فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ. 28وَأَمَّا إِنَاءُ الْخَزَفِ الَّذِي تُطْبَخُ فِيهِ فَيُكْسَرُ. وَإِنْ طُبِخَتْ فِي إِنَاءِ نُحَاسٍ، يُجْلَى وَيُشْطَفُ بِمَاءٍ. 29كُلُّ ذَكَرٍ مِنَ الْكَهَنَةِ يَأْكُلُ مِنْهَا. إِنَّهَا قُدْسُ أَقْدَاسٍ. 30وَكُلُّ ذَبِيحَةِ خَطِيَّةٍ يُدْخَلُ مِنْ دَمِهَا إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لِلتَّكْفِيرِ فِي الْقُدْسِ، لاَ تُؤْكَلُ. تُحْرَقُ بِنَارٍ."
شريعة ذبيحة الخطية
نلاحظ أنه فى (25) ينص على أن ذبيحة الخطية تذبح فى نفس المكان الذى تذبح فيه المحرقة :-
1 - لأن كل الذبائح تشير لشخص المسيح المصلوب الواحد 2 – غفران الخطية يتبعه قبول الله لنا
قدس أقداس = هناك فرق بين الخاطئ وحامل الخطية. فالذبيحة ليست خاطئة لكنها حاملة خطية فهى قدس أقداس ولأنها تمحو خطايا الآخرين وهى ترضى العدل الإلهى. هى تشير للمسيح الذى مع أنه حمل خطايا البشر إلا أنه قدوس. وفى (26) الكاهن الذى يعملها للخطية يأكلها = الله الذى يرفع خطية الخاطئ لذلك يقبل جزء من الذبيحة على المذبح. والكاهن أيضاً يأكل كعلامة للصلح. ولكن مقدم الذبيحة لا يأكل فهو لا دخل له فى الكفارة ولم يعمل شيئاً سوى إعترافه بالخطية. الدم الذى يغفر هو دم المسيح والكاهن واسطة المغفرة. إذاً هو له عمل. وهو كوسيط يأكل جزء من الذبيحة. أما دم وجسم الذبيحة للنار. وتعتقد كنيستنا أن الله والمذبح والكاهن يشتركوا فى مغفرة خطاياى. المسيح ذبح من أجلى والكاهن خادم للأسرار، عن طريقة مسحت بالدم، دم المسيح. فخطاياى غفرت بالدم والذى مسحنى هو الكاهن.
لاحظ أن بعض الدم كان يوضع على قرون مذبح المحرقة وباقى الدم يسكب عند قدمى المذبح إشارة إلى أنه لا يمكن إرضاء الله إلا بالدم وإشارة إلى أن حياتنا كان ينبغى أن تسكب سكيباً تاماً أمام الله من أجل خطايانا. وحينما نتأمل هذه الصورة ونحن لا نستطيع أن نسكب دمائنا من أجل خطايانا ينبغى أن نسكب أنفسنا فى إنسحاق أمام الله على مذبح الصلاة
وفى (27) من مس لحمها يتقدس = أى لا يجوز أن يأكل منها إلا من كان مستعداً ومن جانب آخر أن من يمسها يحسب فى ملكية الرب نفسه. وقارن هذه الأية بـ رؤ 7 : 14 فنحن نلبس الثياب البيض ثياب البر بواسطة دم المسيح. ويغسل الثوب الذى إنتثر عليه الدم فى مكان مقدس = واليهود خصصوا بئراً مخصوصة فى دار الهيكل وغرفة خاصة للغسيل. وكان الكهنة هم الذين يقومون بهذا العمل (أنظر التأمل في الصفحة الاتية )
آية (28) الإناء الخزف الذى تطبخ فيه يكسر = فهو يمتص الدم. وهو خزف فهو رخيص الثمن. وهذا يشير لجسدنا المأخوذ من طين الأرض وهو إناء خزف 2كو 4 : 7 ونحن إمتصصنا دمه فى تناولنا من جسده ودمه. وهذا الجسد لابد وسينكسر بالموت وكذلك الأرض التى أرتوت بدم المسيح تختفى وتباد ويكون أرض جديدة بعد ذلك وسموات جديدة أيضاً. وإن طبخت فى إناء نحاس يجلى ويشطف بماء هذا يشير لطبيعتنا الجديدة التى حصلنا عليها بالمعمودية وهذه الطبيعة طبيعة جديدة كأنها جليت أى أصبحت منيرة وهى ثابتة فالنحاس رمز للثبات. قطعاً هذا الثبات إختيارى بدليل قول المسيح "إثبتوا فى وأنا فيكم" وقارن مع "وأما الذى يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد" 1يو 2 : 17.
آية (30) كل ذبيحة يدخل بدمها إلى خيمة الإجتماع... لا تؤكل = وهذه الذبائح هى الذبائح التى يقدمها رئيس الكهنة عن نفسه أو عن الجماعة وهذه لا يأكل منها رئيس الكهنة فهو هنا أما خاطئ أو مسئول عن خطية الشعب كله فلا يصلح أن يقوم هنا بدور الشفاعة. تحرق بالنار = والذبيحة تحرق كلها فالخطية لوثت الإنسان كله وهذا المعنى يوضحه إشعياء "أش 1 : 5، 6 كل الرأس مريض وكل الجسم سقيم" جلد الذبيحة يرمز لمظهرنا وكبريائنا والرأس يمثل الأفكار الخاطئة والشريرة. والأكارع تمثل الأقدام التى تسعى للخطية والأحشاء تمثل القلب الذى يشتهى من الداخل وباقى الأعضاء تشترك فى الخطية
تأمل :- الثوب المتسخ يشير لحياتى التى تلوثت بالخطية وأصبحت لا تليق بالسماء "مت 22" وكيف تتطهر ثيابى؟ بدم المسيح رؤ 7 : 14. وفى طقس غسل الثياب التى إنتثر عليها الدم نرى الدم الذى يقدس مع ماء (هذا ما خرج من جنب المسيح) فالدم يقدس والماء إشارة للروح القدس الذى يعمل فى الأسرار (المعمودية والإعتراف) حتى يظل الثوب طاهرا.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السادس
ذبيحة الإثم وشرائع الذبائح
(1) ذبيحة الإثم لخطأ نحو الآخرين ( ع 1 - 7 ) :
ع 1 - 3 : جحد : أنكر . لقطة : حاجيات سقطت من إنسان ووجدها إنسان آخر والتقطها وأخذها . الإثم هنا موجَّه ضد إنسان ولكنه يحوي أيضاً كسراً لوصايا الله ، فلأجل خطورة هذه الخطية تعتبرها الشريعة خطية إثم وليست خطية عادية ، وهي مثل :
1- سرقة الوديعة : فإن وضع إنسان مالاً أو حاجيات عند آخر وأنكر الآخر بعد ذلك وجودها عنده وأخذها لنفسه .
2- سرقة الأمانة : مثل سلب حقوق القُصَّر من الوصي عليهم وعدم الأمانة في البيع والشراء أو عدم أمانة العامل في إتقان عمله أو المغالاة في طلب أجرته وكذلك العكس تقليل صاحب العمل في أجرة العامل وتأجيل إعطائه الأجرة .
3- السلب : المقصود بها سرقة الآخرين في الخفاء ثم إنكار ما سُرِق .
4- الإغتصاب : والمقصود السرقة بالإكراه ورفض رد المسروق .
5- أخذ اللقطة : فيأخذ الإنسان ما يجده في الطريق أو في أي مكان وهو ليس مِلكه بل مِلكاً للآخرين ثم يُنكر أنه أخذ شيئاً بل ويحلف بذلك .
ولم يذكُر كلمة سهواً لأن حقوق الناس واضحة . وهنا نلاحظ أن روح الإنسان وجسده وكل إمكانياته هي أمانة من الله ونحن وكلاء عليها لنستخدمها لمجده ، فلا يصح أن نغتصبها لأنفسنا ونستخدمها في أهوائنا الخاصة وشهواتنا الردية . كذلك الإيمان المُسلَّم لنا وكل تعاليم الكنيسة هي أمانة من الله ويلزمنا أن نعلمها بدقة للآخرين ولا نضيف إليها أو نُغيِّرها بحسب أفكارنا الخاصة . وذبيحة الإثم ترمُز لرفع المسيح آثامنا على الصليب في أصعب الخطايا ، فقد حمل جميع خطايانا الموجَّهه نحوه أو نحو إخوتنا البشر ويعطينا هذا التبرير في أسرار الكنيسة .
ع 4 ، 5 : برأسه : بقيمته الأصلية . هنا يذكُر التعويض برد المسلوب كاملاً بقيمته قبل تقديم الذبيحة ، لأن التوبة لا تُقبل قبل إصلاح الخطأ . وزيادة الخُمس تعويضاً لمن وقع عليه الضرر ، إذ عانى ضيقاً نفسياً وليس فقط مادياً ، فهو تعويض عن الألم النفسي وليشعر المُخطئ بخطئه بالإضافة إلى تقديم الذبيحة مُستغفراً الله .
ع 6 ، 7 : يحدد الكاهن قيمة الكبش الذي يُقدم حسب مقدار الخطية التي صنعها في حق الله ويتأكد من حدوث هذا الإثم بحالاته الخمس السابقة لئلا يكون اتهام زور ، فيقدم الكبش ذبيحة إثم ليغفر الله له .
+ كن أميناً على حقوق غيرك فتعطيها لهم قبل أن تأخذ حقوقك ، وإذا افترضت شيئاً من إنسان تردُّه . ولتكن حريصاً على مشاعر الآخرين فلا تجرح أحداً بإدانة أو استهزاء بل تُكرم الكل فيباركك الله ويُكرمك .
(2) شريعة ذبيحة المحرقة ( ع 8 - 13 ) :
ع 8 ، 9 : الموقدة : سطح مذبح النحاس . يتحدث هنا عن بعض الشرائع الخاصة بذبيحة المحرقة والمذكورة في ( ص 1 ) ، ويبدأ بالكلام عن ذبيحة المحرقة اليومية التي تُقدم في المساء ، ليتعلم الكهنة نظام تقديم كل ذبيحة . وذبيحة المحرقة تظل مشتعلة على المذبح من السادسة مساءً وقت تقديم محرقة المساء إلى الصباح . وهي ترمُز للمسيحي الذي يظل مُلتهباً بمحبة الله طوال ظلام هذا العمر وحتى شروق الأبدية .
ع 10 ، 11 : سروال : جزء من الملابس الكهنوتية وهو بنطلون قصير يُلبس تحت الثياب . يلبس الكاهن ثيابه الكهنوتية والتي من الكتان الأبيض لكي يرفع رماد المحرقة ( خر 28 : 40 - 43 ) ، وهذا يوضح قيمة هذا الرماد الذي يُشير لجسد المسيح بعد موته على الصليب فهو موضع سرور قلب الآب لاحتماله الألم حتى النهاية . ثم يخلع الكاهن ثيابه الكهنوتية التي لا يجوز له الخروج بها خارج خيمة الاجتماع ، ويلبس ملابسه العادية وينقل رماد المحرقة إلى مكان مقدس ومُحاط بسور خارج المحلة اسمه مرمى الرماد أي المكان الذي يُرمى فيه الرماد ( ص 4 : 12 ) . وذلك حتى لا يدوس عليه أحد أو يتبعثر في الهواء إذ أنه بقايا ذبيحة مقدسة ، كما نُكرم الآن قبر المسيح .
ع 12 ، 13 : النار المقدسة لا تنطفئ من المذبح ليلاً ولا نهاراً إذ يرتب الكهنة الحطب في الصباح ويضعون عليه محرقة الصباح في الوقت الذي تكون فيه بقايا محرقة المساء مازالت متقدة بالنار بالإضافة إلى اتقاد النار بالذبائح المختلفة. وكانت النار قد نزلت من السماء عند مسح هارون وبنيه كهنة وأشعلت المحرقة الموضوعة على المذبح ( لا 9 : 24 ) واستمرت هذه النار حتى السبي البابلي ثم عادت أيام نحميا من البئر الذي كانت مخبأة فيه ( 2 مكابيين 1 : 19 - 36 ) . والنار على المذبح تُشير إلى نار الروح القدس التي لا تنطفئ في الكنيسة إلى الأبد وتعمل فيها وفي أسرارها .
+ كثيراً ما تبرد محبتنا لله في فترات فتور لكن الصلاة تجعل الروح القدس يعود ويُشعل فينا هذه النار دائماً . فاهتم بصلواتك وقراءاتك في الكتاب المقدس كل يوم ليعمل الروح القدس فيك وتتعزى وتطمئن .
(3) شريعة تقدمة القربان ( ع 14 - 23 ) :
ع 14 ، 15 : يقدم الكاهن تقدمة القربان قدام المذبح ويأخذ ملء قبضة يده من دقيقها وزيتها لله ، أما اللُبان الذي يُمثل الصلاة والعبادة فيؤخذ كله لله ويُحرق على المذبح . وقبضة الدقيق التي أمسك بها الكاهن ترمُز إلى تجسد المسيح الذي أمسك بنا وقربنا إلى الآب .
ع 16 ، 17 : خميراً : خبزاً مختمراً . قدس أقداس : مُخصص للكهنة فقط . يُخصص باقي تقدمة القربان طعاماً للكهنة الذكور ، إذ يرمُز الذكر للرجولة الروحية والجهاد ، وهي تُشير إلى التناول الذي لا يتمتع به إلا المجاهدون الأقوياء . ويأكلونه في بيت الرب لقداسته كما يؤكل الآن جسد المسيح ودمه في الكنيسة . وتكون تقدمة القربان فطيراً أي ليس فيها خمير لأن الخمير يرمُز للشر . ويُلاحظ أن جسد المسيح في الكنيسة يكون خميراً إذ حمل المسيح خطايانا على الصليب ومات عنا فرفع عنا عقاب الخطية التي يرمُز إليها الخمير . باقي تقدمة القربان يأكله الكهنة كما يأكلون الباقي من ذبيحة الخطية والإثم بعد تقديم الشحم على مذبح النحاس .
ع 18 : تقدمة القربان طعام مقدس فيقدس ويبارك من يأكله ، وهو يرمُز لنعمة الله المعطاة في سر الكهنوت . وكل شئ يمس هذا الطعام فإنه يتقدس ، مثل الأواني التي تُوضع فيها الطعام ، فتُخصص لذلك ولا يُؤكل فيها أي شئ آخر . أما نصيب الكهنة من ذبائح السلامة والزروع والثمار المقدمة بكور فهي أقل درجة في القداسة فيُسمح لكل أسرة الكاهن بالأكل منها ، أي الذكور والإناث ، ويكون ذلك في مكان مقدس وليس في بيت الرب مثل الأطعمة السابقة .
ع 19 ، 20 : كان الكاهن يقدم يومياً مع محرقة الصباح ومحرقة المساء تقدمة كما ذُكر في ( خر 29 : 40 ) وهي :
1- عُشر الإيفة من الدقيق الملتوت بالزيت .
2- ربع الهين من الخمر ( راجع الشرح في تفسير خر 29 : 38 - 42 ) .
فالكاهن أيضاً ، كإنسان ، محتاج أن يقدم قرباناً ، أي محتاج إلى نعمة المسيح . وكان الكهنة يقدمون هذه التقدمة عند تكريسهم فقط ، أما رئيس الكهنة فكان يقدمها يومياً ليوضح شدة احتياجه إلى المعونة الإلهية . وتقديم نصفها صباحاً ونصفها مساءً يوضح احتياج الكاهن المستمر لله فيقدم مع محرقة الصباح عُشر إيفة دقيق ومع محرقة المساء عُشر إيفة دقيق أيضاً كما يوضح سفر الخروج وكان الكهنة يقدمون هذه التقدمة يوم مسحتهم أي بعد تمام مسحهم كهنة .
ع 21 : مربوكة : مخلوطة وممزوجة . ثرائد : قِطَع صغيرة من الخبز . تُقدم تقدمة قربان الكاهن مثل تقدمة القربان العادية على صاج معدني ومخلوطة بالزيت الذي يرمُز للروح القدس . وتقدمة القربان هي رمز لحياة المسيح على الأرض الذي مُسِحَ بالروح القدس عند عماده . وتُقطع تقدمة القربان إلى أجزاء ليعلن أن المسيح كان طاهراً من الخارج ومن الداخل أيضاً ، فالتقطيع يرمُز إلى إظهار الداخل .
ع 22 : يقدم تقدمة القربان رئيس الكهنة الممسوح بدلاً من هارون بعد موته ، فهي فريضة رئيس الكهنة سواء هارون أو من يخلفه .
ع 23 : تُحرق كل تقدمة الكاهن ولا يؤكل منها إشارة إلى تكريس الكاهن كله لخدمة الله ، أما تقدمة القربان للشعب فيقدم جزء منها على المذبح والباقي يأكله الكاهن .
+ أُطلب معونة الله إن كنت أباً أو أماً أو خادماً ليعطيك نعمة في رعاية من حولك ، فيكون الله هو العامل فيك وبك ويؤثر في نفوس من ترعاهم .
(4) شريعة ذبيحة الخطية ( ع 24 - 30 ) :
ع 24 - 26 : تُذبح ذبيحة الخطية في مكان مقدس على الجانب الشمالي من المذبح النحاسي حيثما تُذبح ذبيحة المحرقة ( ص 1 : 11 ) لأنه بفداء المسيح رُفِعَت خطايانا وأعطانا القداسة . ويُقدم الشحم منها على المذبح ويُحرق والباقي يأكله الكاهن في بيت الرب ، فيطمئن مقدم الذبيحة إلى رفع خطيته بحرق جزء من ذبيحته على المذبح وأكل كاهن الله الباقي منها .
ع 27 : ترمُز ذبيحة الخطية للمسيح ، لذا فالكاهن ينال بركة وقداسة عندما يأكل منها ، ودمها المنتثر على ثوبه يُغسل في مكان مقدس تأكيداً لقداستها .
ع 28 : عندما يقدم واحد من الشعب ذبيحة خطية ، يُحرق شحمها واللحم يأكله الكاهن . فإذا طبخ هذه الأجزاء في إناء خزفي ، فيجب كسره لأنه قد امتص جزءاً من دمائها المقدسة فتقدس لذا يُكسر ولا يُستخدم ثانيةً في الأطعمة العادية لأنه مقدس ويُرمى في مكان طاهر . أما إن كان الإناء نُحاسياً فيكتفي بجليه ودعكه وغسله لإزالة آثار الذبيحة التي عُلقت بجدران الإناء وإلقائها في مكان طاهر .
ع 29 ، 30 : الطقس هنا كما سبق شرحه في ( ص 4 ) مع التأكيد على عدم أكل ذبيحة الخطية إن كانت من النوع المذكور في ( ص 4 : 1 - 21 ) أي المقدمة عن خطية الكاهن أو جماعة الشعب وكذلك ذبيحتيّ الخطية اللتين تُقدمان عن رئيس الكهنة ثم عن الشعب في يوم الكفارة ( ص 16 : 11 - 15 ) . أي أن ذبيحة الخطية التي يدخل بدمها إلى القدس لا يأكل شيئاً من لحمها بل تُحرق كلها ، أما التي لا يدخل بدمها إلى القدس فيأكل منها الكهنة وأبناؤهم الذكور ويأكلونها في بيت الرب .
+ تأمل في ما تُسببه خطايانا ونجاساتنا من آلام لربنا يسوع المسيح القدوس ، فتكره الخطية ولا تعود ترحب وتسعى لممارستها .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح