كلمة منفعة
في كل أعمال الإنسان، لا يكفى أن يكون الهدف مقدسًا وإنما يجب أيضًا أن تكون الوسيلة سليمة.
— الهدف والوسيلة
سورية
سورية
حجم الخط
سورية
أولاً - جغرافيتها :
(1) الموقع والحدود : تعرضت حدود سورية للكثير من التغيرات عبر القرون بتغير الظروف السياسية ، فقد أطلقت كلمة سورية أصلا على الدولة القوية التى كان مركزها منطقة لبنان وعاصمتها دمشق . وكان الأشوريون يطلقون على هذه المنطقة الواقعة غربي الفرات أرض الأمورو (أي الأموريين) . ولكن علماء الجغرافيا ، بناء على المراجع القديمة - مثل سترابو والجغرافيين العرب - يعتبرون حدود سورية هي جبال طورس ونهر الفرات شمالاً ، وصحراء سيناء فى الجنوب ، والبحر المتوسط فى الغرب ، والصحراء السورية فى الشرق.
ولكن علماء الكتاب المقدس ، وكثيرين غيرهم ، يفصلون بين سورية وفلسطين ، ويعتبرون أن سورية هي قوس الهلال الخصيب ، ويحدها من الغرب البحر المتوسط ، ومن الجنوب ما يعرف الآن بالجليل وباشان ، ومن الشرق الصحراء السورية ، ومن الشمال نهر الفرات وجبال أمانوس . وكانت تضم - فى بعض الأحيان - فينيقية . ولكننا سنعتبرها -هنا - منفصلة عن فينيقية وفلسطين ، وأنه يحدها فى الجنوب الغربي جبال لبنان التى تفصل سورية - فى هذه الناحية - عن ساحل البحر.
(2) أقسامها الجغرافية : تتكون سورية من عدة مناطق مختلفة . فتتكون من سهل ساحلي ، ثم سلاسل من الجبال ومن وديان خصبة غنية بزراعتها ، ومن مناطق صخرية أو رملية فى الشرق ، عبارة عن صحراء أو مناطق وعرة تكاد تنعدم فيها الزراعة.
ويمتد ساحل البحر المتوسط الشرقي نحو أربعمائة ميل من الاسكندرونة شمالاً حتى حدود مصر جنوباً . وهو من أكثر السواحل فى العالم استقامة ، ويكاد يخلو من الخلجان الكبيرة ، كما لا تحف به الجزر . وكان يقع عليه فى سورية ، عدد من المواني الصغيرة مثل اللاذقية (لاودكية قيديماً) ، ورأس شمرا (أوغاريت قديماً) . ولم تكن سولكية (ميناء أنطاكية) سوى مرسى للسفن . وكان السهل الساحلي ، الذي لم يكن عرضه يتجاوز بضعة أميال ، قليل الأهمية فى تاريخ سورية (على عكس ما كان لفينيقية) ، فأغلبه ليس سوى شريط عريض من الكثبان الرملية التى تغطيها بعض الحشائش والشجيرات.
وتطل على هذا السهل الساحلي ، سلسلة من الجبال تبدأ من جبال أمانوس فى الشمال ، وتمتد جنوباً حتى تصل إلى جبال سيناء جنوباً . وجبال أمانوس (التى يصل ارتفاعها إلى نحو 5.000 قدم) هي فرع جنوبي من جبال طوروس ، يفصل بين سورية وأسيا الصغرى . ويقطع هذه الجبال فى طرفها الجنوبي غور نهر الأورنت (العاصي) ، وتمر به الطرق إلى أنطاكية وحلب . والممر الرئيسي فوق هذه الجبال يوجد فى بيلان أو البوابات السورية على ارتفاع 2.400 قدم . وتستمر هذه السلسلة من الجبال فى امتدادها جنوبي نهر العاصي إلى جبل عكا الذي يبلغ ارتفاعه نحو 5.750 قدما ، ويمتد إلى لاتاكيا ، ويسمى فى جنوب اللاذقية باسم جبل الأنصارية ، والتي يقطعها فى الجنوب نهر الكبير الذي يشكل الآن الحدود بين سورية ولبنان ، والذي تمتد إلى الجنوب منه جبال لبنان.
وإلى الشرق من هذه السلسلة من الجبال ، يوجد وادٍِ عميق ، هو امتداد الأخدود العظيم ، الذى يمتد من أرمينية شمالاً إلى خليج العقبة والبحر الأحمر . ويبدأ فى سورية بالقرب من أنطاكية ، حيث يتجه نهر العاصي إلى الغرب قاطعاً سلسلة الجبال ليصب فى البحر المتوسط . والسهل الداخلي عريض وشديد الخصوبة . ومن أنطاقية يرتفع وادي العاصى ببطء بين سلسلة الجبال الغربية والهضبة المرتفعة فى شمالي سورية ، ويبلغ الارتفاع عند حماة نحو 1.015 قدماً وعند حمص 1.660 قدماً . ويسمى هذا الوادي بعد حمص وادي البقاع بين جبال لبنان الغربية وجبال لبنان الشرقية ، ويتراوح عرضه ما بين ستة أميال وعشرة أميال ، ويبلغ طوله نحو 75 ميلا ، وهو غني بزراعاته ومراعيه.
وسلسلة جبال لبنان الشرقية ترتفع من الهضبة السورية جنوبي حمص ، وتسير فى مقابل جبال لبنان وتكاد تعادلها طولاً وارتفاعاً . ويشق هذه السلسلة ويقسمها إلى قسمين ، وادي نهر بردى (أو أبانة) الذي يروى منطقة دمشق . ويرتفع الجزء الجنوبي من هذه السلسلة الشرقية - ويعرف باسم جبل حرمون أو جبل الشيخ - إلى نحو 9.232 قدما ، وهو أعلى قمة فى سورية.
وتنحدر السفوح الجنوبية والشرقية لجبل حرمون انحداراً شديداً إلى هضبة حوران الشاسعة ، وسطحها بركاني خالٍ من الأشجار ، وتربتها طفلية خصبة . وتغطي الحمم البركانية منطقة تبلغ مساحتها ستين ميلا طولاً ، وستين ميلاً عرضا . وتعتبر هضبة حوران من أجود مناطق الشرق الأوسط لإنتاج القمح.
وتتجمع مياه سلسلة جبال لبنان الشرقية لتجرى فى نهر بردى (أبانة) نحو الصحراء الشرقية (وتقع دمشق على بعد ثلاثين ميلا إلى الشرق من جبل حرمون) . وعلى هضبة يبلغ ارتفاعها نحو 2.200 قدم توجد بقعة خصيبة مساحتها نحو 150 ميلاً مربعا ، تقوم عليها مدينة دمشق ، المركز الحضاري المتقدم فى الصحراء . وينقسم نهر بردى إلى خمسة فروع فى غوطة دمشق الشهيرة لينساب بعد ذلك فى الصحراء (ويبلغ طوله نحو 45 ميلا) . كما ينبع نهر آخر من سلسلة جبال لبنان الشرقية هو نهر فرفر (العوجة) الذي يجرى إلى الجنوب من دمشق ، وعلى مسافة منها ، ويختفى فى المستنقعات اشرقى المدينة . وكان نعمان السرياني - قائد جيش ملك أرام - فخوراً بهذين النهرين اللذين يرويان موطنه (انظر 2مل 5 : 12).
وإلى الشرق من هضبة حوران تقع الصحراء السورية امتداداً للصحراء العربية الشاسعة . وتقع فى هذه المنطقة مدينة بالميرا (وهي تدمر القديمة مركز القوافل العظيم) على بعد نحو 135 ميلاً إلى الشمال الشرقي من دمشق . وقد أقيم حديثاً سد على نهر الفرات وعلى بعد نحو 25 ميلا من مصب نهر البلخ ، لري المناطق الشمالية فى سورية ، ولكن البحيرة المتكونة من السد ستغطى أطلال مدينة كركميش القديمة.
ثانياً - تاريخها :
(1) - فى العصور القديمة : حكم سورية فى العصور الأولى الكنعانيون والأموريون والهكسوس والميتاني والحثيون ، وبصورة خاصة المصريون فى عصر الإمبراطورية التى بدأت بالأسرة الثامنة عشر . ولا يتسع المجال هنا لسرد كل تفاصيل هذه الحقبة من التاريخ القديم ، (انظر الحثيين ). وقد قامت فيها مدن عظيمة كما تدل على ذلك الحفريات الأثرية فى ألالة (3100 - 1200 ق.م.) بالقرب من منحنى نهر العاصي شرقي أنطاكية ، وفى حلب وكركميش وماري.
(2) - الأراميون :
(أ) تاريخهم : كان الأراميون (وهم من نسل سام بن نوح - تك 10 : 22و23) من البدو الذين انتشروا من الأطراف الشمالية للصحراء العربية السورية إلى مناطق الهلال الخصيب ، فاستقروا فى المنطقة العليا من بلاد بين النهرين منذ عصر الآباء كما يدل على ذلك تاريخ اسحق ويعقوب ، ونقوش شخص اسمه نارام - سن (Naram - Sin) . وكان مركز أرام النهرين (تك 24 : 10) أو فدان أرام (تك 25 : 20 ، 28 : 2) هو حاران (المذكورة فى الكتاب المقدس) . وربما كان الأراميون قد زحفوا إلى شمالي سورية ووسطها قبل ذلك . ولكن الأحداث التى وقعت فى القرن الثاني عشر قبل الميلاد ، قدمت لهم فرصة لا مثيل لها للاستقرار فى المنطقة ، فكانت قوة الحثيين قد انهارت ، وضاعت الامبراطورية المصرية فى غربي أسيا ، ولم يكن الإسرائيليون سوى مجموعة من القبائل تحت حكم القضاة.
وكانت أقوى الممالك الأرامية فى سورية ، التى ظهرت فى القرن الحادي عشر قبل الميلاد هي أرام صوبة التى نعلم الآن أنها كانت إلى الشمال من دمشق ، والأرجح أنها كانت فى منطقة حمص . ولابد أن دمشق كانت فى ذلك الوقت جزءاً من مملكة صوبة . أما ممالك المعكيين والجشوريين (تث 3 : 14 ، يش 12 : 5 ، 13 : 11و13) ، وطوب (قض 11 : 3و5) فيغلب أنها كانت فى شرقي الأردن إلى الجنوب من دمشق.
(ب) علاقاتهم بدواد وسليمان : عندما ظهرت قوة إسرائيل فى عهد داود ، تحالف حانون ملك عمون مع الممالك الأرامية فى صوبة ورحوب وطوب ومعكة (2صم 10 : 8) ، التى كانت تخشى - ولاشك - نمو القوة الإسرائيلية . وقد هزم داود الأراميين هزيمة منكرة وقتل كثيرين من صوبة ودمشق ، ووضع حامية عسكرية فى دمشق (2صم 10 : 18و19 ، 8 : 3-6). ولما هزم داود صوبة (التى تقع إلي الشمال من دمشق كما سبق القول) ، أرسل توعي ملك الحثيين فى حماة هدايا - بيد يورام ابنه - إلى داود اعترافا منه بسيادة داود على تلك المناطق التى فتحها.
وقد وسَّع سليمان المملكة التى ورثها عن داود أبيه ، وحكم كل المنطقة من مصر إلى الفرات بما فى ذلك شرقي الأردن (2أخ 9 : 26) ، بل بسط نفوذه أيضا على فينيقية . وقد أتاح له موقعه الجغرافي أن يكون الوسيط التجاري بين بلاد العرب ومصر وفينيقية والممالك الأرامية والحثية فى سوريا وأسيا الصغرى.
(جـ) علاقتهم بالمملكة بعد انقسامها : لم تكن كل شعوب فلسطين وسورية أتباعا مسالمين للملك العظيم فى أورشليم (سليمان) ، فواضح أن صوبة تمردت عليه فاضطر إلى إخضاعها (2أخ 8 : 3) وعندما بدأت المملكة فى الانحلال فى أواخر حكم سليمان ، تزعم رزون حركة عصيان واستولى على دمشق (1مل 11 : 23و24) وأقام أسرة ملكية جديدة كانت خصماً لإسرائيل . ويبدو أنه بموت سليمان بدأت كل الولايات الخاضعة له فى إعلان استقلالها.
وبعد تمرد رزون على سليمان ، حكم بعده ابنه طبريمون ثم حفيده بنهدد الأول (1مل 15 : 18). وواضح أن رزون وضع أساس العداء بين الممالك السورية والعبرانيين منذ البداية (1مل 11 : 25). ومع أن مملكة دمشق تزايدت فى القوة ، إلا أن فرصتها الكبرى ، جاءتها بقيام النزاع بين إسرائيل ويهوذا . فعندما وجد آسا ملك يهوذا نفسه فى مأزق ضيق بسبب غزو بعشا ملك إسرائيل ليهوذا ، أرسل هدية كبيرة لبنهدد ملك سورية طالبا منه النجدة ، فزحف الملك السوري على إسرائيل وأخذ عدداً من المدن فى الشمال.
وفى أواخر حكم أخآب (حوالي 855 ق.م.) ، زحف بنهدد على إسرائيل ولكنه انهزم . وحاول أن يثأر لنفسه فى العام التالي فزحف مرة أخرى ولقي هزيمة أشد ، وأصبح أخآب فى موقف يستطيع فيه إذلال منافسه الشمالي ، ولكنه فضل أن يعفو عنه ، إذ رأى أنه يجب تجنيد كل القوى لمواجهة الزحف الأشوري على المناطق الغربية (1مل 20). وهكذا زحف الأعداء الألداء (أخآب وبنهدد) جنبا إلى جنب لملاقاة شملنأسر الثالث فى كركر شمالي حماة ، وانتصر الأشوريون فى تلك المعركة ، ولكنها لم تكن فاصلة ، لأنه بعد ذلك بخمس سنوات وجد شلمنأسر أنه من الضرورى أن يزحف مرة أخرى على سورية ، فاستطاع أن يهزم حلفا من اثني عشر ملكاً بزعامة بنهدد ملك دمشق وإرهولنو ملك حماة (845 ق.م.) وبعد ذلك بنحو سنتين ، قتل حزائيل بنهدد واغتصب العرش وأسس أسرة ملكية جديدة فى سورية.
وخلال السنوات القليلة التالية ، استطاع شلمنأسر أن يهزم حزائيل مرتين ، ولكن جدت مشاكل أخرى شغلت الأشوريين ، فكفوا عن الزحف على سورية . وهنا أراد حزائيل أن ينتقم من ياهو ملك إسرائيل ، فاستولى على كل ما كان له فى شرقي الأردن وجلعاد وباشان (2مل 10 : 32و33) وهكذا أذل حزائيل إسرائيل . بعد ذلك زحف جنوباً وهزم الملك يهوآش ملك يهوذا (2مل 12 : 17و18). ولكن كان نجم سورية قد أوشك على الأفول ، فمات حزائيل (فى حوالي 800 ق.م.) ، وعاد الأشوريون إلى الزحف إلى سورية ، كما استطاع يهوآش ملك إسرائيل أن يهزم بنهدد الثاني - ابن حزائيل - ويستعيد ما سبق أن استولى عليه حزائيل (2مل 13 : 24و25). وواصل يربعام الثاني ابن يهوآش ملك إسرائيل الانتصار على سورية ، حتى صارت دمشق وحماة خاضعتين لإسرائيل بعض الوقت (2مل 14 : 28).
والأرجح أن دمشق استقلت مرة أخرى عن إسرائيل فى حوالي 750 ق.م. فى عهد ملكها رصين . ثم تولى عرش أشور تغلث فلاسر الثالث (744 - 727 ق.م.) وأراد أن يستعيد لأشور مجدها ، فدفع رصين ملك دمشق ومنحيم ملك إسرائيل الجزية له . وبينما انشغل الأشوريون بأعداء آخرين على الحدود الشمالية الغربية ، زحف رصين ملك أرام وفقح ملك إسرائيل لتأديب آحاز ملك يهوذا لرفضه الانضمام إليهما فى صراعهما مع أشور ، وحاصرت جيوشهما أورشليم ، وزحفوا جنوبا نحو عصيون جابر على خليج العقبة ، وقتلوا أعداداً كبيرة من يهوذا (2أخ 28 : 5-8). ودفع اليأس آحاز ملك يهوذا إلى إرسال بعثة إلى تغلث فلاسر ، معترفا بخضوعه لأشور ، مع إرسال هدية ثمينة له (2مل 16 : 7و8). ورحب ملك أشور بهذه الفرصة ، فنزل على أعداء يهوذا ودمر حدائق دمشق الغناء وقضى على مملكتها فى 732 ق.م. (2مل 16 : 9).
(د) السيادة الأجنبية : وظلت سورية جزءاً من الإمبراطورية الأشورية إلى يوم سقوطها على يد البابليين فى 612 ق.م. ، فأصبحت سورية جزءاً من الإمبراطورية البابلية الجديدة إلى يوم سقوطها على يد الفرس في 539 ق.م. حيث أصبحت دمشق عاصمة الولاية الخامسة فى الإمبراطورية الفارسية . ولكننا لا نعلم سوى القليل عنها فى أيام الإمبراطوريتين البابلية والفارسية.
(هـ) امبراطورية السلوقيين : عندما زحف الإسكندر الأكبر على الإمبراطورية الفارسية ، أخضع سورية لحكمه مع سائر ممتلكات فارس . وعند موته فى 323 ق.م. ترك وراءه مجموعة من القواد الطامعين ، حاول كل منهم أن يستولي على إمبراطورية الإسكندر ، فحدث نوع من الفوضى ، انتهى بأن تولى بطليموس حكم مصر والقيروان وقبرص وفلسطين ، وتولى أنتيجونوس حكم مكدونية ، وأسس سلوقس الأول أسرة مالكة فى بابل فى 312 ق.م. وفى أوج عظمة الإمبراطورية السلوقية ، بسطت سلطانها على كل الإمبراطورية الفارسية ما عدا مصر . وفى عهد سلوقس الثاني (264 - 226 ق.م.) فقد السلوقيون جزءاً كبيراً من إمبراطوريتهم ، فقد خرجت من يدهم إيران بثورة من البارثيين
(الفرتيين). ولكن أنطيوكس الثالث (223 - 187ق.م.) نجح فى استعادة إيران ، ومد حدود ملكه إلى نهر السند مرة أخرى . وفى 198ق.م هزم بطليموس وأخذ منه فلسطين . ولأجل هذا النجاح حاز لقب الكبير ، ولكن سرعان ما تجاوز أنطيوكس حدوده ، فاشتبك مع قوة روما الصاعدة ، وهكذا فقد كل أملاكه غربي جبال طوروس واضطر إلى دفع تعويض كبير.
وفى أيام أنطيوكس الرابع إبيفانس (175 - 164ق.م.) اشتد ساعد سورية مرة أخرى فبدأت بالحرب ، لأنه إذ علم أنطيوكس أن مصر تستعد لمحاربته ، بادر بالهجوم على بطليموس فيلوماتر واستولى على كل منطقة الدلتا ما عدا الإسكندرية . وعندما اضطرته روما إلى أن يعود أدراجه ، انصرف إلى نشر الثقافة اليونانية مما أثار ثائرة المكابيين ، فقامت الثورة اليهودية فى 168ق.م. وأدت إلى استقلال اليهود واستقطاع بعض الأملاك السلوقية . وأخذت الإمبراطورية السلوقية بعد ذلك فى الاضمحلال ، حتى ضم بومبي ما بقي منها إلى الإمبراطورية الرومانية فى 64ق.م.
(و) الحكم الروماني : كان من أهم مظاهر الإدارة السلوقية ، هو تأسيس المدن لتكون مركز لنشر الثقافة اليونانية ، ومقراً للحاميات العسكرية . وكان من أهم تلك المدن أنطاكية وميناؤها سلوكية على البحر المتوسط . وقد أصبحت أنطاكية - فيما بعد- ثالث المدن فى الإمبراطورية الرومانية ، بعد روما والإسكندرية ، كما أصبحت من أكبر المراكز المسيحية . وكانت مسقط رأس الإرساليات المسيحية ، فقد بدأ منها الرسول بولس رحلاته التبشيرية الثلاث (أع 13 : 1-4 ، 15 : 35و36 ، 18 : 2و23). وقد دُعي تلاميذ المسيح مسيحيين فى أنطاكية أولا (أع 11 : 26) ، كما أن فيها ثارت مشكلة علاقة المؤمنين من الأمم بناموس موسى ، وما أدى إليه ذلك من انعقاد المجمع فى أورشليم ، الذي تقرر فيه أن الأمم ليسوا تحت الناموس (أعمال 15).
وكانت سورية تحت الحكم الروماني ، فى أزهى عصورها نظاماً وازدحاما بالسكان ، فبعد ما كان قد عمها من فوضى ، استتب فيها الأمن والسلام ، وانتقلت عاصمة الحكم من دمشق إلى أنطاكية . وبلغت أوج ازدهارها فى القرن الثاني بعد الميلاد ، فكثير من المناطق الجرداء الآن ، كانت تغطيها المدن الزاهرة ، وكانت تنمو فيها الفواكه والخضر والحبوب ، كما كانت تستخدم فيها وسائل متقدمة للزراعة والري . ومن الصناعات الرئيسية التى كانت فيها : صناعة المنتجات الجلدية ، والكتان والنبيذ . وكان من أهم مصادر ثروتها المتاجر العظيمة التى كان تمر بها القوافل على طرقها المعبَّدة وموانيها الزاخرة . وبالإضافة إلى آلاف القرى التى كانت تنتشر فى الريف (الذي قلما تأثر بالثقافتين اليونانية والرومانية) ، كانت هناك المدن الكبرى العامرة التى كانت مراكز للثقافة اليونانية . وكانت أعظم مدنها - بلا شك - أنطاكية العاصمة ، ولكن كانت هناك أيضا سلوكية ، وبيريه (حلب الحالية) ، ولاودكية ، وأباما ، وإبيفانيا (حماة الحالية) ، وإمصا (حمص الحالية) ، وهليوبوليس (بعلبك) بمعابدها الفخمة ، ودمشق ، وبالميرا (تدمر) . (انظر أرام و أنطيوكس و سلوكية ).
أولاً - جغرافيتها :
(1) الموقع والحدود : تعرضت حدود سورية للكثير من التغيرات عبر القرون بتغير الظروف السياسية ، فقد أطلقت كلمة سورية أصلا على الدولة القوية التى كان مركزها منطقة لبنان وعاصمتها دمشق . وكان الأشوريون يطلقون على هذه المنطقة الواقعة غربي الفرات أرض الأمورو (أي الأموريين) . ولكن علماء الجغرافيا ، بناء على المراجع القديمة - مثل سترابو والجغرافيين العرب - يعتبرون حدود سورية هي جبال طورس ونهر الفرات شمالاً ، وصحراء سيناء فى الجنوب ، والبحر المتوسط فى الغرب ، والصحراء السورية فى الشرق.
ولكن علماء الكتاب المقدس ، وكثيرين غيرهم ، يفصلون بين سورية وفلسطين ، ويعتبرون أن سورية هي قوس الهلال الخصيب ، ويحدها من الغرب البحر المتوسط ، ومن الجنوب ما يعرف الآن بالجليل وباشان ، ومن الشرق الصحراء السورية ، ومن الشمال نهر الفرات وجبال أمانوس . وكانت تضم - فى بعض الأحيان - فينيقية . ولكننا سنعتبرها -هنا - منفصلة عن فينيقية وفلسطين ، وأنه يحدها فى الجنوب الغربي جبال لبنان التى تفصل سورية - فى هذه الناحية - عن ساحل البحر.
(2) أقسامها الجغرافية : تتكون سورية من عدة مناطق مختلفة . فتتكون من سهل ساحلي ، ثم سلاسل من الجبال ومن وديان خصبة غنية بزراعتها ، ومن مناطق صخرية أو رملية فى الشرق ، عبارة عن صحراء أو مناطق وعرة تكاد تنعدم فيها الزراعة.
ويمتد ساحل البحر المتوسط الشرقي نحو أربعمائة ميل من الاسكندرونة شمالاً حتى حدود مصر جنوباً . وهو من أكثر السواحل فى العالم استقامة ، ويكاد يخلو من الخلجان الكبيرة ، كما لا تحف به الجزر . وكان يقع عليه فى سورية ، عدد من المواني الصغيرة مثل اللاذقية (لاودكية قيديماً) ، ورأس شمرا (أوغاريت قديماً) . ولم تكن سولكية (ميناء أنطاكية) سوى مرسى للسفن . وكان السهل الساحلي ، الذي لم يكن عرضه يتجاوز بضعة أميال ، قليل الأهمية فى تاريخ سورية (على عكس ما كان لفينيقية) ، فأغلبه ليس سوى شريط عريض من الكثبان الرملية التى تغطيها بعض الحشائش والشجيرات.
وتطل على هذا السهل الساحلي ، سلسلة من الجبال تبدأ من جبال أمانوس فى الشمال ، وتمتد جنوباً حتى تصل إلى جبال سيناء جنوباً . وجبال أمانوس (التى يصل ارتفاعها إلى نحو 5.000 قدم) هي فرع جنوبي من جبال طوروس ، يفصل بين سورية وأسيا الصغرى . ويقطع هذه الجبال فى طرفها الجنوبي غور نهر الأورنت (العاصي) ، وتمر به الطرق إلى أنطاكية وحلب . والممر الرئيسي فوق هذه الجبال يوجد فى بيلان أو البوابات السورية على ارتفاع 2.400 قدم . وتستمر هذه السلسلة من الجبال فى امتدادها جنوبي نهر العاصي إلى جبل عكا الذي يبلغ ارتفاعه نحو 5.750 قدما ، ويمتد إلى لاتاكيا ، ويسمى فى جنوب اللاذقية باسم جبل الأنصارية ، والتي يقطعها فى الجنوب نهر الكبير الذي يشكل الآن الحدود بين سورية ولبنان ، والذي تمتد إلى الجنوب منه جبال لبنان.
وإلى الشرق من هذه السلسلة من الجبال ، يوجد وادٍِ عميق ، هو امتداد الأخدود العظيم ، الذى يمتد من أرمينية شمالاً إلى خليج العقبة والبحر الأحمر . ويبدأ فى سورية بالقرب من أنطاكية ، حيث يتجه نهر العاصي إلى الغرب قاطعاً سلسلة الجبال ليصب فى البحر المتوسط . والسهل الداخلي عريض وشديد الخصوبة . ومن أنطاقية يرتفع وادي العاصى ببطء بين سلسلة الجبال الغربية والهضبة المرتفعة فى شمالي سورية ، ويبلغ الارتفاع عند حماة نحو 1.015 قدماً وعند حمص 1.660 قدماً . ويسمى هذا الوادي بعد حمص وادي البقاع بين جبال لبنان الغربية وجبال لبنان الشرقية ، ويتراوح عرضه ما بين ستة أميال وعشرة أميال ، ويبلغ طوله نحو 75 ميلا ، وهو غني بزراعاته ومراعيه.
وسلسلة جبال لبنان الشرقية ترتفع من الهضبة السورية جنوبي حمص ، وتسير فى مقابل جبال لبنان وتكاد تعادلها طولاً وارتفاعاً . ويشق هذه السلسلة ويقسمها إلى قسمين ، وادي نهر بردى (أو أبانة) الذي يروى منطقة دمشق . ويرتفع الجزء الجنوبي من هذه السلسلة الشرقية - ويعرف باسم جبل حرمون أو جبل الشيخ - إلى نحو 9.232 قدما ، وهو أعلى قمة فى سورية.
وتنحدر السفوح الجنوبية والشرقية لجبل حرمون انحداراً شديداً إلى هضبة حوران الشاسعة ، وسطحها بركاني خالٍ من الأشجار ، وتربتها طفلية خصبة . وتغطي الحمم البركانية منطقة تبلغ مساحتها ستين ميلا طولاً ، وستين ميلاً عرضا . وتعتبر هضبة حوران من أجود مناطق الشرق الأوسط لإنتاج القمح.
وتتجمع مياه سلسلة جبال لبنان الشرقية لتجرى فى نهر بردى (أبانة) نحو الصحراء الشرقية (وتقع دمشق على بعد ثلاثين ميلا إلى الشرق من جبل حرمون) . وعلى هضبة يبلغ ارتفاعها نحو 2.200 قدم توجد بقعة خصيبة مساحتها نحو 150 ميلاً مربعا ، تقوم عليها مدينة دمشق ، المركز الحضاري المتقدم فى الصحراء . وينقسم نهر بردى إلى خمسة فروع فى غوطة دمشق الشهيرة لينساب بعد ذلك فى الصحراء (ويبلغ طوله نحو 45 ميلا) . كما ينبع نهر آخر من سلسلة جبال لبنان الشرقية هو نهر فرفر (العوجة) الذي يجرى إلى الجنوب من دمشق ، وعلى مسافة منها ، ويختفى فى المستنقعات اشرقى المدينة . وكان نعمان السرياني - قائد جيش ملك أرام - فخوراً بهذين النهرين اللذين يرويان موطنه (انظر 2مل 5 : 12).
وإلى الشرق من هضبة حوران تقع الصحراء السورية امتداداً للصحراء العربية الشاسعة . وتقع فى هذه المنطقة مدينة بالميرا (وهي تدمر القديمة مركز القوافل العظيم) على بعد نحو 135 ميلاً إلى الشمال الشرقي من دمشق . وقد أقيم حديثاً سد على نهر الفرات وعلى بعد نحو 25 ميلا من مصب نهر البلخ ، لري المناطق الشمالية فى سورية ، ولكن البحيرة المتكونة من السد ستغطى أطلال مدينة كركميش القديمة.
ثانياً - تاريخها :
(1) - فى العصور القديمة : حكم سورية فى العصور الأولى الكنعانيون والأموريون والهكسوس والميتاني والحثيون ، وبصورة خاصة المصريون فى عصر الإمبراطورية التى بدأت بالأسرة الثامنة عشر . ولا يتسع المجال هنا لسرد كل تفاصيل هذه الحقبة من التاريخ القديم ، (انظر الحثيين ). وقد قامت فيها مدن عظيمة كما تدل على ذلك الحفريات الأثرية فى ألالة (3100 - 1200 ق.م.) بالقرب من منحنى نهر العاصي شرقي أنطاكية ، وفى حلب وكركميش وماري.
(2) - الأراميون :
(أ) تاريخهم : كان الأراميون (وهم من نسل سام بن نوح - تك 10 : 22و23) من البدو الذين انتشروا من الأطراف الشمالية للصحراء العربية السورية إلى مناطق الهلال الخصيب ، فاستقروا فى المنطقة العليا من بلاد بين النهرين منذ عصر الآباء كما يدل على ذلك تاريخ اسحق ويعقوب ، ونقوش شخص اسمه نارام - سن (Naram - Sin) . وكان مركز أرام النهرين (تك 24 : 10) أو فدان أرام (تك 25 : 20 ، 28 : 2) هو حاران (المذكورة فى الكتاب المقدس) . وربما كان الأراميون قد زحفوا إلى شمالي سورية ووسطها قبل ذلك . ولكن الأحداث التى وقعت فى القرن الثاني عشر قبل الميلاد ، قدمت لهم فرصة لا مثيل لها للاستقرار فى المنطقة ، فكانت قوة الحثيين قد انهارت ، وضاعت الامبراطورية المصرية فى غربي أسيا ، ولم يكن الإسرائيليون سوى مجموعة من القبائل تحت حكم القضاة.
وكانت أقوى الممالك الأرامية فى سورية ، التى ظهرت فى القرن الحادي عشر قبل الميلاد هي أرام صوبة التى نعلم الآن أنها كانت إلى الشمال من دمشق ، والأرجح أنها كانت فى منطقة حمص . ولابد أن دمشق كانت فى ذلك الوقت جزءاً من مملكة صوبة . أما ممالك المعكيين والجشوريين (تث 3 : 14 ، يش 12 : 5 ، 13 : 11و13) ، وطوب (قض 11 : 3و5) فيغلب أنها كانت فى شرقي الأردن إلى الجنوب من دمشق.
(ب) علاقاتهم بدواد وسليمان : عندما ظهرت قوة إسرائيل فى عهد داود ، تحالف حانون ملك عمون مع الممالك الأرامية فى صوبة ورحوب وطوب ومعكة (2صم 10 : 8) ، التى كانت تخشى - ولاشك - نمو القوة الإسرائيلية . وقد هزم داود الأراميين هزيمة منكرة وقتل كثيرين من صوبة ودمشق ، ووضع حامية عسكرية فى دمشق (2صم 10 : 18و19 ، 8 : 3-6). ولما هزم داود صوبة (التى تقع إلي الشمال من دمشق كما سبق القول) ، أرسل توعي ملك الحثيين فى حماة هدايا - بيد يورام ابنه - إلى داود اعترافا منه بسيادة داود على تلك المناطق التى فتحها.
وقد وسَّع سليمان المملكة التى ورثها عن داود أبيه ، وحكم كل المنطقة من مصر إلى الفرات بما فى ذلك شرقي الأردن (2أخ 9 : 26) ، بل بسط نفوذه أيضا على فينيقية . وقد أتاح له موقعه الجغرافي أن يكون الوسيط التجاري بين بلاد العرب ومصر وفينيقية والممالك الأرامية والحثية فى سوريا وأسيا الصغرى.
(جـ) علاقتهم بالمملكة بعد انقسامها : لم تكن كل شعوب فلسطين وسورية أتباعا مسالمين للملك العظيم فى أورشليم (سليمان) ، فواضح أن صوبة تمردت عليه فاضطر إلى إخضاعها (2أخ 8 : 3) وعندما بدأت المملكة فى الانحلال فى أواخر حكم سليمان ، تزعم رزون حركة عصيان واستولى على دمشق (1مل 11 : 23و24) وأقام أسرة ملكية جديدة كانت خصماً لإسرائيل . ويبدو أنه بموت سليمان بدأت كل الولايات الخاضعة له فى إعلان استقلالها.
وبعد تمرد رزون على سليمان ، حكم بعده ابنه طبريمون ثم حفيده بنهدد الأول (1مل 15 : 18). وواضح أن رزون وضع أساس العداء بين الممالك السورية والعبرانيين منذ البداية (1مل 11 : 25). ومع أن مملكة دمشق تزايدت فى القوة ، إلا أن فرصتها الكبرى ، جاءتها بقيام النزاع بين إسرائيل ويهوذا . فعندما وجد آسا ملك يهوذا نفسه فى مأزق ضيق بسبب غزو بعشا ملك إسرائيل ليهوذا ، أرسل هدية كبيرة لبنهدد ملك سورية طالبا منه النجدة ، فزحف الملك السوري على إسرائيل وأخذ عدداً من المدن فى الشمال.
وفى أواخر حكم أخآب (حوالي 855 ق.م.) ، زحف بنهدد على إسرائيل ولكنه انهزم . وحاول أن يثأر لنفسه فى العام التالي فزحف مرة أخرى ولقي هزيمة أشد ، وأصبح أخآب فى موقف يستطيع فيه إذلال منافسه الشمالي ، ولكنه فضل أن يعفو عنه ، إذ رأى أنه يجب تجنيد كل القوى لمواجهة الزحف الأشوري على المناطق الغربية (1مل 20). وهكذا زحف الأعداء الألداء (أخآب وبنهدد) جنبا إلى جنب لملاقاة شملنأسر الثالث فى كركر شمالي حماة ، وانتصر الأشوريون فى تلك المعركة ، ولكنها لم تكن فاصلة ، لأنه بعد ذلك بخمس سنوات وجد شلمنأسر أنه من الضرورى أن يزحف مرة أخرى على سورية ، فاستطاع أن يهزم حلفا من اثني عشر ملكاً بزعامة بنهدد ملك دمشق وإرهولنو ملك حماة (845 ق.م.) وبعد ذلك بنحو سنتين ، قتل حزائيل بنهدد واغتصب العرش وأسس أسرة ملكية جديدة فى سورية.
وخلال السنوات القليلة التالية ، استطاع شلمنأسر أن يهزم حزائيل مرتين ، ولكن جدت مشاكل أخرى شغلت الأشوريين ، فكفوا عن الزحف على سورية . وهنا أراد حزائيل أن ينتقم من ياهو ملك إسرائيل ، فاستولى على كل ما كان له فى شرقي الأردن وجلعاد وباشان (2مل 10 : 32و33) وهكذا أذل حزائيل إسرائيل . بعد ذلك زحف جنوباً وهزم الملك يهوآش ملك يهوذا (2مل 12 : 17و18). ولكن كان نجم سورية قد أوشك على الأفول ، فمات حزائيل (فى حوالي 800 ق.م.) ، وعاد الأشوريون إلى الزحف إلى سورية ، كما استطاع يهوآش ملك إسرائيل أن يهزم بنهدد الثاني - ابن حزائيل - ويستعيد ما سبق أن استولى عليه حزائيل (2مل 13 : 24و25). وواصل يربعام الثاني ابن يهوآش ملك إسرائيل الانتصار على سورية ، حتى صارت دمشق وحماة خاضعتين لإسرائيل بعض الوقت (2مل 14 : 28).
والأرجح أن دمشق استقلت مرة أخرى عن إسرائيل فى حوالي 750 ق.م. فى عهد ملكها رصين . ثم تولى عرش أشور تغلث فلاسر الثالث (744 - 727 ق.م.) وأراد أن يستعيد لأشور مجدها ، فدفع رصين ملك دمشق ومنحيم ملك إسرائيل الجزية له . وبينما انشغل الأشوريون بأعداء آخرين على الحدود الشمالية الغربية ، زحف رصين ملك أرام وفقح ملك إسرائيل لتأديب آحاز ملك يهوذا لرفضه الانضمام إليهما فى صراعهما مع أشور ، وحاصرت جيوشهما أورشليم ، وزحفوا جنوبا نحو عصيون جابر على خليج العقبة ، وقتلوا أعداداً كبيرة من يهوذا (2أخ 28 : 5-8). ودفع اليأس آحاز ملك يهوذا إلى إرسال بعثة إلى تغلث فلاسر ، معترفا بخضوعه لأشور ، مع إرسال هدية ثمينة له (2مل 16 : 7و8). ورحب ملك أشور بهذه الفرصة ، فنزل على أعداء يهوذا ودمر حدائق دمشق الغناء وقضى على مملكتها فى 732 ق.م. (2مل 16 : 9).
(د) السيادة الأجنبية : وظلت سورية جزءاً من الإمبراطورية الأشورية إلى يوم سقوطها على يد البابليين فى 612 ق.م. ، فأصبحت سورية جزءاً من الإمبراطورية البابلية الجديدة إلى يوم سقوطها على يد الفرس في 539 ق.م. حيث أصبحت دمشق عاصمة الولاية الخامسة فى الإمبراطورية الفارسية . ولكننا لا نعلم سوى القليل عنها فى أيام الإمبراطوريتين البابلية والفارسية.
(هـ) امبراطورية السلوقيين : عندما زحف الإسكندر الأكبر على الإمبراطورية الفارسية ، أخضع سورية لحكمه مع سائر ممتلكات فارس . وعند موته فى 323 ق.م. ترك وراءه مجموعة من القواد الطامعين ، حاول كل منهم أن يستولي على إمبراطورية الإسكندر ، فحدث نوع من الفوضى ، انتهى بأن تولى بطليموس حكم مصر والقيروان وقبرص وفلسطين ، وتولى أنتيجونوس حكم مكدونية ، وأسس سلوقس الأول أسرة مالكة فى بابل فى 312 ق.م. وفى أوج عظمة الإمبراطورية السلوقية ، بسطت سلطانها على كل الإمبراطورية الفارسية ما عدا مصر . وفى عهد سلوقس الثاني (264 - 226 ق.م.) فقد السلوقيون جزءاً كبيراً من إمبراطوريتهم ، فقد خرجت من يدهم إيران بثورة من البارثيين
(الفرتيين). ولكن أنطيوكس الثالث (223 - 187ق.م.) نجح فى استعادة إيران ، ومد حدود ملكه إلى نهر السند مرة أخرى . وفى 198ق.م هزم بطليموس وأخذ منه فلسطين . ولأجل هذا النجاح حاز لقب الكبير ، ولكن سرعان ما تجاوز أنطيوكس حدوده ، فاشتبك مع قوة روما الصاعدة ، وهكذا فقد كل أملاكه غربي جبال طوروس واضطر إلى دفع تعويض كبير.
وفى أيام أنطيوكس الرابع إبيفانس (175 - 164ق.م.) اشتد ساعد سورية مرة أخرى فبدأت بالحرب ، لأنه إذ علم أنطيوكس أن مصر تستعد لمحاربته ، بادر بالهجوم على بطليموس فيلوماتر واستولى على كل منطقة الدلتا ما عدا الإسكندرية . وعندما اضطرته روما إلى أن يعود أدراجه ، انصرف إلى نشر الثقافة اليونانية مما أثار ثائرة المكابيين ، فقامت الثورة اليهودية فى 168ق.م. وأدت إلى استقلال اليهود واستقطاع بعض الأملاك السلوقية . وأخذت الإمبراطورية السلوقية بعد ذلك فى الاضمحلال ، حتى ضم بومبي ما بقي منها إلى الإمبراطورية الرومانية فى 64ق.م.
(و) الحكم الروماني : كان من أهم مظاهر الإدارة السلوقية ، هو تأسيس المدن لتكون مركز لنشر الثقافة اليونانية ، ومقراً للحاميات العسكرية . وكان من أهم تلك المدن أنطاكية وميناؤها سلوكية على البحر المتوسط . وقد أصبحت أنطاكية - فيما بعد- ثالث المدن فى الإمبراطورية الرومانية ، بعد روما والإسكندرية ، كما أصبحت من أكبر المراكز المسيحية . وكانت مسقط رأس الإرساليات المسيحية ، فقد بدأ منها الرسول بولس رحلاته التبشيرية الثلاث (أع 13 : 1-4 ، 15 : 35و36 ، 18 : 2و23). وقد دُعي تلاميذ المسيح مسيحيين فى أنطاكية أولا (أع 11 : 26) ، كما أن فيها ثارت مشكلة علاقة المؤمنين من الأمم بناموس موسى ، وما أدى إليه ذلك من انعقاد المجمع فى أورشليم ، الذي تقرر فيه أن الأمم ليسوا تحت الناموس (أعمال 15).
وكانت سورية تحت الحكم الروماني ، فى أزهى عصورها نظاماً وازدحاما بالسكان ، فبعد ما كان قد عمها من فوضى ، استتب فيها الأمن والسلام ، وانتقلت عاصمة الحكم من دمشق إلى أنطاكية . وبلغت أوج ازدهارها فى القرن الثاني بعد الميلاد ، فكثير من المناطق الجرداء الآن ، كانت تغطيها المدن الزاهرة ، وكانت تنمو فيها الفواكه والخضر والحبوب ، كما كانت تستخدم فيها وسائل متقدمة للزراعة والري . ومن الصناعات الرئيسية التى كانت فيها : صناعة المنتجات الجلدية ، والكتان والنبيذ . وكان من أهم مصادر ثروتها المتاجر العظيمة التى كان تمر بها القوافل على طرقها المعبَّدة وموانيها الزاخرة . وبالإضافة إلى آلاف القرى التى كانت تنتشر فى الريف (الذي قلما تأثر بالثقافتين اليونانية والرومانية) ، كانت هناك المدن الكبرى العامرة التى كانت مراكز للثقافة اليونانية . وكانت أعظم مدنها - بلا شك - أنطاكية العاصمة ، ولكن كانت هناك أيضا سلوكية ، وبيريه (حلب الحالية) ، ولاودكية ، وأباما ، وإبيفانيا (حماة الحالية) ، وإمصا (حمص الحالية) ، وهليوبوليس (بعلبك) بمعابدها الفخمة ، ودمشق ، وبالميرا (تدمر) . (انظر أرام و أنطيوكس و سلوكية ).
اقتراحات موسوعية أخرى
شحن
شِحَن
هو من فيه الكفاءة لضبط البلد من قِبل السلطان ، فهو حاكم مقاطعة أو ولاية . وهي في العبرية ساجا...
ترش
ترش
اسم فارسي يرى البعض أمين معناه ثابت ويرى البعض الأحيان انه قد يعنى رغبة . وهو اسم إجماع خصيي ال...
البرداء
البُرَداء
لقد أوصى الرب الشعب بالعمل بجميع وصاياه، وأنذرهم بأنه في حالة العصيان : يضربك الرب بالسل...
احيور
أحيور
قائد بني عمون الذي تكلم دفاعاً عن إسرائيل مأمام إليفانا رئيس جيش الأشوريين (يهوديت 5: 5 ) فأم...
بنى
بنى ــ يبني ــ بناء
أهم كلمة عبرية تترجم هكذا هى كلمة بنى فهى مثل العربية لفظاً ومعنى.
1- أسلوب...
برج
برج
الكلمة العبرية التي تترجم عادة بكلمة برج هي مجدل ومشتقاتها - وتذكر أحياناً في الترجمة العربية...