كلمة منفعة
في تذكرنا لأسلوب آبائنا الرسل في خدمتهم، نتلقى دروسا عملية مثالية في روح الخدمة، نذكر منها:
— روح الخدمة
إنجيل مرقس 1
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا مرقس - الاصحاح رقم 1
انجيل معلمنا مرقس
الإصحاح رقم 1
الباب الأول :
خدمته في الجليل (ص 1- ص 6: 30)
الأصحاح الأول :
بدء الخدمة
لم يفتتح القديس مرقس الإنجيل بعرض أحداث الميلاد أو نسب السيد المسيح، إنما وهو يكتب للرومان أصحاب السلطة يقدم لنا السيد المسيح "ابن الله" صاحب السلطان الحقيقي على النفس أو الحياة الداخلية كما على الجسد أيضًا وحياتنا الظاهرة. إنه ابن الله الذي يفيض علينا بأعمال محبته الفائقة دون حب للسلطان أو شهوة للسطوة.
1. مقدمة السفر 1.
2. خدمة يوحنا المعمدان 2-8.
3. معمودية السيد المسيح 9-11.
4. تجربته 12-13.
5. كرازته بالملكوت الجديد 14-15.
6. دعوته للتلاميذ 16-20.
7. أعمال محبته الفائقة :
أ. إخراج روح نجس 21-28.
ب. إبراء حماة سمعان 29-34.
ج. إخراج الشياطين 35-39.
د. تطهير أبرص 40-45.
1. مقدمة السفر
"بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" [1]. يفتتح الإنجيلي السفر بإعلان موضوعه، ألا وهو "إنجيل يسوع المسيح"، أي الكرازة أو البشارة المفرحة للعالم، وسرّها الخلاص الذي قدمه يسوع المسيح.
القديس مرقس هو الإنجيلي الوحيد الذي أعطى لسفره عنوان "إنجيل" ناسبًا إياه ليسوع المسيح ابن الله. وكأن ما يقدمه في هذا السفر ليس مجرد عرض لأحداث قد تمت، إنما هو بشارة مفرحة لكل نفس تلتقي بيسوع بكونه "المخلص"، وهو المسيح، إذ مسحه الآب بروحه القدوس لتتميم عمل الفداء وإعلان محبة الثالوث القدوس العملية خلال الصليب. إنه ابن الله، أي الحيّ القائم من الأموات، والحاضر وسط كنيسته ليهبها قيامته عاملة فيها. هو ابن الله القادر وحده بذبيحته الفريدة أن يرفعنا إلى حضن أبيه لنُحسب فيه أبناء الله.
والعجيب أن السفر يبدأ بإعلان بنوة السيد المسيح للآب في افتتاحيته، ويختتم بدعوة السيد المسيح لتلاميذه أن يكرزوا للأمم ويعمدهم، وفيما هو يحدثهم يرتفع إلى السماوات، كما إلى حضن أبيه. بمعنى آخر يفتتح السفر ببنوة السيد للآب، ويختتمه بدعوتنا للبنوة للآب خلال الإيمان به ومياه المعمودية لنرتفع معه إلى حضن أبيه وننعم بسماواته. هذا هو غاية الإنجيل كله، وهذا هو موضوع بشارته المفرحة: أن نحسب بالحق أولاد الله باتحادنا مع الآب في ابنه الوحيد الجنس. وقد أوضح القديس هيلاري أسقف بواتيه التمييز بين بنوة السيد وبنوتنا نحن، إذ يقول [يشهد "الإنجيلي" أن المسيح هو ابن الله حسب الطبيعة اللائقة به، وليس بمجرد الاسم. نحن أبناء الله، لكنه هو ليس ابنا مثلنا، إذ هو الابن ذاته بالطبيعة لا بالتبني، هو الابن بالحق لا بالاسم، بالميلاد لا بالخلقة.]
2. خدمة يوحنا المعمدان
اعتادت الشعوب قديمًا أن يرسل الملك أو الإمبراطور من يهيئ له الطريق، أما ربنا يسوع المسيح فقد سبق فأعلن بأنبيائه عن السابق له "يوحنا المعمدان" بكونه ملاك الرب والصوت الصارخ في البرية. يقول الإنجيلي: كما هو مكتوب في الأنبياء: "ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي، الذي يهيئ طريقك قدامك. صوت صارخ في البرية، أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة" [2-3].
جاء في بعض النسخ "كما هو مكتوب في إشعياء النبي..." وقد اقتبس القديس مرقس نبوتين عن "السابق للسيد" إحداهما من ملاخي النبي (3: 1)، والأخرى من إشعياء (40: 3). والنبوتان تكشفان عن شخص "السابق للرب" الذي يهيئ له الطريق:
أولاً: دعاه ملاخي "ملاك الرب". وقد اعتادت الكنيسة أن تصور القديس يوحنا المعمدان بجناحين كملاك الرب. وهنا يليق بنا ألا نقبل الفكر الأوريجاني بأنه ملاك حقيقي حمل طبيعة بشرية لخدمتنا، إنما دُعي ملاكًا من أجل حياته الملائكية وكرامته السامية كما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس بطريرك بلغاريا (765-840 م). ولعله دعي هكذا من أجل سمو رسالته، فإن كلمة "ملاك" في اليونانية كما في اللاتينية معناها "رسول"، أوفد مرسلاً قدام الرب لتهيئة الطريق له بالتوبة، أو لعله دعي هكذا لأنه في أول لقاء تم بينه وبين السيد لم يره حسب الجسد بل رآه بالإيمان وهو في أحشاء أمه أليصابات، حين ركض مبتهجًا عندما دخلت القديسة مريم إليها تحمل السيد في أحشائها (لو 1: 44). يقول العلامة ترتليان: [لم يُدع يوحنا ملاكًا للمسيح فحسب، وإنما دعى أيضًا سراجًا يضيء أمامه، إذ تنبأ داود: "رتبت سراجًا لمسيحي" (مز 132: 35)، بكونه ليس فقط أعد سبله في البرية، وإنما أشار أيضًا إلى حمل الله منيرًا أذهان البشر بكرازته عنه، ليدركوا أنه هو الحمل الذي اعتاد موسى أن يتحدث عنه بأنه يجب أن يتألم.]
ثانيًا: دعاه إشعياء النبي "الصوت الصارخ في البرية"، فان كان قد جاء كملاك رحمة يكشف لنا عن المخلص وينير أذهاننا لمعرفة حمل الله، فهو أيضًا الأسد الذي يزأر بصوته المرعب في برية قلوبنا القاحلة حتى لا نعتذر بعدم سماعنا كرازته. كملاك يهيئ قلوبنا لحلول حمل الله المصلوب فينا، وكصوت صارخ يهز أعماقنا القاحلة لتترقب باشتياق عمل الله الخلاصي.
يميز القديس كيرلس الكبير بين السيد المسيح الكلمة وبين سابقه يوحنا الصوت، فيرى الأول كالشمس الساطعة التي يسبقها كوكب الصبح المنير، إذ يقول: [كان إشعياء على علم بعمل يوحنا التبشيري، فبينما يسمي إشعياء المسيح إلهًا وربًا (إش 9: 6)، يشير إلى يوحنا بأنه رسول خادم ومصباح يضيء قبل ظهور النور الحقيقي. هو كوكب الصبح الذي يعلن بزوغ الشمس من وراء الأفق، فتبدد أشعتها الساطعة سجف الظلام الحالكة. كان يوحنا صوتًا لا كلمة، يتقدم المسيح، كما يتقدم الصوت الكلمة.]
هذا الصوت يدوي في البرية لأنها قاحلة لا تحمل في داخلها شجرة الحياة كما في الفردوس الأول في عدن، غايته أن يُعلن عن السيد المسيح شجرة الحياة التي تغرس في برية طبيعتنا، ليقيم منها فردوسًا فائقًا بحلوله فيها. بهذا المعنى يقول القديس أمبروسيوس في تعليقه على العبارة الإلهية: "كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية" (لو 3: 2)، [قبل أن يقيم ابن الله أعضاء الكنيسة بدأ عمله في خادمه يوحنا، لهذا أظهر القديس لوقا كلمة الله حالاً على يوحنا بن زكريا في البرية... تحقق هذا في البرية الموحشة، لأن بني المستوحشة أكثر من التي لها أولاد (إش 54: 1)، وقد قيل لها: "افرحي أيتها العاقر التي لم تلد" (إش 54: 1)... إذ لم تكن بعد قد زرعت وسط الشعوب الغريبة... ولم يكن بعد قد جاء ذاك الذي قال:"أما أنا فمثل زيتونة مخصبة في بيت الله" (مز 52: 8)، ولم يكن قد وهب الكرام السماوي للأغصان ثمرًا (يو 15: 1). إذن فقد رنّ الصوت لكي تنتج البرية ثمارًا.]
بماذا كان ينادي هذا الصوت الصارخ؟ "أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة" [3]. يرى الأب ثيوفلاكتيوس أن طريق الرب هو إنجيله أو العهد الجديد، أما سبله فهي النبوات التي تقودنا إليه، فكأن غاية يوحنا المعمدان أن نتقبل إنجيل الرب خلال الإدراك المستقيم لنبوات العهد القديم ورموزه.
كان هذا الصوت الذي يقودنا إلى السيد المسيح والتمتع بإنجيله هو صوت التوبة المعلن لا بكلمات يوحنا المعمدان فحسب وإنما حتى بلباسه وطعامه، فكانت حياته كلها صوتًا صارخًا يقود النفوس نحو المسيح. لذلك يقول الإنجيلي: "كان يوحنا يعمد في البرية، ويكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا. وخرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم، وأعتمد جميعهم منه في نهر الأردن، معترفين بخطاياهم. وكان يكرز قائلاً: يأتي بعدي من هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أنحني وأحل سيور حذائه. أنا أعمدكم بالماء وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس" [4-8].
ويلاحظ في هذا النص الآتي:
أ. كان موضوع كرازته هو "معمودية التوبة" للتمتع بغفران الخطايا. وقد حملت معموديته قوتها لا في ذاتها، وإنما في رمزها لمعمودية السيد المسيح، كما حملت الحية النحاسية في أيام موسى قوة الشفاء من أجل رمزها للصليب. هكذا كان القديس يوحنا المعمدان يعدّهم بمعموديته للتمتع بمعمودية السيد المسيح ويدفعهم إليها حتى ينعموا لا بغفران الخطية فحسب، وإنما بشركة الدفن مع السيد والقيامة، لتكون لهم الحياة الجديدة المقامة (رو 6: 4-5). وكما يقول القديس جيروم: [كما كان هو سابقًا للمسيح، كانت معموديته تمهيدًا لمعمودية الرب.]
ويرى القديس أمبروسيوس أن يوحنا المعمدان يمثل نهاية الناموس في دفعه الإنسان إلى التمتع بالمسيح وقيادة الكل إليه، وذلك كما تقود التوبة إلى نعمة السيد لنوال المغفرة، إذ يقول: [كانت الكلمة على يوحنا لينادي بالتوبة، من هنا كان يوحنا في نظر الكثيرين صورة للناموس الذي يكشف الخطية، لكنه يعجز عن غفرانها. من كان سائرًا في طريق الأمم يرده الناموس عن ضلاله، ويرجعه عن آثامه، ويدفعه إلى التوبة لنوال الغفران، إذ "كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا" (لو 16: 16). هكذا هيأ يوحنا طريق المسيح يسوع مبشرًا بالناموس، وذلك كما تعلن الكنيسة عن النعمة بالتوبة.]
ب. يرى القديس جيروم في القديس يوحنا المعمدان صورة حية للحياة النسكية، فقد كانت أمه تقية، وأبوه كاهنًا ومع هذا لم تجتذبه عاطفة أمه ولا مركز أبيه، بل انطلق إلى البرية يطلب المسيح بعيني الإيمان رافضًا كل شيء سواه. وبقدر ما ترك القديس يوحنا العالم استطاع أن يسحب القلوب معه إلى البرية من العالم، سحب جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم خلال رائحة المسيح الفائقة التي فاحت فيه.
ترك القديس يوحنا ملذات المدينة ومباهجها، وانطلق إلى البرية يأكل العسل البري والجراد. وكأنه جذب للسيد المسيح شعوب الأمم الجافة روحيًا كعسل بري يحمل عذوبة في فم السيد، ويحول من اليهود الذين صاروا كالجراد الساقط بسبب عدم طاعتهم للوصية إلى طعام شهي! بمعنى آخر، إذ نرفض مع يوحنا طعام العالم المبهج نكسب حتى نفوس الآخرين طعامًا شهيًا للرب!
يرى القديس أمبروسيوس في ملبس يوحنا المعمدان ومأكله كرازة نبوية عن عمل السيد المسيح، إذ يقول: [تنبأ بملبسه عن مجيء المسيح الذي حمل نجاسات أعمالنا النتنة (كمنطقة من جلد الحيوانات الميتة) وخطايا الأمم الحقيرة (كوبر الإبل)، طارحًا هذا اللباس الذي لأجسادنا على الصليب. وتشير المنطقة الجلدية إلى الجلد الذي كان ثقلاً على النفس لكنه تغير بمجيء المسيح... إذ شملنا قوة تلهبنا روحيًا فتمنطقنا بوصايا الله بروح ساهرة قوية وجسد مستعد متحرر. أما طعام يوحنا فحمل علامة على عمله وحوى سرًا... فصيد الجراد عمل باطل بلا نفع لا يصلح للطعام، والجراد ينتقل من موضع إلى آخر بصوت مزعج. هكذا كانت شعوب الأمم كالجراد، ليس لها عمل نافع، ولا نشاط مثمر، تتمتم أصواتًا بلا معنى ولا اتزان، وتجهل الحياة، صارت طعامًا للنبي، إذ تجمعت ونمت وازدادت في أفواه الأنبياء (خلال دخولهم إلى كنيسة العهد الجديد)... أما العسل البري فيصور لنا عذوبة الكنيسة التي جاءت من البرية، إذ لم تحصد أعمالها في حدود خلايا ناموس اليهود وإنما امتدت إلى الحقول ومواضع الغابة التي سبق فامتلأت بالظلال، كما هو مكتوب: "سمعنا به في أفراثه، ووجدناه في موضع الغابة" (مز 132: 6). كان يوحنا يأكل عسلاً بريًا إشارة إلى الشعوب التي تشبع من عسل الصخرة، كما هو مكتوب: "ومن الصخرة كنت أشبعك عسلاً" (مز 81: 16).] هكذا شبعت الأمم من السيد المسيح الصخرة بعسل كلماته العذبة التي سجلها بالحب على الصليب، وبالقوة خلال قيامته المبهجة.
ج. في صراحة ووضوح أعلن القديس يوحنا المعمدان أنه ليس المسيح، معموديته غير معمودية السيد، وشخصه أقل من أن يقارن بشخص السيد. فمن جهة المعمودية يقول: "أنا أعمدكم بماء، وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس". كانت معمودية يوحنا ظلاً أو رمزًا تمس غسلات الجسد، أما معمودية السيد المسيح فبحق تقدس الجسد والروح معًا، وكما يقول القديس أمبروسيوس: [الماء والروح لا يفترقان، إذ اختلفت معمودية التوبة عن معمودية النعمة التي تشمل العنصرين معًا، أما الأولى فتخص عنصرًا واحدًا. إن كان الجسد والنفس يشتركان معًا في الخطية، فالتطهير واجب للاثنين.]
أما من جهة شخص السيد فيقول: "يأتي بعدي من هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أنحني وأحل سيور حذائه". يقول القديس أمبروسيوس: [لم يقصد يوحنا بهذه المقارنة إثبات أن المسيح أعظم منه، فلا وجه للمقارنة بين ابن الله وإنسان. إذ يوجد أقوياء كثيرون، فإبليس قوي: "لا يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي وينهب أمتعته إن لم يربط القوي أولاً". (مر 3: 27)، لكن لا يوجد من هو أقوى من المسيح، دليل ذلك أن يوحنا لم يشأ أن يقارن نفسه بالمسيح بقوله: "لست مستحقًا أن أحل سيور حذائه".]
د. يعلن القديس يوحنا أنه غير مستحق أن يمد يده ليحل سيور حذائه، وكما سبق فرأينا أن في هذا إشارة إلى إعلانه عن عجزه لإدراك سرّ تجسده، كيف صار كلمة الله إنساناً.على أي الأحوال لقد أحنى السيد المسيح رأسه تحت هذه اليد المتواضعة ليكمل كل برّ، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [اليدّ التي أكد أنها غير مستحقة أن تمس حذائه سحبها المسيح على رأسه!]
3. معمودية السيد المسيح
قدم لنا معلمنا متى البشير (مت 3: 13-17) معمودية السيد المسيح بكونها تدشين أو تتويج للملك الحقيقي ليبدأ أعماله الملوكية مجتذبًا كل نفس من مملكة الظلمة إلى مملكة النور خلال التمتع بالبنوة لله، أما معلمنا مرقس البشير فإذ يقدم لنا السيد المسيح العامل والخادم للبشرية لينتشلنا بحبه العملي إلى التمتع بخلاصه، فانه يقدم لنا معمودية السيد قبل بدء خدمته الجهورية ليعلن غاية خدمته لنا وأعماله الخلاصية... وقد أبرز الإنجيلي خمسة أمور واضحة هي:
أولاً: الصعود من الماء: "وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل، واعتمد من يوحنا في الأردن. وللوقت وهو صاعد من الماء، رأى السماوات قد انشقت" [9-10]. كان الصعود من الماء يؤكد أن السيد المسيح أسس المعمودية على التغطيس في المياه، لتأكيد شركتنا معه خلال الدفن معه في القبر لنقوم أيضًا معه، كقول الرسول: "فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الأب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة" (رو 6: 4). إنها صعود مع السيد من القبر لممارسة الحياة العملية بروح القيامة وقوتها.
المعمودية هي "صعود من المياه"، وكأنها "خروج من البحر الأحمر"، أو قل هي "حياة فصحية"، خلالها لا ننطلق تحت قيادة موسى من بحر سوف متجهين في البرية إلى أورشليم، إنما بالحق هي خروج من القبر مختفين في المسيح الرأس، بكونه وحده غالب الموت ومحطم لأبواب الجحيم. وبهذا يتحقق لنا ما اشتاق إليه إشعياء النبي القائل: "ذكر الأيام القديمة موسى وشعبه، أين الذين أصعدهم من البحر مع راعي غنمه؟ أين الذي جعل في وسطهم روح قدسه، الذي سيرّ ليمين موسى ذراع مجده، الذي شق المياه قدامهم ليصنع لنفسه اسمًا أبديًا"؟ (إش 63: 11-12). قال أحد الدارسين أن المعمودية في الفهم السماوي هي يسوع الحامل شعب الله الجديد مولودًا خلال خروج جديد.
إن كان السيد قد ظهر صاعدًا من المياه، إنما ليعلن أنه منطلق بشعبه الجديد المتحد فيه ليهبه "البنوة للآب السماوي"! هذه هي أرض الموعد التي يحملنا إليها يشوع الجديد بعبوره بهم نهر الأردن.
في دراستنا لأسفار العهد القديم ارتبطت المياه بالعصر المسياني كأحد ملامحه الرئيسية. وفي العهد الجديد ارتبطت بحياة السيد المسيح. ففي نهر الأردن تجد الكنيسة لها موضعًا في المسيح يسوع الذي يهبها البنوة، وبعد صعوده ينطلق كصخرة موسى التي كانت تتبع الشعب لتفيض بمياه الروح القدس الحية في عيد العنصرة وسط برية هذا العالم. في أول خدمته الجماهرية استخدم الماء ليحوله خمرًا يفرح قلوب أصحاب العرس والمدعوين (يو 2: 1-11)، وعندما أعلن خطبته للأمم كعروس له خلال السامرية تمّ ذلك عند مياه بئر يعقوب (يو 4). حتى عندما علّم عن عمل المحبة تحدث عن كأس الماء البارد الذي يقدم لطفل فقير (مت 10: 42)، وفي لحظات موته فاض من جنبه دم وماء، وعندما أشار إلى موضع الفصح أعطى جرة الماء علامة لمعرفة الموضع (مر 14: 13). وأخيرًا عندما أوصى تلاميذه قبيل صعوده سألهم أن يعمدوا جميع الأمم. وكما يقول العلامة ترتليان: [يا لقدرة نعمة المياه في نظر الله ومسيحه لتثبيت المعمودية! لن تجد المسيح بدون المياه!]
ما نود تأكيده هنا أن ما عمله السيد هنا لم يكن عن عوزٍ، ولا لنفع خاص به، إنما اعتمد باسم الكنيسة كلها لأجلنا، كي يصعد بنا من خطايانا، ويخرجنا إلى مجد ميراثه بكونه الابن الوحيد الجنس. مارس صعوده من المياه لحسابنا، وكما يقول القديس كيرلس الكبير: [هل كان المسيح في حاجة إلى العماد المقدس؟ وأية فائدة تعود عليه من ممارسة هذه الفريضة؟ فالمسيح كلمة الله، قدوس كما يصفه إشعياء في مختلف التسابيح (إش 3: 6)، وكما يصفه الناموس في كل موضع. ويتفق جمهور الأنبياء مع موسى في هذا الصدد! وما الذي نستفيده نحن من العماد المقدس؟ لاشك محو خطايانا. ولكن لم يكن شيء من هذا في المسيح، فقد ورد: "الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر" (1 بط 2: 22)، "قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السماوات" (عب 7: 26)... فما عُمد المسيح إلا لتعليمنا بأن الإنسان الذي من ذرية داود وهو المتحد بالله الابن عمد وقبل الروح القدس... مع أنه لم ينفصل قط عن روحه (القدوس) قبل العماد... بل إذ هو المسيح الكلمة ابن الله الوحيد الذي يشترك مع الآب في العظمة والسلطان لأنه بطبيعته الابن الحقيقي يرسل الروح القدس إلى الخليقة ويهبه لكل من كان جديرًا به، إذ قال حقًا: "كل ما للآب هو لي" (يو 16: 15).]
ويقول القديس أمبروسيوس في تفسيره لإنجيل لوقا: [اعتمد الرب ذاته... لم يعمد ليطهر، وإنما ليطهر الماء، فإذ نزل إليها المسيح الذي لم يعرف خطية صار لها سلطان على التطهير، بهذا كل من يدفن في جرن المسيح يترك فيه خطاياه.]
ثانيًا: السماوات المفتوحة: إن كان إشعياء النبي وهو يتطلع بروح النبوة قد اشتهى خروج الشعب الجديد لينعم بالحياة المقامة (إش 63: 11-12)، فقد أدرك أن الأمر لا يحتاج إلى موسى عابر البحر الأحمر ولا يشوع مجتاز الأردن، بل إلى ذاك الذي يشق السماوات وينزل إلينا، يزلزل جبالنا الجامدة ليرفعنا معه إلى حيث هو، إذ يقول: "ليتك تشق السماوات وتنزل، من حضرتك تتزلزل الجبال" (إش 64: 1).
هكذا إذ انشقت السماوات عند عماد السيد المسيح، إنما تحقق ذلك لأجلنا، فصارت أبوابها مفتوحة أمامنا، مفتاحها في يدّي عريسنا ورأسنا، بل صارت حياتنا الداخلية ذاتها سماوات مفرحة يسكنها رب السماء! لقد تأكدنا أنه بمياه المعمودية صارت لنا مملكة السماوات مفتوحة تستقبلنا خلال الرأس السماوي! وكما يقول القديس كيرلس الكبير: [انفتحت السماوات فاقترب الإنسان من الملائكة المقدسين.]
ثالثًا: نزول الروح عليه: رأى إشعياء النبي في الخروج الرمزي على يديّ موسى أن روح الرب الخفي هو الذي قاد الموكب، إذ يقول: "روح الرب أراحهم، هكذا قدت شعبك لتصنع لنفسك اسم مجد" (إش 63: 14)، وكانت تأكيدات الله لموسى على الدوام هي "أنا أكون مع فمك" (خر 4: 12). أما في الخروج الجديد فلا حاجة إلى تأكيدات، فإن القائد هو ابن الله الحيّ الواحد مع أبيه وروحه القدوس. نزول الروح عليه يعلن دور الروح القدس الذي سبق فكان يرف على وجه المياه ليجعل من الأرض الخالية الخاوية التي بلا شكل عالمًا جميلاً... ها هو يرف على مياه الأردن ليقيم منا نحن الأموات جسدًا حيًا مقدسًا للرأس القدوس النازل في مياه الأردن. إنه الروح الإلهي الذي يشكل الشعب الجديد خلال الخروج الجديد!
لقد أكد القديس كيرلس الكبير في تفسيره لإنجيل لوقا أن السيد المسيح في لحظات العماد هو بعينه كلمة الله المتجسد ولم يكن قط منفصلاً عن روحه القدوس، بل هو مُرسل الروح القدس على كنيسته. فما حدث في عماده كان لحسابنا إذ يقول: [حلّ أولاً على المسيح الذي قبل الروح القدس لا من أجل نفسه بل من أجلنا نحن البشر لأننا به وفيه ننال نعمة فوق نعمة... والآن أخذنا المسيح مثلنا الأعلى، فلنقترب إلى نعمة العماد الأقدس... فيفتح لنا الله الأب كوى السماوات ويرسل لنا الروح القدس، الذي يقبلنا كأبناء له، فان الله الأب خاطب المسيح في وقت عماده المقدس كأنه به وفيه قد قبل الإنسان الساكن الأرض، معلنًا بنوة الجنس البشري بالصوت الحلو القائل: "أنت ابني الحبيب بك سررت" (لو 3: 22).]
رابعًا: ظهور الروح مثل حمامة: إن كانت الحمامة تشير لإسرائيل أو كنيسة الله في العهد القديم والعهد الجديد (مر 11: 11؛ مز 68: 13؛ 74: 19؛ نش 1: 15؛ 2: 14؛ 4: 1؛ 5: 2، 12) فظهور الروح القدس مثل حمامة إنما يؤكد الكنيسة المختفية في المسيح ربنا، إنها كنيسة روحية تحمل سماتها خلال الروح القدس الساكن فيها يهبها عمله الإلهي فيها بلا توقف. كأن الروح القدس بظهوره هكذا أشبه بإصبع الله الذي يشير لنا أننا نجد خلاصنا في ذاك الحال في مياه الأردن.
خامسًا: سماع صوت من السماء: في العهد القديم سمعنا الصوت الإلهي خلال النبوة: "هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سُرت به نفسي، وضعت روحي عليه، فيخرج الحق للأمم" (إش 42: 1). والآن جاء الصوت عينه من السماء يؤكد أنه كلمة الله، الابن الوحيد الذي صار عبدًا لتحقيق رسالة الخلاص وقيام الكنيسة في مياه المعمودية.
جاء هذا الصوت من أجلنا نحن حتى ندرك أننا فيه ننعم بسرور الآب السماوي ونُحسب أبناء له خلال مياه المعمودية وعمل روحه القدوس. في هذا يقول القديس كيرلس الكبير: [المسيح كما سبق وقلت هو حقًا ابن الله الوحيد، وإذ صار شبهنا أعلنت بنوته لا من أجل نفسه، لأنه كان ولا يزال وسيبقى الابن، لكن هذه البنوة أُعلنت من أجلنا نحن البشر الذين صرنا أبناء الله، لأن المسيح بكرنا وسندنا. هو آدم الثاني، إذ ورد: "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا" (2 كو 5: 17). لقد طرحنا عتق آدم الأول، واستبدلنا بها جدّة آدم الثاني الذي به ومعه لله الآب المجد والسلطان مع الروح القدس من الآن وإلى أبد الآبدين.]
هكذا في معمودية السيد المسيح ظهر الثالوث القدوس متمايزًا لكنه غير منفصل، الابن المتجسد صاعدًا من المياه لكي يهبنا الخروج من خطايانا لندخل به وفيه إلى شركة أمجاده، والروح القدس نازلاً على شكل حمامة ليقيم كنيسة المسيح الحمامة الروحية الحاملة سمات سيدها، وصوت الآب صادرًا من السماء يعلن بنوتنا له في ابنه، ويقيم منا حجارة روحية ترتفع خلال السماوات المفتوحة لبناء الكنيسة الأبدية. هكذا ظهر الثالوث القدوس لبنياننا بالله، لذا دعي عيد عماد السيد بعيد الظهور الإلهي، لكن يجب تأكيد ما قاله القديس أغسطينوس: [هذا ما نتمسك به بحق وبغيرة شديدة، وهو أن الآب والابن والروح القدس ثالوث غير قابل للانفصال، إله واحد لا ثلاثة.]
4. تجربته
احتلت التجربة دورًا رئيسيًا في خلاصنا، فقد دخل الملك في معركة علانية مع العدو الشرير بعد تتويجه لحساب شعبه. وقد أوردها مار مرقس الإنجيلي في اختصار شديد إن قورنت بما ورد في مت 4: 1-11؛ لو 4: 1-13، وقد سبق لنا عرض الكثير من أقوال الآباء عنها.
صوّر القديس مرقس التجربة بطريقة حية، قائلاً: "وللوقت أخرجه الروح إلى البرية. وكان هناك في البرية أربعين يومًا يجرب من الشيطان، وكان مع الوحوش، وصارت الملائكة تخدمه" [12-13]. لقد رأى كثير من الدارسين أن إنجيل مرقس بكامله هو "سفر الألم"، يمثل عرضًا بتجربة السيد المسيح المستمرة وصراعه ضد إبليس والأرواح الشريرة، إما مباشرة، أو خلال خدامه الساقطين تحت سلطانه يعملون لحسابه. فما حدث خلال الأربعين يومًا في البرية لم يكن إلا بداية معركة ذروتها عند الصليب حيث اشتهى العدو الخلاص منه، وإذ صُلب السيد وجد العدو نفسه مصلوبًا ومجردًا من كل سلطان. وكما يقول الرسول: "إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه (في الصليب)"(كو 2: 15).
ركز الإنجيلي مرقس على النقاط التالية:
أولاً: أخرجه الروح إلى البرية، فان كان الروح القدس الذي هو واحد مع المسيح قد أخرجه للمعركة، إنما ليعُلن أننا منطلقون معه بالروح القدس إلى ذات المعركة، نحمل في جعبتنا إمكانيات إلهية للجهاد والصراع. فهي معركة رابحة دون شك لمن يقوده روح الرب! هي معركة الله، لسنا نحن طرفًا فيها، إنما أداة في يدّ الله، لهذا يقول القديس يوحنا سابا: [المؤمن الذي له دالة عند الله، لو قامت عليه كل الخليقة تحاربه بأصوات وسحب لا تستطيع أن تهزمه، لأن جميع ما يتكلم به ذلك الإنسان فمثل الله يتكلم، وكل البرايا تطيعه، أي تطيع الله الساكن فيه.]
إننا نغلب إن أخرجنا الروح القدس نفسه إلى المعركة الروحية مختفين في الرأس المسيح، لا إن خرجنا بأنفسنا، لذلك يقول القديس كيرلس الكبير: [الآن صرنا بالمسيح ممجدين بنصرته، بينما كنا قديمًا منهزمين بآدم الأول. تعالوا نسبح للرب ونرتل أناشيد الفرح لله مخلصنا، ولندُس الشيطان تحت أقدامنا، ونهلل جذلين بسقوطه في المذلة والمهانة، ولنخاطبه بعبارة إرميا النبي: "كيف قطعت وتحطمت بطرقه كل الأرض... قد وجدت وأمسكت لأنك قد خاصمت الرب" (إر 50: 23، 34). منذ قديم الزمان وقبل مجيء المسيح مخلص العالم أجمع والشيطان عدونا الكبير يفكر إثمًا، وينضح شرًا، ويشمخ بأنفه على ضعف الجبلة البشرية، صارخًا: "أصابت يدي ثروة الشعوب كعش، وكما يُجمع بيض مهجور جمعت أنا كل الأرض ولم يكن مرفرف جناح ولا فاتح فم ولا مصفصف" (إش 10: 4). والحق يُقال لم يجرؤ أحد على مقاومة إبليس إلا الابن الذي كافحه كفاحًا شديدًا وهو على صورتنا، ولذلك انتصرت الطبيعة في يسوع المسيح، ونالت إكليل الظفر والغلبة. منذ القديم يخاطب الابن - على لسان أنبيائه - عدونا اللدود إبليس بالقول المشهور: "هأنذا عليك أيها الجبل المهلك، المهلك كل الأرض" (إر 51: 25).]
يقول القديس أمبروسيوس: [لو لم يجربه إبليس لما انتصر الرب لأجلي بطريقة سرية ليحرر آدم من السبي.]
ثانيًا: صراعه في البرية مع الشيطان أربعين يومًا ربما يشير إلى الشعب القديم الذي بقي في البرية أربعين سنة مصارعًا في تجارب كثيرة لكنه فشل في دخوله أرض الموعد بالرغم من خروجه من أرض العبودية. أما نحن فصار لنا القائد الجديد يخفينا فيه، يحارب عنا ويهبنا النصرة والغلبة ليدخل بنا لا إلى أرض تفيض لبنًا وعسلاً بل إلى الحضن الإلهي الأبدي.
ثالثًا: أراد بهذا النص الإنجيلي تأكيد أن العدو الوحيد للسيد المسيح هو الشيطان الذي دخل معه في معركة، أما الخليقة أيا كانت هذه فهي موضع حبه. إن كان البشر قد صاروا بالخطية كالوحوش فقد جاء ليحل في وسطهم، إذ يقول: "وكان مع الوحوش"، حتى بحلوله يحول الوحوش الشرسة إلى سمائيين.
ولعل قوله "وكان مع الوحوش، وصارت الملائكة تخدمه" يشير إلى العصر المسياني الذي تنبأ عنه كثير من الأنبياء، فيه ينزع الطبع الوحشي "فيسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي، والعجل والشبل والمسمن معًا وصبى صغير يسوقها، والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معًا، الأسد كالبقر يأكل تبنًا" (إش 11: 6-7؛ 65: 25؛ هو 2: 18). هكذا تلتقي الوحوش مع الملائكة، فتتحول الوحوش إلى ملائكة، وتبتهج الملائكة بعمله في الوحوش.
لعله أيضًا يقصد بالوحوش الشر (مز 22: 13-22؛ إش 13: 21-22؛ حز 34: 5، 8، 25)، فقد جاء السيد إلى البرية ليحارب الشر في عقر داره.
رابعًا: لم يكن السيد محتاجًا أن تخدمه الملائكة، لكنه كما من أجلنا أخرجه روحه القدوس إلى البرية ليعيش وسط الوحوش في سلام، هكذا من أجلنا صارت الملائكة تخدمه. وكأن فيه تسندنا كل الخليقة، تسكن معنا الوحوش كما في فلك نوح لا تسيء إلينا، وتخدمنا الملائكة بحراستها لنا وصلواتها عنا ومعنا!
5. كرازته بالملكوت الجديد
"وبعدما أسلم يوحنا جاء المسيح إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله. ويقول قد كمل الزمان، وأقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" [14-15].
أ. إن كان يوحنا يمثل الناموس الشاهد لإنجيل المسيح المفرح، فإنه ما كان يمكن للكرازة بالإنجيل أن تنطلق في النفس بالبهجة ما لم يُسلم أولاً حرف الناموس القاتل، فينطلق الروح الذي يبني. لقد جاء الناموس يقودنا إلى السيد المسيح، لكن إذ تمسك الإنسان بالحرف الناموسي كان يجب أن يُسلم الحرف حتى ينفتح لنا باب الروح، كما قال القديسان أمبروسيوس وهيلاري أسقف بواتييه.
ب. انسحاب السيد إلى الجليل عند القبض على يوحنا يكشف عن رغبته في عدم مقاومة الشر، وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [لكي يظهر لنا أنه يجب أن ننسحب في الاضطهادات ولا ننتظرها، لكن إن سقطنا تحتها نثبت فيها.] انسحب السيد ليس خوفًا من الألم أو الضيق، إنما ليتمم رسالته من أشفية وتعاليم حتى ينطلق إلى الموت في الوقت المعين من أجل مضايقيه أنفسهم ومضطهديه.
ج. كان موضوع كرازة السيد هو كمال الزمان واقتراب ملكوت الله بمجيئه لكي ينعم المؤمنون به وبإنجيله خلال التوبة. يقدم السيد المسيح نفسه موضوعًا للكرازة، به كمل الزمان وحلّ ملكوت الله فينا لننعم بخلاصه. ولعله يقصد بكمال الزمان بلوغ الناموس نهايته بمجيئه ليحقق ما قادهم إليه الناموس، وأيضًا تحقيق النبوات فيه.
يحدثنا القديس يوحَنا سابا عن هذا الملكوت، قائلاً: [اعطنا يا ب أن ندخل بك إلى هيكل أنفسنا، وفيه ننظرك يا ذخيرة الحياة المختفية... طوبى للذي يشخص إليك دائمًا في داخله فإن قلبه يضيء لنظر الخطايا.]
د. من جانب الله كملت النبوات وحلّ ملكوته واقترب جدًا من كل نفس، بقى من جانب الإنسان التوبة وقبول كلمة الإنجيل: "فتوبوا وآمنوا بالإنجيل". يحدثنا القديس يوحنا سابا عن فاعلية التوبة فيقول: [من ذا الذي لا يحبك أيتها التوبة، يا حاملة جميع التطويبات إلا الشيطان، لأنك غنمت غناه وأضعت قناياه.]
هـ. يفهم من التعبير "أُسلم يوحنا" أن القبض على يوحنا كان بناء على خيانة من اليهود، لكن وإن كان قد أسلم وسجن فإن القيود والسجن لم تعق الكرازة بل صارت علة اتساع لها.
6. دعوته للتلاميذ
لم يأتِ السيد المسيح كخادم للبشرية يعمل بلا توقف فحسب، وإنما أقام له تلاميذ يحملون ذات روحه، يعمل بهم ويخدم بواسطتهم. يروي لنا القديس مرقس دعوة أربعة من هؤلاء التلاميذ اختارهم السيد من بين صيادي السمك الأميين للعمل، هم سمعان واندراوس، ويعقوب ويوحنا ابني زبدي. وقد اختارهم أميين كما يقول العلامة أوريجينوس والقديس جيروم لكي لا يُنسب نجاحهم في العمل للفصاحة والفلسفة، وإنما لعمله الإلهي فيهم.
اختارهم السيد على دفعتين من عند بحر الجليل، وهو بحيرة عذبة يبلغ طولها 13 ميلاً يحدها الجليل غربًا ويصب فيها نهر الأردن من الشمال، ويسمى بحيرة جنيسارت وبحيرة طبرية نسبة للمناطق التي تحيط به.
يرى الأب ثيؤفلاكتيوس أن سمعان وأندراوس كانا تلميذين ليوحنا المعمدان (يو 1: 35-40). إذ سمعا معلمهما يشهد للسيد المسيح تبعاه، لكنهما كانا يعودان للصيد مع أبيهما الشيخ، لهذا ما ورد هنا في إنجيل مرقس لم يكن اللقاء الأول بين السيد وبينهما، لكن دعوة السيد لهما سحبتهما من العمل الزمني للتكريس الكامل للتلمذة والكرازة.
في نص منسوب للقديس جيروم يقول: أن هؤلاء التلاميذ الأربعة هم أشبه بالفرس الحاملة للمركبة المنطلقة بإيليا إلى السماء، أو قل هم أربعة حجارة حية أقامها السيد لبناء الكنيسة الحيّة.
ولعل هؤلاء الأربعة بأسمائهم يشيرون إلى الفضائل الأربعة اللازمة في الحياة المسيحية أو التلمذة للسيد، فالأول سمعان يعني الاستماع أو الطاعة للرب ولوصيته، فقد لُقب ببطرس أي الصخرة، لأن كل طاعة للرب إنما تقوم على صخرة الإيمان. وأندراوس يعني الرجولة أو الجدية، إذ كثيرون يقبلون الإيمان بالفكر لكن بغير جدية حياة أو عمل. ويعقوب يعني التعقب والجهاد أو المصارعة الروحية حتى النهاية، وأخيرًا يوحنا يعني الله حنان أو منعم، إذ لا قبول لدعوة الله وتمتع بالتلمذة ما لم ينعم الرب بها عليه ويتحنن.
ويرى الأب ثيؤفلاكتيوس أن هؤلاء الأربعة بدأوا ببطرس المعروف بانهماكه في العمل وانتهوا بيوحنا المعروف بحياته التأملية، الأول في رأيه يشير للحياة العاملة، والثاني للحياة التأملية. فلا بلوغ للتمتع بالتأمل في الإلهيات ما لم تكن لها الحياة العاملة المجاهدة أولاً! وإن كان بالحقيقة يصعب عزلهما أو فصلهما إذ هما حياة واحدة.
وأخيرًا دعاهم من بحر الجليل، كما من بحر هذا العالم، لكي يرفعهم فوق أمواجه، وينتشلوا كل نفس سحبتها دوامته!
7. أعمال محبته الفائقة
بسرعة فائقة استعرض القديس مرقس حديثه عن يوحنا المعمدان السابق للرب وعماد السيد وتجربته وكرازته ودعوته لأربعة من تلاميذه لكي يقدم جوهر إنجيله: "المسيح خادم البشرية" يجول يخدم بتواضعٍ وحب لكن بسلطان وقوة. وقد قدم لنا في هذا الأصحاح عينات لأعماله دون الالتزام بالترتيب التاريخي، وإنما اهتم بتقديم فكر إنجيلي يمس لقاءنا مع السيد العامل لأجلنا وفينا.
أ. إخراج روح نجس
قدم لنا الإنجيلي أول عمل للسيد في يوم سبت داخل مجمع يهودي في كفرناحوم حيث كان يعلم بسلطان وليس كالكتبة [22]، ليخرج روحًا شريرًا بعد أن ينتهره رافضًا شهادته له، لذلك "تحيروا كلهم حتى سأل بعضهم بعضًا قائلين: ما هذا؟ما هو هذا التعليم الجديد؟لأنه بسلطان يأمر حتى الأرواح النجسة فتطيعه" [27].
لماذا بدأ القديس مرقس بعرض هذه المعجزة في حديثه عن أعمال السيد؟
أولاً: لقد أراد القديس مرقس أن يعلن أن المسيح معلم فريد في نوعه، شهد له السامعون أنفسهم الذين بهتوا من تعليمه، وقالوا: "ما هذا التعليم الجديد"؟ لقد كان الكتبة يشرحون الناموس في المجمع كل سبت، لكنهم يقدمون كلمات بشرية من عندهم وحتى نطقوا الكلمات الإلهية يتفوهون بها من قلب جاف ونفس فارغة، أما السيد المسيح فهو كلمة الله عينه الجاذبة للنفس، يتحدث فيخترق النفس إلى أعماقها (عب 4: 12). يقول القديس كيرلس الكبير: [رأوا أمامهم معلمًا لا يخاطبهم كنبي فحسب، بل كإله عظيم تجثو له الروح قبل الجسد، رب الناموس.]
ثانيًا: من جهة المكان فقد دعي كفرناحوم أي كفر النياح أو الراحة، ومن جهة الزمن فكان يوم السبت أو الراحة، ومن جهة العمل أخرج الرب الروح الشرير محطم الإنسان روحًا وجسدًا. وكأنه حيثما حلّ السيد يجعل منا موضعًا للراحة الحقيقية، ويحّول زماننا إلى سبت لا ينقطع، طاردًا عنا كل روح خبيث محطم لحياتنا. غاية السيد المسيح هو راحتنا الحقيقية فيه! وكما يقول القديس يوحنا سابا: [أيها المتعب والثقيل الأحمال ضع رأسك على ركبتي ربك واسترح. اتكئ على صدره، واستنشق رائحة الحياة بجبلتك. اتكئ عليه إذ هو مائدتك، ومنه تتغذى. نق مرآتك، وبدون شك سيظهر لك نور الثالوث. اجعل هذا في قلبك، فتشعر أن الله حيّ فيك، لأنك أنت صورة الله يا إنسان.]
ثالثًا: تعرف الشيطان أو الروح النجس على السيد المسيح بكونه قدوس الله الذي تجسد بتواضع... وقد أدرك أن تواضع السيد يغلب كبريائه، وقد حسب أن الوقت قد حان لإدانته لذلك "صرخ قائلاً: آه! ما لنا ولك يا يسوع الناصري، أتيت لتهلكنا. أنا أعرفك، من أنت؟ قدوس الله" [24]. لقد رفض الرب شهادته منتهرًا إياه، قائلاً: "اخرس واخرج منه" [25]. وفيما يلي تعليقات بعض الآباء على هذا الموقف:
+ حتى الشياطين تنطق باسم الله، ومع ذلك فهم شياطين... كان ينتهرهم ويخرجهم. لهذا أسألكم أن تتنقوا من هذا الخطأ (النطق باسم الله باطلاً).
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ ما قاله بطرس (مت 8: 29) نطقت به أيضًا الشياطين، الكلمات واحدة ولكن الذهن مختلف... فان إيمان المسيحي يقوم على الحب، أما إيمان الشيطان فبلا حب... بطرس نطق بهذا لكي يحتضن المسيح، أما الشياطين فنطقت بهذا لكي يتركها المسيح.
+ "الشياطين يؤمنون ويقشعرون" (يع 2: 19). الإيمان له قدرته، لكنه بدون المحبة لا ينفع شيئًا، فقد اعترفت الشياطين بالمسيح، وكان اعترافهم نابعًا عن إيمان بلا حب... لا تفتخر بالإيمان إن كان على مستوى الشياطين.
+ يا لعظم قوة تواضع الله التي ظهرت في أخذه شكل العبد، فقد غلبت كبرياء الشياطين، وقد عرفت الشياطين ذلك حسنًا، معبرين عن ذلك للرب الملتحف بضعف الجسد. لقد قالوا: "ما لنا ولك (ماذا نفعل بك) يا يسوع الناصري"؟... يظهر في هذه الكلمات أنهم أصحاب معرفة لكن بلا محبة، والسبب في هذا أنهم كانوا يرتعبون من عقوبتهم بواسطته ولا يحبون برّه.
القديس أغسطينوس
+ حسب الشيطان خروجه من الإنسان هلاكًا له، فان الشياطين لا ترحم، تحسب نفسها أنها تعاني شرًا إذا لم تتعب البشر!
الأب ثيؤفلاكتيوس
+ عرفته الشياطين بالقدر الذي سمح الله لهم أن يعرفوه، لكنهم لم يعرفوه كما يعرفه الملائكة القديسون الذين ينعمون بشركة أبدية بكونه كلمة الله...
القديس أغسطينوس
+ الحق لا يحتاج إلى شهادة أرواح نجسة... ليتنا لا نصدق الشياطين حتى إن أعلنوا الحق.
يوحنا ذهبي الفم
+ لم يدع المسيح الشياطين أن يعترفوا به لأنه لا يليق أن يغتصبوا حق الوظيفة الرسولية. كذلك لا يجوز أن يتكلموا بألسنة نجسة عن سرّ المسيح الفدائي، نعم يجب ألا تصدق هذه الأرواح الشريرة حتى ولو تكلمت صادقًا، لأن النور لا يُكشف بمساعدة الظلام الدامس، كما أشار إلى ذلك رسول المسيح بالقول: "وأية شركة للنور مع الظلمة، وأي اتفاق للمسيح عن بليعال؟" (2 كو 6: 14-15).
القديس كيرلس الكبير
ب. إبراء حماة سمعان
"ولما خرجوا من المجمع جاءوا للوقت إلى بيت سمعان وأندراوس مع يعقوب ويوحنا. وكانت حماة سمعان مضطجعة محمومة، فللوقت أخبروه عنها. فتقدم وأقامها ماسكًا بيدها، فتركتها الحمى حالاً وصارت تخدمهم" [29-31].
سبق لنا الحديث عن إبراء حماة سمعان في دراستنا لإنجيل متى (8: 14-15)، وقد رأينا كلمات القديس أمبروسيوس أن حماة سمعان تمثل جسدنا الذي أصابته حمى الخطايا المختلفة فصار أسير الألم، مطروحًا بلا عمل، يحتاج إلى طبيب قادر أن يحله من رباطات المرض.
ويلاحظ في هذا العمل الذي صنعه الرب الآتي:
أولاً: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح كان منطلقًا من المجمع في كفرناحوم إلى بيت سمعان بطرس ليأكل، مدللاً على ذلك بقوله الإنجيلي: "فتركتها الحمى حالاً وصارت تخدمهم" [31]، فقد انفتح هذا البيت لخدمة السيد، فجاء السيد يخدمه. فكلما خدمنا ربنا يسوع المسيح إنما في الحقيقة ننال خدمته وننعم بعمله الفائق فينا.
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن سمعان لم يستدعِ السيد ليشفي مريضته بل انتظره حتى يتمم عمله التعليمي في هذا المجمع ويحقق أشفية لكثيرين وعندئذ لما جاء السيد إلى بيته سأله من أجلها. هكذا منذ البداية تدرب أن يفضل ما هو للآخرين عما هو لنفسه.
ثانيًا: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يستنكف (يسوع المسيح) من الدخول إلى أكواخ صيادي السمك البسطاء، معلمًا إياك بكل وسيلة أن تطأ الكبرياء البشري تحت قدميك.] كما يعلل تركه المجمع وانطلاقه إلى كوخ بسيط ليشفي مريضة بقوله: [بهذا كان يدربنا على التواضع، وفي نفس الوقت كان يلطف من حسد اليهود له، ويعلمنا ألا نفعل شيئًا بقصد الظهور.]
هذا أيضًا ما أكده القديس أغسطينوس بقوله: [لقد أرادهم أن يفهموا أعماله أنها ليست بقصد الإعجاب وإنما قدمها عن حب لأجل الشفاء.]
في إخراجه للشيطان أو الروح النجس نطق السيد بسلطان ليكتم أنفاسه ويخرجه، لئلا يظن أحد في هذا حبًا للظهور عندما التقى بمريضة أمسك بيدها فتركتها الحمى حالاً. إنه صاحب سلطان حقيقي، يعمل بكلمته كما بلمسة يديه المترفقتين بنا!
وللقديس كيرلس الكبير تعليق جميل على استخدام لمسة يده في الشفاء، إذ يقول: [أرجو أيضًا أن تلاحظوا قوة جسده المقدس إذا ما مسّ أحدًا، فان هذه القوة تقضي على مختلف الأسقام والأمراض، وتهزم الشيطان وأعوانه، وتشفى جماهير الناس في لحظة من الزمن. ومع أن المسيح كان في قدرته أن يجري معجزات بكلمة منه، بمجرد إشارة تصدر عنه، إلا أنه وضع يديه على المرضى ليعلمنا أن الجسد المقدس الذي اتخذه هيكلاً له كان به قوة الكلمة الإلهي. فليربطنا الله الكلمة به، ولنرتبط نحن معه بشركة جسد المسيح السرية، فيمكن للنفس أن تُشفي من أمراضها وتقوى على هجمات الشياطين وعدائها.]
ثالثًا: يقدم لنا الإنجيلي السيد المسيح كخادم الكل يعمل بلا توقف، يخدم وسط الجماهير في مجمع كفرناحوم بقوة حتى "خرج خَبره للوقت في كل الكورة المحيطة بالجليل" [28]، وفي نفس الوقت ينسحب إلى كوخ صغير ليشفي سيدة محمومة، وإذ يلتف الكثيرون حول الباب يخرج إليهم ليشفي كثيرين ويخرج شياطين كثيرة. إنه يعمل أينما وجد ليجتذب الكل بحبه العملي إلى أحضانه الإلهية.
رابعًا: لعل مجمع كفرناحوم يشير إلى جماعة اليهود الذين بينهم من به روح نجس خلال عدم الإيمان، فجاء السيد إليهم ينتهر هذا الروح الشرير ليكسبهم إليه كأعضاء جسده. أما انطلاقه إلى بيت سمعان ليلتقي بحماته المحمومة فيشير إلى عمله بين الأمم لينزع عنهم حمى الوثنية والرجاسات الشريرة، ويحول طاقاتهم لخدمته. هكذا جاء السيد إلى العالم كله ليخلص الجميع.
لقد جاء ليشفي حماة بطرس المحمومة بعد أن انتهر الروح النجس وأخرجه، منقذًا الشعوب بربطه للعدو إبليس وتحطيم سلطانه وطرده من القلوب!
خامسًا: استخدم القديس مرقس في تعبيره "أقامها" [31] الفعل اليوناني egeiro الذي غالبًا ما يُستخدم في قيامة السيد المسيح نفسه (مر 14: 28؛ 16: 6؛ 1 كو 15: 4؛ أع 3: 15؛ 13: 37) ، وكأنها لم تكن في حاجة إلى من يشفيها من مرض جسدي، بل من يقيمها من الموت. احتاجت إلى واهب القيامة نفسه يقيمها معه!
سادسًا: يقول الإنجيلي: "وأقامها ماسكًا بيدها، فتركتها الحمى حالاً وصارت تخدمهم" [31]. تلامُسنا مع رب المجد يسوع ينزع حمى المرض أو لهيب الشر الحار، لا لنحيا في برود الروح، بل في لهيب جديد هو لهيب الروح العامل والخادم للكل، إن لم يكن بكرازة الوعظ فبالقدوة والصمت. تتحول حياتنا إلى لهيب مشتعل بالروح القدس يلهب الآخرين ويلتهب معهم بالروح، وكما يقول الشيخ الروحاني: [كما أن النار لا تنقص ولا تضعف قوتها إذا أخذت منها مشاعل كثيرة، هكذا الذي يسكن فيه الروح القدس إذا أعطى نعمة لآخرين لا ينقص.]
سابعًا: شفاء حماة بطرس جذب المدينة كلها ليتمتع الكثيرون بالشفاء أيضًا، إذ يقول الإنجيلي: "ولما صار المساء إذ غربت الشمس، قدموا إليه جميع السقماء والمجانين. وكانت المدينة كلها مجتمعة على الباب. فشفى كثيرين كانوا مرضى بأمراض مختلفة، وأخرج شياطين كثيرة، ولم يدع الشياطين يتكلمون أنهم عرفوه" [32-34]. لقد جاءوا إليه بجميع السقماء والمجانين بعد الغروب، إذ كان يوم سبت ولم يكن بعد يقدر اليهود أن يدركوا السبت بالمفهوم الروحي كيوم راحة يمكن أن تتمم فيه أشفيه للنفوس المتعبة، فانتظروا في حرفية جامدة حتى ينتهي السبت بالغروب. أما قوله "شفى كثيرين" ولم يقل "شفى الجميع"، فربما لأن عدم إيمان القلة منهم حرمهم من عمله الإلهي. وإذ رأت الشياطين ما فعله السيد أدركت من هو فكان ينتهرها ويرفض شهادتها له، طاردًا الكثيرين منهم!
يمكننا أن نقول، إذ تجسد كلمة الله وسط اليهود، وحلّ بينهم، حوّل الزمن إلى نهار، وشفى نفوسًا منهم (حماة بطرس) كالتلاميذ والرسل والمريمات... وإذ صعد بالجسد كأن المساء قد حلّ والشمس غربت فجاءت جموع الشعوب والأمم من كل العالم، تجمعت على الباب تطلب المسيّا فيها، فشفى الرب الكثيرين وطرد شياطين كثيرة، إذ تحولت حياة الكثيرين من الوثنية إلى الإيمان المسيحي. بمعنى آخر بصعوده، أي بغروب الشمس انفتح الباب للأمم ليتمتعوا بالإيمان مع التوبة الصادقة لينالوا ملكوت الله داخلهم عوض مملكة إبليس المهلكة!
ج. إخراج الشياطين
"وفي الصباح باكرًا جدًا، قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء، وكان يصلي هناك. فتبعه سمعان والذين معه. ولما وجدوه قالوا له: إن الجميع يطلبونك. فقال لهم: لنذهب إلى القرى المجاورة لأكرز هناك أيضًا، لأني لهذا خرجت. فكان يكرز في مجامعهم في كل الجليل ويخرج الشياطين" [35-39].
إذ قضى السيد المسيح السبت كله يعلم ويشفي ويخرج شياطين، حتى في المساء اجتمعت المدينة كلها يشبع احتياجاتها، فانه في الصباح الباكر انطلق إلى موضع خلاء ليصلي. إنه قابل الصلوات يصلي معلمًا إيانا أن نلجأ إلى الصلاة دائمًا!
المدينة التي التقت به بالأمس تطلبه، أما هو فأراد أن يذهب إلى القرى المجاورة ليكرز فيها ويعمل لأجلها. لم يرد أن يحصر عمله في مدينة معينة، بل يشرق بأشعة محبته على كل موضع، طاردًا عنهم الشياطين وكل القوات المقاومة.
يرى البعض مثل الأب ثيوفلاكتيوس أن هذا النص قد حمل أيضًا معنى رمزيًا، ففي الصباح الباكر جدًا قام المسيح وخرج خلال تلاميذه إلى الأمم كما إلى موضع خلاء. حقًا لقد تبعه سمعان والذين معه يمثلون المؤمنين من اليهود الذين قبلوه والذين اشتاقوا نحو خلاص بني أمتهم، لكن الأمر قد صدر "لنذهب إلى القرى المجاورة"، أي لننطلق للعمل وسط الأمم! وقد أكد الرسول "كان يكرز... ويخرج الشياطين"، مقدمًا مملكته، ومحطمًا مملكة الظلمة.
د. تطهير أبرص
أشرق السيد بأشعة محبته، فجاءه الكثيرون من بينهم أبرص يستنكف الكل من اللقاء معه، ويخشى الجميع أن يلمسوه لئلا يتنجسوا. جاءه مؤمنًا به أنه فوق الناموس، يقدر أن يُطهر من البرص إن أراد، إذ يقول: "إن أردت تقدر أن تطهرني" [40]. كأنه يقول: الناموس يفضحني، ويكشف ضعفي، ويعلن نجاستي فينفر الكل مني، أما أنت فوحدك إن أردت تقدر أن تطهرني. لم يسأله أن يطلب من الله ليشفيه، إنما يعرف من هو، إنه ذاك الذي يريد فيُطاع!
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل "طهرني" بل ترك كل شيء بين يديه، وجعل شفاءه رهن إرادته، شاهدًا له بسلطانه.]
لقد جثا الأبرص، معلنًا خضوعه بالجسد كما بالروح، ولم يحتمل الرب انسحاقه بل "تحنن... ومد يده ولمسه، وقال له: أريد فأطهر" [41]. أعطاه من حنانه وحبه قبل أن يهبه الشفاء والتطهير.
كان يمكن أن يقول كلمة فيطهر، لكنه في حنان مدّ يده ليعلن أنه الخالق الذي يتحنن على خليقته، مميزًا بين المرض والمريض، والخطية والخاطي... إنه يبسط بالحب يده ليلمس كل إنسان مهما كانت نجاسته حتى يطهره. هذا وقد أراد أن يعلن أنه واضع الناموس وربه، لا يتنجس بلمسة أبرص، بل يهرب البرص من لمسته.
ولعله لمس بيده المترفقة ثم قال: أريد فأطهر ليعلن حاجة العالم إلى لمسة الحب العملية ملتحمة بالوصية بل وسابقة لها.
ولعل مدَّ يده هنا يشير إلى تجسد الكلمة، فإن كان الأبرص يشير إلى آدم الذي أصابه برص الخطية ومحبة العالم كتلميذ إليشع "جيحزي"، فانه يحتاج إلى تجسد الكلمة ليطهره من برصه!
وقد سبق لنا في دراستنا لإنجيل متى (8: 1-4) الحديث عن إرساله هذا الأبرص للكاهن ليرى نفسه ويقدم عن تطهيره، ولماذا سأله السيد ألا يقول لأحد شيئًا أما هو فصار ينادي كثيرًا ويذيع الخبر.
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحَاحُ الأَوَّلُ
الآيات (29-34) في كتاب إنجيل متى (مت14:8-17)
معمودية يوحنا المعمدان
(مت1:3-17) (مر1:1-11) (لو1:3-22) (يو19:1-37)
يوم العماد (الغطاس) يسمى عيد الظهور الإلهي، ففيه ظهر الثالوث القدوس، صوت الآب من السماء، والابن في الماء، والروح القدس على شكل حمامة يحل على المسيح. وهناك سؤال.. لماذا ظهر الثالوث يوم عماد المسيح بالذات، ولم يظهر مثلاً يوم التجلي؟
قال الله لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا، إذاً .. الخلق هو عمل الثالوث إذ يقول نخلق.. صورتنا.. كشبهنا.. أي بصيغة الجمع.
فالآب يريد والابن يخلق، فبه كان كل شئ، والروح يعطي حياة لهذا المخلوق (حز10:37).
ويوم العماد هو يوم تأسيس سر المعمودية الذي به نخلق خليقة جديدة بعد أن فسدت خليقتنا الأولى بالخطية. وكما كانت الخلقة الأولى هي عمل الثالوث القدوس، هكذا الخليقة الثانية هي عمل الثالوث القدوس، لذلك ظهر الثالوث القدوس يوم المعمودية. فالآب يريد أن الجميع يخلصون (1تي4:2). والابن يغطس في الماء إعلاناً قبوله الموت عن البشر، وهذا هو الفداء المزمع أن يقدمه على الصليب. ثم يخرج من الماء إعلاناً عن أنه لن يظل ميتاً في القبر، بل سيقوم ويقيمنا معه متحدين به (رو3:6-5). والروح القدس يحل على جسد المسيح. وجسد المسيح هو كنيسته. والروح القدس سيقوم بعد ذلك مع كل معمد بجعله يموت مع المسيح ويقوم مع المسيح من موت الخطية. نقوم مع المسيح ثابتين في المسيح كخليقة جديدة (2كو17:5) وهذه الخليقة الجديدة يفرح بها الآب. وفرحة الآب هذه ظهرت في قوله "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" . قال هذا يوم العماد ولم يكمل "له اسمعوا" كما قال يوم التجلي فاليوم هو يوم فرحة الآب برجوع ابنه الضال (أي الكنيسة) إلى أحضانه.
حقاً الآب فرح بطاعة المسيح الذي أطاع حتى الموت موت الصليب، لكنه فرح أيضاً برجوعنا إليه. لذلك قال المسيح ينبغي لنا أن نكمل كل بر. وهذا يعني أن آدم يوم خلق كان هناك شيئاً ينقصه.. وما هو؟ لو أخطأ آدم يموت وينتهي بالانفصال عن الله، فلا شركة للنور مع الظلمة. لكن اليوم رسم السيد المسيح طريقة غفران الخطية وتبرير آدم ليعود للأحضان الإلهية، وبهذا فرح الآب، فلقد أصبح طريق تبرير الإنسان كاملاً، لذلك قال المسيح على الصليب "قد أكمل" فنحن كنا عاجزين عن البر، فجاء المسيح ليعطينا فيه أن نتبرر.
ما حدث يمكن تشبيهه بأنه بدون اختراع الأستيكة كان إذا حدث أي خطأ في ورقة نقوم بتمزيقها وإلقائها أما بعد اختراع الأستيكة صرنا نمحو الخطأ ،ويمكن استخدام الورقة ثانية.
إذاً المعمودية هي:
1) موت مع المسيح: ومن مات معه تغفر جميع خطاياه السابقة.
2) قيامة مع المسيح: نقوم متحدين به، وهذا يعطينا أن نحيا بحياته.وهذا ما قاله بولس الرسول "لي الحياة هي المسيح" (في21:1)" + "المسيح يحيا فيّ" (غل20:2) ولأن المسيح يحيا فينا كمل كل بر.
آية (1): "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله."
لم يفتتح الإنجيلي مرقس إنجيله بعرض أحداث الميلاد أو نسب المسيح. وإنما إذ يكتب للرومان يقدم المسيح ابن الله. صاحب السلطان، القوي. وهو له سلطان على الجسد والنفس، حياتنا الظاهرة والداخلية. والرومان يحبون القوة فنجد إنجيل مرقس يُصوِّر لهم المسيح القوي، بل الذي يعطي للمؤمنين به قوة (مر17:16،18)
يبدأ الإنجيل ببنوة المسيح لله ويختتم بدعوة المسيح لتلاميذه أن يكرزوا الأمم ويعمدوهم ثم بارتفاع المسيح إلى السموات إلى حضن أبيه. فكأن المعنى أن المسيح أعطانا البنوة لله، فبالمعمودية نحصل على البنوة لله.
إنجيل= مرقس هو الوحيد الذي أعطى لسفره عنوان إنجيل. وإنجيل تعني الكرازة أو البشارة المفرحة للعالم وسرها لخلاص الذي قدمه المسيح للبشر. هو في هذه الآية يقدم للرومان مخلص= يسوع. وهو الممسوح ملكاً= المسيح .. ومن هو هذا المخلص .. هو ابن الله.
آية (2): "كما هو مكتوب في الأنبياء ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك."
يقول (ملا1:3) "ها أنذا أرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي" وينقلها مارمرقس هكذا "ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي، الذي يهيئ طريقك قدامك" وبهذا نفهم أن المسيح هو هو نفسه يهوه. فالمتكلم في نبوة ملاخي هو يهوه ويقول "قدامي" ومارمرقس يقولها عن المسيح "قدامك" وكلمة وجهك تشير للظهور الإلهي فهي تعني حضرة (صيغة تكريم للشخص)
آية (3): "صوت صارخ في البرية اعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة."
اعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة= وهي من الترجمة السبعينية "قوموا في القفر سبيلاً لإلهنا". وهنا أيضاً نجد أن إلهنا يهوه في إشعياء هو هو نفسه المسيح الرب في إنجيل مرقس.
آية (5): ". وخرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا جميعهم منه في نهر الأردن معترفين بخطاياهم."
لاحظ قوله وخرج إليه جميع كورة اليهودية، فيوحنا بوعظه وكلماته النارية حرك مشاعر الجميع، فقدموا توبة علامتها المعمودية في الماء استعداداً لمجيء المسيح فيقبلوا المعمودية بالماء والروح ومع هذه التوبة يصيروا أبناء الله.
الآيات (2، 3): "كما هو مكتوب في الأنبياء ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك. صوت صارخ في البرية اعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة."
هذه النبوات من (إش3:40+ ملا1:3). وهما تكشفان عن شخص السابق للرب. وملاخي دعاه ملاك الرب، لحياته الملائكية وكرامته السامية، كما أن كلمة ملاك معناها رسول، فهو مرسل من الله لتهيئة الطريق قدام المسيح بالدعوة للتوبة. ولتسمية ملاخي له بالملاك تصوره الكنيسة بجناحين كملاك للرب. وإشعياء يقول عنه "صوت صارخ في البرية" فهو الأسد الزائر يزأر بصوته المرعب في برية إسرائيل (الشعب الذي يحيا كما في برية فهو غير مثمر) حتى يقدموا توبة. ومرقس إذ يكتب للرومان يقدم المعمدان الذي يسبق المسيح الملك ليعد له الطريق فالرومان يرسلون أمام ملوكهم من يعد لهم الطريق. إذاً في آية (1) يقدم المسيح الملك ابن الله وفي الآيات (2،3) يقدم من يعد الطريق للملك.
الآيات (4-8): "كان يوحنا يعمد في البرية ويكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا. وخرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا جميعهم منه في نهر الأردن معترفين بخطاياهم. وكان يوحنا يلبس وبر الابل ومنطقة من جلد على حقويه ويأكل جراداً وعسلاً برياً. وكان يكرز قائلاً يأتي بعدي من هو أقوى مني الذي لست أهلاً أن انحني واحل سيور حذائه. أنا عمدتكم بالماء وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس."
قوة معمودية يوحنا لا في ذاتها وإنما في رمزها لمعمودية السيد المسيح. ويوحنا المعمدان يمثل نهاية الناموس في دفعه الإنسان إلى التمتع بالمسيح وقيادة الكل إليه (لو16:16). إذاً فيوحنا كنهاية للعهد القديم يقدم لنا خلاصة العهد القديم وهي جذب ودعوة العالم كله للمسيح.
الآيات (9-11): "وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في الأردن. وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السماوات قد انشقت والروح مثل حمامة نازلاً عليه. وكان صوت من السماوات أنت ابني الحبيب الذي به سررت."
المسيح لم يكن محتاجاً للمعمودية فهو بلا خطية، ولكن كما كتب عنه أنه أحصى مع أثمة (إش12:53). وكون السماء انشقت فهذا يعطي إحساس بأن الأمور السماوية صارت معروفة لنا ويمكن رؤيتها واقترب الإنسان للملائكة (يو51:1). فالمسيح جعل الإثنين واحداً. أي السماء والأرض، (كما فهمتها كنيستنا القبطية وترتل بها في التسبحة المعروفة) فكل منهما مملكته.
ظهور الروح القدس كحمامة
قيل عن الكنيسة أنها حمامة (نش15:1+ 14:2+ 1:4+ 2:5)
فنزول الروح القدس على شكل حمامة كان ليقيم الروح القدس كنيسة المسيح الحمامة الروحية الحاملة سمات سيدها (نش12:5) (بساطة/ طهارة/ مملوءة سلاماً.. ..)
هذه هي سمات الكنيسة المختفية في المسيح ربنا. كنيسة روحية تحمل سماتها خلال الروح القدس الساكن فيها يهبها عمله الإلهي بلا توقف.
ظهور الروح القدس يرف فوق المياه في بداية الخليقة (تك2:1) كان ليعطي حياة ويظهر الخليقة. وهذا ما حدث في المعمودية فالروح القدس حلَّ على المسيح ليكرس جسده ليصير هو الكنيسة، يموت على الصليب وتموت معه الكنيسة في المعمودية بعمل الروح القدس ويقوم من الأموات والكنيسة تقوم معه في المعمودية ويصوِّر الكنيسة فيه ويصير هو رأسها وهي على صورته، تموت وتقوم كل نفس في المعمودية بالماء والروح الذي يرف على سطح مياه المعمودية، وتخرج هذه النفس المعَمَّدَةَ لتصير في المسيح خليقة جديدة. ونرى في معمودية السيد المسيح.
الابن في الماء (وكنيسته مختفية فيه)
والروح القدس على شكل حمامة (ليهيئ الكنيسة الحمامة الحاملة لسمات المسيح ومختفية فيه، فهي جسده)
والآب بصوته "هذا ابني الحبيب.." يعلن بنوتنا له في ابنه ويقيم منا حجارة روحية حية تبني هيكل جسد المسيح.
انشقت= ربما تعني أن عين البشر هي التي انفتحت.
الآيات (12 ،13): "وللوقت أخرجه الروح إلى البرية. وكان هناك في البرية أربعين يوماً يجرب من الشيطان وكان مع الوحوش وصارت الملائكة تخدمه."
وللوقت= أي بعد العماد مباشرة، فالشيطان يحقد علينا ويحسدنا عقب كل بركة ننالها أخرجه الروح= الروح القدس أخرجه ليغلب لحسابنا. إلى البرية .. وكان مع الوحوش= البرية القفرة الموحشة الخربة مكان الشياطين، وبها وحوش تخيف، ويخيف بها إبليس الإنسان كما كان يظهر للأنبا أنطونيوس على شكل وحوش مخيفة. والمسيح انتصر على كل ذلك حتى ننتصر نحن فيه. نحن نحمل في جعبتنا إمكانيات إلهية الآن بها نغلب. من يقوده روح الرب وهو مختفي في الرأس المسيح بلا شك تكون معركته رابحة.
وإذا كان المسيح قد عاش 40يوماً وسط الوحوش فهو بهذا قد أعاد السلطان للإنسان على الحيوان، ولذلك فالوحوش لا سلطان لها الآن على أولاد الله وهذا ما حدث مع مارمرقس وبرسوم العريان. ونلاحظ ن مارمرقس هو الذي أشار لموضوع الوحوش في البرية لأن هدف مارمرقس في إنجيله إظهار قوة المسيح وسلطانه أمام الرومان الذين يحترمون القوة. ومارمرقس لم يشير لأن المسيح انتصر على الوحوش فهذا في رأيه أمر مفروغ منه ولكنه يضع اللمسة القوية أنه كان مع الوحوش. والملائكة التي صارت تخدمه صارت أيضاً تسند كل الخليقة بحراستها لنا وصلواتها عنا ومعنا.
وربما اختصر مارمرقس قصة التجربة في إنجيله لأن تجربة إبليس للمسيح كانت أصعب بدرجة تفوق خيالنا، وهذا ما لمَّح له القديس لوقا أن إبليس جربه بكل تجربة. أما متى ولوقا فأوردوا على قدر ما نحتمل من القصة.
الايات (14-20)
وبعدما اسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله. ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وأمنوا بالإنجيل. وفيما هو يمشي عند بحر الجليل ابصر سمعان واندراوس أخاه يلقيان شبكة في البحر فانهما كانا صيادين. فقال لهما يسوع هلم ورائي فأجعلكما تصيران صيادي الناس. فللوقت تركا شباكهما وتبعاه. ثم اجتاز من هناك قليلا فرأى يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه وهما في السفينة يصلحان الشباك. فدعاهما للوقت فتركا أباهما زبدي في السفينة مع الأجرى وذهبا وراءه.
نجد هنا نفس قصة دعوة التلاميذ، وتركهم سفنهم ومهنتهم وأنهم تبعوا يسوع فوراً. وتفسير هذه الإستجابة الفورية، هو سابق إقتناعهم بالمسيح كما قلنا سابقاً.
وفى آية 14:- قد كمل الزمان= فالنبوات حددت زمان مجئ المسيح (دا 9).
بحر الجليل = هو بحيرة طبرية وهو بحيرة جنيسارت.
الآيات (21-28) + (لو31:4-37)
الآيات (مر21:1-28): "ثم دخلوا كفرناحوم وللوقت دخل المجمع في السبت وصار يعلم. فبهتوا من تعليمه لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة. وكان في مجمعهم رجل به روح نجس فصرخ. قائلاً آه ما لنا ولك يا يسوع الناصري أتيت لتهلكنا أنا أعرفك من أنت قدوس الله. فانتهره يسوع قائلاً اخرس واخرج منه. فصرعه الروح النجس وصاح بصوت عظيم وخرج منه. فتحيروا كلهم حتى سأل بعضهم بعضاً قائلين ما هذا ما هو هذا التعليم الجديد لأنه بسلطان يأمر حتى الأرواح النجسة فتطيعه. فخرج خبره للوقت في كل الكورة المحيطة بالجليل."
كفرناحوم= كفر النياح أو الراحة وجغرافياً فيه أوطى من الناصرة لذلك يقول إنحدر. في السبت= يوم الراحة فالقديس مرقس بدا معجزات السيد المسيح بهذه المعجزة، وهو يكتب للأمم ليعلن لهم أن السيد المسيح أتى ليعطي الراحة للمتعبين إذ يحررهم من الأرواح النجسة التي سيطرت عليهم زماناً وأتعبتهم بل استعبدتهم. كمن له سلطان وليس كالكتبة= كان الكتبة يقولون، الناموس يقول.. أو المعلم فلان يقول، أما السيد المسيح فكان يقول.. أما أنا فأقول كذا وكذا.. والكتبة كانت كلماتهم جوفاء بلا قوة، أمّا المسيح فكلماته كلها قوة وجذابة للنفس.
آه ما لنا ولك يا يسوع الناصري.. أنا أعرفك= الشياطين عرفت المسيح ولكن ليس كمعرفة الملائكة والقديسين الذين يجدون في معرفته فرحاً وحياة وشركة أبدية (يو3:17). أمّا الشياطين فتعرفه دياناً لها يأتي ليهلكها، وترتعب منه. من يفرح بالمسيح هو من إمتلأ قبله محبة، أمّا هؤلاء الشياطين فمملوئين كراهية وحقد. هم يعرفون الله لكنها معرفة بلا حب ولا رجاء، يؤمنون ويقشعرون (يع19:2) وهم يحاولون إبعاد البشر عن الله. والله لا يقبل شهادة هؤلاء، فهم إذا شهدوا يكون هذا بنية خبيثة، فمثلاً هم أقنعوا الفريسيين أن السيد يخرج الشياطين بواسطة بعلزبول، وربما يريدون بشهادتهم إثبات هذه العلاقة. المهم أن المسيح في غنى عن شهادة الأشرار عنه. والسيد المسيح كان لا يريد في البداية الإعلان عن أنه المسيا المنتظر حتى لا تحدث ثورة سياسية إذ يظن الشعب أنه جاء ليحررهم من الرومان. والمسيح رفض شهادة الشياطين. فشهادتهم له هي نوع من الخداع. فهم يريدون إثبات أن لهم علاقة بالمسيح، واليوم يشهدون له وغداً يهاجمونه فيضللون السامعين.
ولاحظ أن الشيطان لم يحتمل وجود المسيح الذي كان يعلم بسلطان فبدأ يهتاج. ولكن الشيطان مهما كانت قوته فهو بلا حول ولا قوة أمام سلطان رب المجد. ولاحظ أنهم عرفوا كثيراً عن المسيح، لكن الشياطين لم يدركوا أنه الله المتجسد، ولكن الشيطان فزع منه كما تفزع الظلمة من النور. ولاحظ أن السيد المسيح قبل أن يخرج الشياطين من الناس سبق وهزم الشياطين في البرية. فهو إن لم يكن قد هزمه، ما كان يقدر أن يكون له هذا السلطان. فهو هزمه لحسابنا ليحررنا من سلطانه.
(مر 29:1 – 34):-
ولما خرجوا من المجمع جاءوا للوقت إلى بيت سمعان واندراوس مع يعقوب ويوحنا. وكانت حماة سمعان مضطجعة محمومة فللوقت اخبروه عنها.فتقدم وأقامها ماسكا بيدها فتركتها الحمى حالا وصارت تخدمهم.ولما صار المساء إذ غربت الشمس قدموا إليه جميع السقماء والمجانين. وكانت المدينة كلها مجتمعة على الباب. فشفى كثيرين كانوا مرضى بأمراض مختلفة واخرج شياطين كثيرة ولم يدع الشياطين يتكلمون لأنهم عرفوه.
هنا نرى السيد المسيح يشفى حماة بطرس، فالسيد يهتم ببيت خادمه أو تلميذه، فعلى الخادم أن يقدم عمره كله للمسيح ولا يفكر فى أموره الخاصة، والمسيح يتكفل بإحتياجات بيته. وكلما خدمنا المسيح يخدمنا المسيح. فقامت وخدمتهم= دليل الشفاء الفورى والكامل ( لم توجد فترة نقاهة) فلمس يدها= المسيح كان يمكن أن يشفى بمجرد كلمة منه. ولكن كان يلمس فى بعض الأحيان المرض ليعلمنا أن جسده المقدس كان به قوة الكلمة الإلهى وهذا لنفهم أنه إذا إتحدنا بجسده المقدس يمكن للنفس أن تُشفى من امراضها وتقوى على هجمات الشياطين.
وهنه المعجزة جذبت كثيرين فأتوا، والسيد شفى كثيرين. وربما من لم يحصل على الشفاء، كان هذا بسبب عدم إيمانه. والشياطين إذ رأت قدرته عرفته فلم يدعهم ينطقون فهو يرفض شهادتهم. ولوقا وحده إذ هو طبيب يصف الحمى بأنها شديدة.
ونلاحظ أن بطرس لم يسأل السيد بنفسه، إنما الموجودين سألوه، وهذه الصورة محببه لدى السيد وهى تطبيق لقول يعقوب صلوا بعضكم لأجل بعض. هى صورة حية لشفاعة الأعضاء بعضها لبعض أمام رأسنا يسوع.
لماذا أسكت السيد الشياطين أن تنطق بأنه إبن الله ؟ لقد تصوُر اليهود أن المسيح أت كمخلص من الرومان، فهموا بعض الآيات كما فى المزامير مثل تحطيمهم بقضيب من حديد ( مز 9:2+ مز 6:79) بطريقة خاطئة، لذلك حرص السيد أن لا ينتشر خبر انه المسيا اولاً، حتى لايفهم الشعب أنه آتٍ ليحارب الرومان، لذلك كان يوصى تلاميذه أن لا يقولوا إنه المسيا، وأيضاً المرضى وكل الذين أخرج منهم شياطين أمرهم أن لا يقولوا لأحد، وهنا ينتهر الشياطين حتى لا تقول وتتكلم وتكشف هذه الحقيقة أمام الجموع لأن الجموع كان لها فهم سياسى وعسكرى لوظيفة المسيح. ولكن حينما أعلن بطرس أن المسيح هو إبن الله تهلل المسيح وطوب بطرس، ولكنه وجه تلاميذه للفهم الصحيح والحقيقى للخلاص وأن هذا سيتم بموته وصلبه وقيامته وليس بثورة سياسية أو عمل عسكرى ( مت 15:16-23). فالمسيح يود أن يعرف الناس حقيقته ولكن لمن له القدرة على فهم حقيقة الخلاص. وفى أواخر ايام المسيح على الأرض إبتدأ يعلن صراحة عن كونه إبن الله ( مت 63:26،64) ولكن نلاحظ أنه تدرج فى إعلان هذه الحقيقة بحسب حالة السامعين، فإن من لهُ سيعطى ويزاد (مت 12:13) فبقدر ما ينمو السامع فى إستيعاب أمور وأسرار الملكوت يرتفع التعليم ويزيد وينمو ليعطى الأكثر والأعلى، فمستوى السامع فى نموه هو الذى يحدد مستوى التعليم الذى يقدمه المسيح، أما النفس الرافضة فينقطع عنها أسرار الملكوت والحياة مع الله. الله يعطينا إذاً أن نكتشف اسراره بقدر ما نكون مستعدين لذلك.السيد أيضاً أنتهر الشياطين لعلمه بأن الشيطان مخادع، فهو اليوم يشهد للمسيح وغداً يشهد ضده فيضلل الناس لذلك أسكته حتى لا ينطقوا بأنه إبن الله.
ملحوظة:- يبدو أن المسيح كان قد إعتاد أن يأتى لبيت بطرس لتناول الطعام وأنه أتى فى هذا اليوم لهذا الغرض، بدليل أن حماة بطرس قامت واعدت الطعام وكان السيد يأخذ معهُ تلاميذه الأخصاء يوحنا ويعقوب (مر 29:1).عموماً حماة سمعان ترمز لكل نفس أصيبت بالخطية فأقعدتها عن الحركة والخدمة فجاء المسيح ليشفيها.
الآيات (35-39) + (لو42:4-44)
الآيات (مر35:1-39): "وفي الصبح باكراً جداً قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء وكان يصلي هناك. فتبعه سمعان والذين معه. ولما وجدوه قالوا له إن الجميع يطلبونك. فقال لهم لنذهب إلى القرى المجاورة لأكرز هناك أيضاً لأني لهذا خرجت. فكان يكرز في مجامعهم في كل الجليل ويخرج الشياطين."
وكان يصلي= هي علاقة النور بالشمس، هي صلة الإبن بأبيه، هي المحبة المتبادلة، وإن كان المسيح يصلي فكم وكم إحتياجنا نحن للصلاة. فبدون الصلاة أي الصلة بالله فلا سلطان لنا على إبليس. ولا حماية من الله لنا بدون علاقتنا بالله. ولاحظ أنه إذ عَلِمَ بأن الجموع تطلبه ذهب ليكرز ويخرج شياطين، فهو لم يأتي لراحته بل ليريح الناس= لأني لهذا خرجت. والمسيح لم يكتفي بمدينة واحدة بل هو يريد أن يذهب للجميع= ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر. فهو يريد أن الجميع يخلصون. فنحن نرى أن سكان كفر ناحوم حاولوا أن يمسكوه ويحتفظوا به لكنه في محبة شرح لهم أنه أتى للكل. يريد أن يحرر الكل من سلطان إبليس.
الآيات (40-45) في كتاب إنجيل متى (مت1:8-4).
(مر 40:1-45):
فآتى إليه ابرص يطلب إليه جاثيا وقائلا له أن أردت تقدر أن تطهرني. فتحنن يسوع ومد يده ولمسه وقال له أريد فاطهر. فللوقت وهو يتكلم ذهب عنه البرص وطهر. فانتهره وأرسله للوقت. وقال له انظر لا تقل لأحد شيئا بل اذهب أر نفسك للكاهن وقدم عن تطهيرك ما أمر به موسى شهادة لهم. وأما هو فخرج وأبتدأ ينادي كثيرا ويذيع الخبر حتى لم يعد يقدر أن يدخل مدينة ظاهرا بل كان خارجا في مواضع خالية وكانوا يأتون إليه من كل ناحية.
بدأ القديس مرقس معجزات المسيح بمعجزة إخراج روح نجس، فالمسيح أتى ليخلص البشرية من سلطان إبليس. ومرقس يكتب للرومان وبهذا يظهر قوة المسيح على الأرواح التى تخيف البشر. أماَ متى فإذ يكتب لليهود يبدأ بمعجزة شفاء أبرص، فاليهود يعرفون أن البرص هو ضربة غضب من الله، ولا يشفيه سوى الله. وقول المسيح له أر نفسك للكاهن، فهذا لأن هذا الشخص كان معروفاً بأنه أبرص، وكان معزولاً لا يستطيع أن يحيا وسط المجمع ويحتاج لشهادة من الكهنة بأنه قد برأ ليعود لحياته الطبيعية.تحنن= هذه هى محبة الرب يسوع. فإنتهره = هذه أتت بعد تحنن فلا نفهمها بأن السيد زجره، بل نبهه لعدم العودة للخطية.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الأول
بدء خدمة المسيح
(1) يوحنا المعمدان ومعمودية المسيح ( ع 1 - 11 ) :
ع 1 : أشار القديسان متى ولوقا إلى بعض الأحداث المتعلقة بالميلاد الجسدى للمسيح ، وأشار القديس يوحنا إلى الميلاد اللاهوتى للإبن من الآب. أما القديس مرقس ، فأخذ مدخلاً مباشراً ، بالإعلان فى أول كلماته أن كتابه هو البشارة بيسوع المسيح إبن الله ، وركّز على بدء خدمة المسيح ، دون ذكر أية أحداث تسبقها. " يسوع " : معناه الله يخلّص ، وأصلها العِبرى يهوشوع ، وتطورت إلى يشوع ، ثم " يسوع " وكان هذا إسم الرب فى تجسده. " المسيح " : أى الممسوح ملكاً ، والمخصص لخلاص وتجديد البشرية بفدائها على الصليب. " ابن الله " : أى الإسم اللاهوتى ، والدال على ألوهية الكلمة إبن الله.
ع 2 - 3 : " كما هو مكتوب " : يشير القديس مرقس إلى نبوات ( ملاخى 3 : 1 ؛ إشعياء 4. : 3 ) فى العهد القديم ، والتى أشارت إلى إرسال يوحنا المعمدان كملاك سابق للمسيح المخلّص ، يهيئ النفوس لاستقباله فى العهد الرومانى ، كان لابد أن يسبق الرؤساء أو الأشخاص البارزين من يعلن عن قدومهم فالعالم ، فى فساده ، لم يكن مستعداً لقبول المسيح ، فأرسل الله يوحنا يوبخ وينذر بالتوبة ، ليعد له الطريق. " أرسل. . . ملاكى " : التعبير الذى استخدمه ملاخى فى نبوته عن يوحنا المعمدان. " صوت صارخ " : التعبير الذى استخدمه إشعياء فى نبوته عن يوحنا المعمدان ، وتوضح صراخه فى الشر والأشرار من أجل التوبة.
ع 4 - 5 : أما العمل الذى قام به يوحنا ، فهو دعوة الناس إلى التوبة وترك الخطية. وكان اليهود من عاداتهم أن يختنوا من يهتدوا لليهودية من الأمم. وهكذا يكون يوحنا غيّر تلك العادة ، وقد استخدم المعمودية علامة وختماً لمن قدّم توبة ( والماء يرمز للغسل والطهارة ) ، وقد استجاب الشعب لنداء التوبة ، وخرجوا إليه من جميع الأماكن ، وتم عمادهم.
ع 6 : " وَبَرَ الإبل " : لباس خشن ورخيص يلبسه الفقراء ، ولبسه الأنبياء ، مثل إيليا ، ويرمز للتجرد وعدم محبة المال ورفاهيته. " مِنطقة من جلد " : كما لبسها أيضاً إيليا ( 2مل 1 : 8 ) ، وهى عبارة عن حزام جلدى عريض يشد الوسط ، ويرمز للجهاد والعمل الجاد. " يأكل جراداً وعسلاً. . . " : الجراد هو الحشرة البرية القارضة المعروفة ، ولم يكن أكله محرّماً ( لا 11 : 22 ) ، والعسل كان عسل نحل يوجد فى شقوق الصخور بالبرية. ومن الناحية الرمزية ، يمكن القول بأن الجراد يشبه اليهود الساقطين كالحشرات فى خطاياهم ، أما التوبة فتجعلهم عسلاً حلواً عند المسيح.
ع 7 - 8 : وبجانب ندائه القوى بالتوبة ، كان يكرز ويتنبأ عن قدوم المسيح. وفى اتضاع ، وضّح الفرق بينهما ، فوضع نفسه فى صورة العبد المنحنى ليحل بيده سيور حذاء سيده ، فرفع الرب هذه اليد ووضعها على رأسه عند المعمودية ، ليعلّمنا جميعاً أن الإتضاع هو الفضيلة التى ترفع الإنسان أمام الله. . . ولم ينس يوحنا أيضاً توضيح الفرق بين معمودية الماء التى ترمز للتطهير ، ومعمودية الروح القدس التى أساسها المسيح.
+ صديقى الحبيب ، لا يمكن أن نترك شخصية يوحنا دون أن نتعلم منها الكثير :
أولاً : ترك العالم المريح إلى البرية الموحشة ، التى ترمز إلى الشر ، ليُقهرَ الشر بنداء التوبة.
ثانياً : تجرّد فى أكله وشربه وملبسه ، فأعطاه الله سلاماً وقوة وشجاعة لم يعرفها العالم.
ثالثاً : بالرغم من كلامه الجرىء والقوى ، وعدم مهادنة الشر وتوبيخ الأشرار ، إلا أن الجموع خرجت إليه. فلا تخف أبداً أن تتمسك بالحق مهما كان الشر المحيط بك ، فالله هو العامل فيك وليس نحن.
ع 9 - 11 : فى الزمن المعيّن قبلاً من الله ، ذهب المسيح إلى يوحنا عند نهر الأردن ، ليعتمد نيابة عن البشرية الخاطئة ، وليس عن احتياج لتوبة أو تطهير. " ناصرة الجليل " : الجزء الشمالى من بلاد اليهودية ، وهو المكان الذى قضى فيه المسيح أيام حياته منذ عودته من مصر طفلاً ، وحتى بداية كرازته. " صاعد من الماء " : توضيح أن المسيح نزل وصعد ، ولهذا تمارس كنيستنا سر المعمودية بالتغطيس ، وليس بوضع الماء على رأس المعَمّد ، وكلمة " صاعد " تشير إلى القيامة من الخطية بالمعمودية. " السماوات قد انشقت " : صاحب معمودية المسيح إعلان من السماء ، وكان أول إعلان واضح لعقيدة الثالوث الأقدس للبشرية ، فالإبن المتجسد يصعد من الماء ، والروح القدس يأخذ شكل حمامة معلناً عن ذاته ، وها هو الآب يعلن عن علاقته الأزلية بابنه ، وأنه مصدر سروره بفدائه للبشر. ولهذا تعتبر كنيستنا عيد الغطاس عيداً سيدياً كبيراً ، وتسميه باسمه اللاهوتى " عيد الظهور الإلهى " ، لأنه الإعلان عن الثالوث الأقدس.
(2) تجربة البرية ، وبدء الكرازة ( ع 12 - 15 ) :
ع 12 - 13 : فى إشارة واضحة لقيادة الروح للإنسان المسيحى بعد المعمودية ، خرج الرب إلى برية التجارب ، ليتعلم المؤمن أن الحياة الروحية لن تخلو من الحروب ، ولكن علينا أن نغلب بالمسيح كما غلب هو الشيطان. وبالرغم من الوحوش التى ترمز إلى الشياطين فى عددها وتنوّع حروبها ، فملائكة الرب تخدم وتحفظ أولاده المجاهدين فى شخصه. وهكذا يحيط الله كنيسته بعنايته ورعايته ، التى تحفظنا وتعزينا فى تجاربنا. يلاحظ أن القديس مرقس لم يعرض لتفاصيل الحروب الروحية طوال الأربعين يوماً ، ولكن كل من متى ولوقا تكلما ، فى الأصحاح الرابع من بشارتيهما ، عن تفاصيل ثلاث منها ، كنموذج لما تعرّض له المسيح من هذه الحروب.
ع 14 - 15 : " وبعدما أُسْلِمَ " : أى بعد أن سجن هيرودس يوحنا المعمدان ، الذى كان يقاوم شره بالتوبيخ ، بدأ المسيح خدمته بالجليل شمال اليهودية ( الناصرة و كفرناحوم ) ، حيث نشأته الأولى. وفى حكمته ، لم يبدأ بأورشليم ، حتى لا يصطدم بهيرودس أو رؤساء الكهنة. " كَمَلَ الزمان " : أى جاء زمان تحقيق كل النبوات التى كُتبت عنه فى تجسده وفدائه للإنسان ( تك 49 : 10 ؛ دا 9 : 24 ). " واقترب ملكوت الله " : أى بدء الدعوة بالخلاص ، وإظهار مجد الله واضحاً ، وقد جاء المسيح الذى طال انتظاره ، وعلى الإنسان إعلان قبوله لهذه الدعوة بالتوبة والإيمان ببشارة المسيح.
+ سيدى وإلهى ومخلّصى ، لازلت تدعونى لك إبناً لأرث ملكوت الحياة ، ووضعت شرطاً لحصولى عليه ، وهو ثباتى دائماً فى التوبة. . . أرجوك يا إلهى ، أعطنى أيضاً قلباً تائباً ثابتاً فى هذه التوبة ، فأنا لا أريد أن أفقد ميراثى. . .
(3) دعوة بعض التلاميذ ، وشفاء مجنون بكفرناحوم ( ع 16 - 28 ) :
ع 16 - 18 : " بحر الجليل " : هو نفسه بحيرة طبرية وبحيرة جَنِّسَارَتَ ، ويمثل الحدود الشرقية لبلاد الجليل. " سِمعان وأندراوس " : صياديْن ، أى من بسطاء القوم ، فالله لا يريد أن ينسب نجاح الخدمة لإمكانيات الإنسان ، بل لعمله هو من خلال الخادم البسيط المتضع. وكان إسميهما يرمزان لصفات تؤهل الإنسان لخدمة الله ، " فسِمعان " معناها : " المستمع المطيع لكلمة الله " ، و " أندراوس " معناها : " رجل حقا "ً. . . أى الرجولة والجدية الروحية فى الخدمة. " هلُمَّ ورائى " : أى تبعية المسيح ، والتمثل به فى كل صفاته وتعاليمه ، فالخادم الأمين والمؤثر هو من يجعل المسيح قائد مسيرة حياته كلها ، فيأخذ منه أولاً ليعطى الآخرين ثانياً. " تركا شباكهما " : كانت إستجابتهما فورية ، وتركا ما يعطلهما عن تبعية المسيح ، وهذه الإستجابة تعنى الآتى :
+ إيمانهما بالمسيح ، + حبهما له ، + إستعدادهما لترك كل شىء من أجله.
ع 19 - 20 : يتكرر نفس الموقف مع " يعقوب " ومعنى إسمه " يتعقب " ، فى إشارة لسعى وجهاد الخادم ، و " يوحنا " معناه " الله الحنّان على خليقته ". وكما فعل سِمعان وأندراوس ، تركا أباهما فى السفينة مع الأجْرَى ، وذهبا وراءه ، فى إشارة إلى أنهما كانا من الأغنياء الذين يستخدمون الأجراء فى الصيد.
+ صديقى العزيز ، ألا تخجل معى من هؤلاء الذين تركوا كل شىء ليتبعوا النصيب الصالح ؟ فماذا نترك نحن فى هذا العالم من أجل الله ؟ فلنبدأ بأقل الأمور ، والله قادر أن يقيمنا على الأكثر بعد ذلك.
ع 21 - 22 : كانت كفرناحوم من أكبر مدن الجليل على شاطئ البحر ، والمجمع كان مكان العبادة الذى يجتمع فيه اليهود من أجل الصلاة وقراءة أسفار موسى وبعض النبوات. وكانت المجامع منتشرة فى بلاد اليهودية ، ولكن لا يوجد سوى هيكل واحد بأورشليم تقدم فيه الذبائح. " صار يعلم " : أى قرأ بعض القراءات ، ثم قام بالتفسير والوعظ. وكان تعليمه جديداً يحمل تأثيراً وسلطاناً روحياً على مستمعيه ، وليس كالكتبة الذين كانت مهمتهم تعليم الشعب ووعظه فى ذلك الزمان. " الكتبة " : ينتسبون لِعَزْرَا الكاتب ، وهو أشهر من جمع ونسخ الأسفار المقدسة بعد عودة بعض الشعب من السبى لأورشليم ، وكتب باسمه سفر عَزْرَا.
ع 23 - 25 : كان حاضراً مع الجمع فى المجمع إنساناً يسكنه الشيطان ، الذى لم يحتمل كلام المسيح ، وتعرّف على شخصه المبارك ، فصرخ بجزع عظيم : إنى أعرفك ، فأنت إبن الله القدّوس الذى بيدك وحدك سلطان إهلاكنا. " فانتهره " : أى وبخه بحزم ، وأمره بالخرس والخروج من هذا الإنسان. وهذا يوضح السلطان المطلق للسيد المسيح على مملكة الشر والشياطين كلها ، وأن المسيح لا يقبل شهادة من الشيطان حتى لو كانت صحيحة ، فلا شرِكة للنور مع الظلمة.
ع 26 - 28 : فى آخر محاولات الشيطان اليائسة ، أسقط الرجل مغشياً عليه ، ولكنه لم يملك سوى الخروج والطاعة لأمر المسيح. وكان لخروج هذا الشيطان أثراً بالغاً على المشاهدين من الجمع ، فتعجبوا متسائلين عن شخص المسيح نفسه " ما هذا ؟ " ثم تعجبوا أيضاً من أسلوب تعليمه الذى بُهِتُوا منه ولم يسمعوا مثله قبلاً ، وأخيراً دهشوا من سلطانه على الأرواح النجسة الذى لم يروا مثله قبلاً ، وهم يرون الشيطان يخرج بكلمة واحدة من فمه. وبالطبع ، كان لهذا الحدث أثراً عظيماً ، فانتشر خبره ، ليس فقط فى كفرناحوم ، بل وفى جميع القرى بمنطقة الجليل وما حولها.
(4) شفاء حماة بطرس ، والكرازة فى مدن الجليل ( ع 29 - 39 ) :
ع 29 : " بيت سِمعان وأندراوس " : خرج المسيح من المجمع ، واتجه مع الأربعة تلاميذ إلى بيت سِمعان وأخوه أندراوس ، وكان هذا البيت فى كفرناحوم ، ويرى البعض أن بيت سِمعان بطرس هو الذى كان ينزل فيه المسيح دائماً عند زيارته لكفرناحوم.
ع 30 - 31 : كانت حماة سِمعان ، التى تعيش معه ، قد أخذتها حمى شديدة. وعندما أخبروه بهذا ، تحنن عليها وأقامها ماسكاً بيدها. وفى هذا الصدد ، يقول القديس لوقا ( 4 : 39 ) " انتهر الحمى فتركتها ، وفى الحال ، قامت وصارت تخدمهم ".
+ وهذا أيها الحبيب يعلّمنا شيئين :
(1) أن نطلب من المسيح ، ليس من أجل أمراضنا فقط ، بل نصلى من أجل آلام الآخرين كما فعل أهل بيت حماة سِمعان ، وكما تعلمنا الكنيسة إذ تصلى للمرضى فى كل صلواتها.
(2) أن المرأة عند شفائها ، قدمت عرفاناً بالجميل بخدمتها للجميع. فشكر الله ليس كلاماً فقط ، بل عملاً أيضاً.
ع 32 - 34 : " . . . صار المساء ، إذ غربت. . . " : إحتراماً لوصية السبت وعدم التنقل خلاله ، إنتظر الناس حتى انقضاء السبت بغروب الشمس ، ثم اجتمعوا حول البيت ، رغبة فى شفاء مرضاهم ، أو لمشاهدة معجزات الشفاء ، وقد تم الشفاء لأعداد كبيرة ، وكذلك إخراج الأرواح النجسة. " لم يدع الشياطين. . . " : كان المسيح يفعل هكذا دائماً ، لأنه لا يقبل شهادة الشيطان له ( راجع ع 25 ).
ع 35 : " باكراً. . . خلاء " : أى فجر الأحد وقبل أن يستيقظ أحد. . . والموضع الخلاء الغرض منه ألا يراه أو يسمعه إنسان.
+ يعلمنا المسيح ويعطينا نموذجاً للصلاة الهادئة التى ينفرد فيها الإنسان بالله ، ويختلى به ليتحدث معه ويفرح بلقائه. وإذا كان المسيح يا صديقى ، وهو بلا خطية ، يصلى. . . فما أحوجنا ، نحن المثقلين بالخطايا والهموم ، إلى الوقوف أمام الله لنحصل على راحتنا ؟!
ع 36 - 38 : لغياب المسيح عن المنزل عند استيقاظ التلاميذ الأربعة ، بحثوا عنه. ولما وجدوه ، أبلغوه أن هناك العديد من الناس يطلبونه ( بكفرناحوم ). إلا أن المسيح الذى خرج من السماء من أجل الكرازة وإعلان الملكوت ، لم يدع شيئاً يعطله ، فأخبر التلاميذ بوجوب ذهابه إلى القرى المحيطة لاستكمال عمله.
+ وهنا ، نتعلم من السيد المسيح درساً مفيداً ، وهو ألا نجعل زحاماً أو إلحاحاً ينسينا أهدافنا الروحية ، فما أكثر ما سوف نقابله من معطلات. . . فلا تسمح لها أيها الحبيب أن تحوّل نظرك عن عملك الروحى أو أبديتك.
ع 39 : سُمح للمسيح فى أول الأمر بدخول مجامع اليهود فى الجليل ، ولكن فى زياراته التالية ، وبعد وشايات الكهنة ورؤساء اليهود ، مُنع من الكرازة والتعليم فى المجامع. ويلاحظ بذلك أن الإيمان به ، بعد قبول تعليمه فى المجامع كان يخرج الشياطين. . . فالإيمان دائماً يسبق الشفاء.
(5) شفاء الأبرص ( ع 40 - 45 ) :
ع 40 : جاء الإنسان الأبرص ساجداً باحترام واتضاع لشخص المسيح. وبالرغم من رجائه واحتياجه للشفاء ، إلا أنه يعلمنا درساً هاماً فى كيفية الطلب من الله ، إذ جثا قائلاً له : " إن أردت " ، أى " لتكن مشيئتك ".
+ بالرغم من ثقتنا فى قدرة الله على إجابة كل طِلْبَاتِنَا ، إلا أنه علينا تقديم مشيئة المسيح فوق احتياجنا ، لأنه يعرف الأصح والأفضل لنا.
ع 41 - 42 : " فتحنن. . . ولمسه " : يكشف لنا القديس مرقس هيئة قلب المسيح المملوء حناناً على خليقته ، فبالرغم من أن كلمة المسيح فقط كانت كافية لشفائه ، إلا أنه لمسه بيده ، وهو شعور كان هذا الرجل محروماً منه ، إذ كانت الشريعة تُحرّم لمس الأبرص لنجاسته ، فجاءت لمسة اليد حانية على هذا الجسد الذى نسى معنى أن يُرَبِّتَ عليه آخر بحنان من زمن طويل. وفى اللحظة التى قال فيها المسيح " أريد " ، ذهب عنه البرص وَطَهَرَ.
+ وهذا يعلمنا أنه عندما نشعر بالنفور نحو شخصٍ ما ، نتذكر حنان المسيح نحو الأبرص ، وحنانه علينا نحن الخطاة.
ع 43 - 44 : " فانتهره " : ليس المقصود بها زجر الرجل ، وهو المتحنن عليه ، بل تأتى بمعنى ألزمه بعدم العودة للخطية التى كانت سبباً لمرضه ، وكذلك ألزمه بالذهاب للكاهن الذى ، بحسب الشريعة ، يفحص ويعلن شفائه ، ويقبل الذبائح التى عليه تقديمها. ويلاحظ هنا أنه بالرغم من إتمام الشفاء ، إلا أن المسيح احترم النظام الذى وضعه الله ، ودور الكاهن فى ذلك ، كما جاء فى سفر اللاويين ( ص 13 ، 14 ) ، أنه عندما يُشفْى الأبرص ، كان عليه الذهاب للكاهن للفحص ، ثم يقدم ذبيحة شكر فى الهيكل. وبالمثل ، يمكننا القول أن هذا ما يحدث فى سر التوبة والإعتراف ، فالإنسان يتقدم للمسيح جاثياً ومقراً بخطاياه ، فيقول له : أرفعها عنك. ولكن ، إذهب وأرِ نفسك للكاهن ، وقدّم هناك ذبيحة إعترافك. " لا تقل لأحد " : أى لا تتباهى بشفائك ، مدعياً أن صلاحك كان سبباً له ، بل حافظ على اتضاعك.
+ ليتنا يا أخى الحبيب نتعلم أن نحيط معاملات الله الخاصة معنا بشىء من الحرص والكتمان ، لئلا نصاب بالزهو والغرور. . . واجعل مرجعك فى هذا أب اعترافك.
ع 45 : لكن الرجل ، بسبب فرحه الشديد وانفعاله ، أذاع خبر شفائه فى كل الأماكن ، حتى انتشرت شهرة الرب يسوع فى البلاد المحيطة ، ولم يستطع دخولها من الزحام ، فبقى فى الخلاء ليستطيع الكل مقابلته.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح