كلمة منفعة
يوجد في حياة الفضيلة مستويات، نذكر من بينها:المستوى الروحي، والمستوى الاجتماعي.
— مستويان: الروحي والاجتماعي
إنجيل لوقا 5
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا لوقا - الاصحاح رقم 5
انجيل معلمنا لوقا
الإصحاح رقم 5
الباب الثالث :
صديقنا يشعر بآلامنا
الأصحاح الخامس :
يسوع يسند المُتعبين
انطلق السيِّد المسيح في خدمته يسند المُتعبين، فيملأ شباك من تعبوا الليل كله بلا صيْد، ويطهِّر إنسانًا مملوءًا برصًا، ويصحِّح الأفكار الداخليّة للفرِّيسيِّين ومعلِّمي الناموس، ويجتذب العشّارين من مكان الجباية، ويُعلن عن الحياة الجديدة التي يهبها لتلاميذه. إنه يسند كل من يقبَله، يهبْه ثمرًا وطهارةً وتقديسًا للفكر والسلوك خلال الحياة الجديدة.
1. صيد السمك 1-11.
2. تطهير أبرص 12-16.
3. شفاء المفلوج 17-26.
4. دعوة لاوي العشّار 27-32.
5. الإعلان عن الخمر الجديدة 33-39.
1. صيد السمك
في دراستنا لإنجيليّ القدِّيسين متّى (4: 18) ومرقس (1: 16-20) رأينا السيِّد المسيح في اختياره للتلاميذ يبدأ بهؤلاء الرجال الأربعة صيَّادي السمك الأممين: سمعان بطرس ممثِّل صخرة الإيمان، وأندراوس ممثِّل الجِدِّية والرجولة، ويعقوب ممثِّل الجهاد والتعقب المستمر، ويوحنا ممثِّل حنان الله ونعمته. اختارهم السيِّد ليكرزوا، لا بفلسفة العالم وحكمة هذا الدهر، وإنما بنعمة الله العاملة فيهم. قلنا أن هؤلاء الأربعة يمثِّلون الفرس الحاملة للكنيسة كمركبة الله المنطلقة نحو السماء، ألا وهي الإيمان مع الجدية، والجهاد المرتبط بنعمة الله وحنانه.
ورأينا أنه على ما يبدو أن هؤلاء الرجال كانوا في البداية يتبعون السيِّد، لكنهم على فترات متقطِّعة خلالها يعودون للصيد حتى صدر الأمر لهم نهائيًا بتبعيَّته، فتركوا كل شيء وتبعوه.
على أي الأحوال يقدِّم لنا معلِّمنا لوقا البشير لقاء السيِّد معهم وهم في غاية الإرهاق النفسي والجسدي، فقد تعبوا الليل كله ولم يأخذوا شيِّئًا [5]، وكأنه قد صدر أمرًا فائقًا ألا تدخل سمكة واحدة في شباك السفينتين طوال الليل حتى يأتي شمس البرّ، ربنا يسوع، ويدخل سفينة منهما، ويصدر أمره بالدخول إلى العمق في وسط النهار لتلقى شبكة كفيلة بصيدها أن تملاْ السفينتين.
إن تتبعنا هذا الحدّث كما ورد في إنجيل لوقا ندرك الآتي:
أولاً: "رأي سفينتين واقفتين عند البحيرة والصيَّادون قد خرجوا منهما وغسلوا الشباك" [2].
يقول القدِّيس أغسطينوس: [كان يوجد سفينتان، منهما دُعي تلاميذه (الأربعة)، وهما تشيران إلى الشعبين عندما ألقوا شباكهم وجاءوا بصيدٍ كثيرٍ، بسمكٍ كثيرٍ جدًا حتى كادت الشباك تتخرَّق... تشير السفينتان إلى كنيسة واحدة من شعبين اتَّحدا معًا في المسيح بالرغم من أنهما من مصدرين مختلفين. عن هذا الأمر نجد زوجتين لهما رجل واحد هو يعقوب، وأما هما فليئة وراحيل كانتا رمزين (تك 29: 23، 28). وأيضًا لذات السبب وُجد أعميان كرمزين، جلسا بجوار الطريق وهبهما السيِّد البصيرة (مت 20: 3). وإن تأمَّلت في الكتاب المقدَّس تجد الكنيستين اللتين هما بالحقيقة كنيسة واحدة قد رُمز إليهما في مواضعٍ كثيرةٍ، جاء لخدمتهما حجر الزاويّة (يربطهما معًا) ويجعلهما واحدًا.]
ثانيًا: غسل الرجال شباكهم إذا انقضى الليل كله بلا صيد، فيبقون نهارهم في مرارة ليعاودوا الصيد من جديد في الليلة الجديدة، ولم يدرك هؤلاء الصيَّادون أن فشلهم هذا كان بسماحٍ من الله لأجل نجاح أبدي وزمني أيضًا. فإنَّ كانت السفينتان قد فرغتا تمامًا من السمك، إنما لكي لا ينشغل الصيَّادون بجمعه وفرزه وبيعه بل يستقبلون السيِّد في السفينة ليستخدمها منبرًا للتعليم، يصطاد خلاله الصيَّادين وجمهورًا من الشعب، وعندئذ لا يحرمهم حتى من السمك، إذ يسألهم أن يلقوا شباكهم للصيد فتمتلئ السفينتان حتى أخذتا في الغرق.
حينما تُغلق الأبواب في وجوهنا ونظن أن حظنا سيئ، هذا التعبير الذي لا يليق بالمؤمن، فلننفتح بالقلب أمام السيِّد ونقدِّم له سفينة حياتنا يدبرها حسب مشيئته الصالحة، فيردّ لنا "بهجة خلاصنا"، مقدِّّما لنا ثمارًا روحيّة دون حرمان حتى من ضرورات الحياة الزمنيّة.
ثالثًا: اختبر التلاميذ لذَّة صيد السمك، الأمر الذي يعرفه هواة الصيد، والآن يرفعهم إلى لذَّة أعمق، وهي لذَّة صيد النفوس ليخرجوها من بحر هذا العالم فتعيش؛ هذه الخبرة ما كان يمكنهم أن يتذوقوها ما لم يصطادهم السيِّد نفسه في شبكته ويدخل بهم إلى سفينته، الكنيسة المقدَّسة. في هذا يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [فلنمدح الطريقة التي أصبح بها التلاميذ صيَّادي العالم قاطبة، خاضعين للمسيح خالق السماوات والأرض، فبالرغم من أنه طُلب من تلاميذ المسيح أن يصطادوا الشعوب الأخرى، فقد وقعوا في شبكة المسيح المطمئنة، حتى إذا ما ألقوا بدورهم شباكهم أتوا بجماهير المؤمنين إلى حظيرة المسيح الحقيقيّة. ولقد تنبَّأ أحد الأنبياء القدِّيسين بذلك، إذ ورد: "هأنذا أرسل إلى جزَّافين كثيرين يقول الرب، فيصطادونهم ثم بعد أرسل إلى كثيرين من القانصين فيقتنصونهم" (إر 16: 16). ويراد بالجزافين في الآية السابقة الرسل الأطهار وتشير كلمة "القانصين" إلى ولاة الكنائس ومعلميه.]
يقول القدِّيس أمبروسيوس: [ما هي شباك الرسول التي أُمر بإلقائها في العمق إلا العظة وقوّة الحجة التي لا تسمح بهروب من اقتنصتهم؟! من الجميل أن تكون الشباك هي الأدوات التي يستخدمها التلاميذ، هذه التي لا تُهلك من تصطادهم بل تحفظهم وتخرجهم من الهاويّة إلى النور، وترتفع بمن في الأعماق إلى المرتفعات العاليّة.]
هذه الخبرة عاشها معلِّمنا بولس الرسول الذي اصطادته شبكة مراحم الرب فلا يكف عن إلقاء الشبكة ليصطاد هو بنعمة الله، إذ يقول: "لنا هذه الخدمة كما رُحمنا لا نفشل" (2 كو 4: 1).
رابعًا: صدر الأمر الإلهي: "ابعد إلى العمق، والقوا شباككم للصيد" [4].
لو أن هذا الأمر قد صدر من إنسان عادي لحسبه الصيَّادون تجريحًا لكرامتهم إذ هم أصحاب خبرة في الصيد لسنوات طويلة، ويعلمون أن الصيد يكون بالأكثر في الليل، ويكاد ينقطع في الظهيرة، كما أن الصيد يكون على الشاطئ لا في الأعماق!
كانت إجابة سمعان تحمل نغمتين: نغمة الخبرة البشريّة القديمة بما حملته من فشل ويأس، ونغمة جديدة تفصلها عن السابقة كلمة "ولكن"، إذ يدخل من الخبرة البشريّة البحتة إلى خبرة الإيمان بكلمة الرب الفعّالة.
لاحظ القدِّيس أغسطينوس أن السيِّد المسيح لم يقل للصيَّادين أن يلقوا شباكهم على الجانب الأيمن ليدخل فيها الصالحون وحدهم ولا الأيسر ليدخلها الأردياء إنما يلقونها في الأعماق لتحمل الاثنين معًا، فالدعوة موجهة للجميع أن يدخلوا شباك الكنيسة لعلهم يتمتَّعون بالحياة الإنجيليّة. كما لاحظ أن الصيَّادين لم يأتوا بالسمك إلى الشاطئ بل فرغوا الشباك في السفينتين، إذ أراد أن ينعم الكل بالحياة داخل الكنيسة لا خارجها.
خامسًا: "فأجاب سمعان، وقال له: يا معلم قد تعبنا الليل كله ولم نأخذ شيِّئًا، ولكن على كلمتك ألقى الشبكة" [5]. لقد حسب الرسول بطرس أن ما يمارسه الإنسان من جهاد في الخدمة دون الاتكال على الله والتمسك بكلمة الرب ومواعيده تعبًا خلال ظلمة الليل بلا ثمر، لكن على كلمة الرب يلقي الإنسان شباكه فيأتي بالثمر. في هذا يقول القدِّيس أمبروسيوس على لسان سمعان بطرس: [أنا أيضًا يا رب أعلم تمامًا أن ظلام (الليل) يكتنفني عندما لا تكون أنت قائدي، فيحيط بي الظلام عندما ألقى ببذار الكلمة الباطلة (التي من عندي).]
يكمل القدِّيس أمبروسيوس حديثه معلنًا أن جهاد سمعان بطرس طول الليل الذي بلا ثمر يمثِّل من يكرز ببلاغة بشريّة وفلسفات مجردة، لذا صارت الحاجة ملحة أن تكون الكرازة في النهار حيث يشرق المسيح شمس البرّ مقدَّمًا كلمته الفعّالة التي تملأ شباك الكنيسة بالسمك الحيّ، إذ يقول: [لم يصطادوا شيِّئًا حتى الآن، لكن على كلمة الله نالوا سمكًا كثيرًا جدًا، ليس هو ثمرة البلاغة البشريّة بل من فعل بذار السماء. لنترك إذن الإقناع البشري ولنتمسك بعمل الإيمان الذي به تؤمن الشعوب.]
سادسًا: الصيد الكثير :"ولما فعلوا ذلك أمسكوا سمكًا كثيرًا جدًا فصارت شباكهم تتخرق. فأشاروا إلى شركائهم الذين في السفينة الأخرى أن يأتوا ويساعدهم، فأتوا وملأوا السفينتين حتى أخذتا في الغرق" [6-7]. اعتدنا في السيِّد المسيح يصنع المعجزات ترفَّقا بمريضٍ أو تحننًا على من ساده روح شرير، أو يقيم إنسانًا لأرملة متألّمة، أو ليشبع الجموع الجائعة. لكن هذه المعجزة جاءت، لا لتشبع احتياجًا جسديًا أو تُعلن ترفَّقا بنفس محطَّمة، وإنما تعلن عن عمل السيِّد المسيح في كنيسته القادمة من اليهود والأمم ليملأها بالسمك المتمتَّع بالحياة.
في دراستنا للرموز رأينا "السمكة" ترمز للسيِّد المسيح نفسه كما ترمز لمؤمنيه، وكأن الكنيسة تمتلئ بالمختارين، السمك الذي يعيش دومًا في مياه المعموديّة ملتصقًا بالسمكة واهبة الحياة!
يعلّق القدِّيس كيرلس الكبير على هذا الصيد الكثير، بالقول:
]امتلأت شباكهم سمكًا عن طريق المعجزة، وذلك ليثق التلاميذ بأن عملهم التبشيري لا يضيع سدى وهم يلقون شباكهم على جمهور الوثنيِّين والضالين. ولكن لاحظوا عجز سمعان ورفاقه عن جذب الشبكة، فوقفوا مبهوتين مذعورين صامتين، وأشاروا بأيديهم إلى إخوانهم على الشاطئ ليمدوا إليهم يد المساعدة. ومعنى ذلك أن كثيرين ساعدوا الرسل القدِّيسين في ميدان عملهم التبشيري، ولا زالوا يعملون بجدٍ ونشاط وخصوصًا في استيعاب معاني آيات الإنجيل الساميّة، بينما آخرون من معلمي الشعب ورعاته وولاته برزوا في فهم تعاليم الحق الصحيحة. لا زالت الشبكة مطروحة والمسيح يملأها بمن يخدمه من أولئك الغارقين في بحار العالم العاصفة والثائرة، فقد ورد في المزامير: "نجني من الطين فلا أغرق، نجني من مبغضي ومن أعماق المياه" (مز 69: 14).]
سابعًا: استجابة بطرس للعمل الإلهي
رأى معلِّمنا بطرس الرسول الصيد الكثير، فلم يهتم بالصيد في ذاته، إنما بالأكثر استنارت أعماقه منجذبًا لشخص المسيَّا صاحب السلطان على السماء والأرض والبحار (مز 8: 8)، فسجد له على ركبتيه، وشعر بمهابة تملأ أعماقه مكتشفًا خطاياه الداخليّة أمام رب السماء والأرض، فصرخ، قائلاً: "أخرج من سفينتي يا رب، لأني رجل خاطئ" [8]. لم يقوَ على إدراك هذا النور الفائق، وشعر بالعجز عن الدنو من هذا القدِّوس معترفًا بخطاياه.
لقد صرخ "أخرج من سفينتي" إحساسًا بالمهابة الشديدة، فاستحق في تواضعه وإدراكه لضعفه أن يدخل الرب أعماق قلبه ويقيم فيه مملكته! وكما يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [ليس شيء مقبولاً لدى الله مثل أن يحسب الإنسان نفسه آخر الكل. هذا هو الأساس الأول لكل الحكمة العمليّة.[
لم يكن تواضع بطرس الرسول كلامًا أو عاطفة بل هو تفاعل مع العمل الحيّ الإيجابي، إذ قيل عنه وعن زملائه: "ولما جاءوا بالسفينتين إلى البر، تركوا كل شيء وتبعوه" [11]... تركوا كل شيء ليكرَّسوا كل القلب لمن أحبوه، بالعبادة الحقيقية والكرازة. وكأن التواضع ليس مجرد شعور بالضعف، إنما هو الارتماء في حضن العريس السماوي ليعيش الإنسان بكل قلبه وطاقاته لحساب العريس وبإمكانيَّاته.
ويعلّق القدِّيس يوحنا الذهبي الفم على هذا الترك بالقول: [اخبرني أي شيء عظيم تركه بطرس؟ أليست مجرد شبكة ممزقة (5: 11) وعصا وصنارة؟! ومع ذلك فقد فتح له الرب بيوت العالم، وبسط أمامه الأرض والبحر، ودعاه الكل إلى ممتلكاتهم، بل باعوا ما كان لهم ووضعوه عند قدَّميه وليس حتى في يديه[.
ويعلّق القدِّيس أمبروسيوس على تواضع بطرس هذا الممتزج بالعمل والترك، فيقول: [تعجب بطرس من البركات الإلهيّة التي تدفقت عليه، فكلما أخذ ازداد انسحاقًا. وأنت أيضًا قل: "أخرج يا رب من سفينتي، لأني رجل خاطئ" فيجيبك المسيح: "لا تخف". اعترف للرب الذي يغفر لك خطاياك. لا تتردّد في أن ترد إليه مالك (أترك كل شيء) لأنه هو أيضًا وهبك ما له... تأمَّل محبَّة الله التي وهبت الإنسان السلطان ليأخذ الحياة.]
2. تطهير أبرص
إن كان السيِّد المسيح كصديقٍ للبشريّة جاء إلينا نحن الذين تعبنا الليل كله بلا صيد فوهبنا بكلمته صيدًا كثيرًا جدًا قادمًا من الأعماق يملأ السفينتين، أي الروح والجسد، فنحمل، لا سمكًا ماديًا، بل ثمرًا روحيًا متكاثرًا للروح والجسد معًا، الآن نراه يمد يده بلا استنكاف ليشفي رجلاً أبرصًا يخشى الكل من لمسه أو لمس ثيابه أو متاعه لئلا يتنجسوا حسب الشريعة (لا 13).
سبق لنا فرأينا في دراستنا لإنجيل متى (أصحاح 8) وإنجيل مرقس (الأصحاح الأول) أن هذا الأبرص يمثِّل صورة صادقة لمن يقدِّم صلاة حقيقيّة، فينعم بلمسة يدّي سيِّده ليطهر، كما رأينا الأسباب التي لأجلها أرسله السيِّد إلى الكاهن ليقدِّم القربان حسب ناموس موسى؛ ورأينا في دراستنا لسفر اللاويِّين (أصحاح 14) المفاهيم الحقيقيّة لطقس تطهير الأبرص.
يرى القدِّيس أمبروسيوس في تطهير الأبرص رمزًا لتطهير البشريّة المؤمنة التي لم يشمئز السيِّد من لمسها: [لم يطهر الرب أبرصًا واحدًا بل جميع الذين قال لهم: "أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به" (15: 2). إن كان تطهير الأبرص قد تم بكلمة الرب، فإنَّ احتقار كلمة الرب هو البرص الذي يصيب الروح.]
ويعلّق على لمس السيِّد المسيح للأبرص عند شفائه، هكذا: [لمسه لا لأنه لا يقدر أن يشفيه (بدون اللمس) بل ليثبت أنه ليس أسير الناموس، وأنه لا يخشى انتقال العدوى، إذ لا يمكن أن تمسك به.]
في الوقت الذي فيه لمس الأبرص دون أن يخشى نجاسة البرص (حسب الشريعة)، إذا به يطالب الأبرص أن يتمم ما جاء في الناموس بعد شفائه ليعلن أنه ليس بكاسرٍ للناموس.
يحدّثنا العلامة ترتليان عن إرسال السيِّد المسيح الأبرص للكاهن في طاعة للناموس، قائلاً: [إذ كان يجحد كل مجد بشري أمره ألا يخبر أحدًا عن الشفاء، لكن لأجل تكريم الشريعة سأله أن يسلك ما هو متبع فيها... فقد أراد أن تتم العلاقة الرمزيّة للشريعة من أجل دورها النبوي. هذه الرموز تعني أن الإنسان الذي كان خاطئًا وقد تطّهر من الأدناس بكلمة الله يلتزم بتقديم تقدَّمه لله في الهيكل، أي صلاة وشكر في الكنيسة بالمسيح يسوع الذي هو كاهن الآب المسكوني. لقد أضاف: "شهادة لهم"، فإنَّه بهذا شهد أنه لم يكن محطَّما للناموس بل مكملاً له، وبه أيضًا يشهد أنه ذاك الذي سبق فتُنبىء عنه أنه يحمل أمراضنا وضعفاتنا[.
ويقول القدِّيس أمبروسيوس: [يأمر الناموس بأن يتقدَّم الأبرص للكاهن لا ليقدِّم ذبيحة خارجيّة، بل يقدِّم نفسه لله ذبيحة روحيّة، فتُمحى نجاسات أعماله السابقة، ويصير مكرَّسا للرب كذبيحة مرضيّة..."فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدِّموا أجسادكم ذبيحة حيّة مقدَّسة مرضيّة عند الله" (رو 12: 1).]
إن كان الأبرص قد التجأ بالصلاة والطلبة إلى السيِّد المسيح لينعم بالطهارة، فالإنجيلي لوقا يود أن يسحبنا من حين إلى آخر لحياة الصلاة كينبوع للحياة المقدَّسة، مقدَّما لنا السيِّد المسيح نفسه، ممثِّلنا ونائبنا، مصليًا... وهو قابل الصلوات، إذ يقول: "وأما هو فكان يعتزل في البراري ويصلي" [16].
مع أن الجموع كانت عطشى للقاء معه، وكثيرون تمتَّعوا بالشفاء خلال التلامس معه أو سماع كلمة من فيه، لكنه كان "يعتزل ليصلي" ليعلن عن حاجتنا إلى الحياة العاملة المتأمَّلة بلا انفصال. بالحب يتسع قلبنا للعمل لحساب إخوتنا وبذات الحب نلتقي مع الله سريًا لننعم بعمله فينا. بمعنى آخر لا انفصال بين العمل والتأمَّل، الكرازة أو الخدمة والعبادة!
يعلّق القدِّيس كبريانوس على صلاة السيِّد المسيح، قائلاً:
[إن كان الذي بلا خطيّة صلى فكم بالأكثر - يليق بالخطاة أن يصلوا؟! وإن كان السيِّد يصلي على الدوام ساهرًا الليل كله بطلبات غير منقطعة فكم بالحري يليق بنا أن نسهر نحن كل ليل في صلاة مستمرَّة متكررة؟!
لا يصلى الرب أو يطلب عن نفسه، إذ ماذا يطلب ذاك الذي بلا خطيّة؟! إنه يطلب عن خطايانا كما أعلن عندما قال لبطرس: "... طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك" ( لو22: 31).]
[إن كان قد تعب وسهر وصلى من أجلنا ومن أجل خطايانا، فكم بالحري يلزمنا نحن أن نصلي على الدوام، نصلي ونتوسل إلى الرب نفسه وخلاله لنرضي الآب. لنا الرب يسوع المسيح إلهنا محامٍ وشفيع من أجل خطايانا، إن كنا نتوب عن خطايانا الماضيّة ونعترف مدركين خطايانا التي بها عصينا الرب، وننشغل بالسلوك في طرقه ومخافة وصإيَّاه.]
3. شفاء المفلوج
الآن إذ يجتمع السيِّد المسيح في بيت وقد أحاط به فرِّيسيون ومعلمو الناموس جاءوا من كل قريّة من الجليل واليهوديّة وأورشليم [17]، كان يعلمهم. وإذ رأى مفلوجًا يدليه أربعة رجال من السقف قطع حديثه ليهب غفرانًا للمفلوج وشفاءً لجسده، وكأنه في صداقته معنا لا يحب التعليم في ذاته كما يحدّث في كثير من المعلمين، وإنما يطلب راحة البشريّة على صعيد الروح والجسد معًا.
سبق لنا الحديث عن هذا المفلوج من واقع كتابات بعض الآباء (إنجيل متى 9، مرقس 2)، ولذا أود الكتابة هنا في شيء من الإيجاز.
تمَّت هذه المعجزة في مدينة السيِّد، أي "كفرناحوم" (مر 2: 1)، أي كفر النياح أو الراحة، لأنه حيث يوجد السيِّد المسيح حالاً في موضع يهب نياحًا للنفس كما للجسد.
اجتمع به جماعة من الفرِّيسيين. "والفرِّيسيون" كلمة آراميّة معناها "المفروزون"، لكن للأسف فرزوا أنفسهم عن عامة الشعب لا لخدمتهم في الرب، بل ليعيشوا في أرستقراطيّة دينيّة عمادها العجرفة والكبرياء؛ هذا هو داءهم الذي أفسد حياتهم وحجبهم عن اللقاء الحقيقي مع السيِّد المسيح بالرغم من صحة عقيدتهم. أما معلمو الناموس فهم "الحاخامات" الذين ركزوا اهتمامهم على "التلمود"، يعيشون في حرفيّة قاتلة.
جاء الفرِّيسيون والحاخامات يتكئون في عجرفة على معلوماتهم الدينيّة وحكمتهم البشريّة، أما ربنا يسوع فكان في وسطهم يعلم ويشفي بقوّة وسلطان!
إذ كان الجمع يزحم البيت انطلق الرجال حاملو المفلوج على السلم الخارجي للبيت حتى بلغوا السطح، فكشفوه ودلوا المريض مع الفراش من بين الأجر إلى الوسط قدام يسوع [19]. وإذ كشفوا السطح بنزع الأجر (الطوب) دلوا المريض في الوسط أمام السيِّد المسيح. وكأنهم يمثِّلون الكنيسة بكل طغماتها وأعضائها (أساقفة - قسوس - شمامسة - شعب)، ينزعون الأجر أي الفكر الترابي والارتباكات الأرضيّة ليكشفوا السقف، فيروا السيِّد جالسًا كما في المساء يهب بركاته بلا حدود.
لم يحتمل الفرِّيسيون أن يروا هذا المنظر. الكنيسة متمثِّلة في هؤلاء الرجال يقدِّمون المفلوج ليسوع دونهم، فأحسوا بانهيار سلطانهم وفقدانهم الكرامة، لذا أرادوا اصطياد خطأ للسيِّد. فلما قال للمفلوج: "مغفورة لك خطاياك" اتهموه بالتجديف، وقد إهتم السيِّد لا بإفحامهم فحسب، إنما بالإعلان عن نفسه، لعلهم يقبلونه ويؤمنون به.
وإذ سبق لنا عرض الكثير من كتابات الآباء في أمر هذا المفلوج (مت 9؛ مر 2) أكتفي هنا بالمقتطفات التاليّة:
+ إذ قال المسيح للمفلوج: "أيها الإنسان مغفورة لك خطاياك" قصد السيِّد بذلك أن يخاطب الإنسانيّة بأسرها، كل الذين يؤمنون بالمسيح تُشفى نفوسهم من أسقام الخطيّة وتُغفر لهم آثامهم التي ارتكبوها، وبعبارة أخرى يخاطب المسيح المفلوج قائلاً: لابد وأن أشفي روحك قبل جسدك، أما إذا لم أقم بذلك فإنَّك بقوّة الجسم تمشي على قدَّميك وتعود إلى حياة الإثم والرذيلة، ولو أنك لم تطلب أيها المريض شفاء الروح، فإنَّي أنا إله ورب أرى أمراض النفس وأسقامها، وكيف أتت بك إلى هذا المرض الوبيل.
ولما كان هناك جمع كبير من الكتبة والفرِّيسيين وكان لابد من صنع آيّة لتعليمهم، نظرًا لامتهانهم السيِّد فإنَّ المسيح قام بعمل فائق غريب.
انطرح أمام المسيح على فراش المرض رجل أنهكه الفالج وأعياه ولم ينفع فيه علاج أو دواء واعترف نفس الأطباء بقصورهم عن شفاء رجل دكه المرض دكًا، فيئس أقاربه منه، إلا أنهم رأوا إشعاع الأمل يبدو عن كثب، فأسرعوا إلى حيث المسيح الطبيب العظيم الذي أتى من فوق من السماء، وقدَّموا له مريضهم، وقبل المسيح إيمانه، فبدد الإيمان سحابة المرض، إذ أن المسيح يخاطب المفلوج بالعبارة المشهورة: "مغفورة لك خطاياك".
قد يسأل إنسان: "كان المفلوج في حاجة إلى شفاء جسمه، فلماذا يعلن المسيح له مغفرة الخطايا؟" ليعلمنا بأن الله يشاهد سكون أعمال الإنسان ويرى الطريق الذي يسلكه في حياته، إذ أنه مكتوب "لأن طرق الإنسان أمام عيني الرب وهو يزن كل سبله" (أم 5: 21). ولما كان الله صالحًا ويريد أن كل الناس يخلصون وإلى معرفته يقبلون، فكثيرًا ما يطهر الإنسان الذي يرتكب الإثم والشر بتعذيب جسمه بمرض ينهكه داء يقعده، على حد قول الوحيّ: "تأدبي يا أورشليم... أمامي دائمًا مرض وضرب" (إر 6: 8). وورد في سفر الأمثال: "يا ابني لا تحتقر تأديب الرب ولا تكره توبيخه، لأن الذي يحبه الرب يؤدبه وكأب بابن يُسّر به" (أم 3: 10). فحسنًا يعلن المسيح محو الخطايا والآثام فإنَّ في هذه جميعها منبع المرض وجرثومة الداء، فإذا ما مُحيت الخطيّة شُفي الإنسان من مرض الجسم الذي اتصل بها واستبشعها.
"فابتدأ الكتبة والفرِّيسيون يفكرون قائلين: من هذا الذي يتكلَّم بتجاديف" [21].
أعلن المسيح (كما أشرنا إلى ذلك آنفًا) مغفرة الخطايا بسلطان إلهي، ولكن هذا الإعلان أثار الفرِّيسيين وكانوا طغمة جهل وحسد، فتخاطبوا فيما بينهم: "من هذا الذي يتكلَّم بتجاديف؟"
ما كان يمكنكم أن تسألوا أيها الفرِّيسيون هذا السؤال لو كنتم وقفتم على معاني الأسفار المقدَّسة، وطالعتم نبوات الكتاب المقدَّس، وفهمتم سّر التجسد العظيم القدر والفائق الوصف. فبدلاً من درس النبوات اتهمتم السيِّد برذيلة التجديف وحكمتم عليه بالموت، لأن شريعة موسى أعدمت كل إباحي مجدّف، فقد ورد: "ومن جدف على اسم الرب فإنَّه يقتل" (لا 24: 16).
خاطب المسيح الفرِّيسيين قائلاً: "ماذا تفكرون في قلوبكم" [23]، والمعنى الصريح من هذه العبارة "إنكم أيها الفرِّيسيون تعترفون بأنه لا يمكن لغير الله غفران الخطايا؟ ولكن اعلموا أيضًا أنه لا يمكن لغير الله معرفة ما يدور في خلد الإنسان فهو وحده الذي يكشف عن أعماق القلب فيقف على أسراره ونيَّاته، إذ ورد على لسان النبوَّة "أنا الرب فاحص القلب مختبر الكلى" (إر 17: 10)، ويشير داود إلى ذلك بالقول: "المصور قلوبهم جميعًا المنتبه إلى كل أعمالهم" (مز 33: 15)، فالله الذي يصور القلوب والكلى هو الله الذي يغفر الخطيّة والإثم.
"ولكن لكي تعلَّموا أن لابن الإنسان سلطانًا" [24].
حتى يبدد المسيح سحابة الشك والريب التي تظلل بها الكتبة والفرِّيسيون، لم يغفر السيِّد خطايا الرجل المفلوج فحسب لأن الإنسان يعجز عن رؤيّة الخطايا المغفورة بعيني رأسه، بل أمر المرض فزال عن جسم المفلوج، فقام الرجل يمشي سليمًا صحيحًا، مشيرًا إلى عظمة القوّة الإلهيّة التي شفته من مرضه. فلم يؤجل كلمات المسيح للمفلوج: "قم وأحمل فراشك واذهب إلى بيتك" [25]، فقد قام الرجل لساعته وعاد إلى بيته سليمًا معافي. حقا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا.
ولكن إلى من تشير هذه الآية؟ هل تكلَّم المسيح عن نفسه أو عنا؟ الواقع أن هذه الآية تطلق على المسيح وعلينا، لأن السيِّد يغفر الخطايا بصفته الإله المتجسد رب الناموس وواضعه، وقد تسلمنا نحن هذه القوّة الفائقة، وذلك بتتويج طبيعة الإنسان بشرفٍ عظيم القدر، حيث خاطب المسيح رسله المقدَّسين بالقول "الحق أقول لكم أن كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء" (مت 18: 18)، وورد في موضع آخر "من غفرتم خطاياه تغفر له ومن أمسكتم خطاياه أمسكت" (يو 20: 23).
القدِّيس كيرلس الكبير
+ "فلما رأي إيمانهم" [20]. عظيم هو الرب الذي يغفر للبعض من أجل طلبة الآخرين، ويقبل تضرعات البعض من أجل غفران خطايا الغير!...
خادم الله له الحق أن يطلب عنك، وله دالة فُيستجاب له!...
تعلَّم أيها المريض كيف تتضرع، وإن كنت لا ترجو غفرانًا لخطاياك فالجأ لمن يشفع عنك، إلى الكنيسة التي تصلي من أجلك، ومن أجلها يهبك الرب الغفران...
القدِّيس أمبروسيوس
+ يقول البعض بأن هذا الرجل قد شُفي لمجرد إيمان الحاملين له، ولكن هذه ليست الحقيقة، لأن القول: "فلما رأى يسوع إيمانهم" لا يشير إلى إيمانهم وحدهم بل وإيمان الذي كان يحملونه، لماذا؟
تقول: ألم يشِف أحدًا لأجل إيمان آخر؟ في رأيي ما أظن هذا إلا في حالة عدم نضج السن (القاصر) أو الضعف الشديد لدرجة عدم القدرة على الإيمان...
لا تصغي بلا اهتمام إلى العبارة القائلة أنهم دلوه من السقف، بل تأمَّل كيف أن مريضًا يمكن أن يكون له الثبات على مكابدة إنزاله مدليًا من السقف. أنت تعلَّم أن المرضى قلوبهم واهيّة حتى أنهم غالبًا ما يرفضون المعاملة التي يلاقونها وهم على أسرة مرضهم، غير راغبين في احتمال آلام العلاج، مفضَّلين احتمال آلام المرض عنها. أما هذا الرجل فكان له من العزم أن يخرج من المنزل، ويُحمل وسط السوق، ويصير منظرًا وسط الجماهير، مع أنه عادة يُفضَّل المرضى الموت على أسرة مرضهم عن أن تنفضح مصائبهم الخاصة. هذا المريض لم يفعل هذا فحسب، بل وعندما رأى أن مكان الاجتماع مزدحم والمقتربين متكتلين وميناء الأمان معاق خضع للتدليّة من السقف... لقد نظر أنها كرامة له أن يشهد كثيرون شفاءه.
ونحن نتفطن إلى إيمانه لا من هذا فحسب، بل ومن كلمات السيِّد المسيح أيضًا، لأنه بعدما ألقوا به وقدَّموه للسيِّد، قال له: "ثق يا بني مغفورة لك خطاياك". وعندما سمع هذه الكلمة لم يغتظ ولا تذمر، ولا قال للطبيب: ماذا تقصد بهذه الكلمات؟ أنا أتيت لتشفيني من شيء، وها أنت تشفيني من شيء آخر... إنه لم يفكر في هذا ولا نطق به، بل انتظر تاركًا للطبيب أن يتبنى طريقة الشفاء التي يريدها.
لهذا السبب أيضًا لم يذهب السيِّد المسيح إليه، بل انتظره حتى يأتي إليه، لكي يعلن إيمانه أمام الجميع.
القدِّيس يوحنا الذهبي الفم
+ لماذا لم يقدِّم للمفلوج الشفاء بل قال له: "ثق يا بني مغفورة لك خطاياك"؟ لقد صنع هذا بحكمة، لأن هذه هي عادة الأطباء أن ينزعوا أصل المرض قبل أن ينزعوا (أعراض) المرض نفسه...
أكد بولس هذا عندما وبخ أهل كورنثوس على خطيّة معينة، قائلاً: "من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى" (1كو 11: 30).
لهذا أزال السيِّد المسيح سبب الشر، وقال: "ثق يا بني مغفورة لك خطاياك". لقد رفع الروح، وأقام النفس المطروحة، لأن قوله هذا كان كافيًا... فلا شيء يخلق السرور ويعيد الثقة قدر التحرر من العذاب الداخلي، وحيث توجد مغفرة الخطايا توجد البنوة، لذلك لا نقدر أن ندعو الله الآب إلا بعدما تُزال خطايانا في بركة الماء المقدَّس (المعموديّة)... فنقول: "أبانا الذي في السماوات".
القدِّيس يوحنا ذهبي الفم
4. دعوة لاوي العشّار
يقدِّم لنا الإنجيلي لوقا جانبًا حيًا من جوانب صداقة السيِّد المسيح للبشريّة، فإنَّه عند اختياره لخواصه اجتذبهم من أماكنٍ متعددةٍ، تارة من بين الصيَّادين البسطاء، وأخرى من بين العشّارين الذين يحتقرهم اليهود ويَّتهمونهم بالخيانة والعمل لحساب الدولة الرومانيّة.
دعا السيِّد المسيح لاوي العشّار الذي صار فيما بعد "الإنجيلي متى"، وكانت الدعوة مختصرة للغاية: "اتبعني" [27]، لكنها قويّة وفعّالة، إذ "ترك كل شيء وقام وتبعه" [28]، وأقام له وليمة ضيافة ليتذوق إخوته العشّارون اللقاء العذب مع السيِّد المسيح.
يقول القدِّيس جيروم أن بعض المقاومين للمسيحيّة استخفوا بأتباع المخلِّص إذ ساروا وراءه بمجرد دعوته لهم خلال النداء الأول لهم، فقبلوه في سذاجة دون تفكير. ويُرد على ذلك بأمرين، الأول أن هؤلاء قد سمعوا وربَّما شاهدوا العلامات والعجائب الكثيرة التي صنعها السيِّد قبل دعوته لهم، والثاني أن السيِّد يحمل جاذبيّة خاصة بكونه رب الخليقة يجتذب الكل حوله.
كما لاحظ القدِّيس جيروم أيضًا أن متى البشير وحده هو الذي ذُكر اسمه "متى" عند دعوة الرب له (مت 9: 9) أما الإنجيليان الآخران فلم يذكرا اسمه، مكتفيِّين بذكر اسمه القديم "لاوي" احتشامًا من زميلهما الإنجيلي متى (مت 9: 9، مر 2: 13-14).
+ اتبع متى مبدأ سليمان: العادل يبدأ بمعاتبه نفسه، فدعا نفسه عشّارًا، ليظهر للقارئ أنه لا يجب أن ييأس أحد من خلاص نفسه مادام يرجع إلى حياة أفضَّل، فقد تغير هو من عشّار إلى رسول.
القدِّيس جيروم
+ كان لاوي عشّارا يهيم وراء الكسب المرذول لا حّد لجشعه الممقوَّت، يزدري بقانون العدل والإنصاف، حبًا في تملك ما ليس له. فبهذه الخلق الذميمة اشتهر العشّارون، إلا أن المسيح اختطف أحدهم وهو غارق في بحر الإثم والرذيلة ودعاه إليه وأنقذه وخلصه، إذ ورد: "فقال له اتبعني فترك كل شيء وقام وتبعه" [27-28]. فما أصدق بولس المغبوط وهو يصف المسيح بأنه "جاء إلى العالم ليخلص الخطاة" (1 تي 1: 15). أفلا ترون كيف أن كلمة الله الابن الوحيد وقد أخذ لنفسه جسدًا يردّ إلى نفسه عبيد إبليس وممتلكاته؟!
القدِّيس كيرلس الكبير
+ عندما اختار رسله الخواص ليكرزوا بإنجيله، اختارهم من بين الخطاة... ليظهر أنه جاء لا ليدعوا أبرارًا بل خطاة إلى التوبة.
الأب برناباس
لم يحتمل الكتبة والفرِّيسيون لقاء السيِّد المسيح مع العشّارين، فقالوا لتلاميذه:
"لماذا تأكلون وتشربون مع عشّارين وخطاة؟ فأجاب يسوع، وقال لهم: لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى. لم آت لأدعو أبرارًا، بل خطاة إلى التوبة" [30-32].
+ لماذا يلوم الفرِّيسيون المخلِّص لتناوله الطعام مع الخطاة؟ لأن الناموس فرق بين المقدَّس والمحلل، وميّز بين النجس والطاهر (لا 10: 10). اِعتقد الفرِّيسيون أنه لا يصح الجمع بين المقدَّس والنجس، فقاموا يطالبون المسيح بحفظ شريعة موسى، ولكن لم يكن تهجمهم على السيِّد ناشئًا عن غيرة على الشريعة، بل عن حسدٍ وخبثٍ، فكثيرًا ما هبوا في وجه المسيح لإسقاطه في شركٍ منصوبٍ، إلا أن المسيح أفلت منهم رادًا السيئة بالحسنى، إذ أعلمهم أنه ما جاء الآن قاضيًا للحكم، بل طبيبًا للشفاء، ولذلك كان لزامًا عليه وهو طبيب أن يقرب المرضى لشفائهم من أسقامهم.
القدِّيس كيرلس الكبير
وللعلامة ترتليان تعليق جميل على كلمات السيِّد المسيح: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، لم آتِ لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة" [21-22]. فإنَّه إذ ظهر في القرن الثاني بعض البدع تُدنِس الجسد وتحقر من شأنه وتحسبه عدوًا يلزم تحطيمه، يعلن العلامة ترتليان أن الجسد مع ما بلغه من فساد لكنه قريب لنا، يشارك النفس حياتها، يلزم أن نحبه كما نحب قريبنا، خاصة وأن السيِّد المسيح حمل جسدنا الذي في شبه الخطيّة فصار قريبًا له... بارك طبيعته فيه. هذا وإن كان جسدنا قد تلوث بمرض الخطيّة فإنَّ السيِّد المسيح جاء لا كديان بل كطبيب يشفي الجسد والنفس معًا.
نستطيع أن نتلمس قدسيّة نظرة الكنيسة الأولى للجسد، من كلمات العلامة ترتليان: [يطالبنا (المسيح) أن نحب قريبنا بعد حبنا له، وها هو يمارس ما يأمرنا به إذ يحب الجسد الذي هو ملاصق له جدًا وبطرقٍ كثيرةٍ، والذي هو قريبه، يحبه بالرغم من ضعفه، فإنَّ قوَّته تكمل في الضعف (2 كو 12: 9)، يحبه بالرغم من ارتباك جسدنا، إذ لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، وبالرغم ممَّا يبدو أنه (جسدنا) غير مكرم، إذ تُعطي كرامة أفضَّل للأعضاء ناقصة الكرامة (1 كو 12: 23). يكرمه مع أنه محطَّم، إذ يقول: جئت لأخلص ما قد هلك (19: 10)؛ يكرمه مع أنه خاطئ، إذ يقول: أريد خلاص الخاطئ لا موته؛ وأيضًا بالرغم من كونه تحت الحكم فإنَّه يجرح ويعصب (تث 32: 39).]
5. الإعلان عن الخمر الجديدة
لم يستطع الفرِّيسيون مقاومة السيِّد في صداقته للبشريّة، فحين اعترضوا عليه لأنه يأكل مع عشّارين وخطاة بينما يميز الناموس بين المقدَّس والنجس أكدّ أنه لا يكسر الناموس بل يحققه في أعماق جوهره بحبه للإنسانيّة وترفَّقه بالضعفاء، فقد جاء طبيبًا للمرضى لا ديانًا للخطاة... الآن يهاجمونه في تلاميذه، قائلين: "لماذا يصوم تلاميذ يوحنا كثيرًا ويقدِّمون طلبات، كذلك تلاميذ الفرِّيسيين أيضًا، وأما تلاميذك فيأكلون ويشربون؟" [33].
جاءت إجابة السيِّد لا ترد على التساؤل فحسب، وإنما تكشف عن رسالته التي تتركز في أمرين:
أولاً: أنه جاء عريسًا يخطب البشريّة كعروسٍ له... فالوقت الآن ليس مناسبًا للصوم، بل للإعلان عن العريس والفرح به، فمتى ارتفع إلى السماء يطلبونه بأصوام وطلبات... وكأن غاية العبادة ليست الأصوام والنسكيات بل التمتَّع بالاتحاد مع العريس السماوي، خلال هذه الأصوام والنسكيات إن قدَّمت بالروح والحق.
ثانيًا: أنه ما جاء ليقدِّم ثقلاً في العبادات، إنما جاء أولاً لينزع ما هو قديم ويقيم ما هو جديد، يصلب الإنسان العتيق ويَّهب الإنسان الروحي الجديد.
لقد سبق لنا أن أوردنا بعض تعليقات للآباء على إجابة السيِّد المسيح في تفسيرنا لإنجيلي متى (9: 14) ومرقس (2: 21).
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الخامس
الآيات (1-11): في كتاب إنجيل متى (مت18:4-22 وما بعده)
الآيات (12-16): في كتاب إنجيل متى (مت2:8-4 وما بعده)
الآيات (17-26): في كتاب إنجيل متى (مت1:9-8)
الآيات (27-32): في كتاب إنجيل متى (مت9:9-13)
الآيات (33-39): في كتاب إنجيل متى (مت14:9-17)
لو (1:5-11)
وإذ كان الجمع يزدحم عليه ليسمع كلمة الله كان واقفا عند بحيرة جنيسارت*.فرأى سفينتين واقفتين عند البحيرة والصيادون قد خرجوا منهما وغسلوا الشباك. فدخل إحدى السفينتين التي كانت لسمعان وسأله أن يبعد قليلا عن البر ثم جلس وصار يعلم الجموع من السفينة. ولما فرغ من الكلام قال لسمعان ابعد إلى العمق والقوا شباككم للصيد. فأجاب سمعان وقال له يا معلم قد تعبنا الليل كله ولم نأخذ شيئا ولكن على كلمتك القي الشبكة. ولما فعلوا ذلك امسكوا سمكا كثيرا جدا فصارت شبكتهم تتخرق. فأشاروا إلى شركائهم الذين في السفينة الأخرى أن يأتوا ويساعدوهم فأتوا وملأوا السفينتين حتى أخذتا في الغرق. فلما رأى سمعان بطرس ذلك خر عند ركبتي يسوع قائلا اخرج من سفينتي يا رب لأني رجل خاطئ. إذ اعترته وجميع الذين معه دهشة على صيد السمك الذي أخذوه. وكذلك أيضا يعقوب ويوحنا ابنا زبدي اللذان كانا شريكي سمعان فقال يسوع لسمعان لا تخف من الآن تكون تصطاد الناس. ولما جاءوا بالسفينتين إلى البر تركوا كل شيء وتبعوه.
أمّا القديس لوقا فأورد بعض التفصيلات الأخرى عن هذا اللقاء بين السيد المسيح وتلاميذه، إذ دعاهم وهم بجانب سفنهم وشباكهم. وهنا نجد أن المسيح قد أظهر سلطانه أمام تلاميذه فى معجزة صيد السمك الكثير، وبهذا نفهم لماذا تبع التلاميذ يسوع فوراً إذ دعاهم.
1. شهادة يوحنا المعمدان له، والمعمدان كان المعلم الأول لهم قبل المسيح.
2. حوار يسوع معهم لمدة يوم كامل يو 35:1-42.
3. معجزات الشفاء التى أجراها المسيح أمامهم مت 24:4.
4. تعاليم المسيح للجموع من سفينة سمعان لو 3:5.
5. معجزة صيد السمك الكثير لو 6:5،7 جعلتهم يطمئنون لتدبير الله لإحتياجاتهم المادية.
ونلاحظ أن آخر لقاء للمسيح حدثت فيه نفس الفصة، أى معجزة صيد سمك كثير يو 1:21-14.. وبمقارنة المعجزتين نجد الآتى.
1. المعجزة الأولى كانت فى سفينتين والأخيرة كانت فى سفينة واحدة فالمسيح أتى ليجعل الإثنين واحداً (اليهود والأمم أو السمائيين والأرضيين).
2. فى المعجزة الأولى أمرهم بطرح الشباك ولم يحدد الجهة. وفى الأخيرة طلب السيد إلقاء الشباك على الجانب الأيمن. وفى الأولى لم يذكر عدد السمك وفى الثانية ذُِكرَ عدد السمك (153 سمكة) لأن الأولى تشير لكل الداخلين للإيمان وهم كثيرين، أماّ الثانية فتشير للقطيع الصغير أى الذين سيخلصون وهؤلاء معروفين واحداً فواحداً وهم على الجانب الأيمن (الخراف على الجانب الأيمن، أماّ الجداء فهم على الجانب الأيسر): فالدعوة موجهة للجميع لكن قليلين هم الذين يخلصون.
3. فى الأولى صارت الشبكة تتمزق فيهرب منها السمك الصغير (رمز لمن إيمانهم قليل). وفى الثانية لم تتمزق الشبكة وكان السمك من كبار السمك (يو 11:21) رمز لمن إيمانهم ثابت فلا يتركون الكنيسة، فالشبكة رمز للكنيسة، ومن يترك الكنيسة يغرق فى بحر هذا العالم حتى أخذتا فى الغرق = بسبب هؤلاء الذين إيمانهم قليل. ولكن نشكر الله فالكنيسة يحفظها المسيح.
4. فى الثانية طلب السيد المسيح من التلاميذ أن يعطوه السمك الذى إصطادوه، فالمؤمنين هم للمسيح وليس للكارزين أو للخدام. أم السيد فأعطاهم من عنده سمكاً مشوياً وخبز، اى أن المسيح متكفل بإعالة خدامه ليصطادوا هم لهُ المؤمنين، ويكون المؤمنين للمسيح.
تعبنا الليل كله ولم نأخذ شيئاً= بعد هذا مباشرة نجد يسوع يستخدم هذه السفن كمنبر للتعليم (بركات روحية فلو كانت السفن مملوءة سمكاً ما كان يسوع يستطيع أن يدخلها) ثم بعد هذا إمتلأت السفن سمكاً بوفرة (بركات مادية). إذاً لنثق أنه لو أغلقت أمامنا بعض الأبواب فإن هذا يكون بسماح من الله لنحصل على بركات أكثر، ولو فرغت سفينتنا من السمك (بركات مادية) فهذا ليدخل المسيح لسفينة حياتنا.
إبعد إلى العمق = الصيد يكون ليلاً لذلك قال بطرس تعبنا الليل كله أى تعبنا فى الوقت المناسب للصيد ومع هذا لم نحصل على شئ. أما الآن وبالنهار فالوقت غير مناسب للصيد. والصيد لا يكون بالشباك فى العمق بل على الشاطئ. وهنا فكلام بطرس يعبر عن الخبرة البشرية بما تحمله من فشل ويأس ولكن أروع ما قاله بطرس هو على كلمتك ألقى الشبكة = هنا ينتقل بطرس من خبراته البشرية المحدودة إلى الإيمان العميق بكلمة الله. وكثيراً ما تقودنا خبراتنا البشرية لليأس، ولكن مع الإيمان نرى العجائب.
العمق= طالما بطرس سيصير صياد للناس فليعلم أول درس، هو أن الخادم يجب أن يحيا فى العمق، عمق معرفة المسيح وعمق الحب وعمق الإيمان أمّا من يحيا فى السطحيات بلا خبرات روحية فى مخدعه فهذا لن يصطاد شئ. وهنا نرى الجهاد مع النعمة. فالجهاد يتمثل فى الدخول للعمق وإلقاء الشبكة (حياة الخادم الداخلية = عمق، كلمة الكرازة = إلقاء الشبكة) والنعمة هى عمل الله العجيب بكلمات الخادم لتأتى هذه الكلمات بثمارها.ولنلاحظ أن الدعوة هى للجميع فالمسيح لم يحدد الجهة التى يلقون فيها الشباك. ومسئولية خلاص المؤمن هى مسئوليته الشخصية.
وفى قول بطرس تعبنا الليل كله = إشارة لعمل الأنبياء فى العهد القديم كله، إذ تعبوا ولكن كانت الخطية مسيطرة على قلوب البشر. ويشير هذا القول أيضاً لمن يكرز ويعلم ببلاغة بشرية ولكن من عندياته وليس بعمل المسيح فيه. وربما تشير للخدام الذين يتعبون كثيراً ولكن الوقت، وقت الثمار لم يأت بعد فلقد كانت ليلة التلاميذ فاشلة بمقاييسهم ولكنها كانت بداية نجاح عجيب وتحول عجيب.
ونلاحظ أن المسيح جذب التلاميذ إليه بعد أن خاطبهم بلغتهم، فهو كلمهم بلغة صيد السمك فإنجذبوا إليه، وهكذا كلم المجوس بلغتهم عن طريق نجم، وكلم قسطنطين الملك بلغته.
فأشاروا إلى شركائهم = فالحصاد كثير والفعلة قليلون.
أخرج من سفينتى = بطرس لا يريد من المسيح أن يخرج حقيقة من سفينته لكن هذا مجرد تعبير عن شعوره بعدم إستحقاقه بوجود السيد فى سفينته فحينما واجه بطرس نور المسيح رأى خطاياه وشعر بعدم إستحقاقه، وهذا ما حدث مع إشعياء إذ رأى الله (أش 6). وقد طمأنه المسيح بقوله = لا تخف. عموماً فالمؤمنين ينقسمون إلى فئتين الأولى مثل بطرس حينما يعطيهم الله بركة من عنده يشعرون بأنهم غير مستحقين لشئ، وإذا صادفتهم تجربة ينسبونها لخطاياهم، أما الصنف الثانى فهو شاعر بأن الله لا يعطيه ما هو أهل له، وأن الله قد ظلمه، وإذا صادفته تجربه نسبها لظلم الله له. ولنعلم أن الفئة الأولى هى التى يدخل المسيح قلبها ويملك عليها كما دخل لسفينة بطرس
تركوا كل شئ وتبعوه = من يعرف المسيح حقيقة يترك كل شئ حاسباً إياه نفاية ويكرس القلب بالتمام للمسيح. ولنلاحظ أن بطرس ترك شبكة وصنارة ولنرى ماذا أعطى الله لبطرس حتى الآن من مجد فى السماء وعلى الأرض. شبكتهم تتمزق.. أخذتا فى الغرق = التجارب التى تواجه الكنيسة فيتركها ضعاف الإيمان.
لو(12:5-16):-
وكان في إحدى المدن فإذا رجل مملوء برصا فلما رأى يسوع خر على وجهه وطلب إليه قائلا يا سيد أن أردت تقدر أن تطهرني. فمد يده ولمسه قائلا أريد فاطهر وللوقت ذهب عنه البرص. فأوصاه أن لا يقول لأحد بل امض وأر نفسك للكاهن وقدم عن تطهيرك كما أمر موسى شهادة لهم. فذاع الخبر عنه اكثر فاجتمع جموع كثيرة لكي يسمعوا ويشفوا به من أمراضهم. وأما هو فكان يعتزل في البراري ويصلي.
يبدأ القديس لوقا أيضاً إنجيله بأول معجزات السيد وهى معجزة إخراج روح نجس، إذ يكتب لليونانيين والرومان (لو 33:4)
أريد فأطهر= كلمة أريد تظهر الوهية السيد المسيح، فهولا يطلب ولا يصلى لله ليشفى المريض، بل إرادته تشفى المريض. ولاحظ قوله فأطهر لأن البرص فى نظر اليهود نجاسة.
آية (16):-حين نرى السيد المسيح يصلى أفلا ندرك إحتياجنا للصلاة وحين نراه يختلى، أفلا ندرك إحتياجنا للخلوة والهدوء مع النفس والتأمل فى كلمة الله. والمسيح يصلى كممثل ونائب عنا.
ونلاحظ أسلوب القديس لوقا كطبيب إذ يقول رجل مملوء برصاً= بينما أن مرقس ومتى يقولان رجلاً أبرص فلوقا كطبيب يحدد مدى إنتشار المرض. فهذا الرجل كان فى حالة متأخرة من المرض. فالبرص يمتد ويغزو الجسم.
(لو 17:5-26):-
وفي أحد الأيام كان يعلم وكان فريسيون ومعلمون للناموس جالسين وهم قد أتوا من كل قرية من الجليل واليهودية وأورشليم وكانت قوة الرب لشفائهم. وإذا برجال يحملون على فراش إنساناً مفلوجا وكانوا يطلبون أن يدخلوا به ويضعوه أمامه. ولما لم يجدوا من أين يدخلون به لسبب الجمع صعدوا على السطح ودلوه مع الفراش من بين الأجر إلى الوسط قدام يسوع. فلما رأى إيمانهم قال له أيها الإنسان مغفورة لك خطاياك. فابتدأ الكتبة والفريسيون يفكرون قائلين من هذا الذي يتكلم بتجاديف من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده. فشعر يسوع بأفكارهم وأجاب وقال لهم ماذا تفكرون في قلوبكم. أيما ايسر أن يقال مغفورة لك خطاياك أم أن يقال قم وامش. ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا قال للمفلوج لك أقول قم واحمل فراشك واذهب إلى بيتك. ففي الحال قام أمامهم وحمل ما كان مضطجعا عليه ومضى إلى بيته وهو يمجد الله. فأخذت الجميع حيرة ومجدوا الله وامتلاوا خوفا قائلين أننا قد رأينا اليوم عجائب.
آية(1):-حينما رفضه أهل كورة الجدريين دخل السفينة وإجتاز، فالسيد لا يبقى قط حيث لا يُرْغَبْ فيه. وجاء إلى مدينته = أى كفر ناحوم (مر 1:2) وكانت كفر ناحوم هى مركز خدماته وتنقلاته فى تلك المرحلة.
قصة شفاء المفلوج :
إذا مفلوج يقدمونه إليه= أروع خدمة نقدمها لإنسان هى أن نضعه أمام المسيح، والمسيح هو الذى يعرف إحتياجاته. ومن إنجيلى مرقس ولوقا نفهم أنهم قدموه بطريقة غير عادية، إذ هم نقبوا سقف البيت ولنلاحظ.
1) أنه إذ دخل المسيح إلى البيت، حالاً ذاع الخبر فإجتمع الناس حوله. وإذا دخل المسيح حياتى لصرت رائحة المسيح الزكية، فيجتمع الناس حولى يسألون عن المسيح، وهذه هى الكرازة بحياة المسيح الذى فينا.
2) ما ذنب صاحب البيت الذى نقبوا سقفه ؟ ولكن على الخادم الأمين أن يحتمل الضيقات لأجل المسيح.
3) مغفورة لك خطاياك = فالخطية هى سبب ألامنا. والمسيح يبحث عن شفاء البؤرة الصديدية، أصل الداء. ولنفهم أن كثيراً ما يؤدبنا الرب بأمراض الجسد بسبب خطايانا، يؤدبنا فى الجسد لكى لا ندان مع العالم (عب 5:12-11). ومن تألم فى الجسد يكف عن الخطية (ابط 1:4).والمسيح حين يغفر الخطايا فهو يشفى النفس لتتمتع بالبنوة =ثق يابنى.
4) المسيح فى معجزة.بيت حسدا ذهب هو للمريض، إذا ليس له أصدقاء يلقونه فى البركة إذا تحرك الماء. وهنا ينتظر المسيح أصدقاء هذا المفلوج أن يأتوا به إليه، فمما يفرح المسيح روح المحبة هذه التى جعلت الأصدقاء يحملون صاحبهم ليأتوا به للمسيح، هذا هو مفهوم الشفاعة الذى يفرح المسيح أن نصلى بعضنا لأجل بعض وأن يصلى السمائيين لأجل الأرضيين ويصلى الأرضيين لأجل السمائيين، أما من ليس له أحد يذكره كمريض بيت حسدا، فهذا لا ينساه المسيح بل يذهب إليه بنفسه ليشفيه.
5) لماذا تفكرون بالشر فى قلوبكم. وفى مرقس لماذا تفكرون بهذا فى قلوبكم فالسيد الرب هو فاحص القلوب والكلى. ولنعلم أن الله يسألنا فيماذا نفكر فبينما يمجد الله بعض الناس على حدث ما، يجدف البعض الآخر عليه بسببه ولنذكر أنه فى بداية كل قداس يقول الكاهن أين هى قلوبكم.ولعل السيد بكشفه لما فى قلوبهم يظهر لهم أنه إن كان يعرف ما فى قلوبهم فهو قادر أن يغفر أيضاً الخطايا كما يقول. فمعرفة ما فى القلوب منسوبة لله ( مز 15:33).يجدف= يدعى أن له سلطان الغفران وهو لله وحده. وبهذا ففى نظرهم أنه يدعى الألوهية.
6) أيما أيسر أن يقال… = لاحظ أن السيد المسيح لم يقل أيما ايسر أن أغفر الخطايا أما أن أشفى المرض، بل أيما أيسر أن يقال كذا أو كذا. لأن فى نظر الناس أن الأيسر هو أن يقال مغفورة لك خطاياك من أن يقال قم إحمل سريرك وإمشى. فإنه إذا قال مغفورة لك خطاياك فلن يرى أحد الخطايا وهى تغفر، ولكن لو قال قم إحمل سريرك فهنا سيظهر صدقه إن قام الرجل وحمل سريره. ولكن المسيح إذ هو ينوى أن يشفى المريض فلقد إختار أن يستأصل أصل الداء وهو الخطية. وبهذا يكون قوله مغفورة لك خطاياك هو الأصعب لأنه يشتمل على(1) غفران الخطايا (2) الشفاء الجسدى. وكان هذا سيظهر للناس فوراً إذ يقوم المفلوج.ولما شكوا فى المسيح إذ قال مغفورة لك خطاياك إذ هم يعلمون أن الله وحده هو الذى يغفر الخطايا، أقام المسيح هذا المفلوج بعد أن فهموا ضمناً أنه غفر خطاياه لأنها أصل الداء. وبهذا فلقد صار عليهم أن يعترفوا بأنه هو الله، فحسب ما يؤمنون أن الله وحده هو غافر الخطايا. كلام السيد المسيح هنا يفهم أن كلا الأمرين مستحيل على البشر أن يقولوا مغفورة لك خطاياك وأن يقولوا قم وأمش، ومن يفعل هذا هو قادر أن يفعل تلك ولا يستطيع أن يفعل هذه أو تلك إلاّ الله، وبحدوث المعجزة صار عليهم أن يعترفوا أن المسيح له سلطان على مغفرة الخطايا.. إذاً هو الله.المسيح هنا يعلن أنه إبن الإنسان الذى جاه مملاً بقوة غفران الخطايا ليشفى البشر من خطاياهم وأثارها (مت 21:1).
7) فلما رأى يسوع إيمانهم =ليس إيمان الأصدقاء الذين حملوا المفلوج فقط، بل إيمان المفلوج الذى إحتمل هذا الوضع العجيب أن يدلونه من السقف، ولم يعترض إذ سمع قول السيد مغفورة لك خطاياك.
8) قول المسيح يابنى يساوى تماماً قوله مغفورة لك خطاياك فغفران الخطايا يعيدنا لحالة البنوة لله.
9) ولكن لكى تعلموا أن لإبن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا = هناك تفسير لطيف آخر لهذه الآية، أن الربيين كانوا يعلمون أن الإنسان لا يمكن شفاؤه من مرض إلاّ إذا غفرت خطاياه كلها. وبهذا يكون السيد المسيح حين قام بشفاء المفلوج قد أثبت انه غفر خطاياه كما قال.
10) فقام للوقت وحمل السرير= حين يعطى السيد أمراً أو وصية فهو يعطى معها القوة على التنفيذ، لقد قام هذا المفلوج بصحة وعافية وكأننا أمام معجزة خلق من جديد. وهكذا يحدث مع كل تائب، أن الله يعطيه أن يصير فى المسيح خليقة جديدة. لقد كان حَمْلَ السرير هو علامة القوة التى تمتع بها هذا المفلوج.
11) إذهب إلى بيتك= بسبب الخطية حرمنا من الفردوس بيتنا الأول وحُرِمنا من الأحضان الإلهية. وبالتوبة نعود إلى احضان الآب كما تمتع الإبن الضال بقبلات أبيه وأحضانه عند عودته تائباً.
(لو 33:5-39):-
وقالوا له لماذا يصوم تلاميذ يوحنا كثيرا ويقدمون طلبات وكذلك تلاميذ الفريسيين أيضا وأما تلاميذك فيأكلون ويشربون. فقال لهم أتقدرون أن تجعلوا بني العرس يصومون ما دام العريس معهم. ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون في تلك الأيام. وقال لهم أيضا مثلا ليس أحد يضع رقعة من ثوب جديد على ثوب عتيق وإلا فالجديد يشقه والعتيق لا توافقه الرقعة التي من الجديد. وليس أحد يجعل خمرا جديدة في زقاق عتيقة لئلا تشق الخمر الجديدة الزقاق فهي تهرق والزقاق تتلف. بل يجعلون خمرا جديدة في زقاق جديدة فتحفظ جميعا. وليس أحد إذا شرب العتيق يريد للوقت الجديد لأنه يقول العتيق أطيب.
تحولت العبادة فى اليهودية إلى المظهريات طلباً للمجد الدنيوى، فكانوا يصومون ويصلون لعلة، أى ليثيروا إنتباه الناس إلى تقواهم، وهم هنا بسؤالهم عن عدم صوم تلاميذ المسيح كان هذا ليشيروا بطريقة غير مباشرة لأفضليتهم عن تلاميذ المسيح.
والسيد المسيح فى إجابته شرح مفهوماً جديداً للصوم فى المسيحية، فهمنا منه أن المسيحى هو عروس للمسيح العريس، والمسيح دفع دمه ثمناً لهذه الخطية فطالما هو موجود بالجسد، فالتلاميذ ينعمون بوجود عريسهم معهم، فهم فى فرح، والفرح لا يصح معه النوح والتذلل والصوم. أماّ بعد أن يرفع العريس، فالعروس سوف تفهم أنه طالما أن عريسها فى السماء فهى غريبة على الأرض، ستفهم النفس أن عريسها ذهب ليعد لها مكاناً وسيأتى ليأخذها إليه، وستذكر أنها لم تتكلف شيئاً للحصول على هذا المكان السماوى، بل أن عريسها دفع كل الثمن، فتقف النفس لتقول مع عروس النشيد أنها مجروحة حباً. وتكتشف بُطْلْ هذا العالم وأنها مع كل حب عريسها لها فهى ما زالت محبة للعالم ولشهواته فتخجل من نفسها قائلة ماذا أقدم لمن أحبنى كل هذا الحب ؟ سأقدم له إثبات إيمانى بهذا النصيب السماوى، سأبيع الأرض وكل ما فيها، ولن أطلب أى ملذات فيها ودون طلب أى أجر فى مقابل هذا، ولن أطلب أن يلتفت الناس إلى ما أفعل فأنا لا أهتم سوى بعريس نفسى. النفس التى تذوقت حب عريسها لن تكتفى بالصوم بهذا المفهوم، بل ستترك عن طيب قلب كل ملذات العالم، بل وهى المجروحة حباً ستبكى وتنوح على خطاياها التى سببت الألم لعريسها لذلك نسمع فى متى قول السيد هل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا ويكرر مرقس ولوقا القول مستبدلين كلمة ينوحوا بكلمة يصوموا.فالأصل أن النفس المجروحة حباً تنوح إذ تحزن قلب عريسها. لقد تحول الصوم إلى عمل خاص بالعروس فيه تنوح وتتذلل فى حب لعريسها علامة توبة وندم، فتتمتع هنا بحبه كعريس لها، وتتهيأ لتلتقى معهُ فى العرس الأبدى.
والسيد يرفض فكرة الترقيع، فلا يصح أن يصوم تلاميذه وهو معهم بنفس الأفكار القديمة الفريسية، هم سيحصلوا على الطبيعة الجديدة بعد حلول الروح القدس وحينئذ يصومون بالفكر الجديد، فالطبيعة الجديدة أو الخليقة الجديدة ( 2كو 17:5) هى عطية من الله وليست بإضافة بعض الأصوام والصلوات، وكيف تليق تعاليم العهد الجديد بالفريسيين الذين يهتمون بالتحيات فى الأسواق وبملذاتهم ومسراتهم. فى المسيحية تكون النفس مستعدة لأن تصوم العمر كله وتترك الكل وتحسب الكل نفاية، بذل الجسد كذبيحة حية.. فهل يستطيع الفكر اليهودى تحمل هذا ؟ قطعاً لا، بل إن اليهودى لو أضفنا له هذه الأفكار المسيحية ( وهى كرقعة من قطعة جديدة)، واليهودى (كثوب عتيق) من المؤكد أنه لن يتحمل، بل سيتمزق لإنكماش الجديد بعد الغسيل. ونلاحظ أن اليهود كانوا يصومون يومى الإثنين والخميس أسبوعياً مع يوم الكفارة. المسيحية تنكر حقوقها من ملذات العالم ليس كفرض عليها وإنما حباً فى عريسها، وسمواً بالنفس إلى مجال الروح حتى تنتعش وتتخلص من رباطات المادة. فهل هذا يتفق مع الأفكار الفريسية، هذا لا يتناسب إلاّ مع من يحوله الروح القدس إلى خليقة جديدة. وفى المسيحية تكتشف النفس أنها كلما بذلت ذاتها وباعت الأرضيات وتركت شهوة الجسد ترتفع للسماويات فتلقى مع عريسها فى فرح، وإذا حدث هذا فماذا سهم النفس إن طوبها الآخرين، وهذا هو هدف الفريسيين من الصوم. لقد صار الصوم فى المسيحية تحريراً للنفس من الأرضيات لتلتقى بعريسها فى علاقة سرية سواء فى الصوم والتذلل والنوح أو فى الفرح والتعزية. والخمر الجديدة إذا وضعت فى زقاق (من الجلد) قديم، فبسبب تفاعلات الخمر الجديدة تنبعث غازات لا يحتملها جلد الزقاق القديم فيتشقق الزقاق. وطبعاً الزقاق القديم إشارة لطبيعة الإنسان العتيق قبل المعمودية وهذه الطبيعة القديمة لا تحتمل أفراح اللقاء مع العريس السماوى ( فالخمر إشارة للفرح). فببساطة لو تذوق الفريسى أفراح العهد الجديد لإنفجر فى كبريائه إذ سينسب ما حصل عليه إلى تقواه وورعه وإلى أصوامه وصدقاته، ولن ينسبها إلى محبة المسيح، فيسقط فى كبرياء قاتل. فالفريسية التى هاجمها المسيح تشير لطبيعة الإنسان العتيق الذى يميل لأن يفتخر بما يعمله من بر وبهذا يُعَرِّفْ شماله ما تفعله يمينه. إن الفريسى أو اليهودى أو الإنسان العتيق لن يستسيغ تعاليم المسيح والعهد الجديد، لذلك سيفضل ما يعرفه بخبراته = يقول العتيق أطيب فالخمر العتيقة أطيب لذلك فضل السيد أن لا يصوم تلاميذه حتى يحصلون على الطبيعة الجديدة.الخمر الجديدة = هى العبادة بالروح ومن ضمنها الصوم، وهذه تثير الفرح فى الإنسان كثمرة للروح القدس. والزقاق القديمة = يكون جلدها قد فقد مرونته فتنشق مع تخمر وتفاعلات الخمر الجديدة.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الاصحاح الخامس
معجزات شفاء مرضي وصيد سمك
[ 1 ] صيد السمك الكثير ( ع 1 - 11 ) :
ع 1 : حيثما تحرك المسيح ، تبعته الجموع من اجل تعاليمه المؤثرة وعنايته بهم بشفاء امراضهم وتحريرهم من الشياطين .
و في هذا اليوم وصل إلى بحيرة جنيسارت ، ومعناها " جنة السرور " وهي التي تدعي أحيانا بحر الجليل أو بحر طبرية .
ع 2 : كان صباحا في بداية النهار ، حيث عاد الصيادون بسفنهم من الصيد ليلا ، وغسلوا شباكهم من الاعشاب العالقة استعدادا للصيد في غروب اليوم ، وكانوا مزمعين أن يذهبوا إلى بيوتهم ليستريحوا .
ع 3 : كانت السفينتان احداهما لسمعان واخوه اندراوس والثانية ليعقوب ويوحنا ابني ذبدي . فدخل المسيح سفينة سمعان بطرس ، وطلب منه أن يبعد قليلا عن البر حيث ازدحمت الجموع ، ووقف يعلم من السفينة تعاليمه الروحية المؤثرة . وكان سمعان قد تعرف عليه قبلا وزار المسيح بيته ، ولكنه لم يكن قد ترك كل شئ وتبعه بعد.
+ قد يأتي الله اليك ويدعوك للصلاة أو قراءة كتابه المقدس ، أو عمل أي خير وخدمة للاخرين في وقت لا تنتظره أو تريد أن تستريح فيه ، فلا ترفض لتتمتع بنعم الله الجزيلة .
ع 4 : كان سمعان واخوه اندراوس في حزن بسبب عدم صيد السمك في هذه الليلة ، وبالتالي عوزهم للقوت في هذا اليوم . فبعدما سمعا تعاليم المسيح ، استراحت قلوبهم ، ولكن المسيح لن ينس احتياجهم المادي ، فطلب منهما أن يدخلا بالسفينة إلى عمق البحر .
+ إن كنت تعطي وقتا للعبادة والخدمة ، فثق أن الله يحل مشاكلك المادية . تمسك به واتكل عليه وتعمق في معرفته .
ع 5 : كان أمر المسيح غريبا علي سمعان لسببين :
(1) انه تعب طوال الليل ولم يجد سمكا بالبحر في الاماكن التي يعرفها بخبرته ، وفي الوقت المناسب للصيد الذي هو الليل .
(2) توجد بالخبرة في صيد السمك لا يصطاد في العمق بالشباك بل بسنارة لبعض الاسماك التي توجد في القاع .
و لكن تاثره بمعجزات المسيح وتعاليمه ، جعلته يطيعه اكثر من عقله وخبرته .
+ ليت الطاعة تعلو فوق عقلك وعواطفك ، لان كلام الله في الكتاب المقدس والكنيسة اهم من أي شئ فتطيعه رغم صعوبته عليك .
ع 6 - 7 : عندما أطاع سمعان ، فوجئ بامتلاء الشبكة بسمك كثير لم يكن يتوقعه، وإذ كادت الشبكة تتمزق من كثرة السمك . انزلوه منها في السفينة فامتلات . ونادا علي صديقيهما يعقوب ويوحنا ، فاتيا بسفينتهما وملاوها أيضا . وكادت السفينتان تغرقان من كثرة السمك ، وجروا الشبكة أيضا بما بقي فيها من سمك . وبالكاد وصلوا إلى الشاطئ بصيدهم العظيم .
+ إن تعبك وحده بدون المسيح لا يفيدك ، ولكن أن اطعته في جهادك الروحي ، فثق ببركته الوفيرة غير المتوقعة التي تشبع الروح والجسد ( السفينتين ) . وإنحققت نجاحا كبيرا ، فاشكر الله صاحب الفضل طوال حياتك .
ع 8 - 9 : جميع الذين معه : أي اندراوس والعمال المساعدين له في الصيد .
أمام قوة المسيح ولاهوته الظاهر في امره للسمك فيطيعه ضدا للقوانين الطبيعية ، شعر سمعان بضعفه وخطاياه ، فسجد أمام المسيح معلنا عدم استحقاقه أن يوجد في سفينته ، وقال له اخرج من سفينتي ، إذ شعر أن مكانه هو المجد في السماء ، وليس الوجود علي الأرض في سفينة حقيرة مثل هذه.
+ هل تقودك إحسانات الله لشكره والاتضاع أمامه والتوبة عن خطاياك ؟
ع 10 : حدث نفس التاثر لابني ذبدي اللذين كانا في السفينة المرافقة لسفينة سمعان واندراوس . وإذ تاهل سمعان بالطاعة والتوبة والاعتراف بقوة المسيح . استحق أن يدعوه المسيح للتلمذة علي يديه حتى يخدم النفوس . فهذه هي مؤهلات الخدمة .
ع 11 : يبدو أن الدعوة الاولي لسمعان وبعض التلاميذ المذكورة في يو ( 1 : 35 - 42 ) جعلتعهم يتبعون المسيح أحيانا ، ثم يعودون لعملهم وهو الصيد أحيانا أخرى . وقد يكون المسيح سمح أن يتبعوا ولا يصطادون شيئا ، ليعرفوا ضعفهم وحاجتهم إليه ، وفي نفس الوقت عمل معجزة صيد السمك الكثير حتى يطمئنوا لسهولة توفير احتياجاتهم المادية إذا تبعوه.
علي أي الاحوال بعد تاكيد الدعوة هنا مرة ثانية ، والتي دعا فيها ليس فقط سمعان بل اندرواس أيضا ويعقوب ويوحنا ابني زبدي ، بدليل قوله تبعوه ، حينئذ تركوا كل شئ بايمان وطاعة جديدة بل وفرحوا أيضا .
+ إن الله يطيل اناته عليك حتى تثق فيه وتتبعه وتتمتع ببركاته وخدمته . فلا تتعطل بتعلقاتك المادية ومشاريعك ومسؤلياتك عن خدمة الله ، فهي لا يساويها شئ في العالم . انه اختبار واضح لمدي محبتك له، هل هي اكثر من العالم؟
[ 2 ] شفاء الابرص ( ع 12 - 16 )
ع 12 : كان مرض البرص ( يشبه الجزام والبهاق حاليا ) مرض معدي، ويرمز للنجاسة لأنه ناتج عن الخطية. ومن يصاب به بحسب شريعة موسى - يعزل خارج الجماعة ولا يمسه أحد لئلا يتنجس. ولكن إذ سمع هذا الابرص عن المسيح وشفائه للمرضي ، آمن واخترق الجموع ، مع أن البرص كما يقرر الطبيب لوقا كان منتشرا في جسمه، وسجد باتضاع أمامه وطلب برقة ( إن اردت ) وبايمان ( تقدر ) من المسيح أن يطهره.
ع 13 : كان المسيح يستطيع أن يشفيه بكلمة ولكنه لمسه ليظهر لاهوته في سلطانه علي المرض وحنانه علي الابرص . وفي نفس الوقت فهو ليس ضد الشريعة إذ ارسله إلى الكاهن ليتمم الشريعة .
ع 14 - 15 : قدم عن تطهيرك : كانت الشريعة تقضي بتقديم الابرص ذبيحة اعلانا لتوبته وعزمه علي عدم الرجوع للخطية ، ورمزا لفداء المسيح الذي يرفع عنا كل خطايانا.
لان المسيح لا يريد المظاهر والشهرة ، قال للابرص أن لا يخبر احدا بل يتمم الشريعة التي تقضي بان الابرص إذا شفي ، يذهب للكاهن ليفحصه ويتاكد من شفائه ويعطيه شهادة بذلك قبل أن يخالط أحدا.
و هنا يظهر قول المسيح انه لم يأت لينقض بل ليكمل الناموس ( مت 5 : 17 )
و لكن إذ سمعت الجموع بخبر شفاء الابرص ، شعروا أن هذا هو المسيا لان الانبياء قد تنباوا بان من اعماله أن يشفي بالتحديد هذا المرض لصعوبته . هكذا أيضا قال المسيح ردا علي تلميذي يوحنا المعمدان ، اللذين سالاه هل هو المسيا ، فقال لهم انه يشفي البرص ( لو 7 : 22 - 23 ) ، فتزاحمت الجموع حول المسيح طلبا لشفاء امراضهم.
ع 16 : رغم اهتمام المسيح بشفاء المرضي وخدمة الجموع، لكنه يعلمنا إلا ننشغل عن الصلاة والاختلاء بالله في هدوء بعيدا عن الناس ، لان هذا هو الزاد الروحي الذي يقوينا لنستطيع أن نخدم الآخرين ونواجه مشاكل الحياة .
+ تقضي بان الابرص إذا شفي ، يذهب للكاهن ليفحصه ويتاكد من شفائه ويعطيه شهادة بذلك قبل أن يخالط أحدا.
و هنا يظهر قول المسيح انه لم يأت لينقض بل ليكمل الناموس ( مت 5 : 17 )
و لكن إذ سمعت الجموع بخبر شفاء الابرص ، شعروا أن هذا هو المسيا لان الانبياء قد تنباوا بان من اعماله أن يشفي بالتحديد هذا المرض لصعوبته . هكذا أيضا قال المسيح ردا علي تلميذي يوحنا المعمدان ، اللذين سالاه هل هو المسيا ، فقال لهم انه يشفي البرص ( لو 7 : 22 - 23 ) ، فتزاحمت الجموع حول المسيح طلبا لشفاء امراضهم.
ع 16 : رغم اهتمام المسيح بشفاء المرضي وخدمة الجموع، لكنه يعلمنا إلا ننشغل عن الصلاة والاختلاء بالله في هدوء بعيدا عن الناس ، لان هذا هو الزاد الروحي الذي يقوينا لنستطيع أن نخدم الآخرين ونواجه مشاكل الحياة .
+
[ 3 ] شفاء المفلوج ( ع 17 - 26 )
ع 17 : دخل المسيح أحد بيوت كفرناحوم ، كما نعلم من تفاصيل هذه الحادثة المذكورة في ( مت 9 : 2 - 8 ؛ مر 2 : 1 - 12 ) ، وكان بين المجتمعين حوله مجموعة من الفريسيين أي المفرزين ، وهم يشعرون انهم افضل فئة روحية في المجتمع اليهودي ، ويتصفون بالكبرياء ؛ ومجموعة أيضا من معلمي الناموس ، وهم حرفيون في تمسكهم بالشريعة دون جوهرها . وقد اتوا من بلاد مختلفة ليفحصوا تعاليم المسيح ويحكموا عليها ، فكانوا جالسين بكبرياء يراقبونه . وقد اجتمع عدد كبير من اليهود من قري الجليل المحيطة بكفرناحوم بل أيضا من قري اليهودية وهي التي تقع جنوب الجليل وقدموا له مرضي كثيرين فشفاهم ، فتعجب الناس من قوة الله التي فيه .
+ هل تستمع باتضاع لتعاليم الكنيسة أم تسمع لتحكم بكبرياء علي الواعظ ؟ لتكن كل كلمة تسمعها أو كتاب تقراه رسالة روحية من الله لتطبيقها في حياتك ، فتجد خلاص نفسك .
ع 18 - 19 : من بين المرضي الكثيرين الذين ازدحموا حول المسيح ، حضر اربعة رجال ( كما ذكرت في مت 9 ) يحملون مشلولا علي فراشه ، وبسبب الزحام حول الباب لم يجدوا طريقة للوصول إلى المسيح إلا الصعود فوق السطح من السلم الخلفي . وكانت توجد فتحة في السقف يغطونها بالاخشاب في الشتاء ويرفعونها في الصيف ، فرفعوا هذه الالواح الخشبية الموجودة بين الطوب الأخر ( وهو الطوب المحروق الذي يغطي السقف ليمنع نفاذ مياه الامطار ) وربطوا فراش المشلول ودلوه من السقف فنزل قدام رب المجد يسوع.
كم تكلف هؤلاء الرجال الاربعة من جهد كبير يعلن ايمانهم بالمسيح ومحبتهم للمريض ، وهم يرمزون إلى فئات الكنيسة المقبلة بايمان علي المسيح ( الاساقفة الكهنة الشمامسة الشعب ) لتجد خلاصا فيه أو الانجيليين الاربعة ، الذين ببشائرهم يحملوننا إلى الإيمان بالمسيح.
+ اظهر محبتك وايمانك بجهاد عملي ، فتفرح قلب الله وتنال بركاته.
ع 20 : لما رأي المسيح الإيمان العملي لهؤلاء الاصدقاء الاربعة ، اهتم جدا بشفاعتهم العملية في صديقهم ، فمنحه غفران خطاياه الذي هو السبب الحقيقي لمرضه، فهو يقطع المرض من جذوره واصله ، وهذا يؤكد لاهوته وسلطانه علي غفران الخطايا لأنه لا يستطيع ذلك إلا بالله .
ليس معني هذا عدم ايمان المشلول ، بل عجزه عن الحركة والكلام لم يعطه فرصة أن يعبر عن ايمانه ، ولكن قبوله وهو في هذه الحالة الصحية السيئة أن يخرج من بيته ، ويدخل بين الزحام ، ويصعدوا به إلى السطح ويربطوا السرير ويدلوه ، متحملا هذا التعب واحتما سقوطه اثناء تدليته ... كل هذا يؤكد رغبته في الشفاء وايمانه.
+ احتمالك للآلام برضي يؤكد محبتك وايمانك بالله ، تشفع بالقديسين اصدقائك ، فهذا يفرح قلب الله ويستجيب لطلباتهم.
ع 21 : تضايق الكتبة والفريسيون من كلام المسيح معلنين أن من يغفر الخطايا هو الله وحده فكيف يامر المسيح بغفران الخطايا ؟
ع 22 : علم المسيح افكارهم دون أن يقولها ، ولا يعلم افكار الإنسان الداخلية إلا الله فهذا اثبات للاهوت المسيح الذي عاتبهم علي شكوكهم.
ع 23 ، 24 : سال المسيح الكتبة والفريسين عن أي الأمور اسهل ، غفران الخطايا أم الشفاء الجسدي ؟ ... بالطبع الشفاء الجسدي ، فالمسيح قد صنع الاعظم وهو غفران الخطية ، ولكن لكي يرد علي شكوكهم ويؤكد لاهوته وسلطانه ، أعطى الشفاء للمشلول بكلمة واحدة ليقوم ويحمل سريره.
+ إن محبة الله لك قوية ومستمرة ، تشعر بها واضحة في الكتاب المقدس والصلاة والأسرار المقدسة ، ولكنه يؤكدها لك بعطايا كثيرة لعلك تفهم محبته اللانهائية لك.
ع 25 : ذهب المرض عنه في الحال واستعاد صحته الكاملة ، حتى انه استطاع أن يحمل فراشه ويعود إلى بيته ، وكان وهو يشق طريقه بين الجموع يشكر الله ويسبحه .
+ إن عطاء الله لنا بسخاء فوق ما نتوقع أو نطلب ، لذا ينبغي أن نشكره كل حين علي عطاياه ونشترك مع الكنيسة في تسبيحه .
ع 26 : أمام هذه المعجزة العظيمة ، تعجب الجميع ومجدوا الله الذي صنع بينهم هذه المعجزات متحيرين من قوة المعجزة وسلطان المسيح.
[ 4 ] دعوة لاوي ( ع 27 - 32 )
ذكرت أيضا في ( مت 9 : 9 ؛ مر 2 : 13 ، 14 )
ع 27 - 28 : في مكان جمع الضرائب ، جلس متي العشار الذي دعاه هنا لوقا البشير باسمه الأخر وهو لاوي ، تكريما له ليعيده إلى وظيفته الاولي العظيمة وهي الخدمة ، فقد كان سبط لاوي كله مخصصا لخدمة الهيكل ، ودعاه المسيح ليتبعه ، فترك وظيفته بكل ما يتصل بها من مكاسب مادية ومركز عظيم ، وتبع المسيح مفضلا المكسب الروحي عن المادي .
+ لكيما تفرغ وقتا لله ، ستضطر لترك بعض راحتك وانشغالاتك ومكاسبك المادية . فهل المسيح في نظرك يستحق هذا ؟
ع 29 : إذ فرح لاوي ( متي ) بتبعيته للميسح ، فكر أيضا في زملائه العشارين واصدقائه الخطاة الذين عبر عنهم هنا لوقا قائلا آخرين ، وكيف يجزبهم لتبعية المسيح . فصنع وليمة في بيته جمع فيها كل هؤلاء ، ودعا إليها المسيح واثقا أن تعاليمه ستؤثر حتما فيهم وتقودهم للتوبة .
+ هل تشعر بمسؤليتك نحو افراد اسرتك واصدقائك وجيرانك وزملائك في العمل ؟ كيف تحاول جذبهم لمحبة الله والارتباط به ؟
ع 30 : تضايق الفريسيون والكتبة ، وهم القادة الروحيون لليهود ، من اختلاط المسيح بالخطاة واعلنوا ذلك . ولكن لحرجهم أن يقولوا هذا للمسيح اعلنوه لتلاميذه ، وهم يفكرون فقط في منظرهم ورأي الناس فيهم وليس خلاص الآخرين .
+ احتمل رأي الناس المعارضين إذا احتاج الضعفاء والمزدري بهم إلى خدمتك ، ما دام هدفك هو تقديم محبة المسيح للكل .
ع 31 - 32 : اوضح المسيح هنا أن الخطية هي ضعف ومرض ، فيحتاج الخطاة أن نشفق عليهم ونعالجهم وليس أن نبتعد عنهم . وهو الطبيب الحقيقي الذي اتي إلى العالم ليشفي كل الساقطين في مرض الخطية .
أما من يظنون انهم اصحاء أو ابرار بكبريائهم ، فهؤلاء لا فائدة لهم من تعاليم المسيح إن لم يتوبوا أولا عن برهم الذاتي ، وهذا قد يأتي إذا سقطوا في تجربة شديدة .
+ أشفق علي الخطاة وصلي لأجلهم حتى لو كانت خطيتهم الاساءة اليك بل ليتك تقدم محبتك لهم فتخجلهم وتجذبهم للمسيح .
[ 5 ] الصوم المسيحي ( ع 33 - 39 )
ع 33 : سال اليهود المسيح عن عدم صوم تلاميذه مع تمسك تلاميذ يوحنا والفريسيين بذلك ، وهذا إما سؤال استفهامي أو يظهر تثقلهم وتذمرهم من الصوم ، أو اعتراض علي المسيح وتلاميذه لنقصهم في هذا الامر .
ع 34 - 35 : أعطى المسيح في أجابته مثلا عن العريس والعرس . فكما يفرح أهل العرس بعريسهم ، هكذا أيضا تلاميذ المسيح يفرحون روحيا بمعاينتهم له ، ولكن عندما يذهب العريس يستطيع بنو العرس أن يصوموا . وكذلك تلاميذ المسيح عندما يصعد إلى السماء يشعرون بضعفهم واحتياجهم ، فيصومون بزهد وصلوات كثيرة ، فيعطيهم الله معرفته ومعاينته روحيا . وتطبيقا لذلك نصوم صوم الرسل بعد صعود المسيح وعيد حلول الروح القدس .
ع 36 : ثم عالج المسيح مشكلة الفريسيين والناموسيين المتمسكين بحرفية الناموس دون جوهره ، وكيف أن ممارستهم الروحية غير مقبولة ما دام قلبهم غير نقي . واوضح ذلك بمثال وهو معالجة ثوب عتيق بوضع رقعة جديدة فيه ، فهذا لا يفيده بل يضره لان القطعة الجديدة قماشها قوي أما انسجة العيق فضعيفة فتتقطع عندما نخيط فيها الرقعة الجديدة ، ويزداد الثوب القديم رداءة وتمزقا . كذلك إن لم تتجدد حياة الإنسان بالتوبة والإيمان بالمسيح لا تفيده ممارساته الروحية من صلوات واصوام اواي عمل روحي .
ع 37 - 38 : ثم اكد نفس المعني في الاية السابقة بمثال جديد هو وضع خمر جديد في زقاق عتيق . والزقاق هي إناء يوضع فيه الخمر يعمل من جلد الماعز ، وهو يشبه القربة ، والخمر إذا ترك فترة في الزقاق يختمر فيتمدد فاذا كانت الزقاق عتيقة تكون جافة وفقدت مرونتها حينئذ تنشق فيتلف ، أما الخمر فتهرق وتنسكب وتشيع . فلذلك يضعون خمرا جديدة في زقاق جديدة تكون لها المرونة والتمدد إذا زاد حجم الخمر داخلها.
و هكذا أيضا النفس المتجددة بالمسيح في حياة روحية تستفيد وتتوافق مع الممارسات الروحية .
+ نق قلبك بالتوبة وسامح الآخرين فتستطيع أن تتمتع بصومك وصلواتك .
ع 39 : يؤكد هنا أيضا صعوبة التجديد والتغير علي النفس من تعودها الحياة المادية إلى التوبة عن الخطية وعشرة الله ، كمثال من يذوق خمرا جديدة فيقول العتيق افضل ، مع أن الخمر العتيقة فيها نسبة كحول كبيرة ولكن التعود يجعله يتمسك بها مع إنها شديدة التاثير علي الجسم .
+ ثابر في جهادك لرفض الخطية المحببة والحياة القديمة ، واغصب نفسك في الجهاد الروحي حتى تتعوده وتتمتع به.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح