كلمة منفعة
كل ما يطلبه الله منك هو قلبك: "يا أبنى أعطني قلبك".. وهو عندما يطلب قلبك، إنما يطلب حبك. ودليل الحب هو البذل.
— حياة البذل

قبرس

قبرس
حجم الخط
قبرس
(1) - الموقع: قبرس جزيرة تقع في الشمال الشرقي من البحر المتوسط، وتُعد ثالثة جزره في المساحة (بعد صقلية وسردينيا)، وتبعد نحو 74 كيلومتراً (نحو 46 ميلاً) جنوبي كيليكية في أسيا الصغرى (تركيا الآن)، وعلى بعد نحو 96 كيلو متراً (نحو 60ميلاً) غربي سورية، وعلى بعد نحو 390 كيلومتراً (نحو 245 ميلاً شمالي مصر).
(2) - الاسم: تذكر قبرس في العهد القديم باسم كتيم (تك 10: 4، عد 24: 24، 1أخ 1: 7، إش 23: 1و12، إرميا 2: 10، حزقيال 27: 6، دانيال 11: 30)، ولعل هذا الاسم كان نسبة إلى كيتيون العاصمة الفينيقية القديمة لقبرس (وكان موقعها بالقرب من لارناكا الحالية). وكانت مقراً لعبادة أفروديت (فينوس اللاتينية) إلاهة الخصوبة والحب، وكان يطلق على سكانها كيتيم، ومن هنا أطلق العبرانيون هذا الاسم على كل الجزيرة، بل يبدو أنهم أطلقوه على كل البلاد الواقعة عبر البحر (انظر دانيال 11: 30، إرميا 2: 10). ويقول إشعياء النبي أن أخبار خراب صور سيذيعها بحارة السفن من مواني كتيم (إش 23: 1و12).
وفي العصر البرونزي نما عدد سكان الجزيرة نمواً كبيراً، وزادت أهميتها الاقتصادية والتجارية بين بلاد البحر المتوسط. وكانت تسمى الجزيرة في ذلك الوقت باسم ألاشيا كما تذكر في وثائق إبلا (من منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد)، وفي وثائق مملكة ماري (من القرن الثامن عشر قبل الميلاد). وفي وثائق أوغاريت وتل العمارنة (من القرن الرابع عشر قبل الميلاد)، والأرجح أنها هي أليشة المذكورة في نبوة حزقيال (27: 7). وكانت لها تجارة واسعة مع سورية وفلسطين ومصر، واشتهرت بخاصة بصادراتها من النحاس والزيت والخشب والأواني الفخارية. وقد وجدت بقايا من الفخار الأليشي في خمسين موقعاً في مصر، 25 موقعاً في فلسطين 170 موقعاً في سورية.
واسمها الحالي مأخوذ عن اليونانية كبروس (Kypros) نقلاً عن اللاتينية كبروم (Cyprum) أي نحاس، لاشتهارها به في عصر الفينيقيين. فالنحاس من قبرس والقصدير من كورنوول - الذي كانت تجلبه السفن الفينيقية قديماً - كونا سبيكة البرونز التي كانت أساس تسمية الألف الثانية قبل الميلاد بالعصر البرونزي. ومما لا شك فيه أنه بسبب وجود خام النحاس بها، أسس الفينيقيون بها مدينة كيتيون وغيرها من المدن.
(3) - جغرافيتها: تبدو جزيرة قبرس في شكلها أشبه بجلد حيوان مسلوخ، تتجه رقبته الممدودة نحو خليج الإسكندرونة. ويبلغ طولها نحو 224 كيلومتراً (نحو 140 ميلاً)، وعرضها نحو 96 كيلومتراً (نحو 60 ميلاً)، وبها سلسلتان من الجبال: بنتاداكتيلوس (Pentadaktylos) على امتداد الساحل الشمالي، وترتفع إلى نحو 3.257 قدماً (نحو 1024 متراً)، وترودس (Trodos) في الجنوب وترتفع إلى نحو 6.403 أقدام (نحو 1951متراً). وبين هاتين السلسلتين من الجبال توجد أرض منخفضة. وتكثر على سفوح الجبال وفي السهول الساحلية في الغرب والجنوب، الكروم وأشجار الزيتون والخروب. وكانت تغطيها قديماً غابات كثيفة كانت مصدراً غنياً للأخشاب التي أسرفوا في استغلالها حتى تعرت الجزيرة منها، كما حدث في جبال لبنان، بل وفي كل بلاد حوض البحر المتوسط (انظر حز 27: 5و6). والتربة في الوديان الضيقة خصبة، وتزداد خصوبة كلما توجهنا شمالاً.
(4) - تاريخها المبكر: يبدو أن سكان قبرس الأصليين كانوا ينتمون إلى شعوب أسيا الصغرى، فمواردها العظيمة من النحاس والخشب، جعلت لها أهمية عظيمة منذ أقدم العصور، مما جذب إليها أنظار الشعوب المجاورة وبخاصة بابل ومصر. وهناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن سرجون الأول الملك الأكادي (في النصف الثاني من الألف الثالثة قبل الميلاد) قد استولى عليها. وبعد ذلك بنحو ألف عام استولى عليها تحتمس الثالث فرعون مصر العظيم من الأسرة الثامنة عشرة (1501 - 1447 ق. م.). ولكنها تأثرت في حضارتها بأغلب الحضارات القديمة، فقد أثبتت الكشوف الأثرية أنه كان في قبرس قديماً عدة مراكز للثقافة المينوية (Minoan)، فمما لا شك فيه أنه كان للحضارة الكريتية أثر كبير في قبرس.
ولعل الكتابة المينوية كانت هي أساس الكتابة القبرسية المقطعية الغريبة والتي ظلت تستخدم حتى القرن الرابع قبل الميلاد. ولكن هناك من يظن أن هذه الكتابة المقطعية جاءت من الهيروغليفية الحثية. وبانحلال الحضارة المينوية حل بها عصر الظلام.
وعندما بزغ نجم آشور في القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، وظهرت كأعظم قوة في الشرق الأوسط، أخضع سرجون الثاني ملك أشور (721 - 705 ق. م.) قبرس لحكمه في 709 ق. م. فيسجل على لوحة الشهير أنه حصل على الجزية من سبعة من أمراء قبرس، ويسجل حفيده أسرحدون (حوالي 670 ق. م.) على مسلته، أسماء عشرة ملوك والمدن التي كانوا يحكمونها في قبرس كانوا يقدمون له الجزية. والأرجح أن انهيار الامبراطورية الأشورية بسقوط نينوى في 612 ق. م. قد أدى إلى استقلال قبرس. ولكن ما لبث أن استولى عليها فرعون مصر أحمس (أمازيس) من الأسرى السادسة والعشرين، واحتفظ بها حتى موته في 526 ق. م. ولكن بهزيمة ابنه بسماتيك الثالث في 525 ق. م. أمام جيوش قمبيز ملك فارس، وقعت قبرس تحت سيادة فارس (كما يذكر هيرودوت).
(5) - قبرس واليونان: في أواخر العصر البرونزي (حوالي 1270 - 1190 ق. م.) بدأت هجرة اليونانيين الميسينيين والأخائيين إلى قبرس، وأسسوا مستعمرات يونانية في سلاميس وبافوس. وفي 501 ق. م. قام المستوطنون اليونانيون بقيادة أنسيلوس أخي حاكم سلاميس، بثورة ضد الفرس، ولكنه انهزم هزيمة فاصلة. وفي 480 ق. م. اشتركت 150 سفينة قبرسية مع أجزركسيس (أحشويروش) ملك فارس في حملته على بلاد اليونان، ولم تنجح محاولات بوسانيوس وسيمون في اجتذاب قبرس إلى جانب اليونان. ولكن انسحاب القوات الأثينية من الشرق بعد انتصارهم العظيم في موقعة سلاميس البحرية في 449 ق. م. أعقبه حركة قوية ضد الحزب اليوناني في كل الجزيرة، بقيادة أبديمون (Abdemon) أمير كتيوم (Citium). وفي 411 ق. م. ارتقى إيواجوراس (Euagoras) عرش سلاميس، وشرع في تثبيت النفوذ الهليني ونشر الحضارة الهلينية، فاتفق مع فارنابازوس (Pharnabazus) الوالي الفارسي، وكونون (Conon) الأثيني على سحق القوة البحرية لاسبرطة في موقعة كنيدس (Cnidus) في 394 ق. م. وفي 387 ق. م. ثار ضد الفرس وأعلن استقلاله. وقد خلفه ابنه نيقولاس. ولكن يبدو أن الفرس استعادو سيطرتهم على الجزيرة. ولكن بعد موقعة إسوس (333 ق. م.) التي هزم فيها الاسكندر الأكبر جيوش داريوس الثالث ملك فارس، خضعت الجزيرة طوعاً للإسكندر الأكبر وقدمت له مساعدة كبيرة في حصار صور وبموت الإسكندر في 323 ق. م. وقعت قبرس في نصيب بطليموس الأول ملك مصر ولكن استولى على حكمها ديمتريوس بوليوركيتس (Poliorcetes) الذي هزم بطليموس في موقعة بالقرب من سلاميس في 306 ق. م. ولكن بعد ذلك بإحدى عشرة سنة وقعت مرة أخرى في يد بطليموس، وظلت ولاية مصرية، أو مستقلة أحياناً، إلى أن تدخلت روما (انظر 2مك 10: 13)، فقد كانت هناك جماعة من القبرسيين تحت قيادة كراتيس في جيش أنطيوكس إبيفانوس ملك سورية، تكون جزءاً من حامية أورشليم في 172 ق. م. (انظر 2مك 4: 29).
(6) قبرس وروما: في 58 ق. م. قرر الرومان ضم قبرس إلى إمبراطوريتهم، وأوكلوا هذه المهمة لماركوس بوركيوس كاتو. وكان حاكم قبرس هو أخو بطليموس أوليتس ملك مصر، فعرضوا عليه مركز رئيس كهنة أفروديت في بافوس، ولكنه فضل أن ينهي حياته بالسم، وهكذا وقعت في يد روما كنوز من نحو 7000 وزنة من الذهب علاوة على الجزيرة نفسها التي جُعلت جزءاً من ولاية كيليكية. وفي تقسيم حكم الامبراطورية الرومانية بين مجلس الشيوخ والإمبراطور، وضعت قبرس في البداية (27-22 ق. م.) تحت حكم الإمبراطور، ويتولى أمرها حاكم كيليكية من قبل الإمبراطور وفي 22 ق. م. أصبحت تحت حكم مجلس الشيوخ مع غلاطية الجنوبية، عوضاً عن دالماتيا، ويتولى حكمها والٍ من قبل مجلس الشيوخ، يقيم في بافوس. ومن هؤلاء الولاة كان سرجيوس بولس الذي كان والياً على قبرس عندما زار الرسول بولس بافوس في 46 أو 47 م. (أع 13: 4-12).
(7) - قبرس واليهود: إن قرب جزيرة قبرس من ساحل سورية، جعلها قريبة أيضاً من فلسطين، والأرجح أن اليهود قد استقروا بها قبل أيام الإسكندر الأكبر. وكان عدد اليهود بها كبيراً في أيام حكم البطالسة لها (1مك 15: 23، 2مك 12: 2). ولابد أن عددهم ازداد كثيراً في أيام هيرودس الكبير الذي كان له حق استغلال مناجم النحاس بها (كما يذكر يوسيفوس). فلا عجب أن نقرأ أنه كان بسلاميس عدة مجامع لليهود (أع 13: 5) عند زيارة الرسول بولس وصحبه لها. وفي 116 م. قام يهود قبرس بثورة وقتلوا ما لا يقل عن 240.000 من غير اليهود، مما دفع هادريان إلى إخماد ثورتهم ببطش شديد، وطرد كل اليهود من الجزيرة، حتى أصبح من المستحيل على أي يهودي أن يطأ أرض الجزيرة لو تحطمت به سفينة بالقرب من الجزيرة، إذ كانت عقوبة ذلك الموت.
(8) - الكنيسة في قبرس: لقد لعبت قبرس دوراً بارزاً في حياة الكنيسة في عصرها الأول. فمن المسيحيين الذين هربوا من اليهودية بسبب الاضطهاد الشديد الذي وقع على الكنيسة عقب استشهاد استفانوس. ذهب بعضهم إلى فينيقية وقبرس وأنطاكية وهم لا يكلمون أحداً إلا بالكلمة إلا اليهود فقط. ولكن كان منهم قوم - وهم رجال قبرسيون وقيروانيون. الذين لما دخلوا أنطاكية كانوا يخاطبون اليونانيين مبشرين بالرب يسوع. وكانت يد الرب معهم. فآمن عدد كثير ورجعوا إلى الرب (أع 11: 19-21). بل وقبل هذا، كان برنابا - وهو لاوي ولد في قبرس (أع 4: 36) _ أحد المتقدمين في الكنيسة في أورشليم.
وكانت قبرس أول مكان يذهب إليه الرسول بولس مع برنابا ومعهما يوحنا مرقس، في الرحلة الكرازية الأولى. ولما وصلوا إلى سلاميس - في الجهة الشرقية من الجزيرة، نادوا بكلمة الله في مجامع اليهود. (أع 13: 4و5). ثم اجتازوا في كل الجزيرة إلى بافوس في الجهة الغربية من الجزيرة (أع 13: 6). ولابد أنهم نادوا أيضاً بالكلمة في مجامع اليهود في المدن التي مروا بها. ولا نعلم متى تجدد مناسون التلميذ القبرسي (أع 21: 16)، أم في زيارة الرسول بولس للجزيرة أم قبل ذلك. وكانت بافوس مقر الوالي الروماني سرجيوس بولس الذي يوصف بأنه رجل فهيم فدعا بولس وبرنابا والتمس أن يسمع منهما كلمة الله، فقاومهما ساحر يهودي ونبي كذاب يدعى باريشوع أو عليم الساحر، ليفسد الوالي عن الإيمان، فقال له الرسول بولس: هوذا يد الرب عليك فتكون أعمى لا تبصر الشمس إلى حين، ففي الحال سقط عليه ضباب وظلمة، فجعل يدور ملتمساً من يقوده بيده ، فالوالي إذ رأى ذلك، آمن مندهشاً من تعليم الرب (أع 13: 4-12). ثم أقلع من بافوس بولس ومن معه، وأتوا إلى برجة بمفيلية في أسيا الصغرى (أع 13: 13).
وبعد انعقاد المجمع في أورشليم للبت في قضية ختان الأمم الراجعين للرب، افترق الرسول بولس عن برنابا، فأخذ برنابا مرقس وسافر في البحر إلى قبرص (أع 15: 39). أما الرسول بولس فاخذ سيلا رفيقاً له في رحلته الكرازية الثانية في أسيا الصغرى، ومنها إلى مكدونية وأخائية ثم إلى أفسس. وفي طريق عودتهما إلى سورية، مرا بقبرس دون أن ينزلا فيها (أع 21: 3).
وفي رحلة الرسول بولس إلى روما للمثول أما محكمة قيصر، مرت السفينة التي كان بها بولس من تحت قبرس أي إلى الجنوب منها للوقاية من الرياح المضادة (أع 27: 4).
(9) - تاريخها اللاحق: في 401 م. انعقد مجمع كنسي في قبرس بناء على طلب توفيلس بطريرك الإسكندرية. للنظر في تحريم قراءة كتب أوريجانوس. وقسمت الجزيرة إلى 13 أسقفية لكل منها استقلال ذاتي وذلك في القرن الخامس بعد الزعم بالعثور على إنجيل متى في قبر برنابا في سلاميس. وقد عيَّن الإمبراطور زينو (Zeno) أسقف سلاميس رئيساً لأساقفة كل قبرس. ولا زال خلفاؤه أساقفة نيقوسيا، يحتفظون بهذا اللقب بعد أن أصبح عدد الأساقفة ثلاثة فقط. هم أسقف بافوس، وأسقف كيتيون، وأسقف كيرينيا.
وظلت الجزيرة تحت حكم روما إلى أن انقسمت الدولة الرومانية في 330 م إلى إمبراطوريتين: غربية وعاصمتها روما، وشرقية وعاصمتها بيزنطة (القسطنطينية)، فكانت قبرس من نصيب الإمبراطورية البيزنطية، وهكذا أصبحت قبرس جزءاً من الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية. وقد تعرضت في هذه الأثناء مرتين لغزو الشرقيين. ولكن في 1184م. أعلن حاكمها إسحق كومنينوس (Comnenus) استقلاله عن بيزنطة، ثم استولى عليها منه في 1191 م. رتشارد الأول. قلب الأسد ملك إنجلترا، وهو في طريقه إلى الأرض المقدسة في أيام الحروب الصليبية، ومنحها لفرسان الهيكل، الذين منحوها بدورهم لجوي لوزينان الفرنسي الذي جعل منها مملكة على النظام الإقطاعي الغربي (1192 - 1489م.) وقد اضطرت آخر ملكات أسرة لوزينان في 1489 م. للتنازل عن حقوقها لجمهورية البندقية. التي ظلت تحكم الجزيرة حتى 1571م. عندما فتحها الأتراك العثمانيون بقيادة السلطان سليم الثاني، وحكموها حتى 1872، حين اضطروا - تحت ضغط روسيا القيصرية - أن يتنازلوا عن حكم قبرس لبريطانيا التي وعدت بمساعدة تركيا إذا تعرضت لهجوم روسيا على الأراضي التركية المتاخمة لها.
واستمرت بريطانيا تحكم قبرس حتى أغسطس 1960 م. حين اضطرت أمام كفاح أهل الجزيرة من أجل التحرير الذي دام أربع سنوات. أن تترك حكم الجزيرة لأهلها الذين أعلنوها جمهورية مستقلة برياسة رئيس الأساقفة مكاريوس. وهي الآن منقسمة (منذ أغسطس 1974) إلى قسمين: القسم الشمالي تحتله تركيا وغالبية سكانه من الأتراك ويشمل نحو 37% من مساحة الجزيرة، والقسم الجنوبي مازال جمهورية مستقلة.