كلمة منفعة
عندما قال بولس الرسول (إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ) (رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي 3: 13، 14). لم يقصد بما هو وراء، الخطايا، إنما كان يقصد البر. يصنع كل فضائله وراءه ويمتد إلى قدام.
— انس ما هو وراء
رسالة بطرس الأولى 1
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
رسالة بطرس الاولى - الاصحاح رقم 1
رسالة بطرس الاولى
الإصحاح رقم 1
الأصحاح الأول:
الخلاص والآلام
1. تحية افتتاحية 1.
2. عمل الله الخلاصي
أ. حب الثالوث لنا 2.
ب. عطايا الله الجديدة 3 - 5.
3. موقفنا تجاه الخلاص
أولاً: الإيمان والرجاء والمحبة 6 - 12.
ثانيًا: الجهاد والعمل 13 - 25.
1. تحية افتتاحية
"بطرس رسول يسوع المسيح إلى المتغربين من شتات بنتس وغلاطية وكبدوكية وآسيا وبثينيية" [1].
"بطرس" وهو الاسم الذي دعاه به الرب (يو 1: 42)، ويسمى بالسريانية "صفا" أو "كيفا"، ومعناه "صخرة"، إشارة إلى الإيمان الذي نطق به من جهة الرب يسوع.
"رسول يسوع المسيح" وهنا يدعو نفسه رسولاً، أي أحد الإثني عشر، وليس برئيس عليهم بل واحدًا منهم.
"إلى المتغربين من شتات بنتس وغلاطية..." وقد سبق لنا الحديث عن هذه البلاد. وهنا يدعوهم بالمتغربين والمشتتين، وهذا يتناسب مع روح الرسالة إذ هي موجهة إلى أناس متألمين. لا تقوم هذه الغربة على مجرد قصر الحياة الزمنية فحسب، لكن على ما هو أسمى وهو انتسابنا إلى ملكوت المسيح السماوي. وكما يقول الرسول، "فإن سيرتنا نحن في السماوات" (في 3: 20).
هذا الإحساس بالغربة النابع، لا عن نظرة تشاؤمية يائسة، بل نظرة مبهجة، وهو التعلق بالسماويات، هو الأساس لاحتمال الآلام بصبر ورفض الأرضيات، بل هو أساس حياتنا الروحية كلها.
وقد عرَّف القديس يوحنا الدرجي الغربة قائلاً: [الغربة تعني أننا نترك إلى الأبد كل ما في أرضنا من أمر زمني يعوقنا عن الوصول إلى غاية الحياة الروحية. الغربة هي سلوك متواضع... حكمة خفية... فطنة لا يعرفها الأكثرية... حياة مستترة... هدف غير منظور... تأمل غير مرئي... اشتياق للتواضع... رغبة في الألم... عزيمة دائمة على محبة الله... كثرة إحسان... نبذ المجد الباطل... صمت عميق.]
الغربة هي انطلاقة بالنفس البشرية بكل طاقاتها لتعبر فوق كل الآلام والأتعاب لتهيم في حب الثالوث القدوس.
2. عمل الله الخلاصي
أ. حب الثالوث لنا
لما كانت الرسالة تدور حول "الألم في حياة المؤمن" فكان لِزامًا على الرسول أن يبدأ حديثه بالخلاص الذي يقدمه لنا الثالوث القدوس في حب لا ينطق به، لأن اكتشاف الإنسان لمحبة الله الباذلة هو الدافع القوي لاحتمال الآلام برضا، لذلك حدثنا عن:
1. حب الآب المُعلَن في اختياره للإنسان.
2. حب الروح القدس المُعلَن في تقديسنا للطاعة.
3. حب الابن المُعلَن على الصليب.
اختيار الآب لنا
"(إلى) المختارين بمقتضى علم الله السابق في تقديس الروح للطاعة ورش دم يسوع المسيح" [2].
أعلن الله حبه للإنسان باختيارنا للملكوت. هذا الاختيار فهمه اليهود المتعصبون فهمًا خاطئًا، إذ حسبوه قائمًا على محاباة الله لشعبٍ معينٍ أو جنس معين وإلزامهم بالسلوك في طريقه، لهذا التزم رسول الختان أن يتحدث عن اختيار الآب لنا إذ أوضح:
1. أن الاختيار قائم "بمقتضى علم الله السابق"، هذا العلم غير الإرادة. فمن جهة الإرادة يود أن الجميع يخلصون، لكن بسابق علمه يعرف الذين يقبلونه ويؤمنون به ويثبتون فيه. وكما يقول الرسول: "لأن الذين سبق فغينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه" (رو 8: 29). على الصليب فتح الابن يديه معلنًا دعوة الآب لكل البشرية. لكن الآب يعرف الذين يتبعونه ويسلكون في وصاياه كما يعرف الابن خرافه (يو 10: 14).
2. يقول القديس أغسطينوس بأن الرسول يدعو المؤمنين مختارين، ليس لأن جميعهم يثبتون في الاختيار إلى النهاية، لكن من قبيل أن المختارين هم بين صفوف المؤمنين.
3. الاختيار هنا ليس فيه حرمان للإنسان حريته وقسره على سلوك معين، بل هو "في تقديس الروح للطاعة"، أي في الخاضعين لعمل روح الرب، السالكين في الطاعة.
وقد عالج القديس أغسطينوس هذا الموضوع فقال:
[يقول القديس بولس عن فليمون: "الذي كنت أشاء أن أمسكه عندي لكي يخدمني عوضًا عنك في قيود الإنجيل، ولكن بدون رأيك لم أشاء أن أفعل شيئًا، لكي لا يكون خيرك على سبيل الاضطرار بل على سبيل الاختيار". وجاء في سفر التثنية "أنظر قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير، الموت والشر... فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك" (30: 15، 19). وأيضًا في سفر ابن سيراخ: "هو صنع الإنسان في البدء وتركه في يد اختياره... فإن شئت حفظت الوصايا ووفيت مرضاته. وعرض لك النار والماء فتمد يدك إلى ما شئت" (سي 15: 14، 17). هكذا أيضًا نقرأ في سفر إشعياء "إن شئتم وسمعتم تأكلون خير الأرض وإن أبيتم وتمردتم تؤكلون بالسيف لأن فم الرب تكلم" (1: 19-20)... فإننا لا نبلغ إلى الغاية بغير إرادتنا، ولكن لا نستطيع أن نكمل الغاية ما لم ننل المعونة الإلهيّة.]
2. تقديس الروح للطاعة
الآب يحبنا فاختارنا له، والروح القدس يحبنا بذات حب الآب لأنه روح الآب، وعمله أن يقدسنا للطاعة. فالإنسان لا يقدر بذاته أن يتقدس، ولا يقدر بذاته أن يجاهد، لذلك وهبنا الله روحه معينًا لنا. فخلال سرّي المعمودية والميرون سكن فينا روح الله وصرنا مُفرزين له. وخلال سر التوبة والاعتراف تغفر لنا خطايانا. وخلال سر الإفخارستيا نثبت في الله. كما يقدم لنا الروح أعماله التقوية من محبة وفرح وسلام ووداعة... بهذا كله يقدسنا الروح ويعيننا على الطاعة والمثابرة.
3. "ورش دم يسوع المسيح"
حب الله في اختياره لنا وتقديسه حياتنا كلفة ثمنًا هذا مقداره! دم يسوع المسيح كفارة عن خطايانا وشفاءً لأمراض نفوسنا وعهدًا للشركة معه! أمام هذا الحب العملي الباذل نخجل أن نتذمر من جهة الآلام أو نشكو من ضيقات أو نخاف من الموت!
"لتكثر لكم النعمة والسلام"
إذ قدم لنا كل إمكانية إلهيّة، إذ دفع الثمن ووهبنا روحه معينًا في الجهاد، لذلك فهو يفيض علينا بالنعم والسلام.
أ. النعمة: أي نعمه المجانيّة وبركاته الإلهيّة التي تملأ القلب سلامًا.
ب. السلام: وهو يقوم على نعمة الله، فتدرك النفس مصالحتها مع الله مصدر سلامها وسعادتها، فتهيم معه في شركة حب وتسمو فوق كل الآلام. وهذا يعكس أيضًا سلامًا مع الغير حتى المضايقين لنا، لأن الداخل قوي وثابت فلا يضطرب الخارج!
ب. عطايا الله الجديدة
يرسم لنا الرسول عظمة عطاياه المجانية التي نتمتع بها باستحقاقات الدم، فيقول "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية" [3].
لك البركة أيها الآب إذ قدمت لنا برحمتك الغنية أثمن عطية... وهبتنا ميلادًا جديدًا بالمعمودية! هذا الميلاد الذي على أساسه تبني كل عبادتنا لك!
إذ وهبتنا:
1. الميلاد الجديد به نُزِعنا من الزيتونة البرية وطُعمنا في الزيتونة الجديدة (رو 11 : 24)، صُلب إنساننا العتيق ووهبنا أن نكون خلقة جديدة (2كو 5: 17) "لا بأعمال برّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تي 3: 5).
وكما يقول القديس ديديموس الضرير: [عندما نغطس في جرن المعمودية، فبفضل صلاح الله الآب وبنعمة روحه القدوس نتعرى من خطايانا، إذ نتخلص من إنساننا العتيق، ونتجدد، ونُختم بقوته لملكيته الخاصة. ولكن عندما نخرج من جرن المعمودية نلبس المسيح مخلصنا كثوبٍ لا يبلى، مستحقًا لكرامة الروح القدس عينها، الروح القدس الذي جددنا ودفعنا بختمه.]
2. الرجاء الجديد: إذ يكمل الرسول قائلاً: "لرجاءٍ حي بقيامة يسوع المسيح من الأموات" [4].
كانت الأنظار، في العهد القديم، تتركز حول أرض الموعد والبركات الزمنية كرمز لأورشليم السمائية والبركات الأبدية، مع تلميح بالأمور الأبديّة قدر ما تستطيع أعينهم أن ترى. أما الآن بعد أن صار لنا الميلاد الذي من أب سماوي وأم سماوية (الكنيسة) فإنه لا يليق بنا أن يكون لنا رجاء في الزمنيات.
هذا الرجاء الجديد يقوم على قيامة الرب من بين الأموات، إذ صار لنا نحن أعضاء جسده السري أن نخلع كل رجاء زمني متطلعين برجاء حي تجاه ميراث أبدي. إنه رجاء حي لأنه ينبع من قلب حي يفيض على الدوام بحياة حب لا ينضب!
3. الميراث الأبدي: المولود من الجسد ينتظر ميراثًا ماديًا. والمولود من الروح يتعلق قلبه بميراث روحي. "فإن كنا أولادًا فإننا ورثةً أيضًا، ورثة الله ووارثون المسيح" (رو 8: 17)... وما هي سمات هذا الميراث الروحي؟
+ "لميراث لا يفنى" لأنه ليس ميراثًا أرضيًا، بل سماويً.
+ "ولا يتدنس"، إذ يختلف عن الميراث الأرضي الذي يمكن أن يُغتصب بالخداع أو الاختلاس، كما يمكن أن يتبدد بالإسراف الشرير.
+ "ولا يضمحل"، إذ لا يزول جماله ولا يفقد بهاءه.
+ "محفوظ في السماوات لأجلكم"، إذ هو موضوع عناية الله وحراسته، يحفظه لأجلكم أي لأجل كل إنسان. فلا نيأس قط لأنه هيأ السماوات من أجلنا بالرغم مما بلغناه من انحطاط.
وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظروا إلى طبيعتنا كيف انحطت ثم ارتفعت؟ فإنه ما كان يمكن النزول أكثر مما هوى إليه الإنسان، ولا يمكن الصعود إلى أكثر مما ارتفع إليه المسيح (ورفعنا معه). اليوم (يوم صعود الرب) ارتفعت طبيعتنا فوق كل خليقة!]
4. قوة جديدة: "أنتم الذين بقوة الله محروسون، بإيمان لخلاص مستعد أن يعلن في الزمان الأخير" [5]. اليد الإلهية التي تحفظ الميراث هي التي تحرسنا نحن مهيئين للميراث، إذ تقدم لنا كل إمكانية لأجل تقديسنا للعرس السماوي الذي يُعلن يوم الرب العظيم.
3. موقفنا تجاه الخلاص
أولاً: الإيمان والرجاء والمحبة
يقدم الله كل إمكانية إلهية لأجل خلاصنا، لكننا لن نتمتع بالسير في طريق الخلاص بغير اشتراكنا بالإرادة (النية) والعمل. هذه المشاركة من جانبنا لا تقلل من عمل الله الخلاصي، أو تنفي عنه مجانيته أو تدفع بنا إلى البرّ الذاتي. لأننا نؤمن أن إيماننا ورجاءنا ومحبتنا وأعمالنا رغم ضروريتها، إذ بدونها نحرم من الخلاص، إلاَّ أنها ليست من ذواتنا. لكنها هبة من الله يقدمها للمثابرين والمغتصبين، مبنية على استحقاقات دم المسيح.
فلا تبرير لإنسان بغير الإيمان والرجاء والمحبة (أعمال المحبة)، ولا انتفاع بأعمال الله القوية من أجل خلاصنا بدونها. فما هو التزامنا نحن؟
1. الإيمان: "الذي به تبتهجون، مع أنكم الآن إن كان يجب تُحزَنون يسيرًا بتجارب متنوعة. لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني، مع أنه يمتحن بالنار" [6-7].
وإذ يتكلم الرسول عن واجبنا أو موقفنا تجاه خلاصنا الثمين يطالبنا بالإيمان العملي:
أ. حياة مملوءة بهجة: فالإيمان بالرب الفادي يُشعل في النفس بهجة لا تطفئها الآلام أو التجارب أو أي ظرف خارجي. لنفرح ولنبتهج مع أمنا العذراء قائلين: "تبتهج نفسي بالله مخلصي". ولنقل مع المرتل في توبته: "رُد لي بهجة خلاصك".
ب. حياة مملوءة تجارب: "إن كان يجب تُحزَنون" أي أن التجارب ليست أمرًا ثانويًا في حياة المؤمن بل إلزاميّة، خلالها يشترك مع الرب المتألم. ولا يتعرض لتجربة أو اثنتين بل لتجاربٍ متنوعةٍ، حاملاً الصليب مثل سمعان القيرواني مع ربنا يسوع. هذه الآلام يسيرة من حيث أن زمان غربتنا مهما بلغ فهو قليل بالنسبة للأبديّة. هذا الاحتمال يزكي إيماننا، وإن كنا نناله بالجهاد من يدي النعمة الإلهيّة. لهذا فاحتمالنا هذا لا ينفي مجانية الخلاص، ولا يبعث فينا الشعور بفضلٍ إلاَّ فضل الله.
2. الرجاء: "توجد للمدح والكرامة والمجد، عند استعلان يسوع المسيح" [7].
يسند الرجاء المؤمن في التجارب، إذ يرفع أنظاره إلى يوم الرب العظيم ليرى:
أ. المدح من الرب من أجل صبره إلى المنتهى "من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص".
ب. الكرامة أمام إخوته المشاركين معه في أورشليم السماوية.
ج. المجد: إذ استحق أن يكون متحدًا بعريس هكذا سماوي ومجيد!
3. المحبة: "الذي إن لم تروه تحبونه، ذلك وإن كنتم لا ترونه الآن، لكن تؤمنون به فتبتهجون بفرحٍ لا يُنطق به ومجيد" [8]. إن كنا لا نرى ما سنكون عليه وما سيكون لنا، لكننا نؤمن مترجين المجد الأبدي، لهذا نحب الله فرحين مبتهجين بعمله معنا.
نحب استعلان يسوع المسيح حيث يحمل جسدنا الفاسد عدم فساد، وترى النفس عريسها وجهًا لوجه. هذا هو غاية إيماننا "خلاص النفوس".
وكما يقول القديس أغسطينوس:
[يقول الرسول بولس أيضًا أننا نخلص بغسل الميلاد الجديد، ومع ذلك يعلن في موضع آخر: "لأننا بالرجاء خلصنا. ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء، لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضًا؟ ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر" (رو 8: 24-25). وبهدف مشابه أيضًا يقول زميله في الرسولية بطرس "الذي وإن لم ترونه الآن لكن تؤمنون به فتبهجون بفرحٍ لا ينطق به ومجيد، نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس" [9]. فإن كان الآن هو وقت الإيمان، وجزاء الإيمان هو خلاص نفوسنا، هذا الإيمان الذي فيه نعمل بالمحبة (غل 5: 16) فمن يشك أنه سيأتي اليوم إلى نهاية. وفي نهايته ننال الجزاء ليس فقط خلاص أجسادنا الذي تحدث عنه بولس الرسول (رو 8: 23) بل ونفوسنا أيضًا كما قال الرسول بطرس...
إن الزمن الحاضر سينتهي، لذلك فإن الأمر هنا متوقف على الرجاء أكثر منه على نوال المكافأة.
ولكن يلزمنا أن نتذكر هذا وهو أن إنساننا الداخلي، أي النفس، يتجدد يومًا فيومًا (2كو 4: 16) ولهذا فإننا ونحن ننتظر الخلود الذي للجسد والخلاص الذي لنفوسنا في المستقبل، فإننا بالعربون الذي نناله هنا نقول أننا خلصنا. حتى أننا ننظر إلى معرفة كل الأمور التي سمعها الابن الوحيد من الآب كأمورٍ نرجو نوالها في المستقبل ولو أن السيد أعلنها كما لو وهبت لنا فعلاً.]
هذا الحب للسماوات والاشتياق للخلاص الأبدي هو:
أ. موضوع نبوة الأنبياء:
بالحب اشتهوا الأبديّة، فوهبهم الروح القدس "روح المسيح" أن يتنبأوا عن الخلاص إذ يقول الرسول: "الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء، الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم، باحثين أي وقت أو ما الوقت الذين كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم، إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها" [10-11].
لقد فتشوا وبحثوا عنه... وهذا دليل الحب. فوهبهم روح المسيح أن يشهدوا للأبديّة (الأمجاد) مرتبطة بالآلام التي للمسيح، لأنه لا خلاص بدون سفك دم. لقد كان الصليب هو محور الرموز والنبوات. تعلق به الآباء والأنبياء بعدما رأوه من بعيد، إذ يقول الرب "إبراهيم أبوكم رأى يومي فتهلل".
رأوا الآلام بطريقة تفوق إدراكهم (دا 12: 8-9). وهنا يستخدم صيغة الجمع ليكشف الرسول عن شدتها وكثرتها، والأمجاد أيضًا بالجمع لأنه كلما كثرت الآلام تزداد الأمجاد. هنا تشويق خفي للنفس أن تحمل آلام المسيح ولا تستكثرها، لأنها تبغي أيضًا مشاركة أمجاد فائقة الوصف. وهذا هو مفهوم الحب الحقيقي.
ب. موضوع كرازة الإنجيل: إن كان الأنبياء خلال الظلال والنبوات أحبوا الرب واشتهوا أن يروا صليب الرب وأمجاده، فكم بالأكثر يليق بنا نحن أن نحبه إن كان هذا كله من أجلنا نحن!
"الذين أعلن لهم أنهم ليس لأنفسهم، بل لنا كانوا يخدمون بهذه الأمور التي أخبرتم بها أنتم الآن بواسطة الذين بشروكم في الروح القدس المُرسل من السماء".
لقد جاء بنا ملء الزمان الذي به نُبَشَّر ونُبَشِّر بما اشتهى الأنبياء أن يسمعوه ويروه. هنا يقول الرسول عن الأنبياء "يخدمون بهذه الأمور"، أي لم تكن موضوع كبرياء لهم بل خدمة وتواضع.
ج. موضوع دهش السمائيّين "التي تشتهي الملائكة أن تطلع عليها" [12].
+ الحب من سمات الملائكة أيضًا، لذلك تشتهي أن تطلع على خلاص الإنسان، وشهوتهم هذه ليست من قبيل حب الاستطلاع لكن مشاركة للإنسان، واشتياقًا نحو توبته ورجوعه (لو 15: 10).
+ صنيع الرب معنا هو موضوع دهش الملائكة وتسبيحهم للخالق!
ثانيًا: الجهاد والعمل
إذ نتطلع إلى الخلاص الذي يقدمه لنا الله، ونؤمن به ونترجى الميراث ونحب الأبديّة ماذا نفعل؟
1. "لذلك منطقوا أحقاء ذهنكم صاحين"
كأن الرسول يوقظ العروس الراحلة لملاقاة عريسها مكررًا لها النداء "اصحوا" ثلاث دفعات (4: 7، 5: 8) حتى تكون دائمة متهيئة لعريسها ممنطقة أحقاء ذهنها!
أ. أخذ الرسول هذا التشبيه مما كان يصنعه المسافرون، إذ كانت ملابسهم طويلة، فيشدوا أحقاءهم حتى لا تُعيقهم.
ب. وربما لأن الإنسان يقوم برفع أكمامه على ذراعيه (تشمير ساعديه) عندما يستغرق في تفكير عميق لأمر هام.
ج. أو لأن الصيادين اعتادوا أن يمنطقوا أحقاءهم عندما يغوصون في الماء حتى رُكَبهم.
إذن لنمنطق ذهننا بالبرّ ساهرين في حياة مقدسة متشبيهن بعريسنا. يقول البابا أثناسيوس الرسوليٍ: [لنمنطق أحقاء ذهننا متشبهين بمخلصنا يسوع المسيح الذي كتب عنه ويكون البرّ مِنطقة مَتنَيْهِ والأمانة مِنطقة حقويْه" (إش 11: 5).]
2. "فالقوا رجاءكم بالتمام على النعمة التي يؤتى بها إليكم، عند استعلان يسوع المسيح" [13].
السهر بغير رجاء يخور، لهذا يلزم أن يكون كل رجائنا مُنصبًا في المجد (النعمة) الذي يؤتى به إلينا عند ظهور ربنا.
ليكن الرب هو رجاءنا (1تس 1: 3)، وليكن ظهوره أمام أعيننا، لأنه ليس ببعيدٍ عنا بل يؤتى به إلينا، وفي النص اليوناني تعني أنه في الطريق إلينا لنناله. وليكن رجاؤنا في الأبديّة "بالتمام" أي بكمال ونضوج، لأنه كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الرجاء بالتأكيد يشبه حبلاً قويًا مُدَلَّى من السماوات يُعين أرواحنا، رافعًا من يمسك به بثبات فوق هذا العالم وتجارب هذه الحياة الشريرة، فإن كان الإنسان ضعيفًا وترك هذا الهلب المقدس يسقط للحال ويختنق في هوة الشر.]
3. "كأولاد الطاعة، لا تشاكلوا شهواتكم السابقة في جهالتكم" [11].
لنتطلع إلى حقيقة مركزنا أننا أولاد الآب سماوي كلي الصلاح، فكأولاد مطيعين لا نعود بعد نَسْلك فيما كنا فيه أيام جهلنا. وكما يقول القديس أغسطينوس:
[لنا والدان ولدانا على الأرض للشقاء ثم نموت. ولكننا وجدنا والدين آخرين. فالله أبونا والكنيسة أمنا، ولدانا للحياة الأبديّة. لنتأمل أيها الأحباء أبناء من قد صرنا؟ لنسلك بما يليق بأبٍ كهذا... وجدنا لنا أبًا في السماوات، لذلك وجب علينا الاهتمام بسلوكنا ونحن على الأرض. لأن من ينتسب لأبٍ كهذا عليه السلوك بطريقة يستحق بها أن ينال ميراثه.]
وأي سلوك يليق بنا؟
"بل نظير القدوس الذي دعاكم، كونوا انتم قديسين في كل سيرة. لأنه مكتوب كونوا قديسين لأني أنا قدوس. وإن كنتم تدعون أبًا الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد، فسيروا زمان غربتكم بخوف" [15-17].
أوضح لنا الرسول: ما هو سلوكنا؟ ومصدره ودافعه ومجالاته.
أ. سلوكنا هو القداسة أي حب السماويات وبغض الخطية.
ب. دافعه هو:
أولاً: أن نسير كما يليق بالدعوة التي دُعينا إليها.
ثانيًا: كأولاد للطاعة نخضع لإرادة الآب القدوس وكما يقول العلامة ترتليان: [إرادة الله قداستنا (1تس 4: 3)، لأنه يريد منا نحن صورته، أن نكون على مثاله، لنكون قديسين كما هو قدوس (لا 11: 44).]
ثالثًا: يضعنا الرسول أمام الدينونة كدافع لحياة القداسة والورع.
ج. مصدره: الله القدوس، وهو أبونا. وهذه هي كل المسيحية، أن ندرك أبوة الله لنا ونتمتع بها. هذه الأبوة لا تقوم على أساس المحاباة، بل مبنية على مراحم الله وعدله، إذ "يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد"، فلا نيأس لأنه أبونا، ولا نستهتر لأنه ديان. هو أب عادل وديان مملوء حنانًا. بهذا نزع رسول الختان الفكر اليهودي الخاطيء من جهة أن الله يحابي جنسهم على حساب البشرية وعلى حساب عدله.
د. مجالاته: "في كل سيرة"، وفي اليونانية تعني طريق الحياة أو السلوك، أي في كل تصرف: في الصمت كما في الكلام، في الأفكار الخفية كما في العمل الظاهر، ليكن كل ما هو فينا "قدس الرب".
4. التأمل في عظمة الخلاص
إن كنا مُطالَبين بالسهر والرجاء والطاعة والقداسة والسير بخوف الله، هذه جميعها نحمل فيها أتعابًا وآلامًا نقبلها باختيارنا، وأما ما يدفعنا لهذا، فهو تأملنا المستمر في عظمة الخلاص إذ هو:
أ. ليس بفضة أو ذهب
"عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء بل بدم كريم، كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح" [18-19].
كان يُدفَع فضة أو ذهب فدية عن أسرى الحرب أو للعتق من العبوديّة، أما الرب فلم يَدفع هذا أو ذاك ليفدينا من سيرتنا الباطلة التي أُسِرْنا فيها، بل قدم دمًا كريمًا، آلامًا وأتعابًا احتملها ابن الله، انتهت إلى عار الصليب!
قَدَّم دمًا كريمًا كما من حملٍ بلا عيب، والحمل هو أطهر البهائم (خر 12: 5، تث 28: 3) لذلك كان حمل التقدمة إشارة للسيد المسيح القدوس الذي بلا شر (عب 7: 26، يو 1: 29).
وكما يقول العلامة ترتليان: [قد اشتُريتم بثمن أي بالدم. قد نُزِعتُم من إمبراطورية الجسد لتمجدوا الرب في أجسادكم.]
التأمل في صليب الرب يُشوِّق النفس للآلام ويُزهِدها في غنى العالم، ويحثها على طلب الغنى الأبدي. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [صليب الرب هو حكمتي! موت الرب هو خلاصي! لأننا نخلص بدمه الثمين كقول الرسول بطرس.]
ويُحَدِّث القديس أمبروسيوس الأغنياء ليتأملوا هذا الثمن قائلاً:
[لا يظن أحد أنه قد دُفع عنه ثمن مختلف بسبب غناه. فالغنى في الكنيسة هو الغنى في الإيمان، إذ المؤمن له كل عالم الغنى. أي عجب في هذا إن كان المؤمن يملك ميراث المسيح الذي هو أثمن من العالم؟
لقد قيل للجميع، وليس للأغنياء وحدهم: فقد افتُديتم بدم كريم.
فإن أردتم أن تكونوا أغنياء أطيعوا القائل "كونوا أنتم قديسين في كل سيرة"...
إنه يقول "فسيروا زمان غربتكم بخوف"، وليس بترفٍ أو تنعمٍ ولا في كبرياءٍ بل "بخوفٍ".
إن لكم هنا على الأرض زمانًا ليس أبديًا، فاستخدموه كعابرين منه حتمًا!]
ب. فداء أزلي
"معروفًا سابقًا قبل تأسيس العالم، ولكن قد أُظهِر في الأزمنة الأخيرة من أجلكم" [20].
لنتأمل محبته الأزليّة، فهذا العمل الفدائي ليس بجديدٍ، لكنه قبل أن يخلقنا، بل قبل تأسيس العالم، منذ الأزل خطة الله مدبرة تجاه الإنسان العاصي ليدفع عنه أجرة عصيانه.
هذا هو موضوع لذة المؤمنين الحقيقيّين أن يدركوا محبة الله الباذلة "من أجلهم هم"، فإن هذا يدفعهم لتقبيل الصليب، وحمله بسرورٍ بالرب يسوع.
ج. يثبت إيماننا ورجاءنا في الآب
"أنتم الذين به تؤمنون بالله الذي أقامه من الأموات، وأعطاه مجدًا حتى أن إيمانكم ورجاءكم هما في الله" [21].
لعل الرسول خشى من البدعة التي نادى بها فيلون السكندري فيما بعد إذ نادى بوجود إلهين: إله العهد القديم قاسي، يعاقب الخطاة ويهلكهم. وإله العهد الجديد وديع ومترفق بهم. لهذا يؤكد الرسول أن ما قام به الابن إنما في طاعة للآب، فإيماننا ورجاؤنا بالمسيح هما في الله الآب، وليس منفصلاً عنه.
لقد أطاع المسيح الآب فـ "مع كونه ابنًا تعلم الطاعة مما تألم به" (عب 5: 8)، مُسَلِّمًا الإرادة للآب. فأخلى ذاته وتجسد وتألم وقام، وأخذ المجد الذي له بإرادة الآب التي هي وإرادة الابن واحدة.
د. يهبنا إمكانيّة التطهير
"طهروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح، للمحبة الأخوية العديمة الرياء، فأحبوا بعضكم بعضًا من قلبٍ طاهر] بشدة" [22].
لنتأمل عظمة هذا الخلاص إذ لا يسلب الإنسان حريته، بل طالبه بالعمل: "طهروا نفوسكم"، فلا خلاص لإنسان لا يُطَهِّر نفسه. هذا التطهير يتم بطاعة الحق بالروح، أي طاعة المسيح يسوع بالروح القدس.
فالطاعة هي بإرادتنا حيث نُخْضِع هذه الإرادة لإرادة المسيح فيعمل قصده فينا، والطاعة تستلزم الجهاد والعمل لكن سندنا في ذلك روحه القدوس!
هذه الطاعة تتلخص في حبنا الأخوي، لأن هذا هو قصد الرب يسوع، وهذه هي وصيته، لذلك يقول الرسول:
"للمحبة الأخوية"، حيث يتسع القلب لكل البشرية بلا تمييز أو محاباة.
"عديمة الرياء"، إذ لا تنبع عن دوافع مظهرية بل حب داخلي.
"من قلب طاهر"، قد تَطَهَّر بالروح القدس، وصار نقيًا في غاياته.
"بشدة"، لأنها على مثال حب المسيح الذي مات عنا.
هـ. أعطانا ميلادًا جديدًا
"مولودين ثانية لا من زرع يفنى، بل مما لا يفنى، بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد لأن كل جسد كعشب، وكل مجد إنسان كزهر عشب. العشب يبس وزهره سقط وأما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد. وهذه هي الكلمة التي بُشِّرْتُم بها" [23-25].
يركز الرسول حديثه على "الولادة الثانية".، لأن خلالها نتمتع بعظمة الخلاص، وخلالها يكون لنا حق الميراث، ونجتاز الآلام والأتعاب ببهجة قلب.
هنا يقارن بين الميلاد الروحي والميلاد الجسدي. فالميلاد الروحي من زرع لا يفنى، مصدره كلمة الله الحيّة الباقية إلى الأبد. ويعني بهذه الكلمة:
1. "اللوغوس" أو الكلمة المتجسد إذ خلال صليبه ودفنه وقيامته صار لنا أن ندفن معه بالمعمودية ونقوم لابسين المسيح (غل 3: 27).
2. كلمة الكرازة "التي بشرتم بها" وهي تدور حول الصليب الذي بدونه ما كان الميلاد السماوي أن يقوم. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [لأن الماء بعد أن تكرس بسرّ صليب الخلاص يصبح مناسبًا لاستعماله في الجرن الروحي وكأس الخلاص. إذ كما ألقى موسى النبي الخشب في تلك العين، هكذا أيضًا ينطق الكاهن على جرن المعمودية بشهادة صليب الرب، فيصبح الماء عذبًا بسبب عمل النعمة.]
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
Tfseer
الإصحاح الأول
آية (1):- "1بُطْرُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى الْمُتَغَرِّبِينَ مِنْ شَتَاتِ بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَأَسِيَّا وَبِيثِينِيَّةَ، الْمُخْتَارِينَ. "
بُطْرُسُ = هو الإسم الذى دعاه به الرب (يو42:1) ويسمى بالسريانية صفا أو كيفا ومعناه الصخرة، إشارة للإيمان الذى نطق به (مت18،16:16).
رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ = هو أحد الإثنى عشر وليس رئيسا عليهم.
إِلَى الْمُتَغَرِّبِينَ = هذا يتناسب مع روح الرسالة إذ هى موجهة إلى أناس متألمين وهى دعوة لهم لأن يشعروا أنهم غرباء عن هذا العالم فيشتاقوا لموطنهم الحقيقى، أورشليم السماوية وليس أورشليم الأرضية، والتى بدأ منها إضطهاد المسيحيين ولاحظ أن التعلق بالسماويات هو أساس لإحتمال الآلام بصبر والرسالة موجهة لليهود الذين آمنوا بالمسيح فإضطهدوا فتشتتوا، ثم إنضم إليهم الأمم الذين آمنوا.
بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ...= وهذه مرتبة من الشرق إلى الغرب. إذا هو يكتب من مكان ما بالشرق، وليس من روما التى تقع فى غرب آسيا الصغرى.
آسيا = هى مقاطعة فى آسيا الصغرى (تركيا حاليا).
الْمُخْتَارِينَ = على الصليب فتح الإبن يديه معلنا دعوة الآب لكل البشرية. فالله يريد أن الجميع يخلصون (1تى4:2). والله يدعو وكل إنسان حر فى أن يقبل أو يرفض.
"يا أورشليم... كم مرة أردت....... ولم تريدوا" (مت37:23) والآب بسابق علمه يعرف الذين يتبعونه ويتجاوبون مع دعوته (رو29:8). والمختارين إسم أطلقه الرسل على كل المؤمنين وليس معنى هذا أن كلهم يثبتون إلى النهاية فى الإيمان، فالله لا يحرم الإنسان من حريته. ولكن كلمة المختارين تشير إلى أن البداية هى من الله، والفضل هو لله فى إيمانى، إذاً لماذا الإنتفاخ؟
آية (2):- "2بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ، فِي تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَةِ، وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: لِتُكْثَرْ لَكُمُ النِّعْمَةُ وَالسَّلاَمُ. "
سبق وقال أنهم مختارين، واليهود فهموا أن الله إختارهم كشعب مختار متعصبا لجنسهم ولغتهم وبلادهم، ولكن الرسول يبين هنا أساس إختيار الله لشعبه المسيحى.
1- 2بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ = مما سبق نرى أن الله يدعو(يو6: 44 ، 45) ولكن ليس الكل يوافق ولكن الإختيار ليس عشوائيا، بل الله يختار من بسابق معرفته يعرف أنه سيتجاوب مع دعوته (رو28:8-30) فعلم الله غير إرادة الله.
2- تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَةِ = تأثير الروح القدس الذى حل علينا بالميرون هو تبكيت النفس على خطاياها، وإقناعها بترك محبة العالم ، بل هو يعطى قوة نميت بها شهوة الجسد الخاطئة ونطيع وصايا الله، فنتقدس أى نتخصص ونتكرس لله (يو8:16) + (أر7:20) + (رو26،13:8) هذا إذا هو عمل الروح القدس أن يقدسنا أى يخصصنا لطاعة من إختارنا أى الآب. بل أن الروح يسكب محبة الله فى قلوبنا (رو5:5) ومن يحب الله يطيع وصاياه (يو23،21:14).
3- وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ = بهذه نرى عمل الثالوث فى خلاصنا. فالآب يختار ويدعو والروح يقدس للطاعة والإبن يطهر بدمه. فمن يلبس ثياباً بيض في السماء هم من غسلوا وبيضوا ثيابهم في دم الخروف ( رؤ7: 14) . ودم المسيح يكفر عنا أى يغطينا ، فلا يرى الآب خطايانا ، بل يرى دم ابنه ، فنحسب كاملين فيه وبلا لوم (كو1: 28 + اف1: 4). ولذلك فإن أفضل طاعة لا قيمة لها بدون دم المسيح. وكلمة رش دم = مقتبسة من العهد القديم (لا4:14-7) + (مز7:51) حيث كانوا يتطهرون برش دم الذبائح. ورش الدم هو للتطهير، فبدم المسيح نتطهر وتغفر لنا خطايانا (1يو7:1) + (رؤ14:7) ولكن لا يكفى التطهير، بل علينا أن نطيع الروح القدس لنتقدس،على أننا طالما كنا فى الجسد فنحن معرضين لأن نخطىء بسبب ضعف جسدنا لذلك فدم المسيح يطهرنا من كل خطية1يو1: 7 هذا إن كنا نطيع الروح القدس. والروح القدس هو العامل فى أسرار الكنيسة التى تثبتنا فى جسد المسيح. فبالإعتراف الله أمين وعادل، هو يغفر خطايانا (1يو9:1) + (يع16:5) + (يو23،22:20). والتناول يعطى لغفران الخطايا. ومن يأكل جسد إبن الإنسان ويشرب دمه يكون له حياة أبدية ويثبت فى المسيح والمسيح يثبت فيه (يو48:6-58) + (مت 26:26-28).
لِتُكْثَرْ لَكُمُ النِّعْمَةُ وَالسَّلاَمُ = لا سلام بدون نعمة. ولقد إختار الرسول كلمة يونانية (نعمة) وكلمة عبرية (سلام) فالرسالة موجهة لليهود والأمم. والسلام الذى يطلبه لهم الرسول يملأهم حتى وسط آلامهم.
آية (3):- "3مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ،"
مُبَارَكٌ اللهُ = كلمة مبارك هى تسبحة حمد وشكر لله الذى قدم لنا برحمته خلاصا عجيبا نحن غير المستحقين. فكلمة بركة عبرية تعنى يتكلم كلام حسن عن شخص ما .
وَلَدَنَا ثَانِيَةً = أعطانا بالميلاد الثانى أى المعمودية أن نكون خليقة جديدة (2كو17:5) والإبن له ميراث (رو17:8). وبالطبيعة الجديدة ندرك الله ونعرفه فنحبه.
وبمحبة الله هذه وإدراكنا للميراث المعد لنا كبنين نحتمل أى ألم بفرح.
لِرَجَاءٍ حَيٍّ = رجاء يفيض فينا بحياة روحية حقيقية، وهو أيضا رجاء فى حياة أبدية. هو رجاء حى قوى مؤسس على قيامة المسيح، فى مقابل الرجاء فى العالم الذى كثيرا ما يخيب الظنون والأمال، بل هو رجاء فى عالم محكوم عليه بالموت والفناء فهو رجاء ميت. وما أعطانا هذا الرجاء الحى هو قيامة المسيح = بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ = وهذه القيامة للمسيح أعطتنا أن تكون لنا قيامة وحياة أبدية مثله، وأنه سيكون لنا نصيبا فى عالم آخر ذهب إليه المسيح قبلنا ليعده لنا (يو1:14-3). لذلك هو رَجَاءٍ حَيٍّ.
آية (4):- "4لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ،"
لِمِيرَاثٍ = المولود من الجسد ينتظر ميراثا ماديا، والمولود من الروح يتعلق قلبه بميراث روحي (رو17:8). ونلاحظ أن الطفل لا يدرك شيئا عن ميراث آبائه المعد له، وهكذا نحن لا ندرك عظمة الميراث المعد لنا فهو لا يخطر على بال إنسان (1كو9:2) ولذلك نجد الرسول هنا لا يعطى مواصفات لهذا الميراث، بل يتكلم عنه من الجانب السلبي فهو ميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل.
لاَ يَفْنَى = أى ليس قابلا للزوال، عكس ميراث إسرائيل الأرضي الذى طالما ضاع منهم.
وَلاَ يَتَدَنَّسُ = كما دنس البابليون واليونان والرومان هيكل اليهود، أما ميراثنا السماوي فلن يدخله عدو يدنسه فهو محروس بسور إلهى وعلى أبوابه ملائكة (رؤ12:21).
وَلاَ يَضْمَحِلُّ = لا يزول جماله ولا يفقد بهاؤه، أما كل جمال أرضى فهو كإكليل زهور لابد أن يذبل (يع11،10:1).
مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ = هو موضوع عناية الله وحراسته، ونحن بالصبر والجهاد نسعى نحوه.
آية (5):- "5أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ. "
علينا أن نجاهد ولكن باطمئنان أن قوة الله تحرسنا حتى لا يضيع منا هذا الميراث المعد لنا. فالعلة الأولى لحفظ المؤمن المسيحي هى قُوَّةِ اللهِ (يو11:17).
والوسيلة لهذا هى الإيمان = بِإِيمَانٍ فبدون إيمان لا يمكن إرضاؤه (عب6:11) والله الذى حفظ الكنيسة رغم كل الإضطهادات قادر أن يحفظنا ويحفظ كل نفس متكلة عليه من الخطايا المحيطة بنا، فقوة الله التى أقامت المسيح قادرة أن تقيم أضعف مؤمن (اف20،19:1). وقوة الله تعمل بإيماننا. فعدم الإيمان يعطل عمل الله "ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم" (مت58:13).
تطلع إلى يسوع إذا هوجمت من تجربة وقل له أنا أثق فى قوتك ولا تتطلع إلى ضعفك أو قوة أعدائك، فبطرس غرق فى الماء إذ نظر إلى شدة الريح ولم ينظر إلى قوة يسوع (مت30:14). فإنها لخطية شنيعة أن يظن أحد أن القدير غير قادر على حمايته، وأيضا هو جهل وخطية أن نظن أننا نحن الذين نحمى أنفسنا.
لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ = فالمسيح بدأ عمله الخلاصى بالصليب والروح يعيننا الآن حتى نكمل، ولكن عمل الخلاص ينتهى بحصولنا على الجسد الممجد ودخولنا إلى الميراث الأبدى. ولكن كيف نكون محروسين؟
1. برجوعنا وتوبتنا المستمرة. وهذا يكون بالإستجابة لصوت تبكيت الروح القدس فينا.
2. الإتكال الكامل على المسيح وعدم الشك فيه ولا فى قدرته.
3. رفض كل إغراءات إبليس والهروب من كل أماكن الشر.
4. الإهتمام بتنفيذ وصايا الله والسهر الدائم على تنفيذ مرضاته.
5. الشركة مع الله فى صلاة دائمة بهذا نكون كمن فى حصن.
آية (6):- "6الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ إِنْ كَانَ يَجِبُ تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ،"
6الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ = أى الخلاص (آية 5) فالخلاص ليس معناه غفران خطايانا، وليس معناه أننا سنرث فى الأبدية ملكوت السموات، بل الخلاص يعمل فينا الآن ونحن على الأرض بأننا ولدنا من الله وصرنا خليقة جديدة (2كو17:5) هذه الخليقة الجديدة لا سلطان للخطية عليها (رو14:6). وهذه الخليقة الجديدة مملوءة بالروح ومن ثماره الفرح (غل23،22:5). لذلك نجد أولاد الله مملوئين بهجة، والبهجة التى يعطيها الله لأولاده هنا على الأرض هى عربون ما سنحصل عليه فى الأبدية من أفراح أبدية. وكلمة تبتهجون التى إستعملت هنا فى اللغة اليونانية الأصلية تشير لشدة الفرح. ونلاحظ أن أحلى مزامير داود قيلت وسط الآلام، وكانت مواكب الشهداء تدخل لساحات الإستشهاد بالترانيم وسط فرح عجيب، لذلك نفهم أن سمة الفرح الذى يعطيه الله للمؤمنين أنه لا ينتزع منهم وسط الآلام ولا بسبب أى ضيقة (يو22:16).
إِنْ كَانَ يَجِبُ تُحْزَنُونَ = قوله يجب يشير لأن التجربة لها هدف وقصد معين، فهى تطهر وتنقى المؤمن من أى شوائب. فالنيران (آية 7) هى نيران مطهرة، والله لا يلقى أحد فى تجربة إن لم يكن قادرا على إحتمالها (1كو13:10). بل أن الله يظهر وسط الضيقة مساندا للمتألم (كما حدث مع الثلاثة فتية فى أتون النار) ووجود الله وسط الضيقة يعطى تعزية عجيبة للمتألم. هنا نرى شركة الصليب إذ نحمل صليبنا مع المسيح المصلوب، ونرى شركة الفرح مع المسيح الذى يحمل معنا صليبنا.
يَسِيرًا = زمن العمر كله مهما كان طويلا فهو زمن قصير نسبيا (2كو17:4).
بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ = تشير لتعدد أشكال التجارب، وإستخدمت كلمة متنوعة ثانية فى (10:4) لوصف نعمة الله، فبنعمة الله فقط نستطيع أن نواجه التجارب. وهى متنوعة لان لكل خطية او مرض روحى علاج مختلف (اش28: 23 – 29 ) . والله يعلم طريقة علاج كل مرض .
آية (7):- "7لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ،"
تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ = إيماننا يولد وينمو (لو5:17) + (2تس3:1). وحتى ينمو ينقيه الله من شوائبه بأنه يسمح ببعض التجارب. وهذا ما يحدث مع الذهب الذى يمر فى النار ليطهر مما هو زغل وغش فيظهر المعدن الحقيقى للذهب. وهدف التجارب هو غربلة إيماننا ليتبقى منه ما هو صحيح، ولينمو إيماننا ويصير إيمانا صادقا. وإن كان الذهب ثمينا إلا أنه فانٍ ، بعكس إيماننا الذى سيزكينا للمجد. الإيمان لوكان قويا صحيحا فهذا سيعود على صاحبه بالمجد عند إستعلان يسوع المسيح أى ظهوره. وكلمة تزكية جاءت فى الترجمة الإنجليزية Genuineness أى حقيقى وغير زائف. وكلمة تزكية فى العربية تعنى أن يشهد إنسان لآخر بالكفاءة والنزاهة ليستحق عمل ما مثلا. وبإضافة المعنى الإنجليزى للمعنى العربى تتضح الصورة، فالله يسمح لنا ببعض التجارب لنتنقى فنتزكى أى نصبح مستحقين للمجد السمائى.
تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ = المدح والكرامة هى أجر من إحتمل التجربة وتنقى إيمانه.
وَالْمَجْدِ = إذ نرى الله (1يو2:3) نعكس مجده. ولن نراه فقط بل نتحد به.
وإذ نعكس مجده سيكون لنا جسد ممجد، وإذ نعكس نوره سيكون لنا جسد نورانى.
آية (8):- "8الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ،"
لعل بطرس كان فى ذهنه وهو يكتب هذه الآية قول السيد " طوبى لمن آمن ولم يرى. ورؤية المسيح بالجسد لها تأثير أضعف من الرؤية بالروح القدس أى التى يعطيها لنا الروح القدس بالإيمان، فكثيرون من الذين رأوا المسيح بالجسد شاركوا فى صلبه. ونفهم من الآية أن الإيمان هو مدخل لكل شىء ولكل بركة إلهية، "فبدون إيمان لا يمكن إرضاؤه" (عب6:11). وبالإيمان تنفتح أعيننا ونعرف المسيح معرفة حقيقية، وإذ نعرفه نحبه، والمحبة هى طريق الفرح، فنفرح فرحا عجيبا = فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ. ففى معرفة المسيح حياة (يو3:17).
ونلاحظ فى هذه الآية إرتباط الإيمان بالمحبة والإبتهاج. فكلما ينمو إيماننا تزداد محبتنا فيزداد إبتهاجنا. وشروط نمو الإيمان :-
1. نزع كل ما لا يتفق وقداسة الله من داخل قلوبنا.
2. التأمل بهدوء فى مواعيد الله فى الكتاب المقدس. والتأمل فى أعمال محبة الله لنا.
3. طاعة كل وصية نعرفها ولو بالتغصب، وهذا ما يسمى بالجهاد.
4. بذل أنفسنا فى أعمال محبة ولو بالتغصب، وهذا ما يسمى بالجهاد.
5. عدم التذمر فى الضيقات، فالله يسمح بها فى محبته لنا لزيادة ونمو إيماننا.
آية (9):- "9نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوسِ. "
هدف إيماننا هو خلاص نفوسنا كما أجسادنا فى يوم الرب (رو23:8).
الآيات (10-11):- "10الْخَلاَصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، 11بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا. "
الْخَلاَصَ ليس معناه الحياة فى السماء بعد الموت، بل فى جعل نفوسنا سليمة كاملة، وحصولنا على طبيعة جديدة (2كو17:5) وإستبدال الفساد بالحياة الأبدية. وهو نصرة كل يوم على الخطايا التى تأتى من داخل أو من إبليس. وهو حياة كلها فرح وتعزية وسط ضيقات العالم. هذا لم يعرفه شعب العهد القديم، لكن الروح كشف للأنبياء بأن هناك خلاص معد سيأتى فى ملء الزمان، لقد أعلن الروح القدس للأنبياء عن أشياء ربما لم يفهموها بالكامل، وربما حيرت عقولهم بعد أن حصلوا عليها، لكنهم فى أمانة سجلوا لنا كل ما حصلوا عليه وكشفه لهم الروح القدس. وشهادتهم هذه فيها تحقيق لصدق الكتاب المقدس. وكانت شهادتهم فيها نبوات عن أن شخصا هو المسيا سيأتى ويتألم ويموت ويقوم ويصعد للسماء ويسكب روحه القدوس.
بل هم حددوا وقت مجيئه، وكان ذلك بروح الله القدوس الذى فيهم = رُوحُ الْمَسِيحِ = فالروح القدس هو واحد مع الآب والإبن وسمى هنا روح المسيح لأنه وجه الأنبياء للحديث عن المسيح ليوجه الأنظار إليه (رؤ10:19) بل تكلم الأنبياء عن الأمجاد المعدة للمؤمنين بالمسيح. وكون أن الله يكشف كل هذا فى النبوات فهو يقصد أن يقول أن الخلاص أعده الله أزليا للبشر حتى قبل أن يخلقهم، هو شىء مرتب فى فكر الله.
ولكن لاحظ قوله فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا = فهذا الكلام موجه لأناس متألمين، ويقول لهم إن المسيح تألم لأجلكم، أفلا تقبلون أن تتألمون مثله، وإن كان هو قد تمجد فأصبروا لكى تتمجدوا معه.
آية (12):- "12الَّذِينَ أُعْلِنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَيْسَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لَنَا كَانُوا يَخْدِمُونَ بِهذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أُخْبِرْتُمْ بِهَا أَنْتُمُ الآنَ، بِوَاسِطَةِ الَّذِينَ بَشَّرُوكُمْ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُرْسَلِ مِنَ السَّمَاءِ. الَّتِي تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا. "
هم بشروا بالمسيح المخلص الذى لن يأتى فى زمانهم، بل سيأتى فى ملء الزمان.
بَلْ لَنَا = أى المسيح سيأتى فى زمان بطرس. والذى نبشركم نحن به = أُخْبِرْتُمْ بِهَا أَنْتُمُ.
الَّتِي تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا = الحب من سمات الملائكة، لذلك فالملائكة تشتهى أن تطلع على خلاص الإنسان، وإن كان الملائكة لم يدركوا كل أبعاد النعمة والأمجاد التى حصل عليها البشر، فبالأولى نحن لن يمكننا فهم كل شىء، بل نحن على الأبواب وفى بداية المعرفة.
(فى الآيات التالية يصور لنا القديس بطرس الرسول أن أمامنا طريقين نسلك فى أحدهما
1. القداسة أى نحيا فيما يرضى الله.
2. أن نتلذذ بشهوات العالم.
ويقول إن من ينام هو من يسلك فى هذه الملذات، أما الصاحى فهو من يدرك أنه فى أى لحظة ستنتهى حياته فيخاف أن يخالف وصايا الله ، ليس عن خوف ينشأ عنه كبت ، بل هو خوف من له رجاء فى مجد أبدى يخاف ان يضيع منه.
آية (13):- "13لِذلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ، فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. "
مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ = هذا تشبيه مأخوذ من عادة كانوا يمارسونها حينما يستعدون لعمل ما، والمقصود إستعدوا ذهنيا وإصحوا، فأمامكم عمل وجهاد حتى لا يضيع خلاص نفوسكم. والرسول فسر قوله منطقوا أحقاء ذهنكم بقوله صاحين. وبقية الرسالة تعنى بإظهار أنه فى مقابل هذا الخلاص الذى قام به ربنا يجب أن نجاهد بسلوك مسيحى متمثلين بالله نفسه فى قداسته.
لِذلِكَ = أى بناء على ما تقدم من كلام عن الخلاص الثمين إعملوا كذا وكذا.
صَاحِينَ = كالعبيد الذين ينتظرون قدوم سيدهم فى أى لحظة.
وقوله مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ = تشير أيضا لأن الرسول يريد أن يقول كونوا عاقلين متزنين معتدلين فى كل أمور حياتكم، وإجمعوا كل أفكاركم فى المسيح الذى سيأتى وحرروا أفكاركم من كل قيد، وهكذا مع عواطفكم. ساهرين فى حياة مقدسة متشبهين بعريسنا القدوس.
فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ = السهر والجهاد بغير رجاء يجعل النفس تخور. فإختاروا طريق الله وليكن لكم رجاء فيما لا يرى وليس فيما يرى، أى ليكن رجاءكم فى المجد السماوى وليس فى الأرضيات. ليكن رجاؤنا فى المجد المعد لنا الذى أطلق عليه هنا النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ = أى المجد الذى ستحصلون عليه = عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ = أى فى مجيئه الثانى.
آية (14):- "14كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ، لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ،"
كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ = تعبير عبرانى يعنى أن الطاعة أمهم التى يتوجب عليهم أن يرثوا صفاتها، والمعنى أنه عليكم أن تطيعوننى فيما أطلبه منكم وهو لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ = التى كنتم تمارسونها فى بعدكم عن الله = فِي جَهَالَتِكُمْ = إذ كنتم تجهلون الله كنتم تحيون حياة العصيان، ولكن الآن حصلتم على طبيعة جديدة هى طبيعة الطاعة. فلنفهم أننا صرنا أولادا لآب سماوى كلى الصلاح، فلا يجب أن ننساق وراء شهواتنا السابقة، ولنسلك بما يليق بمركزنا الجديد.
لاَ تُشَاكِلُوا = لا تعودوا وتتشبهوا بهذه الحياة وبهؤلاء الذين يحيون فى الخطية.
الآيات (15-16):- "15بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. 16لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ:«كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ»."
قداسة فى العبرية " قدش " ومعناها شىء معزول ومفرز لله ومخصص له. كما كان يكتب على عمامة رئيس الكهنة " قدس للرب ". وهكذا كانت العشور تسمى قدس للرب، وهكذا ينبغى أن نقدس هيكلنا الداخلى للرب مجاهدين ضد الخطية والشهوات. حقيقة لا نستطيع أن نحيا بلا خطية، ولكن إن سقطنا نقوم ونعترف، واضعين أمام أعيننا غربتنا فى هذا العالم. وقُدُّوسِ باليونانية تعنى اللا أرضى. والمتعالى والمتسامى عن الارضيات. وقِدِّيسِ هو من يجتهد ان يتسامى ويبتعد عن الارضيات مكرساً نفسه لله . وكلما يعلو الانسان فى السمو يصبح اكثر قداسة.
وبهذا نفهم أننا مخصصين لله لكى نحيا فى السماويات، ولا يشغل تفكيرنا الملذات الأرضية، بل المجد المعد لنا فى السماء (كو 1:3-4). ويساعدنا على ذلك أن نميت أعضائنا التى على الأرض (كو 5:3). أى نقف أمام الخطية كأموات ونكرهها. ومن يفعل يعطيه روح الله معونة، هذا هو عمل النعمة (رو 13:8).
نَظِيرَ الْقُدُّوسِ ... كُونُوا قِدِّيسِينَ = المثال الذى نضعه أمامنا هو الله نفسه، وليس إنسان، هذه مثل" كونوا كاملين كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل ". والمقصود كما أن الله أبوكم قدوس سماوى، عيشوا حياتكم حياة سماوية.
فِي كُلِّ سِيرَةٍ = فى كل تصرف، وفى كل معاملة وفى كل أمر، حتى فى أفكاركم الخفية.
لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ:«كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ».= (لا 44:11).
آية (17):- "17وَإِنْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَبًا الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ،"
إن الإدعاء بكوننا أولاد الآب السماوى يستدعى سلوكا وقورا فى حياتنا الزمنية. فالله أبونا يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ = وهذا يعنى أن الله لن يقبلنا لأننا مؤمنين مع كوننا خطاة ويترك غير المؤمنين. بل لأنه قدوس لن يقبل أى خطية وسيحاكم كل واحد مؤمن كان أو غير مؤمن = حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ. لذلك يقول فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ = وهذه مثل قول بولس الرسول " تمموا خلاصكم بخوف ورعدة (فى 12:2). حقا الله ابونا فلا نيأس، ولكن الله ديان فعلينا أن لا نستهتر.
الآيات (18-19):- "18عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، 19بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ،"
أبعد أن إشترانا المسيح بعد أن كنا عبيد شهواتنا وعبيدا لإبليس، وهو إشترانا بدمه، هل نعود ونبيع بكوريتنا بأكلة عدس (أى بشهوة رخيصة) سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ = حياتكم الأولى المليئة بالعار والخطية.
تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ = إستلم اليهود من أبائهم عادات رديئة ووصايا أبطلت ناموس الله الحقيقى. والوثنيين إستلموا من أبائهم سيرة باطلة وخطايا بها يعيشون على غرار أبائهم. وأتى المسيح ليغيرنا تغييرا عجيبا فسيرتنا الباطلة تستبدل بالقداسة فى كل شىء.
لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ = كانوا يفتدون أسري الحرب بفضة و ذهب، و هكذا يفعلون مع العبيد ليحرروهم، أما الرب فقدم دمه ليفتدينا.
آية (20):- "20مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ،"
بذل المسيح لذاته على الصليب، والدم الذى إشترانا به كان فى خطة الله الأزلية = مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. ولكنه ظهر فى ملء الزمان.
آية (21):- "21أَنْتُمُ الَّذِينَ بِهِ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَأَعْطَاهُ مَجْدًا، حَتَّى إِنَّ إِيمَانَكُمْ وَرَجَاءَكُمْ هُمَا فِي اللهِ. "
أَنْتُمُ = راجعة للآية السابقة إذ قال " من أجلكم ". فهو قدم دمه من أجلكم أنتم الذين تؤمنون به. حقا لقد قدم المسيح دمه لكل العالم، لكن لن يستفيد به فى خلاص نفسه إلا كل من يؤمن به = أَنْتُمُ الَّذِينَ بِهِ تُؤْمِنُونَ.
أَنْتُمُ الَّذِينَ بِهِ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ = فنحن بالمسيح عرفنا الآب فنحن لا نستطيع أن نرى الآب فى مجده (خر 20:33). ولذلك أتى المسيح وتجسد (تث 15:18-18) وذلك ليستعلن لنا الآب. ولذلك قال المسيح " من رآنى فقد رأى الآب (يو 9:14).
فحينما راينا محبة المسيح لنا أدركنا محبة الآب لنا. وحين رأينا المسيح يقيم أموات أدركنا أن إرادة الآب لنا حياة أبدية وهكذا.
وَأَعْطَاهُ مَجْدًا = بصعوده للسماء وجلوسه عن يمين الآب.
الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ = إيماننا ورجاؤنا ينبعان من قوة قيامته وصعوده ليعد لنا مكانا. وبدون عمل المسيح ما كان لنا أن نتوقع سوى دينونة الله لنا.
إِيمَانَكُمْ وَرَجَاءَكُمْ هُمَا فِي اللهِ = الذى أحبنا وبذل إبنه لأجلنا (رو 23:8).
آية (22):- "22طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ. "
22طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ = إذا علينا أن نجاهد لنطهر أنفسنا ولكن كيف؟ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ = أى نعرف الحق الإلهى المعلن فى الكتاب المقدس وكل وصاياه ونطيعها. والحق هو المسيح الذى قال عن نفسه " انا هو الطريق والحق والحياة " (يو 6:14)" وهذا فى مقابل الرموز فى العهد القديم أو العالم الباطل الذى يتعبد له الوثنيون. إذا المقصود هو الإيمان بالمسيح الحق وطاعة كل وصاياه.
بِالرُّوحِ = فالروح يعين ضعفاتنا (رو 26:8). نحن أضعف من أن نطيع الحق، لكن الروح القدس يعطينا معونة، لكنه يعطيها لمن يجاهد ويحاول حفظ الوصية، كقول بولس الرسول "إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد" (رو 13:8).
فالروح القدس يعلم ويذكر ويبكت ويعين ومن يطيع ولا يقاوم يملأه الروح محبة لله (يو 26:14 + يو 8:16 + رو 26:8 + رو 5:5). أما من يقاوم الروح ولا يطيع، يحزن الروح ويطفئه (أف 30:4 + 1 تس 19:5).
إذا من يطيع يمتلىء محبة لله أولا وبالتالى سيمتلىء محبة للإخوة = لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ ومن ثمار الروح المحبة ... ومن يطيع يمتلئ . لذلك يقول فِي طَاعَةِ الْحَقِّ.
(جهادنا)... بِالرُّوحِ (معونة الروح) لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ (النتيجة) إذن المحبة الأخوية لا تأتى من إجتماعاتنا معا فى جلسات ودية للأكل والشرب، بل من طاعة الحق وتطهير النفس بالروح أى بمساعدة الروح.
لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ = حيث يتسع القلب لكل البشرية بلا تمييز أو محاباة.
الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ = إذ لا تنبع عن دوافع مظهرية بل حب داخلى بلا غرض أو مكسب ما.
مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ = محبة ليس دافعها الشهوة أو الدنس، بل من قلب قد تطهر بالروح وصار نقيا فى غاياته. بِشِدَّةٍ = على مثال حب المسيح الباذل على الصليب. محبة كهذه ليست من إمكانيات الإنسان الطبيعى، بل من إمكانيات الإنسان المولود ثانية من الماء والروح، والذى صار خليقة جديدة على صورة الله المحب. لذلك يشير فى الآية التالية للمولودين ثانية الذين لهم إمكانيات هذا الحب الطاهر بشدة.
آية (23):- "23مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَدِ. "
مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً = لقد حصلنا على الولادة الثانية بالمعمودية أى من الماء والروح (يو 5:3). لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى = أى ليست من زرع بشرى أى نتيجة علاقة جسدية عادية. أى العلاقة التى بين أب وأم، فولادتنا هكذا أعطتنا جسد يموت، أى زرع يفنى. أما المعمودية فهى أعطتنا حياة زرعت فينا هى حياة المسيح وهذه الحياة لا تفنى ( راجع رو6 ). فالزرع الناشىء عن الولادة الجديدة لا يفنى فهو حياة المسيح فينا، ولذلك يقول بولس الرسول " فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فى (غل 20:2).
ويقول "لى الحياة هى المسيح" (فى 21:1). فالزرع الذى زرع فينا هو حياة المسيح، لذلك يقول مولودين ثانية... مما لا يفنى بكلمة الله. وفى الولادة الثانية نصير أولاداً لله لاننا نتحد بابنه كلمة الله .
وكلمة الله تفهم كالآتى:-
1. اللوغوس أو الكلمة المتجسد الذى بفدائه صار للمعمودية قوة. وبالمعمودية زرعت فينا حياة المسيح (كلمة الله) فصارت لنا حياته.
2. وعود الله (كلمات الله فى النبوات والعهد القديم) بأنه ستكون لنا طبيعة جديدة (أر31:31-34) + (حز 19:11)
3. كلمة الله فى الكتاب المقدس. وهذه تنقى من يسمعها (يو 3:15) فكلمة الله هى سيف ذى حدين (عب 13:4) الحد الأول ينقى بأن يقطع محبة الخطية من قلوبنا، وكأننا بهذا نولد من جديد. أما الحد الثانى فهو لمن يرفض هذه التنقية ويسمى حد الدينونة (يو 48:12) + (رؤ 16:2). فكلمة الرب فى كتابه المقدس تدخل فى نفوس البشر الميتة فتحييها فيعودوا لحياة المحبة الطاهرة الإلهية
نفهم مما سبق أن كلمة الله هى وعده بأن تكون لنا حياة جديدة، قلب لحم عوضا عن قلب الحجر. قلب مكتوب عليه وصايا الله بالحب.(أر 31:31-34) + (حز 19:11) وهذه الطبيعة الجديدة حصلنا عليها بالمعمودية فزرعت فينا حياة كلمة الله. ولكن بإختلاطنا بشهوات العالم نفقد هذه الطبيعة الجديدة ونستعيدها بدراسة كلمة الله التى تنقى (يو 3:15). ولذلك علينا بالإنتظام فى دراسة الكتاب المقدس.
آية (24):- "24لأَنَّ:«كُلَّ جَسَدٍ كَعُشْبٍ، وَكُلَّ مَجْدِ إِنْسَانٍ كَزَهْرِ عُشْبٍ. الْعُشْبُ يَبِسَ وَزَهْرُهُ سَقَطَ،"
مقتبسة من (أش 6:40-8) والمقصود أن يزهدوا فى محبة الجسد وتدليله ومحبة العالم وأمجاده. وهذا يساعدهم مع ما سبق فى (آية 23) على إحتفاظهم بحالة البنوة التى حصلوا عليها فى الميلاد الثانى.
آية (25):- "25وَأَمَّا كَلِمَةُ الرَّبِّ فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ». وَهذِهِ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي بُشِّرْتُمْ بِهَا. "
الجسد الذى ولدنا به من آدم عشب يموت ويفنى اما بعد الولادة الثانية بالمعمودية ننال حياة ابدية لاتحادنا بالمسيح الذى لا يموت.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الأول
الخلاص
(1) التحية الرسولية ( ع 1 - 2 ) :
ع 1 : المتغربين : 1- اليهود المتنصرين الساكنين في بلاد العالم ومتغربين عن اليهودية .
2- المؤمنين عموماً غرباء في العالم لأنَّ وطنهم هو السماء .
شتات : اليهود المتنصرين الذين تشتتوا من جراء الإضطهاد اليهودي لهم في اليهودية وذهبوا إلى بلاد العالم المختلفة . بنتس وغلاطية وكبدوكية وآسيا وبيثينية : بلاد موجودة في آسيا الصغرى وهي تركيا حالياً . يوجه بطرس الرسول رسالته إلى اليهود المتنصرين الذين تشتتوا في بلاد آسيا الصغرى وأيضاً إلى كل المؤمنين في العالم الذين يعانون من اضطهادات بسبب مسيحيتهم .
ع 2 : عِلم الله السابق : الله الآب يعرف من سيؤمنون به ، فهذا يظهر محبته واهتمامه بأولاده منذ الأزل . تقديس الروح للطاعة : الروح القدس يقدِّس المؤمنين ويكرِّس قلوبهم ليطيعوا وصايا الله . رش دم يسوع المسيح : دم المسيح الذي يخلص المؤمنين به من خطاياهم ويعطيهم الملكوت السماوي . وقد استخدم تعبير " رش دم " وهو تعبير من الشريعة اليهودية التي كانت ترش دم الحيوانات التي ترمز إلى دم المسيح الفادي . يرسل محبة الثالوث القدوس ، الآب والإبن والروح القدس ، الذي يعمل في المؤمنين ويهبهم نعمته وسلامه التي يتمناها ويرسلها لهم بطرس الرسول .
+ قدم كلمات تشجيع بتمنيات عمل الله لمن تقابلهم حتى تفرح قلوبهم وتجذبهم للتفكير في الله والإتكال عليه .
(2) أفراح الخلاص ( ع 3 - 8 ) :
ع 3 : يبارك الله الآب الذي قدم لنا برحمته الغنية الميلاد الجديد بالمعمودية ، إذ كان الإنسان يولد حسب الجسد تحت حكم الموت ، أما المولود حسب الروح فهو إبن لله ووريث مع المسيح برجاء حي في الأبدية وعربونه قيامة الرب من بين الأموات .
ع 4 : هذا الميراث الروحي سماته :0
(1) لا يفنى : أي باقي إلى الأبد .
(2) لا يتدنَّس : لا يتنجس بالخطايا التي تركناها بالتوبة أثناء حياتنا على الأرض .
(3) لا يضمحل : أي لا يزول .
(4) محفوظ في السماوات : يحرسه لنا الله وينتظرنا في السماء بعد إكمال جهادنا على الأرض .
+ فلنتمسك بالإيمان والرجاء بفرح ولا نيأس من الآلام الحاضرة الوقتية .
ع 5 : الله يحفظنا في الإيمان ويحرسنا من حروب إبليس لكي نكمل جهادنا وننال الخلاص في يوم الدينونة العظيم .
ع 6 : هذا الخلاص يفرَّح قلوبكم ، مع أنكم ستواجهون تجارب واضطهادات من العالم تحزنكم مؤقتاً أثناء حياتكم على الأرض ، ولكن لا تنزع فرحكم وسلامكم الذي سيكمل في السماء حيث تزول كل الأحزان .
ع 7 : يشبه الإيمان بالذهب الذي يُنَقَّى بالنار لتزول عنه الشوائب فيظهر لمعانه ، هكذا الإيمان يتنقى من شوائب الضعف والخطية من خلال التجارب التي ترمز إليها النار ، فيصير عظيماً ( يتذكر ) ويمدحه الله في يوم الدينونة وبسببه يدخلنا إلى أمجاد السماء .
ع 8 : أثناء حياتنا على الأرض نؤمن بالمسيح ونحبه فنحتمل الضيقات من أجله وتفرح قلوبنا بعشرته إذ نؤمن بوجوده معنا ، وإن كنا لا نراه بعيوننا المادية ولكن نشعر بعمله فينا ، فنفرح فرحاً لا يُعَبَّر عنه هنا على الأرض عربوناً لما سنناله من أفراح السماء .
(3) الخلاص هدف الأنبياء ( ع 9 - 12 ) :
ع 9 : يوجِّه الرسول المؤمنين إلى أنَّ هدفهم من الإيمان بالمسيح هو نوال الخلاص الأبدي في ملكوت السموات . وهذا الخلاص نستمر في نواله على الأرض إذ يقول " نائلين " ، ويتم هذا في الكنيسة من خلال الأسرار المقدسة ووسائط النعمة . والترجمة الأصلية " خلاص نفوسكم " وليس " خلاص النفوس " .
ع 10 : الخلاص الذي تمَّمه المسيح على الصليب ونناله من خلال أسرار الكنيسة إشتهاه وبحث عنه الأنبياء وتنبأوا عنه في العهد القديم .
ع 11 : روح المسيح الذي فيهم : الروح القدس . الروح القدس كشف للأنبياء حياة المسيح وآلامه وقيامته ولكنهم لم يعرفوا بالضبط ميعاد إتمام هذا الخلاص ، وحتى دانيال النبي الذي أُعْلِنَ له الوقت لم يستوعب ويفهم هذه المعاني لأجل عظمة هذا الخلاص . وتوجد نبوات كثيرة عن آلام المسيح مثل ( اش 53 ، دا 9 : 27 ) ، وكذلك نبوات كثيرة عن قيامة المسيح وصعوده مثل ( مز 16 : 8 - 11 ، اش 38 : 11 ) .
ع 12 : فهم الأنبياء أنَّ نبوتهم ستتم بعد مدة وأنهم لن يعاينوا هذا الخلاص بأعينهم ولكن نحن الذين تمتعنا بهذه البشارة عن طريق الرسل ونلنا هذا الخلاص . وأيضاً الملائكة كانت تشتهي أن ترى إتمام هذا الخلاص الذي سمعت عنه . وهكذا كان الأنبياء خدام للخلاص بنبواتهم عنه ، ونلناه نحن في العهد الجديد بفداء المسيح .
+ ليت خلاصك من الخطية وتمتعك بعِشرة المسيح يكون هدفك الوحيد ، فلا تتعطل عنه وأنت تتمم أهدافك الأخرى ، بل تنازل عن كل ما يعطِّلك وذكِّر نفسك بهذا في بداية كل يوم .
(4) واجبنا نحو الخلاص ( ع 13 - 17 ) :
ع 13 : لذلك : لأجل أهمية هذا الخلاص وأمجاده . منطقوا أحقاء ذهنكم : إضبطوا أفكاركم بعيداً عن كل شر وتشدَّدوا بكلام المسيح للجهاد والسعي في طريق الملكوت . صاحين : الإنتباه واليقظة الروحية لرفض كل شر وانتهاز الفرص للحياة مع الله . النعمة التي يؤتى بها إليكم : الخلاص الكامل الذي تنالونه في الملكوت . عند استعلان يسوع المسيح : يوم الدينونة الذي يُكافأ فيه الأبرار .
يحدد الرسول واجباتنا نحو هذا الخلاص بما يلي :
أولاً : إستعداد الذهن : ينبغي أن نُعِدّ أفكارنا وننتبه بكل حواسنا وإمكانياتنا للجهاد الروحي .
ثانياً : الرجاء : لا ننزعج من أجل آلام هذه الحياة المؤقتة ولكن نتَّكِل برجاء ثابت على نعمة الله التي ستهبنا الخلاص في الملكوت وتعوِّضنا عن أتعاب هذه الحياة .
ع 14 : ثالثاً : التوبة : لأنَّ المؤمنين هم أولاد الله ، فينبغي أن يطيعوا وصاياه ويتوبوا عن شهواتهم الشريرة السابقة التي عاشوا فيها عندما كانوا يجهلونه وبعيدين عنه قبل الإيمان .
ع 15 ، 16 : رابعاً : القداسة : يدعوهم لتقديس وتكريس قلوبهم لله وذلك بسلوكهم الحسن متمثلين بالمسيح القدوس كما كتب في ( لا 11 : 44 ) .
ع 17 : خامساً : السلوك بخوف الله : إن كان الله أبانا الحنون والذي فدانا بحبه على الصليب ، فهو أيضاً الديَّان العادل الذي يحكم على أخطائنا . فانتباهنا إلى عدل الله يجعلنا نخافه ونشعر بغربتنا عن هذا العالم الفاني فنترك خطايانا ونحترم وجوده معنا ونرضيه في كل شئ .
+ مخافة الله تحميك من كل خطية . فتذكر كل يوم أنك ستقابل الله الديَّان العادل لتتوب وتبتعد عن كل شر يدنسك وتحيا في قداسة وتطمئن في كل خطواتك .
(5) عظمة الخلاص ( ع 18 - 25 ) :
ع 18 ، 19 : سيرتكم الباطلة : حياتكم القديمة التي كانت بعيدة عن الله ، فمع كونها تبدو مستقيمة ولكنها لم تؤهلهم تأهيلاً حقيقياً لإنتظار المسيح . تقلدتموها من الآباء : تعلمتموها واكتسبتموها من آبائكم اليهود . كما من حمل بلا عيب : كان يقدم كذبائح في الشريعة اليهودية حمل ليس به أي عيوب ، وهذا كان يرمز للمسيح الذي يُذبح عنَّا على الصليب . يظهر عظمة الخلاص الذي ينالونه في الكنيسة وأُعتِقوا به من عبودية الخطية والحياة القديمة البعيدة عن الله ، هذا ليس بدفع ثمن مادي مثل الفضة والذهب وهي أمور مادية زائلة ، ولكن بدفع أغلى ثمن وهو دم المسيح الكريم الذي كانت ترمز إليه دماء الحيوانات المقدمة في العهد القديم ، وهو أكرم وأعظم من دماء الحيوانات .
ع 20 : هذا الخلاص كان في عِلم الله الأزلي قبل أن يخلق العالم ، فهو بعلمه يعرف أنَّ الإنسان سيخطئ ويحتاج إلى فداء وبحبه كان مستعداً لذلك . وكانت شرائع العهد القديم ترمز وتشير لهذا الخلاص الذي أُعلِنَ في ملء الزمان بدم المسيح الذي يخلِّص كل من يؤمن به في العالم كله .
ع 21 : به تؤمنون بالله : بالمسيح الفادي يتقوى ويثبت إيمانكم بالله . فداء المسيح الذي حقَّق كل النبوات يثبت إيمان اليهود ، خاصة بعدما عرفوا أنه قام من الأموات وصعد بمجد إلى السموات ، فيتعلق رجاءهم بالأبدية .
ع 22 : إذ لنا هذا الخلاص ، نهتم بطاعة وصايا المسيح وهي الحق وذلك بمعونة الروح القدس ، فتتطهَّر قلوبنا من كل خطية ونستطيع حينئذٍ أن نحب بعضنا البعض بعمق وشدة من القلب .
ع 23 : يتذكر المؤمن أنه مولود ولادة ثانية من المسيح الكلمة خلال سر المعمودية وليس مجرد الولادة الأولى الجسدية التي لا تنزع عن الإنسان الخطية وتعرِّضه للعذاب الأبدي أما الولادة الثانية فتعده لنوال الخلاص الكامل في الأبدية السعيدة . فالولادة الجسدية يشبهها بزرع سيموت أي أنَّ الجسد سيتحلل في التراب ، أما الولادة الثانية فهي زرع روحي أي تعدنا لملكوت السموات .
ع 24 : يشبه حياة الإنسان على الأرض بعشب أي نبات يستمر بضعة شهور ثم يسقط ويجف . هكذا أيضاً حياة الإنسان بكل أمجادها المادية ستنتهي بالموت مهما بدا المجد عظيماً مثل الزهور الجميلة ، فهي ستذبل وتسقط على الأرض وتموت .
ع 25 : البشارة التي قبلوها هي بشارة بالمسيح الكلمة والذي يعطينا حياة تثبت إلى الأبد في السموات .
+ أنظر إلى نعمة معرفتك للمسيح وكل ما تناله منه في الكنيسة حتى تهتم بصلواتك فيها وتتوب عن خطاياك ، لتتمتع ببركات الخلاص طوال أيامك على الأرض إلى أن يكمل في السماء .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح