كلمة منفعة
في تذكرنا لأسلوب آبائنا الرسل في خدمتهم، نتلقى دروسا عملية مثالية في روح الخدمة، نذكر منها:
— روح الخدمة
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 7 انجيل معلمنا متى الإصحاح رقم 7 الاصحاح السابع : دستور الملك 3 المبادئ الملوكيّة عالج السيّد المسيح بعض المبادئ الأساسية الخاصة بملكوت السماوات لتكشف عن الفكر السماوي والحياة السماويّة. 1. عدم الإدانة 1-5. 2. الحفاظ على المقدّسات 6. 3. السؤال المستمر 7-12. 4. الباب الضيّق 13-14. 5. الأنبياء الكذبة 15-23. 6. خاتمة الدستور 24-27. 7. اندهاش الجماهير 28-29. 1. عدم الإدانة مادام الرب يحدّثنا عن نقاوة القلب الداخلي حتى نستطيع بالعين البسيطة أن نُعاين ملكوت السماوات، ونحيا لله لا لمحبّة المال، ونعيش بلا همّ، وفي نفس الوقت بلا تواكل حتى في الأمور الزمنيّة، فإن هذه الأمور في جملتها تمثّل حياة خفيّة لا يمكن إدراكها بالمظاهر الخارجيّة وحدها. إن كان الإنسان يحتاج إلى عمل روح الله القدّوس لكي يكشف له ذاته مع إرشاد أب اعترافه، فكيف يمكننا أن نحكم على الغير إن كانت قلوبهم نقيّة من عدمه. فالمظاهر الخارجيّة، حتى العبادة، قد تخفي من ورائها ما لا يمكن إدراكه. إن كنّا نطلب لأنفسنا الحياة النقيّة الداخليّة يليق بنا ألا نحكم على الآخرين وعلى قلوبهم التي لا يراها سوى الله نفسه. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الحكم على الآخرين أو إدانتهم يسحب قلوبنا من التركيز على ما هو لخلاصنا وبنياننا إلى إدانة الناس والحكم عليهم، فنكون كمن يترك ميّته في بيته لينوح على ميّت أخيه. والإدانة أيضًا تفقدنا طبيعة الحب نحو إخوتنا فنخسر نعمة محبّة الله لنا الساترة علينا، ففيما نحن نحكم على الغير يُحكم علينا. وكما يقول السيّد المسيح: "لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تُدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم، ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟" [1-3]. + إن كان يُحسب شرًا ألا يرى الإنسان خطاياه، فإن شرّه يكون مضاعفًا إذ يجلس على كرسي إدانة الآخرين بينما يحمل خشبة في عينيه. القدّيس يوحنا الذهبي الفم + أظن أننا نتعلّم من هذه الوصيّة ضرورة افتراض أحسن قصد ممكن لأعمال الآخرين التي يمكن لنا أن نشك في نيّتها. القدّيس أغسطينوس + لو سقط أخوك في خطيّة الغضب تسقط أنت في خطيّة الكراهيّة (بإدانتك له). وهناك فرق شاسع بين الغضب والكراهيّة كما هو بين القذى والخشبة، لأن الكراهيّة هي غضب مزمن. فبطول الزمن اشتدّ القذى فصار بحق خشبة. فإنك إن غضبت على إنسان ترغب في رجوعه إلى الحق، أمّا إذا كرهته فلا يمكن لك ذلك. القدّيس أغسطينوس + أصل الإدانة عدم المحبّة، لأن المحبّة تستر كل عيب؛ أمّا القدّيسون فلا يدينون أحدًا، لكنهم يتألّمون معه كعضو منهم، ويشفقون عليه ويعضّدونه ويتحايلون في سبيل خلاصه، حتى ينتشلونه كالصيّادين الذين يرخون الحبل للسمكة قليلاً قليلاً حتى لا تخرق الشبكة وتضيع... فإذا توقّفت ثورة حركتها حينئذ يحرّكونها قليلاً قليلاً. الأب دوروثيؤس + الذي يدين فقد هدَم سوره بنقص معرفته. الأنبا موسى الأسود + كما أن النار والماء متنافران... هكذا إدانة الآخرين لا تتّفق مع من يريد التوبة... إن رأيت إنسانًا يخطئ في اللحظات الأخيرة قبيل موته فلا تدنه، لأن قضاء الله مخفي عن البشر، فقد سقط البعض في خطايا جسيمة جهرًا لكنهم أدوا أعمالاً مجيّدة سرًا... + الحكم على الآخرين يعتبر سلبًا للحق الإلهي بوقاحة، أمّا الانتهار (بغير حب) فيهدم نفس الإنسان. القدّيس يوحنا الدرجي + يوم تدين أخاك، تنقطع عنك نعمة الروح القدس، فتتعثّر بأخيك وتكون سبب عثرة. الأنبا برصنوفيوس عدم الإدانة لا يعني السلوك بلا تمييز، فكما يقول النبي: "ويل للقائلين للشرّ خيرًا وللخير شرًا، الجاعلين الظلام نورًا والنور ظلامًا، الجاعلين المرّ حلوًا والحلو مرًا" (إش 5: 20). فالمؤمن الحقيقي إذ هو مسكن للروح القدس يحمل روح التمييز، فيرى سقطة أخيه ولا يقدر أن ينكرها أو يتجاهلها، لكنّه وهو يدرك في السقطة مرارتها إنّما يشعر بها تصدر عن الضعف البشري الذي يتعرّض هو له. أخوه يسقط الآن، أمّا فهو فمعرّض للسقوط إن لم يكن الآن فغدًا، لذا عِوض أن يدين يترفّق ويصلّي في أنّات صادقة. هذا الأمر يبرز بصورة واضحة في حياة الآباء الروحيّين والجسديّين، فالأب لا يقدر أن يتجاهل أخطاء أولاده وسقطاتهم، ولا يصمت تحت دعوى عدم الإدانة، وإنما في أبوة صادقة يفتح لهم قلبه ليسندهم على القيام من سقطاتهم. لهذا يحذّرنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم من إساءة فهم "عدم الإدانة" فيصير ذلك علّة لتجاهل أخطاء الغير، والسلوك بلا تدبير أو حزم مع الساقطين، وإذ يقول: [لننصت بحذر لئلا تحسب أدوية الخلاص وقوانين السلام كقوانين للاضطراب والهلاك.] مرّة أخرى يوجّه القدّيس يوحنا الذهبي الفم حديثه للأب، قائلاً: [اصلحه، ولكن ليس كعدوّ أو خصم يحدّد العقوبة وإنما كطبيب يعد الأدوية، إذ لم يقل المسيح: "لا تحتملوا المخطئين" بل قال: "لا تدينوا" بمعنى "لا تكونوا مملوءين مرارة في إعلان الحكم.] كما يقول: [ما هذا، ألا يجوز لنا أن نلوم الخطاة؟! نعم إن بولس يطلب عدم لوم الخطاة؛ بالأحرى نقول أن المسيح يقول بهذا خلال بولس: "وأما أنت فلماذا تدين أخاك؟ أو أنت أيضًا لماذا تزدري بأخيك؟ ومن أنت الذين تدين عبد غيرك؟" (رو 14: 4، 10). كما يقول: "إذًا لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب" (1 كو 4: 5). وفي نفس الوقت يقول في موضع آخر: "وبّخ انتهر عظ" (2 تي 4: 2)، "الذين يخطئون وبّخهم أمام الجميع" (1تي 5: 20)... بهذا يظهر أن المسيح لم يأمر الجميع بعدم الإدانة بطريقة مطلقة، إنّما يمنع من تفشت فيهم خطيّة انتقاد الغير في أقل الأخطاء التي تصدر عنهم.] الحب الذي يبعث في المؤمن روح عدم الإدانة ناظرًا إلى ضعفات أخيه أنها ضعفاته، هو بعينه الذي يهب الحكمة في التصرّف مع المخطئين، لندين الخطيّة لا الخاطي، منتشلين إخوتنا من مرارة الضعف، لا كمن هم أقل منّا أو نحن أبرّ منهم، وإنما كمن يسند أخاه مدركًا أنه شريك معه في ذات الضعف. 2. الحفاظ على المقدّسات "لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا دُرَركم قدام الخنازير، لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزّقكم" [6]. لما كان جوهر عبادتنا وغايتها هو "نقاوة القلب"، حيث ننعم بالعين البسيطة القادرة على معاينة الله وإدراك أسراره ومعاملاته معنا، خشيَ السيّد المسيح لئلا تُفهم البساطة بمعنى "الجهالة" أو "عدم الحكمة"، لهذا يمزج السيّد البساطة بالحكمة. هذا ما أكّده في حديثه مع تلاميذه: "كونوا حكماء كالحيّات، وبسطاء كالحمام" (مت 10: 16). فإن كان الله يطالبنا بالبساطة فلا ندين أحدًا، ففي نفس الوقت يسألنا السلوك بحكمة بقوله: "لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا دُرَركم قدام الخنازير". كأنه يقول لنا: اعرفوا ماذا تقدّمون؟ ولمن تقدّمون؟ يعرف الإنسان قيمة المقدّسات والدرر الثمينة فلا يهبها في سذاجة لكل إنسان، وإنما يعرف لمن يقدّمها وكيف يقدّمها. السيّد المسيح نفسه الذي لم يبخل علينا بشيء، مقدّمًا حياته فدية لأجل خلاصنا، أحيانًا يخفي بعض أسراره مقدّمًا لنا ما يناسبنا فقط، إذ يقول: "إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن" (يو 16: 12). إنه يشتاق أن يقدّم كل أسراره لكنّه لا يقدّم ما لا نستطيع احتماله، حتى لا يصيبنا ضرر. على هذا المنهج سلك الرسل أيضًا، فيقول معلّمنا بولس: "وأنا أيها الاخوة لم أستطع أن أكلّمكم كروحيّين بل كجسديّين كأطفال في المسيح، سَقيْتكم لبنًا لا طعامًا، لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون بل الآن أيضًا لا تستطيعون" (1 كو 3: 1-2). وبنفس الروح عاشت الكنيسة الأولى تقدّم للموعوظين ما يناسبهم ولا تكشف لهم عن الأسرار المقدّسة إلا بقدر احتمالهم، وفي الطقس الأول كانت أبواب الكنيسة تغلق بعد قداس الموعوظين بعد خروجهم فلا ينعم بسّر الإفخارستيا إلا المؤمنون المستعدون للشركة المقدّسة. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [نحتفل بالأسرار خلال الأبواب المغلقة، ونترك غير المعمّدين خارجًا، ليس عن ضعف في الإقناع بخصوص أسرارنا، وإنما لأن كثيرين لم يستعدوا بعد لها بطريقة كاملة.] يقول القدّيس أغسطينوس: [يمكننا أن نفهم القُدْس والدُرَر على أنها شيء واحد، دُعي قُدسًا بسبب الالتزام بعدم إفساده، ودُررًا بسبب الالتزام بعدم الازدراء به. فالإنسان يفسد ما لا يرغب في إبقائه سليمًا، ويزدري ما يحسبه تافهًا ومنحطًا، لذا يُقال عن الشيء المحتقر أنه مدوس بالأقدام. يقول الرب: "لا تعطوا القدس للكلاب"، لأن الكلاب تهجم على الشيء لتمزّقه، حتى وإن كان هذا الشيء لا يمكن تمزيقه أو إفساده أو تدنيسه. إذن لنفكِّر فيما يرغبه هؤلاء المقاومين للروح بعنف وعداء شديد. إنهم يرغبون في تدمير الحق الذي لا يمكن تدميره. أمّا الخنازير فتختلف عن الكلاب فهي لا تهاجم لتمزّق بأسنانها، لكنها تدنّس الشيء إذ تدوسه بأقدامها في طياشة... إذن لنفهم أن "الكلاب" تُشير إلى مقاومي الحق، "والخنازير" إلى محتقريه.] وإذ يتحدّث القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص عن البتوليّة كأمر ثمين للغاية وكحياة سماويّة، يعتبر أن من يحيا كبتول جسديًا دون أن يسلك في حياته العمليّة بما يتّفق ببتوليّته يكون كمن ألقى بالدُرَر تحت أقدام الخنازير. 3. السؤال المستمر إذ يسمع المؤمن الوصيّة الإلهيّة: "لا تعطوا القُدس للكلاب، ولا تطرحوا دُرَركم قدّام الخنازير" ربّما يسأل: ومن أين لي القُدس والدرر؟ لذا يكمل: "اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم، لأن كل من يسأل يأخذ ومن يطلب يجد ومن يقرع يُفتح له" [7-8]. + لكي تفهم ما يقصد بالسؤال والطلب والقرْع، نفترض وجود رجل أعرج، فمثل هذا يُعطى له أولاً الشفاء، أي القدرة على المشي، وهذا ما قصده الرب بالسؤال. ولكن ماذا ينتفع بالمشي أو حتى بالجري إن استخدمه في طريق منحرف؟ لذلك فالخطوة التالية هي أن يجد الطريق المؤدّي إلى الموضع المطلوب... وهذا ما قصد بالطلب. لكن ما المنفعة إن صار قادرًا على المشي وعرف الطريق، بينما كان الباب مغلقًا... لهذا يقول: "اقرعوا". القدّيس أغسطينوس + إن داومت السؤال فإنك ستأخذ بالتأكيد حتى وإن لم يكن في الحال... هكذا يمثِّله الرب على القرع. إنه لا يعطيك فورًا حتى تداوم على السؤال. إذن لتستمر في السؤال والطلب فبالتأكيد ستأخذ. القدّيس يوحنا الذهبي الفم + إن كان الذي لا يرغب في العطاء (قاضي الظلم لو 18: 2)، قد أعطى بسبب اللجاجة، فكم بالأكثر يعطي ذاك الصالح وحده الذي يحثّنا على الطلب منه، والذي لا يُسر عندما نطلب منه؟! قد يبطئ الله في العطاء لكي نُقَّدر قيمة الأشياء الصالحة، وليس لعدم رغبته في العطاء. ما نشتاق إلى نواله بجهادٍ نفرح جدًا بنواله، أمّا ما نناله سريعًا فنحسبه شيئًا زهيدًا. القدّيس أغسطينوس + لنقرع على باب المسيح الذي قيل عنه: "هذا هو باب الرب والصدّيقون يدخلون فيه" (مز 118: 20)، حتى متى دخلنا يفتح لنا الكنوز المخفيّة بالمسيح يسوع الذي فيه كل العلم: "المُذخّر فيه كنوز الحكمة والعلم" (كو 2: 3) . القدّيس جيروم لكي يؤكّد السيّد نوالنا ما نسأله يقول: "أم أي إنسان منكم إذا سأله ابنه خبزًا يعطيه حجرًا؟ وإن سأله سمكة يعطيه حيّة؟! فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيّدة فكم بالأحرى أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه؟!" [9-11] يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هكذا إن كنت لم تأخذ ما سألته فالسبب هو أنك طلبت حجرًا. لا يكفي أنك ابن لكي تأخذ، وإنما أحيانًا ما تسأله يعوقك عن أن تأخذ، إذ تسأل ما هو ليس بنافعٍ. يلزمك إذن ألا تسأل أمرًا أرضيًا، بل روحيًا، فبالتأكيد تأخذ.] ويقول القدّيس أغسطينوس: [إن كنّا ونحن أشرار نعرف كيف نعطي أبناءنا ما يسألونه منّا فلا نخدعهم، بل نعطيهم أشياء صالحة ليست منّا بل من الرب، فكم بالأكثر يكون رجاؤنا في الرب أن يعطينا عندما نطلب منه أمورًا صالحة؟] يختم السيّد حديثه عن استجابته لسؤالنا بوصيّة تخص علاقتنا بإخوتنا هي مفتاح أيدينا لاستجابة طلبتنا: "فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم، لأن هذا هو الناموس والأنبياء" [12] لم يضعها كوصيّة شرطيّة نلتزم بها لنوال سؤالنا من الله، إنّما تُفهم كذلك بطريقة غير مباشرة. لقد أراد أن تكون علاقتنا بإخوتنا تقوم لا على أساس المنفعة، وإنما على طبيعة الحب الداخلي دون مقابل، نحبّهم لأجل الحب، وبهذا يتحقّق فينا غاية الناموس. لكي نتفهّم حكمة هذه الوصيّة نقول بأن الآب يطالب أولاده أن يحب أحدهم الآخر، ويخدم بعضهم البعض، من أجل الأخوة في ذاتها. لكنّه كأب، إذ يراهم محبّين يطمئن لنضوجهم وحبّهم، فيفتح خزائنه ويعطي بلا كيل، مدركًا أن أولاده قد صاروا أهلاً لمحبّة أبيهم خلال طبيعة الحب التي لهم. حقًا إن انفتاح قلبنا لإخوتنا بالعطاء - أيّا كان نوعه - دون مقابل هو الطريق الذي به نرى يديّ الله مفتوحتين لتهبا بسخاء. 4. الباب الضيق حياة النقاوة التي تؤهّل القلب لمعاينة الله ليست إلا شركة آلام مع المسيح المصلوب، لهذا يقول الرب نفسه: "ادخلوا من الباب الضيق، لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدّي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب، وأكرب الطريق الذي يؤدّي إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه" [13-14]. + دُعي الطريق كربًا وضيقًا لكي يخفّف من أتعابنا، ولكي يُعلن أن الأمان عظيم والمسرّة عظيمة... الطريق كرب والباب ضيّق، لكن المدينة التي ندخلها ليست هكذا، لهذا لا نطلب هنا الراحة كما لا تتوقّع ألمًا هناك. القدّيس يوحنا الذهبي الفم + كرب هو الطريق الذي يدخل بنا إلى الحياة، وضيّق أيضًا، لكن المكافأة رائعة وعظيمة إذ ندخله في مجد! القدّيس كبريانوس + الباب الواسع هو الملاذ العالميّة التي يطلبها البشر، والباب الضيّق هو الذي ينفتح خلال الجهاد والأصوام كالتي مارسها الرسول بولس: "في ضربات، في سجون، في اضطرابات، في أتعاب، في أسهار، في أصوام" (2 كو 6: 5)، "في تعبٍ وكدٍّ، في أسهارٍ مرارًا كثيرة، في جوعٍ وعطشٍ، في أصوامٍ مرارًا كثيرة في بردٍ وعُرْيٍ" (2كو11: 27). وقد شجّع الرسول بولس تيموثاوس على ممارستها: " فتقوَّ أنت يا ابني بالنعمة التي في المسيح يسوع، وما سمعته منّي بشهود كثيرين أودِعه أناسًا أمناء يكونون أكفّاءً أن يُعلِّموا آخرين أيضًا، فاشترك أنت في احتمال المشقّات كجندي صالح ليسوع المسيح. ليس أحد وهو يتجنّد يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضي من جنَّده، وأيضًا إن كان يجاهد لا يكلّل إن لم يجاهد قانونيًا." (2 تي 2: 1-5) لاحظ بتدقيق كيف يتكلّم عن كِلا البابين. فالغالبيّة العُظمى تدخل من الباب الواسع، بينما قليلون هم الذين يكتشفون الباب الضيق. إننا لا نبحث عن الباب الواسع، ولا حاجة لنا مطلقًا أن نكتشفه، إذ هو يعرض نفسه علينا تلقائيًا. أمّا الباب الضيّق فلا يجده الكل، وحتى الذين يجدونه فليس جميعهم يدخلونه، إذ كثيرون بعد اكتشافهم باب الحق تجتذبهم ملاذ الدنيا ويرجعون من منتصف الطريق. القدّيس جيروم يقول العلاّمة أوريجينوس أن الطريق الرحب يحوي زوايا كثيرة، عندها يقف المراءون للصلاة كي يراهم الناس فينالون أجرتهم (مت 6: 5). وعلى العكس الطريق الكرب لا يحوي زوايا شوارع يقف عندها المؤمن، بل يسرع منطلقًا إلى الحياة الأبديّة خلال الباب الضيق. لا يجد المؤمن في الطريق ما يبهجه فيستقر عنده، لكنّه يتّجه نحو السيّد المسيح سرّ بهجته وحياته. الباب الضيّق هو باب الملكوت الذي لن يدخله إلا رب الملكوت يسوع المسيح الذي بلا خطيّة وحده، والطريق الكرب ليس إلا صليبه الذي لا يمكن لأحد أن يعبر فيه سوى المصلوب. لهذا لن ننعم بالدخول من الباب الضيّق، ولا السير في الطريق الكرب، إلا باختفائنا في يسوع المسيح المصلوب وثبوتنا فيه. بهذا يتحوّل الكرب والضيق إلى بهجة اتّحاد مع المصلوب. 5. الأنبياء الكذبة كما حذرنا السيّد المسيح من الحروب الخفيّة وحب الظهور التي تفسد نقاوة القلب، وتنزع بساطة العين الداخليّة، يحذّرنا أيضًا من الحروب الخارجيّة، خلال الأنبياء الكذبة والهراطقة وضد المسيح... هؤلاء الذين يحملون مسحة التقوى الخارجيّة، بينما قلوبهم ذئاب خاطفة. يقول السيد: "احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب حملان، ولكنّهم من داخل ذئاب خاطفة" [15]. هكذا يحذّرنا السيّد من الأنبياء المخادعين الذين "يلبسون ثوب شعر لأجل الغش" (زك 13: 4). يتظاهرون بالحياة النسكيّة وشكليّات الورع لخداع الكثيرين، أو كما يقول الرسول: "مثل هؤلاء هم رسل كذبة، فعلة ماكرون مغيّرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح" (2 كو 11: 13-14)، وذلك كرئيسهم الوحش الذي يتظاهر بصورة السيّد المسيح الحمل، إذ له "قرنان شبه خروف" (رؤ 13: 11) وقد حذّرنا آباء الكنيسة كثيرًا من المخادعين. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [من يصرخ بما هو لله بصوت التواضع الحقيقي والاعتراف الحق للإيمان فهو حمل، أمّا من ينطق بتجاديف ضدّ الحق وعداوة ضدّ الله فهو ذئب.] كما يقول القدّيس جيروم: [ما يُقال هنا عن الأنبياء الكذبة يفهم عن كل من ينطق بغير ما يسلك به عمليًا، لكنّه يخصّ بالأكثر الهراطقة الذين يظهرون لابسين العفّة وصوّامين كزيّ للتقوى، أمّا روحهم في الداخل فمملوءة سمًا، بهذا يخدعون البسطاء من الإخوة.] يُعلن السيّد أن الأنبياء الكذبة واضحون، يمكن تمييزهم عن أولاد الله الحقيقيّين، بقوله: "من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنبًا؟أو من الحسك تينًا؟هكذا كل شجرة جيّدة تصنع أثمارًا جيدًا، وأما الشجرة الرديّة فتصنع أثمارًا رديّة. لا تقدر شجرة جيّدة أن تصنع أثمارًا رديّة، ولا شجرة رديّة أن تصنع أثمارًا جيّدة. كل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا تقطع وتلقى في النار، فإذًا من ثمارهم تعرفونهم" [16-20]. استخدم بعض الهراطقة هذه الكلمات الإلهيّة للادعاء بوجود طبيعتين متعارضتين فالبعض بطبعهم صالحون والآخرون أشرار، ولا يمكن للصالحين أن يصنعوا شرًا وللأشرار أن يصنعوا خيرًا، وكأن الإنسان مسيّرا لا يدّْ له في اختيار الطريق، إنّما طبيعته هي التي تملي عليه سلوكه. هذا الأمر يتنافى مع محبّة الله وتقديسه لحرّية الإرادة الإنسانيّة، كما يتنافى مع عدله إذ كيف يجازينا عن تصرفات ليس لنا حرّية السلوك بها أو الامتناع عنها؟ نقتطف هنا بعض كلمات القدّيس جيروم: [لنسأل هؤلاء الهراطقة الذين يؤكّدون وجود طبيعتين متعارضتين، إذ يفهمون كما لو أن الشجرة لا يمكن أن تأتي بثمر رديء (حتى إن انحرفت)، إذ كيف أمكن لموسى - الشجرة الصالحة - أن يخطئ عند ماء الخصومة؟ أو كيف أنكر بطرس الرب عند آلامه، قائلاً: لا أعرف الرجل؟ أو كيف أمكن لحمى موسى - الشجرة الرديئة - الذي لا يؤمن بإله إسرائيل أن يقدّم مشورة صالحة؟] هذا القول لا يحمل تعارضًا مع كلمات السيّد المسيح، فالشجرة الصالحة لا تثمر إلا ما هو صالح مادامت في يدّ الله مستمرّة في صلاحها، لكنها إن انحرفت ولو إلى حين وتحوّلت إلى شجرة شرّيرة تخطيء لتعود بالتوبة فتأتي بالثمر الصالح من جديد. وهكذا أيضًا بالنسبة للشجرة الرديّة فإنها تبقى تعطي ثمرًا رديًا حتى متى صارت صالحة بالقدّوس الصالح تقدّم ثمرًا صالحًا. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إنه لم يقل أن الشجرة الرديّة لا يمكن أن تصير صالحة، وإنما قال لا تحمل ثمرًا جيدًا مادامت هي رديّة!] إن كنّا شجرًا رديًا فقد جاء السيّد المسيح التفاحة الصالحة، الذي قيل عنه: "كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين البنين، تحت ظلِّه اشتهيت أن أجلس وثمرته حُلوة في حلقي" (نش 2: 3). نتطعَّم فيه، فنصير أغصانًا صالحة، تأتي بثمر كثير. لهذا يقول: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان، الذي يثبت فيّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 5). إذ نثبت فيه نحمله داخلنا، كسرّ صلاحنا وبرّنا، وكما يقول القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [لقد صار مطيعًا ذاك الذي أخذ ضعفاتنا وحمل أمراضنا، شافيًا عصيان البشر بطاعته. فبجراحاته يشفي جرحنا، وبموته يطرد الموت العام عن البشر.] كنّا أشجارًا رديّة تحمل شوكًا وحسكًا، لا نقدر أن نثمر عنبًا أو تينًا، لكننا في المسيح يسوع ربّنا تحوّل شوكنا إلى كرم يثمر عنبًا جديدًا، وحسَكنا إلى شجرة تين جديدة. خارج المسيح تكون لنا طبيعة الأرض الساقطة تحت اللعنة فتنتج حسكًا وشوكًا (تك 3: 18)، هذه التي نخلعها في مياه المعموديّة لنحمل الطبيعة الجديدة التي صارت لنا في المسيح يسوع لنحمل فينا عنبًا وتينًا. بهذا نفهم كلمات السيد: "اجعلوا الشجرة جيّدة وثمرها جيدًا" (مت 12: 33). وللقدّيس يوحنا الذهبي الفم تعليق جميل على العنب والتين، [يحوي العنب في داخل سرّ المسيح، فكما يحوي العنقود الكثير من الحبات مترابطة معًا خلال فرع العنقود الخشبي، هكذا للمسيح مؤمنون كثيرون يتّحدون معًا خلال خشبة الصليب. والتين يمثّل الكنيسة التي تضم داخله جموع المؤمنين في حضن المحبّة الحلو، وذلك كما تحوي التينة بذارًا كثيرة داخل غطائها الواحد. فالتينة تمثل المحبّة في حلاوتها والوحدة في اتّحاد البذار الكثيرة معًا. أمّا العنب فيقدّم لنا مثالاً للصبر، إذ يدخل المعصرة؛ كما يُشير إلى الفرح إذ تفرح الخمر قلب الإنسان؛ ويشير إلى الإخلاص حيث لا يمزج بماء؛ وإلى الحلاوة إذ هو شهي. أمّا الشوك والحسك فيشيران إلى الهراطقة إذ يحملون الأشواك من كل جانب. هكذا ترى خدّام الشيّاطين مملوئين بالمخاطر من كل ناحية. مثل هذا الشوك والحسك لا يقدّم للكنيسة ثمارًا.] في اختصار أقول أننا في المسيح يسوع ربّنا نخلع أعمال الإنسان القديم من شوكٍ وحسكٍ، أي الأعمال الأرضيّة، لكي نحمل فينا العنب والتين الروحي. يصير كل منّا أشبه بحبة العنب التي ترتبط بإخوتها خلال الصليب (الفرع الخشبي) والتي يلزم أن تجتاز المعصرة وتحتمل الضيّق مع ذاك الذي قال: "قد دست المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد" (إش 63: 3). وليدرك كل واحد منّا - مهما بلغت مواهبه أو قدراته أو مركزه الروحي أو الاجتماعي أو رتبته الكنسيّة - أنه ليس إلا بذرة في التينة المقدّسة، لا قيمة لها في ذاتها خارج الجماعة المقدّسة، ولا عذوبة لها إلا بثبوتها في غلاف المحبّة الحلو الذي الحلو الذي يضم الجميع معًا بروح الاتفاق والسلام! هذا هو ما يفرِّح قلب الله أن نصير له خمرًا روحيًا اجتاز المعصرة، وأن نسلك بروح الحب الكنسي الحق، وليس أن نحمل مجرّد شكليّات العبادة أو ألفاظ الإيمان النظري، لهذا يقول السيّد مؤكّدًا: "ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أليس باسمك تنبّأنا؟ وباسمك أخرجنا شيّاطين؟ وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟فحينئذ أصرِّح لهم أني لا أعرفكم قط. اذهبوا عنّي يا فاعلي الإثم" [21-23]. يحدّثنا السيّد عن يوم مجيئه الأخير، حيث فيه يلتقي مع الأشرار لا كعريس مفرح بل كديّان مرهب، لا تشفع فيهم صلواتهم الطويلة الباطلة، ولا كرازتهم باسمه، ولا إخراجهم الشيّاطين وصنعهم قوات باسمه... فهو لا يعرفهم لأنهم فعلة إثم. الله يعرف أولاده وخدّامه المقدّسين، ولا يعرف الأشرار فعلة الإثم، لهذا عندما سقط آدم في الخطيّة سأله: أين أنت؟ وكما يقول القدّيس جيروم: [كان الله يعرف أن آدم في الجنّة، ويعلم كل ما قد حدث، لكنّه إذ أخطأ آدم لم يعرفه الله، إذ قال له: أين أنت؟] كأنه لا يراه، لأن آدم اعتزل النور الإلهي والبرّ، فصار تحت ظلال الخطيّة وظلمة الموت.] يُعلّق القدّيس أغسطينوس على قول السيد: "لا أعرفكم" هكذا: [لا أراكم في نوري، في البرّ الذي أعرفه.] فالله لا يرانا في نوره عندما نطيل الصلوات باطلاً أو نكرز باسمه أو نصنع قوّات وإنما حينما نحيا معه وبه ونسلك طريقه. وفيما يلي بعض تعليقات للآباء في ذلك: + إنهم يتعجّبون لأنهم يعاقبون مع أنهم صنعوا معجزات، أمّا أنت فلا تتعجّب لأن كل المواهب إنّما أُعطيت لهم كهبة مجّانيّة لم يساهموا فيها من جانبهم بشيء، لذا فهم يعاقبون بعدل، إذ هم جاحدون مَن أكرمهم... لنخف أيها الأحبّاء ولنهتم بحياتنا جدًا فلا نُحسب أشرارا لأننا لم نصنع معجزات الآن. لأن المعجزات لا تفيدنا في شيء وكما أن عدم صنعها لا يضرّنا، إنّما نهتم بكل فضيلة. القدّيس يوحنا الذهبي الفم + كتابة أسمائنا في السماء برهان على حياتنا الفاضلة، أمّا إخراج الشيّاطين فهو هبة من المخلّص، لذلك يقول للذين يفتخرون بعمل القوات دون ممارسة الحياة الفاضلة: "لا أعرفكم"، إذ لا يعرف الله طريق الأشرار. القدّيس أثناسيوس الرسولي 6. خاتمة الدستور يختم السيّد المسيح دستوره بالقول: "فكل من يسمع أقوالي ويعمل بها أشبِّهه برجل عاقل بنى بيته على الصخرة، فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبّت الرياح ووقعت على ذلك البيت، فلم يسقط، لأنه كان مؤسّسًا على الصخر. وكل من يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها يشبّه برجل جاهل بنى بيته على الرمل، فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبّت الرياح وصدمت ذلك البيت فسقط، وكان سقوطه عظيمًا"[24-27]. ما هذا الصخر الذي تتأسّس عليه نفوسنا كبيت يسكنه الله، إلا شخص السيّد المسيح نفسه؟ وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [الإنسان المؤسَّس على المسيح لا يخاف من الخزعبلات المظلمة، لأنه ماذا يعني بالمطر سوى أمورًا رديئة؛ كما لا يخشى َإشاعات البشر التي كما أظن يُرمز إليها بالرياح، أنه لا يخاف الحياة الزمنيّة التي تفيض على الأرض (كالأنهار) بالشهوات الجسديّة... أمّا الإنسان الذي يسمع ولا يعمل بها فيكون في خطر من هذه الأمور الثلاثة، لأنه بلا أساس راسخ، إنه يبني دمارًا.] يرى القدّيس أغسطينوس الصخرة الحقيقيّة التي يُبنى عليها البيت الروحي هي كلمة الله المكتوبة كما هي كلمة الله المتجسّد، إذ يقول: [لنحسب كتاب الله المقدّس كما لو كان حقلاً فيه نودّ إقامة مبنى. ليتنا لا نتراخى ولا نقف عند السطح بل نحفر إلى الأعماق حتى نبلغ الصخرة، " والصخرة كانت المسيح" (1 كو 10: 4).] ويُعلّق القدّيس جيروم على العبارات السابقة، قائلاً: [المطر الذي يعمل على هدم البيت بلا رحمة هو الشيطان، والأنهار تُشير هنا إلى أضداد المسيح، والرياح إلى قوات الشرّ الروحيّة التي في الهواء، "فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشرّ الروحيّة في السمويّات" (أف 6: 12). هذه وقعت على ذلك البيت فلم يسقط، لأنه كان مؤسّسًا على الصخرة. على هذه الصخرة أسّس الله كنيسته، ومنها استمدّ الرسول بطرس اسمه: "أنت بطرس وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي" (مت 16: 18). على هذه الصخرة لا يوجد أثر للحيّة، لذا يقول النبي في ثقة: "وأقام على صخرة رجليّ" (مز40: 2)، وفي موضع آخر يقول: "الصخور ملجأ للوبار" (مز 104: 18). فالوبار يلجأ إلى الصخور بكونه خائفًا... (وموسى النبي إذ كان كالوبار صغيرًا) قال له الرب بعد خروجه من أرض مصر: "إني أضعك في نقرة من الصخرة، واسترك بيدي حتى اجتاز ثم أرفع يدي فتنظر ورائي" (خر33: 22-23).] هكذا إذ نشعر أننا صغار في حاجة إلى صخرة نلتجئ إليها نتقدّم إلى المسيح يسوع صخر الدهور نحتمي فيه، وعليه يقوم بناؤنا الروحي، هاربين من الحيّة التي لا تقدر أن تجد لها موضعًا في الصخرة الحقيقيّة فلا تقترب إلينا. ليتنا لا نبني إيماننا على الرمل، أي الهرطقات، لئلا يقوم البناء سريعًا وينهدم أيضًا سريعًا. إنه الطريق السهل الواسع ونهايته الهلاك. 7. اندهاش الجماهير "فلما أكمل يسوع هذه الأقوال، بهتت الجموع من تعليمه، لأنه كان يعلّمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة" [28]. حقًا ما أحوجنا أن يمسك السيّد نفسه بأيدينا لنحفر ونعمِّق في كتابه المقدّس، فنكتشفه أمامنا بل وفينا، نراه لا كمن يقدّم وصايا مجرّدة إنّما يعطي قوّة وسلطانًا. يتكلّم فينا عاملاً في حياتنا بروحه القدّوس ليتجلّى ببهائه في حياتنا الداخليّة ويحوّل سلوكنا إلى شهادة حق للحياة السماويّة المجيدة فيه. من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح السابع آيات (1-5):- لا تدينوا لكي لا تدانوا. لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم. ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها. أم كيف تقول لأخيك دعني اخرج القذى من عينك وها الخشبة في عينك. يا مرائي اخرج أولا الخشبة من عينك وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى من عين أخيك. لا تدينوا = السيد المسيح لا يمنع الإدانة منعاً مطلقاً وإلاّ سقط العدل وإمتنع الناس عن التعليم، ولا يوجد بهذا المفهوم سلطان للقضاة، ولا يصير هناك حق لأب يعلم إبنه ويوبخه حين يخطىء، ولا من مدرس يوبخ تلميذه ولإنقضى سلطان الكنيسة فى توبيخ الخطاة وإدانتهم (اكو 3:5،12). بل أن الرب أعطى للكنيسة هذا السلطان (مت 18:18). بل أن الله يقول ويلُ للقائلين للشر خيراً وللخير شراً …(أش 20:5) فالمؤمن الحقيقى إذ هو مسكن للروح القدس يحمل روح التمييز، فيرى الأخطاء ولا يقدر أن ينكرها أو يتجاهلها. وبولس الرسول يقول لتلميذه تيموثاوس وبخ إنتهر عظ.... (2تى2:4 +1تى 20:5) والمعمدان وبخ الفريسيين (مت 7:3) ولكن المعنى المطلوب :- 1. أن نهتم بأن ندين أنفسنا أولاً وألا ندين كشهوة إنتقام أو ندين ظلماً. 2. عندما نهتم بإدانة الناس ننسى أن نهتم بأن نراقب أنفسنا وننسى أن نهتم بالسماء ونصيبنا المعد لنا. 3. نحن لن يمكننا معرفة قلوب الناس وحقيقتهم، فنحن إنما نحكم بالمظاهر التى نراها، لكن الله هو الديان العادل فهو فاحص القلوب والكلى. 4. دينونة الناس تفقدنا طبيعة المحبة تجاههم، ومن المحبة الستر على الآخر.عموماً من يلتمس العذر للآخرين ويرحمهم، يرحمه الله ويغفر خطاياه. 5. إعتاد الناس على أن يلجأوا لإدانة غيرهم وتبرير أنفسهم منذ القديم فآدم ألقى اللوم على حواء بل على الله.... المرأة التى خلقتها" فالخاطىء لا يريد أن يكون خاطئاً وحده، لذلك ينظر لمن حوله يبحث فيهم عن الخطأ ويدينهم متعللاً بأنه يريد إصلاح المجتمع. وكان الفريسيين يتدخلون فى شئون الناس ويدينوا ويحكموا عليهم، وهذا عمل الله وحده. 6. عمل دينونة الناس هو محاولة منى أن أظهر كإنسان بار، أفضل من الجميع، وهذا عكس ما يريده الله، فالله يريد قلباً مثل قلب داود القائل " خطيتى أمامى فى كل حين " وقلب بولس القائل الخطاة الذين أولهم أنا (اتى 15:1). أما عكس هذا السلوك فيقود للكبرياء، ثم السقوط. 7. من يركز نظره على السماء وعلى المسيح مهتماً بأبديته،يرى المسيح فى نوره وبهائه ويقارن مع حاله فيكتشف بشاعة خطتيه، أماّ من يركز على الناس فسيرى أخطاءهم وسيرى أنه أفضل منهم وهذا يقوده للكبرياء والضياع أماّ من يرى خطيته وبشاعتها فسيصرخ لله طالباً الرحمة فيخلص. 8. أن يقيم الإنسان من نفسه دياناً للناس فهذا إغتصاب لحق الله الديان. 9. الإدانة هى وسيلة نفقد بها العين البسيطة (22:6) إذ حين ننشغل بخطايا الناس سيكون هناك شىء آخر تنشغل به العين غير مجد الله. 10. إذا أخطأ إلىَّ شخص، يقول السيد المسيح إذهب وعاتبه (مت 15:18-17). وفى هذا النص نفهم أنه يمكننا أن نحكم على المخطىء بأنه مخطىء، ولكن هناك موقفين 1) أن نشهر بالمخطىء ونفضحه وهذا لا يقبله المسيح 2) أن نذهب إليه سراً (بينك وبينه) ونعاتبه وهذا ما يُعَلِّمْ به الرب. 11. نصيحة أخيرة أن لا نهتم بأن نحكم وأن ندين الآخرين، لكن إذا سألنا أحد عن موقف معين لشخص مخطىء،فعلينا أن نحكم بالحق، بأن هذا التصرف كان خطأ.... لكن لا ندين الشخص ونحاول أن نستر عليه أو نجد عذراً له.. نتصرف كمن يرحم الطبيعة البشرية لاكمن يدينها. بصيغة أخرى فلندن الخطية ولا ندين الخاطىء ونشوه سمعته ومن يتشبه بالله فى مراحمه يرحمه الله= لكى لا تدانوا. 12. من يركز على خطاياه سيراها كبيرة = الخشبة التى فى عينك فيهتم أن يخرجها. ولكن من ينسى نفسه ويركز على خطايا الآخرين، لن يرى سوى القذى الذى فى عيونهم فيدينهم وينسى أن يخرج الخشبة من عينه والقذى هو الذرات المتطايرة من الخشب عند نشره بالمنشار وهو إشارة للخطية الصغيرة، فكم ندين الناس على خطايا صغيرة ونحن ملوثون بخطايا كبيرة. وهذا لا يتعارض مع التعليم لمن له حق التعليم ولكن ليكن التعليم فى محبة وليس بإستهزاء وكبرياء. ولمن ليس لهم حق التعليم فليعاتبوا من أخطأ إليهم سراً. وللكل عليهم أن يهتموا بأنفسهم أولاً. الكيل= هو وعاء لقياس حجم الحبوب. المقصود كما نقيس وندين خطايا الآخرين هكذا سيفعل الله بنا. (لو 37:6-42):- ولا تدينوا فلا تدانوا لا تقضوا على أحد فلا يقضى عليكم اغفروا يغفر لكم. أعطوا تعطوا كيلا جيدا ملبدا مهزوزا فائضا يعطون في أحضانكم لأنه بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم. وضرب لهم مثلا هل يقدر أعمى أن يقود أعمى أما يسقط الاثنان في حفرة. ليس التلميذ افضل من معلمه بل كل من صار كاملا يكون مثل معلمه. لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها. أو كيف تقدر أن تقول لأخيك يا أخي دعني اخرج القذى الذي في عينك وأنت لا تنظر الخشبة التي في عينك يا مرائي اخرج أولا الخشبة من عينك وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى الذي في عين أخيك. نفس الآيات مع تفصيلات أكثر آية (37) :- ولا تدينوا فلا تدانوا لا تقضوا على أحد فلا يقضى عليكم اغفروا يغفر لكم. نرى هنا الإرتباط مع آية (36) التى تتكلم عن الرحمة، فعدم الإدانة مرتبط بالرحمة. وقوله هنا لا تقضوا= فيه معنى تحول الدينونة لقضاء وعقوبة (ونلاحظ أن التشهير عقوبة) آية (38):- أعطوا تعطوا كيلا جيدا ملبدا مهزوزا فائضا يعطون في أحضانكم لأنه بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم. إعطوا= للناس. تُعطَوْا = من الله (الله يعطيكم من بركاته) وهنا لم يصف عطيتنا للآخرين ولكن يصف عطية الله بالجودة. كيلاً جيداً= بلا زوائد فى قاعه تنقص الكمية. كيلاً ملبداً مهزوزاً فائضاً= هنا البائع يريد إكرام المشترى، فبعد أن يملأ الكيل يضع فوقه بعض القمح بزيادة.... ملبدة = كمية زائدة. ثم يهز الكيل فينكبس القمح = مهزوزاً فتنقص الكيلة....، فيملأها ثانية. فيعود ويضيف قمحاً آخر حتى يفيض القمح من الكيلة =فائضاً فيفتح الشارى حجره ويستقبل الكيلة الفائضة فى حضنه فرحاً.ومن يزرع بالبركات فبالبركات يحصد (2كو 6:9-9). وإرتباط هذه الآية بالسابقة هى أنه لو غفرنا وما عدنا نهتم بإدانة الناس ونرحمهم، يرحمنا الله ويغفر لنا. ولكن الآية معناها المباشر ينصب على محبة العطاء، فبقدر ما نعطى للآخرين سيعطينا الله. آية (40،39):- وضرب لهم مثلا هل يقدر أعمى أن يقود أعمى أما يسقط الاثنان في حفرة. ليس التلميذ افضل من معلمه بل كل من صار كاملا يكون مثل معلمه. على من يتصدى لمهمة إدانة الآخرين لإصلاحهم وتعليمهم فلقد أقام من نفسه معلماً، وهل يستطيع أن يعلم ما لم يختبر هو بنفسه ما يقوله. هذا كمن يقود الآخرين وهو فاقد البصيرة. فالأعمى هو من يحيا حياة الخطية ( الخشبة فى عينه)، فكيف يظهر طريق النصرة على الخطايا للآخر الذى ( القذى فى عينه). كلا الإثنين عميان بسبب ما فى عيونهم فسيقود المعلم الأعمى الآخر للحفرة أى جهنم. ليس التلميذ افضل من معلمه= كثير من التلاميذ تفوقوا على معلميهم، لكن المقصود هنا أن هذا المعلم الأعمى بسبب الخشبة التى فى عينه وجهله بطرق الرب، وجهله بطرق التوبة وجهله الإنتصار على الخطية لن يستطيع أن يقود الآخر الذى هو أعمى بدوره ولا يعرف هو الآخر، إلاّ على السقوط فى حفرة. فمن أين سيأتى التلميذ بمعرفة من معلم جاهل. آيات (41،42) :- لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها. أو كيف تقدر أن تقول لأخيك يا أخي دعني اخرج القذى الذي في عينك وأنت لا تنظر الخشبة التي في عينك يا مرائي اخرج أولا الخشبة من عينك وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى الذي في عين أخيك. هل تريد أن تكون معلماً، عليك بإختبار طرق النصرة على الخطية أولاً، وبعد أن تعرفه إشرحه لغيرك. فكيف يمكنك نقد الآخرين والكشف عن سيئاتهم وشرورهم وفحص أسقامهم وأمراضهم وأنت شرير أثيم ومريض سقيم. تشبيه فى موضوع الإدانة:- سائق السيارة عليه أن ينظر إلى الطريق وهو يقود سيارته. ولكن إن أخذ ينظر لمن يركب معه السيارة وينتقد ملابسهم مثلاً، من المؤكد أن حادثة ستقع للسيارة. هكذا على كل منا أن يركز نظره على السماء وعلى الطريق، والطريق هو المسيح (يو 6:14). ولكن لو ركزنا إنتباهنا على الآخرين لننقد تصرفاتهم سيكون فى هذا هلاك لنا. (مت 6:7):- لا تعطوا القدس للكلاب ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم. حقاً يطلب منا الله أن نكون بسطاء ولكن يطلب أيضاً أن نكون حكماء. ومعنى هذه الآية أن لا نقدم ولا نتكلم عن مقدساتنا للمستهزئين فأسرار ملكوت الله لا تقدم إلاّ لمن يقيمونها حق قيمتها ويتقبلونها بخشوع وورع. الكلاب=يشيروا لمقاومى الحق لأن الكلاب تهجم على الشىء لتمزقه. والخنازير= هى لا تهاجم لتمزق بأسنانها لكنها تدنس الشىء إذ تدوسه بأقدامها. وهى تدوسه لا لعيب فيه ولكنها لأنها تجهل ما هذا الشىء. والقدس مشبه هنا بالدرر الثمينة التى ينبغى أن نحافظ عليها.إذاً علينا أن نعرف ماذا نقدم ولمن نقدمه. آيات (7-12):- اسألوا تعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يسال يأخذ ومن يطلب يجد ومن يقرع يفتح له. أم أي إنسان منكم إذا سأله ابنه خبزاًٍ يعطيه حجراًٍ. وان سأله سمكة يعطيه حية. فان كنتم وانتم أشرار تعرفون ان تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري ابوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا انتم أيضا بهم لان هذا هو الناموس والأنبياء. إذ يسمع المؤمن وصية السيد " لا تعطوا القدس للكلاب ولا تطرحوا درركم.... ربما يتساءل ومن أين لى القدس والدرر؟ لذا يكمل السيد المسيح إسالوا تُعطَوا. السيد يحفزنا لنصلى فنكون على صلة مستمرة به. وماذا نسأل ؟ يجيب السيد أطلبوا أولاً ملكوت الله وبره (33:6) وإذا شعر الإنسان بعجزه عن تنفيذ الوصايا يقول له السيد إسأل. فلنسأل الله فيعطينا قوة للسير فى طريق الرب. وكيف نعرف الطريق؟ يجيب السيد اطلبوا تجدوا. وطالما نصلى ونطلب فلن نضل الطريق وإلى ماذا يقودنا الطريق ؟ يقودنا إلى الباب، وحينئذ نسمع قول السيد إقرعوا يفتح لكم=يفتح لنا باب الكنوز المخفية.. القدس والدرر. والمسيح هو الباب وإذا فتح، وهذا وعده، أنه يفتح لكل من يقرع، نجد كنوز مخفية فهو المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم (كو3:2) والسيد هنا يعلن إستعداده لأن يهب خيرات وعطايا جيدة للذين يسألونه. فهو صانع خيرات. ولكى يدلل على ذلك قال حتى الأشرار يعطون أولادهم عطايا جيدة فكم وكم أبوكم السماوى، وأبونا السماوى لا يعطينا عطايا مميتة، بل هو يعطى كل بركة. المسيح يكرر أن الله أب لنا، وهو أب شديد المحبة. [نحن دائماً فى الشدائد نتعرض لسماع صوت إبليس.. أن الله لا يحبكم إذ سمح بهذه الشدة فلنجب بثقة، أن الله أب ولا يعطى سوى عطايا محيية جيدة.. فالمرض كان سبباً فى خلاص بولس، والضيقة كانت سبباً فى خلاص أيوب] إبليس يصور لنا التجربة على أنها حية يؤذينا بها الله ولنرد عليه بأن الله لا يعطى حيات لأولاده. بل أن هذه التجربة هى للخير فهو صانع الخيرات. ونفهم من آية (12) أنه لنحصل على الخيرات من الله فلنصنع الخير للناس. (لو9:11-13):- وأنا أقول لكم أسالوا تعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يفتح لكم. لان كل من يسال يأخذ ومن يطلب يجد ومن يقرع يفتح له. فمن منكم وهو أب يسأله ابنه خبزا افيعطيه حجرا إن سمكة افيعطيه حية بدل السمكة. أو إذا سأله بيضة افيعطيه عقربا. فان كنتم وانتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري الأب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه هنا يكرر القديس لوقا نفس الكلمات ولنلاحظ فرقين 1- الآيات إسألوا تعطوا … جاءت بعد حديث السيد المسيح عن أهمية اللجاجة فى الصلاة. ومن هنا نفهم أن الصلاة المقبولة عند الله،أحد شروطها هو اللجاجة. فاللجاجة لها أهميتها، فهى تخلق دالة بيننا وبين الله، فنشعر بأبوته، خصوصاً أن لنا هنا وعداً أن كل من يسأل يأخذ. فمع الطلبة بلجاجة نمتلىء رجاء. وقد يبطىء الله بعض الأحيان فى الإستجابة حتى نشعر بأهمية ما سنحصل عليه، أو لأن الله يرى أن الوقت غير مناسب للإستجابة، أو لأن ما نطلبه ليس فى مصلحتنا، لكن عموماً من يصلى بلجاجة حتى ولو لم يستجيب الله طلبته ستنشأ علاقة حب ودالة وثقة بينه وبين الله فيتقبل ما يسمح به الله. وهذا نراه فى صلاة المسيح فى جثيسمانى فهو يطلب رفع الكأس عنه، ولكن سرعان ما يقول.. لتكن لا كإرادتى ولكن كإرادتك. وهذا يفعله معنا الروح القدس.. لكن قد تحدث الإستجابة.. إستجابتنا لصوت الروح القدس.. بعد فترة. فنحن قد نبدأ الصلاة طالبين شيئاً بعينه، ونصلى بلجاجة، لمدة من الزمن، وبعد وقت نستجيب لصوت الروح القدس فينا، ونقول أنا يا رب لا أعرف أين هو الصالح.. إذاً لتكن مشيئتك. 2- الفرق الثانى هو أن لوقا وضع كلمة الروح القدس هنا آية (13) عوضاً عن كلمة خيرات فى إنجيل متى. ومن هنا نفهم أن الروح القدس هو أعظم عطية يعطيها لنا الآب السماوى. وهذا هو ما يجب أن نسأله وبلجاجة أن يعطيه لنا. من الآن علينا أن نطلب الإمتلاء من الروح القدس عوضاً عن أن نهتم فى صلواتنا بالأمور الزمنية فهذه.. تزاد لكم. فالروح القدس هو الذى يعطينا أن نصير خليقة جديدة، هو يعلمنا كل شىء ويذكرنا بكل ما قاله المسيح، هو يثبتنا فى المسيح ويحملنا إلى حضن الآب وهو الذى يفتح أعيننا على ما لم تراه عين ( 1كو 10:2). تأمل :- إسألوا.. اطلبوا.. إقرعوا= هى درجات الإصرار واللجاجة فى الصلاة فدرجة إقرعوا هى أعلى درجة، هى درجة الصراخ لله ليفتح، والعجيب أن الله صوَّر نفسه هكذا صارخاً أو قارعاً لنفتح قلوبنا له (رؤ 20:3) فإن كان المسيح يقرع هكذا على باب قلبى، أفلا أثابر وأقرع وأصلى له بلجاجة. الخبز= يشير للحياة. وهذا ما يريده الله لنا. الحجر= وهذا يشير للقساوة، وهذا ليس هو قلب الله لنا السمكة= هى حياة وسط بحر هذا العالم. البيضة= حياة بعد موت. فالله يريد لنا حياة هنا وفى السماء. الحية والعقرب= موت. وقطعاً هذا لا يريده الله لنا. بل التجارب هى لتاديبنا فتكون لنا للحياة. (متى 13:7،14):- ادخلوا من الباب الضيق لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب واكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة وقليلون هم الذين يجدونه. هذه كانت عادة الأعراس فى تلك الأيام، إذ يدخل المدعوون من باب صغير ضيق ويمنع البواب الذين لا يرخص لهم بالدخول والباب الضيق هو وصايا المسيح وهى توصل للسماء. والباب الواسع هو الجرى وراء شهوات العالم. والباب الضيق هو قبول الصليب مع المسيح، والباب الواسع هو إنكار المسيح لنحصل على أمجاد العالم. الباب الضيق هو الصلاة والميطانيات والصوم وإذلال الجسد، والباب الواسع هو باب الملذات العالمية. الباب الضيق هو رفض العالم والباب الواسع هو الجرى وراء العالم. والعجيب أن من يدخل من الباب الضيق، بأن يغصب نفسه ينفتح له الطريق المملوء سلاماً وفرحاً وتعزيات، فبينما هو يحرم نفسه من ملذات العالم يمتلىء قلبه فرح عجيب وسلام عجيب. ومن يدخل من الباب الواسع يضيق مع الطريق إذ يمتلىء قلبه هماً وغماً وقلقاً. قليلون يجدونه= فالشهوات أعمت عيونهم عنه وكذلك مشاغل هذا العالم. مت (15:7-20):- احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم هل يجتنون من الشوك عنبا أو من الحسك تينا. هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة وأما الشجرة الردية فتصنع أثماراً ردية. لا تقدر شجرة جيدة ان تصنع أثماراً ردية ولا شجرة ردية أن تصنع أثماراً جيدة. كل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار. فإذا من ثمارهم تعرفونهم. هنا يحذرنا السيد من المؤمنين المرائين، وهم فئتين 1- الأنبياء الكذبة=لهم إسم المسيحية ولكن إيمانهم غير إيمان الكنيسة. ثياب حملان= يقولون أن طريقهم هو طريق المسيح. والمسيح هو الحمل. 2- من لهم إيمان صحيح ولكنهم يعملون أعمالاً شريرة. والأنبياء الكذبة هؤلاء يحملون مسحة التقوى الخارجية بينما قلوبهم ذئاب خاطفة (2كو 13:11،14). وهؤلاء يمكن تمييزهم من ثمارهم. فهناك نفوس لا تثمر سوى الشوك، هؤلاء من يعيشوا على ثمار الأرض الملعونة التى تثمر شوكاً. هؤلاء أبناء آدم الأول الإنسان العتيق، أماّ أولاد الله فهم الكرمة والأغصان. وعموماً فهناك توبة لمن يريد فيبدأ يحمل ثماراً عوضاً عن الشوك. فالتوبة تعيدنا لكى نصبح فى المسيح بطبيعة جديدة " إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة (2كو 17:5). وهذه الطبيعة الجديدة نلبسها أولاً فى المعمودية، وقد نخسرها بخطايانا، ولكننا بالتوبة نستعيدها، وهذا ما كان السيد المسيح يعنيه بقوله إجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيداً مت (33:12).تلقى فى النار= مصير المعلمون الكذبة. آيات (21-23):- ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات بل الذي يفعل إرادة أبى الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبانا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة. فحينئذ أصرح لهم أنى لم أعرفكم قط اذهبوا عني يا فاعلي الآثم. المسيح هنا يعلن للإنسان الذى يريد التوبة، أنه لا يريد شكليات العبادة، أو مجرد ترديد ألفاظ، الله لا يريد من يكرمونه بالشفاه فقط والقلب مبتعداً بعيداً، لكن الله يطلب القلب الخاضع لإرادته. بإسمك أخرجنا شياطين= هذه تفهم بطريقتين:- 1- كثيرون وصلوا لعمل معجزات وأفسدهم الغرور لأنهم نسبوا هذه النعمة لأنفسهم ففقدوا هذه النعمة. 2- الشيطان خداع، إذ يعطى للبعض أن يخرجوا الأرواح الشريرة للخداع. ولكن هؤلاء يسهل جداً تمييزهم، من أسلوبهم الخالى من التواضع والمحبة. سمعت أحدهم يقول " أنا أسلوبى فى إخراج الشياطين كذا وكذا " ولنلاحظ أن يهوذا الخائن أخرج شياطين حينما كان مع التلاميذ (مت 8:10) لا أعرفكم= كخاصتى الذين يدخلون ملكوتى لأنكم لم تعرفونى حقيقة. أليس بإسمك تنبأنا= كثيرون يعلمون بالحق ولكنهم لا يعملون به. لم أعرفكم = كبنين له. (لو 43:6-46):- لأنه ما من شجرة جيدة تثمر ثمرا رديا ولا شجرة ردية تثمر ثمرا جيدا. لان كل شجرة تعرف من ثمرها فانهم لا يجتنون من الشوك تينا ولا يقطفون من العليق عنبا.الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح والإنسان الشرير من كنز قلبه الشرير يخرج الشر فانه من فضلة القلب يتكلم فمه. ولماذا تدعونني يا رب يا رب وانتم لا تفعلون ما أقوله. نجد هنا نفس تعليم السيد المسيح عن إستحالة أن تعطى الشجرة الجيدة ثمراً ردياً، لكن يأتى هذا الكلام بعد حديثه عن (محبة الآخرين والعطاء وعدم الإدانة) وكأن هذه الأعمال هى الثمار الجيدة التى تعلن عن إنسان صالح. ولاحظ أن كلام السيد هنا مباشرة يأتى وراء حديثه عن من يريد أن يخرج القذى من عين أخيه. وبهذا نرى علاقة مباشرة بين صفات الإنسان وتعليمه، فمن يريد أن يخرج القذى من أعين الآخرين، هو يريد أن يقوم بدور المعلم لهم، فماذا عن صفاته وماذا عن أعماله وماذا عن ثماره ؟ إننا سنعرف قلبه من ثماره وكلامه = الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح.. من فضلة القلب يتكلم فمه. فالقلب المملوء محبة سيخرج كلمات محبة تجاه الآخرين والعكس فالقلب الشرير سيخرج كلمات إدانة. وكلام السيد يعنى أن نفعل وننفذ أوامر الله، هذا أهم من قولنا يارب يارب ونحن لا نفعل إرادة الله. وهذا ليس ضد ترديد صلاة يسوع أو تكرار كيريي ليسون، فنحن نفعل هذا تنفيذاً لوصية بولس الرسول " صلوا بلا انقطاع " وطبعاً علينا أن نصلى ليس بالشفتين فقط، بل بالشفتين وبقلب منشغل بالله وبذهن منفتح يفكر فيما يردده لسانه. ومن يجدد قلبه بإستمرار ويملأه من كلام الله وبصلوات بلجاجة وبتوبة وندم سيصلح هذا القلب وستتغير كلمات الفم ويمجد الله. مت 24:7-27 + لو 47:6-49 فكل من يسمع اقوالي هذه ويعمل بها أشبهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر. فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبت الرياح ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط لأنه كان مؤسسا على الصخر. وكل من يسمع اقوالي هذه ولا يعمل بها يشبه برجل جاهل بنى بيته على الرمل. فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبت الرياح وصدمت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه عظيما. (لو 47:6-49):- كل من يأتي إلى ويسمع كلامي ويعمل به أريكم من يشبه. يشبه إنساناً بنى بيتا وحفر وعمق ووضع الأساس على الصخر فلما حدث سيل صدم النهر ذلك البيت فلم يقدر أن يزعزعه لأنه كان مؤسسا على الصخر. وأما الذي يسمع ولا يعمل فيشبه إنسانا بنى بيته على الأرض من دون أساس فصدمه النهر فسقط حالا وكان خراب ذلك البيت عظيما. من المهم أن ننفذ كلمات المسيح ونعمل بها ولا نكتفى بترديد "يا رب يا رب " فمن ينفذ وصايا المسيح ويعمل بكلامه سيعرف قوة هذا الكلام، بل سيعرف المسيح ويختبره فيحبه، فإذا هبت العواصف، عواصف التجارب والآلام، أو عواصف ورياح الخطية تجد أن إيمان هذا الشخص ثابتاً لأنه أسسه على الصخر أى على معرفة المسيح معرفة حقيقية، ومن يعرف المسيح حقاً لن يستطيع إبليس تشكيكه فيمن عرفه وأحبه. فتأسيس البيت على الصخر هو الإيمان بالمسيح ومعرفته وإختباره، ومحبته. ولنعلم أننا فى كل تجربة نتعرض لها يأتى إبليس ليشتكى الله قائلاً " الله لا يحبكم وإلاّ لماذا سمح بهذه التجربة" ومن إختبر محبة المسيح حقيقة سيرفض هذا الصوت. وما يساعدنا على أن نعرف المسيح. 1- دراسة الكتاب المقدس. فالكتاب المقدس هو كلمة الله. والمسيح هو كلمة الله. فكلما جلسنا لدراسة كلمة الله المكتوبة نكشف شخص المسيح كلمة الله الحى فنعرفه فنحبه. 2- بتنفيذ الوصية : فالوصية لا نعرف جمالها ولا قوتها إن لم ننفذها، وحين ننفذها سنكتشف شخص المسيح الذى يساعدنا على تنفيذها فهو القائل بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً ( يو 5:15) وهو الذى طلب مناً أن نحمل نيره. والنير هو الخشبة التى تربط ثورين معاً، وحين نرتبط نحن الضعفاء بالمسيح القوى سيحمل هو كل الحمل أما من يسمح وصايا المسيح ولا ينفذها، فهو سيظل بعيداً يحكم بعدم إمكانية تنفيذها. وكذلك فى ضيقاتنا وأحزاننا إذا ذهبنا إليه وإرتبطنا به سنجده يحملنا حملاً ويملأنا تعزية ورجاء.ونحن لن نعرف المسيح ونراه إن لم نكن أنقياء القلب، ننفذ الوصايا، فتنفتح عيوننا ونعرفه. وبهذا نفهم أنه لن يمكننا أن نصمد فى وجه تشكيك إبليس فى محبة الله إن لم تكن لنا هذه الخبرات العملية مع المسيح وهذا هو البناء على الصخر أماّ البناء على الرمل فهو كمن يدرس الكتاب دراسة نظرية ويعلم به دون أن يحاول تنفيذ هذه الوصايا. الأنهار= النهر عادة يشير لعطايا الروح القدس. لكنه هنا هو نهر خادع من شهوات العالم (رؤ 15:12) هدفه أن يبعدنا عن المسيح، أما من تذوق حلاوة المسيح، حين عاش معه ونفذ وصاياه، سيحتقر ملذات وأمجاد هذا العالم وسيعتبرها نفاية (فى 8:3). حفر وعَمَّقَ = لو 48:6 :- يشبه إنساناً بنى بيتا وحفر وعمق ووضع الأساس على الصخر فلما حدث سيل صدم النهر ذلك البيت فلم يقدر أن يزعزعه لأنه كان مؤسسا على الصخر. هذه كناية عن السهر والاهتمام والمثابرة على فهم الإنجيل وتطبيق وتنفيذ ما نتعلمه بلا كلل. نحفر للأعماق حتى إلى الصخر والصخرة كانت المسيح، أى لنكتشف ونعرف شخص المسيح ونتلذذ به. ( مت 7-28،29) :- فلما اكمل يسوع هذه الأقوال بهتت الجموع من تعليمه. لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة. كمن له سلطان=هو ليس فقط له سلطان، بل هو يُعطى سلطانا لنا أن ننفذ الوصية، أى هو يُعطى قوة مع كل وصية يعطيها، وبدونه لن نقدر أن ننفذ أى وصية ( يو 5:15+ فى 13:4). والمسيح له سلطان على القلوب فهو خالقها. الرمل= يشير للإيمان غير الثابت إذ أنه صاحبه لم يكتشف شخص المسيح (الصخر). هو إيمان سطحى لم يتعمق صاحبه باحثاً عن شخص المسيح الحلو المشبع.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السابع تابع العظة على الجبل * عدم الإدانة * العمل بالوصية (1) عدم الإدانة والتمييز ( ع 1 - 6 ) : ع 1 - 2 : ينبهنا ربنا يسوع المسيح إلى عدم إدانة الآخرين ، أى الضيق من أخطائهم ، متناسين أننا خطاة مثلهم ، ونستحق أن يديننا الله0ولكن بالإتضاع ، ننال غفران الله0فإذ نلتمس العذر للآخرين ونرحمهم ، فيرحمنا الله أيضاً ويغفر لنا خطايانا0فالإدانة إذن هى ، ليست فقط عدم التوبة ، وعدم محبة للآخرين ، بل تعدٍ على سلطان الله الديّان ، فنأخذ مكانه وندين الآخرين0وتحمل أيضاً كبرياء فى القلب ، واحتقار للخاطئ0وليس معنى عدم الإدانة عدم التمييز ، بل علينا أن نميز الخطية ، ونصلى لأجل الخاطئ ، ونحبه ونلتمس له العذر ونشفق عليه بأبوة ، ولكن نبتعد عن خطيته ونوبخها قدر ما نستطيع ، فنفصل بين الخطية والخاطئ ، أى نكره الخطية ونحب الخاطئ0 " الكيل " : هو وعاء لقياس حجم الحبوب ، والمقصود هنا الوعاء الذى نملأه إدانة ونصبه على الآخرين ، يُصبُّ علينا أيضاً بنفس الوعاء ، دينونة من الله ، وهو يسمح فى أحيان كثيرة أن نقع فى نفس الخطية التى ندين فيها غيرنا ، حتى نتوب ونتضع0 ع 3 - 5 : " القذى " : قش أو تبن صغير ، ويرمز للخطية الصغيرة0 " الخشبة " : قطعة خشبية أكبر بكثير من القذى ، تحجب الرؤية ، وترمز للخطية الكبيرة0يشبّه المسيح خطية الآخر بالقذى فى عينه ، أما خطيتى فبخشبة فى عينى ، فيلزم التوبة أولاً لنزع الخشبة من عينى ، فتتنقى حياتى ، وبالتالى أستطيع بالمحبة وعمل الروح القدس ، أن أرى القذى الذى فى عين الآخر ، أى خطيته ، وأساعده على التخلص منها0أما إهمالى للخشبة فى عينى بعدم التوبة ، ثم التطاول بإدانة الآخرين ، متظاهراً فى رياء أنى أريد مساعدتهم فى إخراج القذى ، وهو قش صغير جداً ، من عيونهم ، هو أمر غير معقول ، لأنه كيف يرى الذى تحجب الخشبة عينيه قذى صغير فى عيون الآخرين ؟! الحقيقة أنه الكبرياء هو الذى يدفع لإدانة الآخرين ، وعدم التوبة عن خطايانا0 + خلاصة القول ، إهتم بتوبتك كل يوم وصلَّ لأجل الآخرين إذا أخطأوا ، والتمس لهم العذر0 ع 6 : ليس معنى البساطة والحب فى التعامل مع الآخرين ، حتى لا ندينهم ، أن نتحدث عن الأسرار المقدسة فى الكنيسة ، وأعمال الروح القدس ، أمام غير المؤمنين الذين لا يقدرون أهميتها0وقد كانت الكنيسة قديماً تغلق الأبواب بعد إخراج الموعوظين ، فيبقى المؤمنون فقط الذين سيتناولون من الأسرار0 " الكلاب " : ترمز للهجوم ، فتمثل مقاومى الحق0 " الخنازير " : فهى بعدم فهم ، تدوس وتنجس كل شئ لقذارتها ، فترمز لاحتقار الحق0أى أن البساطة تقترن بالحكمة فى التعامل مع الآخرين0ومن المقدسات أيضاً ، الإختبارات الروحية الشخصية ، فلا تقال إلا لأب الإعتراف ، أو دون ذكر الإسم ، لنحتفظ باتضاعنا ، ولا نعرّض هذه المعاملات الإلهية لعدم تقدير الآخرين0 + يلزمك أن تميّز بين الحق والباطل ، وبين الصالحين والأشرار ، ولكن تقول الكلام المناسب فى الوقت المناسب ، فلا تكلم مبتدئين عن أمور روحية عالية تجعل الحياة مع الله صعبة0من حقك أن تسأل وتفهم كل شئ لنمو حياتك الروحية ، ولكن لا تتكلم إلا فيما يفيدك ويفيد الآخرين0 (2) الطلب من الله ( ع 7 - 12 ) : ع 7 - 8 : الله ، بمحبته الأبوية ، يريد أن يعطينا كل شئ0ولكنه لا يعطى إلا لمن يقدّر العطية ، ويظهر هذا التقدير فى طلبها من الله0فالله يعطى عطايا عامة لكل البشر ، مثل الشمس والهواء والماء000إلخ0ولكنه ، بحبه ، يريد أن يعطى أكثر من هذا0فإذا وجدنا متغافلين عن الصلاة إليه ، يحفزنا لنسأله ، فنأخذ منه000وإن تأخر فى الإستجابة ليمتحن إيماننا ، نطلب منه ونلح عليه ، فنجد إحتياجاتنا فيه0وإن ظل باب الله مغلقاً ولا يستجيب ، فإننا نقرع حتى يفتح لنا ، ونثق أنه حتماً سيستجيب لكل من يُصلّون إليه ، مادامت صلواتهم بحسب مشيئته ولخيرهم0 ع 9 - 11 : يقدم لنا المسيح دليلاً منطقياً على محبته الأبوية0إن الأبوة البشرية تهتم بطلبات الأبناء ، ولا يمكن أن تعطيهم عكس طلباتهم ، مادام الإحتياج حقيقياً وضرورياً ومفيداً0فلا يعطى أى أب لابنه حجراً بدل الخبز ، أو ثعباناً بدل السمك ليأكلهما0فإن كانت الأبوة الجسدية لها هذه المحبة ، فكم بالأحرى الله ، مصدر الأبوة والحب ، الذى يعطى الخيرات لأولاده الذين يثقون به ، ويطلبون إحتياجاتهم منه ؟! " أشرار " : كل البشر ، لأنهم يسقطون فى الشر ، ولكن بالغريزة يهتمون بعطايا جيدة لأولادهم0 " أبوكم الذى فى السماوات " : إظهار أن الله هو مصدر الأبوة والحنان0 " خيرات " : أى عطايا جيدة يحتاجها أولاده0 " للذين يسألونه " : المتمسكون بصلواتهم فى إيمان ولجاجة ، ومتكلين على الله0 + لا تصغِ لشكوك إبليس إذا تأخر الله فى الإستجابة لطلباتك ، بل ألح عليه ، واثقاً من محبته ، وأنه يعطيك فى الوقت المناسب ما هو لخيرك0 ع 12 : لكيما يستجيب الله لطلباتنا ، ينبغى أن نعمل الخير مع الآخرين0فإن كنا نريد أن يعملوا الخير معنا ، فلنبدأ نحن أولاً بذلك ؛ فمحبة الآخرين هى كمال الوصية والناموس0 + عندما تقابل أى إنسان ، ضع نفسك مكانه ، وفكر ماذا ينتظر منك ، حتى تقدم له ما يحتاجه من حب ، أو ما ينتظره من اهتمام وتعاطف ومساندة0وإذا أساء إليك أحد ، لا تتسرع فى الرد عليه أو إدانته فى قلبك ، بل اشعر بظروفه لتلتمس له العذر وتحنو عليه ولو بصلاة فى قلبك0 (3) الباب الضيق ( ع 13 - 14 ) : يدعونا المسيح للدخول من " الباب الضيق " ، أى احتمال الآلام لأجل الملكوت0ويحذرنا من " الباب الواسع " والطريق الرحب المريح ، أى الذى يوفر للإنسان ملذات وشهوات العالم المختلفة ، لأنه يؤدى إلى الهلاك0ولكن للأسف ، من أجل إغراء شهوات العالم ، يسير الكثيرون فى هذا الطريق المميت0أما طريق الخلاص ، فهو " الباب الضيق " ، الذى هو الصليب ، " والطريق الكرب " ، الذى هو احتمال الآلام ، وهذا ما اجتازه المسيح لأجلنا0 " قليلون هم الذين يجدونه " : ليس لأن طريق الخلاص غامض ومخفى عن العيون ، لكن لأن الشهوات الشريرة ومشاغل العالم تبعد الناس عنه ، فلا يجدونه0 + لكيما نكون تلاميذ لمخلّصنا ، لابد أن نحمل صليبه وراءه ، أى نتنازل عن شهواتنا الشريرة بالتوبة ، ونتجرد من انشغالات العالم ، لنُفرغ قلوبنا للإهتمام بمحبة الله ، فيملك على قلوبنا الآن وإلى الأبد0 (4) الأنبياء الكذبة ( ع 15 - 20 ) : ع 15 : " الأنبياء الكذبة " : هم من يعلمون تعاليم غريبة عن الكنيسة ، ويخدعون الناس بمظهرهم اللطيف ، ولكن قلوبهم فى الداخل وحشية قاسية0يفكرون فى داخلهم ما هو لمصلحتهم ، وليس لمجد الله كما يدعون ؛ فينبهنا المسيح للإبتعاد عنهم والثبات فى الكنيسة0 " ثياب الحملان " : أى أنهم ذئاب لهم مظهر الحملان ، ومعناه تظاهرهم بالتقوى والفضائل ليخدعوا البسطاء ، ويبعدوهم عن الكنيسة واجتماعاتها ، ويجعلوهم يرتبطون باجتماعات غريبة ، ويخدعوهم بأن هذا هو التفسير الصحيح لكلام الله0 ع 16 - 18 : لنعرف حقيقة هؤلاء الأنبياء ، ننظر إلى " ثمارهم " ، أى طباعهم وأفعالهم ، لأنه إن كان القلب قاسياً ، فمهما تظاهر ، ستُفضح قسوته فى بعض المواقف0 " الشوك " : يمثل عدم البركة والإساءة للآخرين ، فلا يبذلون أية تضحية ( المرموز إليها بالعنب الذى يُعصر ، فيعطى خمراً ، أى فرحاً ) ، فالأنانى القاسى لا يهتم بالبذل لأجل الآخرين0 " الحسك " : هو نبات جاف يشبه الشوك فى ضآلته ، لا يمكنه أن يعطى تيناً0ثمرة التين : مكونة من حبات صغيرة إتحدت معاً بالحب داخل غلاف واحد ، فترمز للوحدانية والحب0فالإنسان المنعزل فى أنانية وحده ، لا يمكن أن يتحد بوحدانية حب مع الآخرين0فمن الطبيعى أن الشجرة الجيدة ، أى القلب المحب لله ، سيعطى ثماراً صالحة0والعكس صحيح ، فالإنسان الشرير سيفعل شروراً0فلابد من تغيير القلب بالتوبة ، لتصير الثمار صالحة0 ع 19 - 20 : " تُلقى فى النار " : كما أن العادة هى حرق الأشجار غير المفيدة ، كذلك هؤلاء المعلمون الكذبة ، لا ينتظرهم إلا العذاب فى النار الأبدية0فإن تمادى هؤلاء الأشرار فى تعاليمهم المضلة ، ستكون نهايتهم الهلاك ، أى النار الأبدية0فينبغى التدقيق قبل أن نتبع أى إنسان ، ونتأكد من سلوكه وفضائله ، وأنه إبن الكنيسة وخاضع للآباء الروحيين0 + كن مميزاً لمن حولك مع احتفاظك بمحبتك لهم0لا تنساق وراء تعاليم غريبة عن روح الكنيسة ، أو تحضر إجتماعات ليس لها الصفة الرسمية والتبعية الكنسية ، أو تستضيف أناساً لا تعرفهم بدعوى أن يحدثوك عن الله0إثبت فى كنيستك وأسرارك المقدسة واجتماعاتك الروحية ، فتنمو فى معرفة الله ومحبته0 (5) الأعمال الصالحة ( ع 21 - 23 ) : " من يقول لى : يارب ، يارب " : أى ينتمى إلى المسيح وينادى باسمه ، ولكن لا يطبّق وصاياه ، وتكرار كلمة " يارب " ، تعنى تأكيد إرتباطهم الظاهرى بالمسيح0 " يفعل إرادة أبى " : أى يطيع الله ويحفظ وصاياه ، ويتبع تعاليم الكنيسة0 " ذلك اليوم " : هو يوم الدينونة الأخير0 " لم أعرفكم " : أى لم يعرفهم كبنين له ، مرتبطين بالحقيقة به0يُظهر المسيح نفسه كديّان عادل فى نهاية الأيام ، يعرف أولاده الحقيقيين الخاضعين له ، الذين يطيعون وصاياه0أما من ظنوا أن مواهب الله المعطاة لهم دليل على خلاصهم ، فسيرفضهم الله ويلقيهم فى العذاب الأبدى ، لأنهم لم يستخدموا مواهب الله مثل ، التنبؤ أى التعليم الروحى ، أو إخراج الشياطين ، أو عمل المعجزات ، ليتوبوا عن خطاياهم الشخصية ويلتصقوا بمحبة الله0فالموهبة ليست دليلاً على خلاص الإنسان ، بل ثمار الروح القدس ، أى الفضائل0 + كن أميناً فى استخدام عطايا الله لك ، لتقودك للتوبة ومحبة الله وكل إنسان0 (6) البناء على الصخر ( ع 24 - 27 ) : ع 24 - 25 : يختتم المسيح عظته على الجبل بتأكيد أهمية العمل بوصاياه ، وليس مجرد سماعها والإعجاب بها0 " عاقل " : أى يفحص حياته ويدقق فى تصرفاته0فمن يعمل بالوصية ، يشبّهه برجل أراد أن يبنى بيتاً يسكن فيه ، فحفر فى الأرض وعمَّق الحفر حتى وصل إلى الصخر ، فوضع أساس بيته عليه ، ثم بناه وارتفع به فى الهواء ، فعندما أمطرت السماء بسيول عنيفة ، وهجمت السيول كأنهار وصدمت هذا البيت ، وكانت تصحبها رياح عاصفة ، لم تستطع أن تزعزعه ، لأنه كان مؤسساً على الصخر0 " الصخر " : يشير إلى المسيح ، إذ قال عن نفسه أنه هو حجر الزاوية ( ص 21 : 42 ) ، وقال بولس الرسول أن المسيح هو الأساس الذى يُبنى عليه البيت الروحى ( 1كو 3 : 11 ) ، فيلزم وضع الأساس عليه ، أى الإيمان به ، لبناء حياتنا الروحية ، ثابتين فى الكنيسة ، جسده ، ومتحدين به فى الأسرار المقدسة0 " المطر000الأنهار " : ترمز للشهوات المادية0 " الرياح " : ترمز للتجارب وحروب الشيطان0إن قامت هذه علينا ، فلن تستطيع أن تزعزع حياتنا ، لأننا نطيع وصايا المسيح0 ع 26 - 27 : " جاهل " : لا يريد أن يفهم أو يتعب فى الإهتمام بخلاص نفسه0فالذى يكتفى بمعرفة المسيح ، ولا يريد أن يتعب فى تنفيذ وصاياه ، يشبه من لا يريد التعب فى الحفر العميق ، أى رفض حمل الصليب ، والتعمق فى معرفة الله وتنفيذ وصاياه ، إذ أنه محب للمظاهر0 " الرمل " : يرمز لضعف الإيمان ، وكذلك كلام الهرطقات المزيف ، الذى يعد الناس بالخلاص دون جهاد0فإذ يرفضون التعب فى تنفيذ الوصية إذا قامت عليهم التجارب وحروب إبليس ، يسقط كل بنائهم الروحى ، ويبعدون عن الله ، ويكون مصيرهم الهلاك الأبدى0 " عظيماً " : أى انهيار كامل للإنسان ، وهلاك أبدى0 + إلتزم بتدريب روحى محدد كل يوم ، ليتحول كلام الله الذى تقرأه إلى تنفيذ عملى فى حياتك0 (7) إعجاب الجموع ( ع 28 - 29 ) : " كمن له سلطان " : لأنه هو الذى خلق الإنسان ويفهم أعماقه ، وهو واضع الشريعة ، ويصاحب كلامه قوة روحه القدّوس0كان تأثر الجموع بكلام المسيح فى هذه العظة شديداً ، لأن كلام معلميهم من الكتبة والفرّيسيّين لم يكن بهذه القوة ، أى قوة الروح القدس المؤثرة فى القلوب ، إذ كان المسيح يتكلم بما هو مقتنع به ويحياه ، فكان مؤثراً فى النفوس0 + طبَّق ما تقوله فى حياتك قبل أن تُعلَّم به غيرك ، حتى يؤثر فيهم0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح