كلمة منفعة
لعله في ما مر بنا من أعياد الشهداء، وأعياد الصليب، وما يوحى بمعنى جميل عن القوة، ويذكر بمقاييس أخرى خاطئة:
— مقاييس خاطئة
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني الأصحاح الثاني نبوّات ثلاث متلاحقة إن كان الصوت النبوي قد ألهب القلوب للعمل فإن الله في محبّته لهم لاحقهم بثلاث نبوّات متتالية لتشجيع كل يد للجهاد بروح الله لحساب مجد البيت الداخلي الذي يتأسّس على السيّد المسيح مشتهى كل الأمم. وقد جاءت هذه النبوّات الثلاث تتحدّث عن. 1. هيكل مشتهى كل الأمم [1-9]. 2. الله يطلب هيكل القلب [10-19]. 3. الهيكل الجديد والختم الإلهي [20-23]. 1. هيكل مشتهى كل الأمم: جاءت الرسالة الثانية حيث كان البناءون قد بدءوا العمل منذ قرابة شهر، فكانت رسالة تشجيع وسند لهم. إن كانت النبوّة السابقة قد جرحتهم بالتوبيخ فإن هذه النبوّة تُضمد جراحاتهم بكلمات التعزية الإلهيّة المشجّعة. تاريخ هذه النبوّة: "الشهر السابع في الحادي والعشرين من الشهر"، أي في اليوم السابع من عيد المظال، العيد الأخير للحصاد في السنة اليهوديّة (راجع لا 23: 39-44)، وقد اتّسم هذا العيد بالفرح وتقديم ذبائح شكر في آخر أيام العيد أكثر من أي يوم آخر. كان يليق بالكل أن يمتلئوا فرحًا لا بالعيد فحسب وإنّما ببدء العمل في بيت الرب، وأن يقدّموا ذبائح شكر لله الذي يردّ إليهم المجد المسلوب، لكن عدوّ الخير لا يطيق فرح أولاد الله وشكرهم، فحاول تحطيمهم ببث أفكار اليأس خلال بعض المسنّين الذين عاصروا الهيكل القديم قبل هدمه (منذ حوالي70 عامًا)، هؤلاء قارنوا بين القديم وأساسات الجديد فحسبوا العمل القائم كلا شيء أمام بهاء مجد القديم. بينما كان الكهنة واللآويّون يترنّمون بالفرح ويضربون الأبواق من أجل العمل، إذا بهؤلاء المسنّين صاروا يبكون بمرارة على مجد الهيكل القديم، وكاد الموقف يتأزّم فيحوّل عدوّ الخير العمل المفرح إلى حزن وكآبة قلب وتحطيم للنفوس. هكذا يخطئ بعض المتقدّمين في السن بتحقيرهم لعمل الجيل الجديد، حاسبين أعمالهم إن قورنت بالأعمال السابقة كلا شيء [3]. لهذا ينصحنا الحكيم: "لا تقل لماذا كانت الأيام الأوّلى خيرًا من هذه؟!" (جا 7: 10). ولكي يُنزع الله روح اليأس أخذ يُسندهم ويشجّعهم هكذا. أولاً: "تشدّد يا زربابل، تشدّد يا يهوشع، وتشدّدوا يا جميع شعب الأرض، واعملوا فإني معكم" [4]. وكأنّه يُطالب الوالي والكاهن والشعب لا أن ينشغلوا بالمقارنات بين قديم وجديد، وإنّما بالعمل بقوّة متشدّدين من أجل "الله" الحالّ في وسطهم. ليت كل مؤمن لا يبدّد طاقته بالأفكار الكثيرة المحطّمة للناس، إنّما لتتشدّد إرادته وليتشدّد قلبه ولتتشدّد كل طاقاته، عاملاً بكل طاقته، متأكّدًا أن الرب معه هو سرّ فرحه ومجده!. إن كان غاية المبنى هو التقاء الرب بهم خلال العهد وتمتعهم بحلّوله في وسطهم، فإنه وسط العمل يقول لهم: "حسب الكلام الذي عاهدتكم به عند خروجكم من مصر وروحي قائم في وسطكم، لا تخافوا" [5]. كأنه يقول: لا تخافوا فإني أدخل معكم في العهد ويُقيم روحي في وسطكم مادمتم عاملين... وهذا هو المجد الحق. ثانيًا: "هي مرّة بعد قليل فأزلزل السموات والأرض والبحر واليابسة وأزلزل كل الأمم ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجدًا قال رب الجنود" [6-7]. في القديم عندما أقام العهد عند جبل سيناء زلزل الرب الموضع وكان الجبل يُدخن، أما الآن فإنه يُزلزل السماء (النفس) والأرض (الجسد) والبحر (المواهب) واليابسة (الطاقات)، إنّه يُحطّم الإنسان القديم ليُقيم فينا الإنسان الجديد فنحمل سماته في نفوسنا، وتتقدس أجسادنا مواهبنا وطاقاتنا. مع الزلزلة للطبيعة القديمة ننال حياة جديدة مقامة متناغمة في الجسد والنفس ونعمل لحساب الملكوت. هذه الزلزلة هي علامة مجيء "مشتهى كل الأمم"، فإنه يحل فينا داخليًا في مياه المعموديّة عندما ندفن معه فتتزلزل قوات الظلمة ويتحطّم إنساننا الخارجي. وعندما يأتي أيضًا في آخر الأزمنة تتزلزل الطبيعة بقوّة ليزول العالم المادي ويأتي الرب ملكًا سماويًا أبديًا. يُترجم البعض "يأتي مشتهى كل الأمم" بـ "يأتي غنى كل الأمم"، بمعنى أن الهيكل الجديد يمتلئ بهاءً بدخول الأمم إلى العضويّة الكنسيّة مقدّمين إيمانهم بالمخلّص وغيرتهم كسرّ غنى روحي. ثالثًا: "ليّ الفضة وليّ الذهب يقول رب الجنود" [8]. إن كانت مقاييس المجد هي كثرة الذهب والفضة والحجارة الكريمة التي ملأت الهيكل القديم، ففي البيت الجديد يقول الرب: "لا تقننوا ذهبًا ولا فضة ولا نحاسًا في مناطقكم" (مت 10: 9)، إذ يكون هو نفسه فضتنا وذهبنا، هو زينة البيت ومجده. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن النبي نطق بهذه العبارة لأن كثير من اليهود استصعبوا كيف يعود الهيكل القديم مرّة أخرى بذهبه وفضه بعد أن صار ترابًا ورمادًا كأن الرب يقول لهم: [لماذا لا يؤمنون، فإن ليّ الفضة وليّ الذهب، لست محتاجًا أن أقترض من أحد ليزيّن بيتيّ؟![10]]. رابعًا: "مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأوّل قال رب الجنود، وفي المكان أُعطى السلام يقول رب الجنود" [9]. إن قارنّا بين مجد الهيكل الأوّل الذي بناه سليمان والآخر الذي بناه زربابل نجد أن الأوّل أعظم من جهة ما حواه من حجارة كريمة وذهب وفخامة في المبنى. هذا وجاء في التلمود البابلي أن هيكل زربابل نقصه خمسة أمور عن هيكل سليمان هي: مجد الشكينة، والنار المقدّسة، وتابوت العهد، والأوريم والتميم، وروح النبوّة. لكن هنا يرفعنا لا إلى هيكل زربابل بل الهيكل الذي أشار إليه السيّد بكونه جسده (يو 2). فما أمجد الهيكل الجديّد الذي فيه تمت المصالحة بين الآب والبشريّة خلال بذل الدم (كو 1: 20)، لذا يقول: "وفي هذا المكان أعطى السلام يقول رب الجنود". إن كان الله قد أدب شعبه بالسبي فتحطّم هيكل سليمان إنّما ليردّهم لبناء الهيكل في مجد أعظم، وهكذا يؤدّبنا الرب ليهبنا بهاءً أفضل كما قال القديس يوحنا الذهبي الفم[11]. 2. الله يطلب هيكل القلب: جاءت هذه النبوّة لاحقة للسابقة بعد شهرين من إعلانها، فيها يوضح إنّه إن كان مجد الهيكل هو حلّول الرب في وسط شعبه، فإن غاية الهيكل هو تقديس القلب، لذلك يُطالبنا ألاّ نُركز فكرنا على المبنى الحجري بل على القلب. فإن أقمنا الحجري بقلوب دنسه فما المنفعة منه؟! ويلاحظ في هذه النبوّة الآتي: أولاً: يطلب الله من النبي أن يسأل الكهنة عن الشريعة [11] مع إنّه نبي. فإن كان الله قد أرسل النبي ليحثّ الكهنة للعمل، لكنّه يطالبه أن يسأل الكهنة عن تفسير الشريعة، وكأن كل عضو في الكنيسة يعمل مع الآخر في العمل الخاص به دون أفضليّة للواحد عن الآخر إلاَّ من جهة أمانته فيما أوّكل عليه، النبي في نبوّة والكاهن في تفسير الشريعة. إن كان عمل الكاهن الرئيسي هو تفسير الشريعة، وكما يقول القديس جيروم: [عظيم هو عمل الكهنوت الإجابة عن الأسئلة الخاصة بالشريعة... ففي الواقع إن النقص في تعليم الكاهن يعوقه عن عمل الصلاح للغير... وبقدر ما يبني كنيسة المسيح بفضائل حياته يؤذيها بالأكثر بفشله في مقاومة الذين يسحبونها إلى أسفل[12]]. ثانيًا: إن حمل إنسان لحمًا مقدّسا في طرف ثوبه ومس بطرفه شيئًا ما لا يُقدّسه، لكنّه إن كان قد تنجّس بميت فما يمسه ينجسّه. كأنّه أراد تأكيد أن العدوى تنتقل إلى حياة الآخرين في الخطيّة أسرع من القداسة. لأن الهدم أسرع من البناء. وكأنّه يسألهم أن يهتمّوا بصحتهم الروحيّة وتقديسهم لأن كل مرض ونجاسة ينتقلان وينتشران بينهم سريعًا. ثالثًا: يقول "إن حمل إنسان لحمًا مقدّسا" ولم يقل "ذبيحة مقدّسة"، فحينما يصرّون على الشرّ لا يقبل الله منهم بناء بيته مهما بدا فخمًا وجميلاً، ولا يقبل ذبائحهم بل يراها "لحمًا". إنّه يطالبهم بمراجعة أنفسهم لئلا فيما هم ينشغلون في البناء الخارجي يفقدون تقديس القلب، إذ يقول: "فاجعلوا قلبكم من هذا اليوم فراجعًا قبل وضع حجر على حجر في هيكل الرب" [15]. رابعًا: إذ لا يتقدّس القلب فإنهم حتى إن بنوا هيكلاً للرب في وسطهم لا ينعمون بالبركة، إذ يقول: "منذ تلك الأيام كان أحدكم يأتي إلى عرمة عشرين فكانت عشرة، أتى إلى حوض المعصرة ليغرف خمسين فورة فكانت عشرين، قد ضربتكم باللفح وباليرقان وبالبرد في كل عمل أيديكم وما رجعتم إليَّ يقول الرب" [16-17]. فإن يأتي إنسان إلى جرن الحصاد متوقعًا أن يجمع عشرين (مكيالاً) من الحبوب إذا به يجمع عشرة، ويأتي إلى حوض المعصرة ليغرف خمسين فورة من عصير العنب فيجد عشرين فقط، أما النباتات فيضربها باللفح (هبوب ريح عنيف) واليرقات (الآفات) والبرد. هكذا تقاومه الطبيعة لعلّها تردّه إلى خالقة. 3. الهيكل الجديد والختم الإلهي: هذه النبوّة الأخيرة أُعلنت في ذات اليوم الذي أُعلنت فيه النبوّة السابقة. الأوّلى يؤكّد فيها الرب ضرورة توجيه الأنظار إلى هيكل القلب وتقديسه حتى يمتلئ المؤمن بالبركة وينعم بحلول الرب داخله، أما هنا فيوجّه الحديث إلى زربابل الوالي الذي من نسل داود معلنًا أنّه يباركه بتحطيم الأمم الوثنيّة المقاومة وإقامته خاتمًا للرب بكونه المختار من قلبه. إن كان زربابل يمثل السيّد المسيح الذي "ولد في بابل" إذ حمل جسدنا وجاء إلى أرضنا ودخل معنا حتى القبر، لكنّه هو الابن الوحيد موضع سرور الآب، فيه صرنا مختاري الله (أف 1: 4). فيه ننعم بالغلبة لا على أمم بشريّة بمركباتها وخيلها، وإنّما على قوّات الظلمة الشرّيرة. بالمعموديّة تنهزم تحت أقدامنا أعمال الإنسان القديم كأمم وثنيّة منهارة وننعم بالختم السماوي، الأمر الذي اشتهته العروس قائلة: "اجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك" (نش 8: 6). به صرنا كخاتم نحمل كرامة السيّد وغناه وسلطانه الروحي، نشهد له كعروس إتحدت معه على مستوى فائق.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الثاني عندما تجاوب الشعب مع النبوة الأولى لاحقهم الله في محبته بثلاث نبوات متتالية ليشجعهم. الآيات (1-9):- "1فِي الشَّهْرِ السَّابعِ فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ، كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ عَنْ يَدِ حَجَّي النَّبِيِّ قَائِلاً: 2«كَلِّمْ زَرُبَّابِلَ بْنَ شَأَلْتِيئِيلَ وَالِي يَهُوذَا، وَيَهُوشَعَ بْنِ يَهُوصَادِقَ الْكَاهِنِ الْعَظِيمِ وَبَقِيَّةِ الشَّعْبِ قَائِلاً: 3مَنِ الْبَاقِي فِيكُمُ الَّذِي رَأَى هذَا الْبَيْتَ فِي مَجْدِهِ الأَوَّلِ؟ وَكَيْفَ تَنْظُرُونَهُ الآنَ؟ أَمَا هُوَ فِي أَعْيُنِكُمْ كَلاَ شَيْءٍ! 4فَالآنَ تَشَدَّدْ يَا زَرُبَّابِلُ، يَقُولُ الرَّبُّ. وَتَشَدَّدْ يَا يَهُوشَعُ بْنُ يَهُوصَادِقَ الْكَاهِنُ الْعَظِيمُ، وَتَشَدَّدُوا يَا جَمِيعَ شَعْبِ الأَرْضِ، يَقُولُ الرَّبُّ. وَاعْمَلُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. 5حَسَبَ الْكَلاَمِ الَّذِي عَاهَدْتُكُمْ بِهِ عِنْدَ خُرُوجِكُمْ مِنْ مِصْرَ، وَرُوحِي قَائِمٌ فِي وَسَطِكُمْ. لاَ تَخَافُوا. 6لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: هِيَ مَرَّةٌ، بَعْدَ قَلِيلٍ، فَأُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَالْيَابِسَةَ، 7وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الأُمَمِ. وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ، فَأَمْلأُ هذَا الْبَيْتَ مَجْدًا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. 8لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. 9مَجْدُ هذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَجْدِ الأَوَّلِ، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. وَفِي هذَا الْمَكَانِ أُعْطِي السَّلاَمَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ»." جاءت الرسالة الثانية حيث كان البناؤون قد بدأوا العمل منذ قرابة شهر، وكان الله قد أنبهم في رسالته الأولى، ولكن نجده هنا يشجعهم حينما بدأوا العمل. 1فِي الشَّهْرِ السَّابعِ فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ = أي في اليوم السابع من عيد المظال. وكان هذا العيد يتسم بالفرح أكثر من أي يوم آخر فهو أيضاً في نهاية موسم الحصاد. وهنا نجد الله كأنه يريد أن يقول إمتلئوا فرحاً ليس بعيد المظال فقط بل ببدء العمل في بيت الله. وفي (3) أَمَا هُوَ فِي أَعْيُنِكُمْ كَلاَ شَيْءٍ = بينما كان الكهنة واللاويون يترنمون بالفرح ويضربون بالأبواق من أجل العمل، أخذ المسنين يبكون بمرارة على مجد الهيكل القديم، فكادوا أن يحولوا الفرح لمرارة. وهذا تماماً هو عمل إبليس زرع اليأس في النفوس، لذلك يقول الحكيم "لا تقل لماذا كانت الأيام الأولى خيراً من هذه" (جا10:7). وحتى لا يسقطوا في هوة اليأس أخذ الله يشجعهم بقوله إِنِّي مَعَكُمْ (4) وكيف يدخلنا اليأس ونحن نسمع هذا الوعد أن الله معنا. ولنسمع نحن وليسمع الشعب الأمر التالي اعْمَلُوا. والمعنى أن نجاهد بلا يأس وبفرح فالله في وسطنا. وفي (زك10:4) يشجعهم قائلاً "لأنه من أزدرى بيوم الأمور الصغيرة" الله يفرح بالبدايات مهما كانت صغيرة ويبارك فيها فتصبح كبيرة وهو يفرح بكل ما يقدم له مهما كان قليلاً إن قدمناه بقلب مملوء محبة. وفي (5) الله يجدد العهد معهم، ولنلاحظ أن الروح يقيم في وسطنا مادمنا نعمل، وهذا هو المجد الحقيقي. ومعنى الآية أن الله هنا يقول للشعب أنه ملتزم بعهوده إن التزموا هم بوصاياه، وكأنه يقول في هذه الآية.. أنا مازلت ملتزم بالعهد الذي قطعته مع أبائكم عند خروجهم من مصر، فهل تعملوا بأمانة لتروا التزامي بعهدي وأنني مازلت في وسطكم. وفي (6،7) الله أُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وكُلَّ الأُمَمِ = حدث هذا قديماً فعندما أقام الله العهد على جبل سيناء زلزل الرب الموضع وكان الجبل يدخن. وعند الصلب حدثت زلزلة وتشققت الأرض وإظلمت الشمس. وقد تزلزلت كل الممالك وقامت مملكة المسيح. وكأن قيام مملكة المسيح زلزلة للأمم. فالأمم والممالك أشياء متزعزعة غير ثابتة (فبابل وأشور واليونان والرومان كلهم سقطوا) لكن مملكة المسيح ثابتة كالجبل (دانيال إصحاح 2.. حلم نبوخذ نصر). والآن بالنسبة لكل إنسان، فالله يزلزل جسده ونفسه، ويحطم إنسانه القديم ليقيم فينا الإنسان الجديد فنحمل سماته فينا. ولذلك يقول وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ = فالزلزلة صاحبت العهد القديم، وصاحبت الصليب في العهد الجديد، وتصاحب كل إنسان حين يأتي إليه المسيح ليقيم ملكوته فيه. والمسيح هو مشتهى كل الأمم وغنى كل قبائل الأرض. وبحسب وعد الله لأبينا إبراهيم أنه "فيك تتبارك كل قبائل الأرض" (تك3:12) أي من نسلك يا إبراهيم سيأتي من يبارك كل الأرض أي المسيح. وهو مشتهى كل الأمم، فكل من سمع عنه إشتهاه. في هذه الآية رأى النبي بروح النبوة تأسيس المسيح لهيكل جسده أي الكنيسة. بَعْدَ قَلِيلٍ... وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ = كان عليهم أن يصبروا فترة من سنة 520ق.م حتى يولد المسيح مشتهى الأمم، ونحن علينا أن ننتظر بصبر مجيئه الثاني الذي سيتزلزل فيه العالم كله، بل تنتهي صورته ويستعلن مجد الله، ويأتي مشتهى العالم كله في مجيئه الثاني. ومشتهى الأمم تعني أيضاً قبول الأمم للمسيح، فهؤلاء الذين كانوا مبعدين عن الله قبل المسيح صاروا جسداً للمسيح. وفي (8) إذاً عليهم أن لا يهتموا إذ ليس لهم فضة أو ذهب لتزيين هذا الهيكل الجديد، فالله الذي له الأرض بكل كنوزها، وجوده في هيكله هو سر المجد وليس الذهب والفضة. وفي (9) أي مكان يملأه الله يمتلئ مجداً مهما كان حقيراً. وهذا الوعد أعطى فرحاً لليهود شجعهم على البناء. ونجد أن هيكل سليمان قد إمتاز عن الهيكل الثاني بكثرة الذهب والفضة والحجارة الكريمة وفخامة المبنى، ولكن هذه الآية التي تتكلم عن مَجْدُ الْبَيْتِ الأَخِيرِ = هذه تقصد هيكل جسد المسيح الذي تشير له هذه الآيات (راجع يو18:2-22) ومجد هذا الهيكل في أن لاهوت المسيح لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين. وكرمز لهذا الهيكل، هيكل جسد المسيح، هيكل زربابل الذي يبنونه الآن، وسر عظمة زربابل بالرغم من كل ذهب وفضة هيكل سليمان أن الرب معهم. وسر عظمة هيكل جسد المسيح هو اتحاد لاهوته بناسوته. وبجسد المسيح هذا تمت المصالحة بين الآب والبشرية لذلك يقول وَفِي هذَا الْمَكَانِ أُعْطِي السَّلاَمَ = فلم يكن لنا سلام سوى بالمسيح ملك السلام. ولاحظ قوله هذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ = فلا يوجد هيكل يهودي مقبول من الله بعد أن أسس المسيح هيكل جسده، فإذا أتى المرموز إليه بطل الرمز. وبالتالي فلا معنى أن يفهم أحد أن الهيكل الموصوف في سفر حزقيال (إصحاحات 40-48) هو هيكل حقيقي، إنما هو مجرد رمز لجسد المسيح أي الكنيسة. الآيات (10-19):- "10فِي الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ التَّاسِعِ، فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِدَارِيُوسَ، كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ عَنْ يَدِ حَجَّي النَّبِيِّ قَائِلاً: 11«هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: اِسْأَلِ الْكَهَنَةَ عَنِ الشَّرِيعَةِ قَائِلاً: 12إِنْ حَمَلَ إِنْسَانٌ لَحْمًا مُقَدَّسًا فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ وَمَسَّ بِطَرَفِهِ خُبْزًا أَوْ طَبِيخًا أَوْ خَمْرًا أَوْ زَيْتًا أَوْ طَعَامًا مَّا، فَهَلْ يَتَقَدَّسُ؟» فَأَجَابَ الْكَهَنَةُ وَقَالُوا: «لاَ». 13فَقَالَ حَجَّي: «إِنْ كَانَ الْمُنَجَّسُ بِمَيْتٍ يَمَسُّ شَيْئًا مِنْ هذِهِ، فَهَلْ يَتَنَجَّسُ؟» فَأَجَابَ الْكَهَنَةُ وَقَالُوا: «يَتَنَجَّسُ». 14فَأَجَابَ حَجَّي وَقَالَ: «هكَذَا هذَا الشَّعْبُ، وَهكَذَا هذِهِ الأُمَّةُ قُدَّامِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَهكَذَا كُلُّ عَمَلِ أَيْدِيهِمْ وَمَا يُقَرِّبُونَهُ هُنَاكَ. هُوَ نَجِسٌ. 15وَالآنَ فَاجْعَلُوا قَلْبَكُمْ مِنْ هذَا الْيَوْمِ فَرَاجِعًا، قَبْلَ وَضْعِ حَجَرٍ عَلَى حَجَرٍ فِي هَيْكَلِ الرَّبِّ. 16مُذْ تِلْكَ الأَيَّامِ كَانَ أَحَدُكُمْ يَأْتِي إِلَى عَرَمَةِ عِشْرِينَ فَكَانَتْ عَشَرَةً. أَتَى إِلَى حَوْضِ الْمِعْصَرَةِ لِيَغْرُفَ خَمْسِينَ فُورَةً فَكَانَتْ عِشْرِينَ. 17قَدْ ضَرَبْتُكُمْ بِاللَّفْحِ وَبِالْيَرَقَانِ وَبِالْبَرَدِ فِي كُلِّ عَمَلِ أَيْدِيكُمْ، وَمَا رَجَعْتُمْ إِلَيَّ، يَقُولُ الرَّبُّ. 18فَاجْعَلُوا قَلْبَكُمْ مِنْ هذَا الْيَوْمِ فَصَاعِدًا، مِنَ الْيَوْمِ الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ التَّاسِعِ، مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ تَأَسَّسَ هَيْكَلُ الرَّبِّ، اجْعَلُوا قَلْبَكُمْ. 19هَلِ الْبَذْرُ فِي الأَهْرَاءِ بَعْدُ؟ وَالْكَرْمُ وَالتِّينُ وَالرُّمَّانُ وَالزَّيْتُونُ لَمْ يَحْمِلْ بَعْدُ. فَمِنْ هذَا الْيَوْمِ أُبَارِكُ»." لقد بدأ الآن بناء الهيكل ووضع الأحجار في مكانها واستجاب الشعب لنداء الله، لذلك نجد الله هنا يرتقي بهم لدرجة أعلى وهي مطالبته لهم بنقاء القلب، فإنه إن كان مجد الهيكل هو حلول الرب وسط شعبه، فإن غاية الهيكل هو تقديس القلب، فإن أقمنا الهيكل بقلوب دنسة فلن ننتفع، ولن تأتي البركة. وهنا يطالب الله بالآتي: [1] تطبيق الوصية= اِسْأَلِ الْكَهَنَةَ عَنِ الشَّرِيعَةِ [2] الابتعاد عن النجاسة.. فبدون هذا لا تقبل ذبائحهم، وبدون قداسة فلن تكون هناك بركة. ومعنى الآيات الآتية أن هذا الشعب قد تنجس بخطاياه وإهماله بناء بيت الرب، لذلك فكل ما يلمسه هذا الشعب يتنجس وتنعدم منه البركة. وكانت الشريعة تنص على أنه إذا حمل إنسان لحمأً مقدساً في طرف ثوبه ومس بطرفه شيئاً ما، فإن هذا الشئ لا يتقدس، ولكن إن كان قد تنجس بميت فما يمسه هذا الشخص الذي يتنجس بالميت، ينجسه (الميت يشير للخطية) والمعنى أن العدوى تنتقل من شخص لآخر في الخطية أسهل بكثير من انتقال القداسة، لأن الهدم أسرع من البناء. وحياة الأشرار وسط الصالحين لا تقدسهم ولا تجعلهم مقبولين أمام الله، أضف لهذا أن هذا الشعب النجس بخطاياه، إذا لمس أي شئ يتنجس، لو لمس حقوله تتنجس ولا تعطي ثمارها، وإذا لمس كرومها تتنجس ولا تعطي عنباً.. وهكذا. الطريق الوحيد لقبول الله لهم وعودة البركة هو ابتعادهم عن النجاسة. ولاحظ قوله هذَا الشَّعْبُ = وأنه لم يقل شعبي، وهذه عادة الله حينما يريد أن يعلن غضبه عليهم، فهو لا ينسبهم لنفسه، كما قال لموسى في إحدى المرات "أنظر شعبك" ولم يقل شعبي. وفي (14) سبب النجاسة هو فساد القلب. وفي (15) يطلب منهم قبل البدء في البناء أن يقدموا توبة قلبية. فَاجْعَلُوا قَلْبَكُمْ مِنْ هذَا الْيَوْمِ فَرَاجِعًا = الكلمة المترجمة راجعاً تترجم فصاعداً (كلمة راجعاً هنا هي نفسها كلمة صاعداً في الآية (18))أي منذ الآن فصاعداً (أي لبقية عمركم) قدموا توبة بنية صادقة، وصمموا على عدم الرجوع للخطية. وفي (16) عَرَمَةِ = إيفة وهي مكيال للحبوب. والمعنى أنه حين تنتظروا من حصادكم 50أيفة تحصدوا فعلاً 20أيفة وذلك لانعدام البركة. والفُورَةً = هي كلمة عبرانية معناها ما تسعه المعصرة في المرة الواحدة. وفي (17) الله يضرب النباتات بسبب نجاستهم اللَّفْحِ = هبوب ريح عنيف. وَالْيَرَقَانِ = آفة حشرية تصيب الزرع بالإصفرار. وَالْبَرَدِ = الصقيع الذي يقتل النبات. إذاً هذه الضربات هي من الله وليست ظروف طبيعية فقط، فالله ضابط الكل يتحكم في الطبيعة. الله وراء هذه الضربات يسلطها عليهم حتى يتوبوا عن نجاستهم، حينئذ تعود لهم البركة، لكن الله يعاتبهم أنهم لم يفهموا سبب إنعدام البركة فلم يتوبوا= وَمَا رَجَعْتُمْ إِلَيَّ، يَقُولُ الرَّبُّ. وفي (18) الهيكل تأسس أيام كورش وتعطل 15سنة، ويعتبر وضع الأساس الجديد سنة 520 بدءاً جديداً، وكأن الله يطلب مع بداية هذا العمل، قدموا توبة قلبية فتزداد البركة لكم. ولكن معنى تحديد التاريخ من اليوم الرابع والعشرين.. أن الله يحدد ميعاد رجوع البركة لهم، ويطلب منهم أن يلاحظوا أنهم في نفس اليوم الذي بدأوا فيه البناء واستجابوا لنداء الله، ففي نفس هذا اليوم عادت البركة لهم، عليهم إذاً أن لا ينسبوا عودة البركة لهم للصدفة أو رضا الطبيعة عليهم، بل يفهموا أنها نتيجة رضا الله عليهم، الله عاد بالبركة لهم (أي أمطار وثمار ولا لفح ولا يرقان..) حينما عادوا لله واستجابوا لندائه وقدموا توبة.. وعليهم أن يلاحظوا ميعاد عودة البركة ليفهموا أنها من الله. وفي (19) مع أنه لا يوجد بذار في المخازن= الأَهْرَاءِ ولم تزهر أشجار الكروم والتين، إلاّ أنهم طالما قدموا توبة صادقة فعليهم أن ينتظروا بثقة وإيمان وصبر تحقيق وعود الله بعودة البركة لهم. الآيات (20-23):- "20وَصَارَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ ثَانِيَةً إِلَى حَجَّي، فِي الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ قَائِلاً: 21« كَلِّمْ زَرُبَّابِلَ وَالِي يَهُوذَا قَائِلاً: إِنِّي أُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، 22وَأَقْلِبُ كُرْسِيَّ الْمَمَالِكِ، وَأُبِيدُ قُوَّةَ مَمَالِكِ الأُمَمِ، وَأَقْلِبُ الْمَرْكَبَاتِ وَالرَّاكِبِينَ فِيهَا، وَيَنْحَطُّ الْخَيْلُ وَرَاكِبُوهَا، كُلٌّ مِنْهَا بِسَيْفِ أَخِيهِ. 23فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، آخُذُكَ يَا زَرُبَّابِلُ عَبْدِي ابْنُ شَأَلْتِيئِيلَ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَجْعَلُكَ كَخَاتِمٍ، لأَنِّي قَدِ اخْتَرْتُكَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ»." فِي الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ = الله يتكلم للمرة الثانية في نفس اليوم إعلاناً عن فرحته بهم. وهذه نبوة بكسر قوة الشياطين من أمامهم. وتفهم أيضاً أن الله يطمئن زربابل بأنه معه وسيقلب أمامه أمم الأرض التي تقاومه. فعندما أكرم زربابل الله بأمانته، نجد الله هنا يكرم زربابل جداً. وحينما نضع هذه الآيات بجانب السابقة نجد أن الإنسان حين يقدم توبة بنية صادقة فإن الله يقلب أمامه مملكة الشيطان. إذاً لا داعي لأن يعتذر أحد بأن الشيطان أقوى منه. كُلٌّ مِنْهَا بِسَيْفِ أَخِيهِ = فالأمم التي تقاوم المسيح وشعبه تقوم على بعضها وتقتل بعضها (قصة جدعون وشعب مديان) زربابل عبدي= هكذا قيل عن المسيح في (أش1:42 + في7:2). لأَنِّي قَدِ اخْتَرْتُكَ = وقيل عن المسيح مختار الله (أش1:42 + 1بط4:2). فزربابل هو رمز للمسيح. لذلك فآية (23) هي نبوة عن المسيح. وَأَجْعَلُكَ كَخَاتِمٍ = خاتم التوقيع كان يتمتع بعزة فائقة في تلك الأيام فهو رمز للسلطة، فالله يعطي زربابل الملك والسلطان رمزاً لملك المسيح على كنيسته وإنهيار مملكة إبليس (لو32:1،33) (هذا ما قيل عن المسيح كملك). الختم يشير لسلطان المسيح الذي منحه له الآب. وبالخاتم يتم صرف الشئ المختوم عليه، وبالمسيح نحصل على إستجابة صلواتنا (يو24:16 + يو16:15 + يو14:14). ولذلك تضيف الكنيسة على الصلاة الربانية "بالمسيح يسوع ربنا" فالله لا يستجيب لنا إلا بالمسيح = أَجْعَلُكَ كَخَاتِمٍ. وراجع (2كو20:1-22). وزربابل كخاتم: هذا عكس ما قيل عن أبيه كنياهو (أر24:22) بسبب خطايا كنياهو، فبالخطية نفقد كل شئ.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح