كلمة منفعة
أعياد القديسين مجال لتجمعات ضخمة من المؤمنين، تطلب شفاعة أولئك القديسين، في ملء الإيمان:
— أعياد القديسين
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 13 انجيل معلمنا متى الإصحاح رقم 13 الأصحاح الثالث عشر : أمثلة الملكوت إذ قدّم السيّد المسيح مفاهيم جديدة للملكوت، من جهة العبادة والسلوك والجهاد والخلاص والاتّحاد مع الله، قدّم لنا أمثلة خاصة بهذا الملكوت السماوي المسيحاني، تكشف لنا عن أسراره من جوانب متعدّدة. 1. مثل الزارع 1-9. 2. الحاجة إلى الأمثال 10-17. 3. تفسير المثل 18-23. 4. مثل الزوان 24-30. 5. مثل حبّة الخردل 31-32. 6. مثل الخميرة 33-35. 7. تفسير مثل الزوان 36-43. 8. مثل الكنز المُخفى 44. 9. مثل اللؤلؤة 45-46. 10. مثل الشبكة 47-50. 11. الكاتب المتعلّم 51-53. 12. موقف أهل وطنه 54-58. 1. مثل الزارع التقى السيّد المسيح بالجموع خارج البيت، إذ يقول الإنجيلي: "في ذلك اليوم خرج يسوع من البيت وجلس عند البحر. فاجتمع إليه جموع كثيرة حتى أنه دخل السفينة وجلس، والجمع كلّه وقف على الشاطئ" [1-2]. أمّا عند تفسيره المثل للتلاميذ، فكان معهم داخل البيت بعدما صرف الجموع [36]، فماذا يقصد بالبيت؟ أولاً: ربّما قصد بالبيت "الكنيسة المقدّسة كجماعة المؤمنين" فقد خرج السيّد المسيح خارج ليلتقي مع جماهير غير المؤمنين، الذين لم يدخلوا بعد في العضويّة الكنسيّة، ولا وُلدوا كأبناء لله... يخرج إليهم ليلتقي معهم خلال محبّته بكلمة الكرازة، ويجلس عند البحر، الذي يُشير إلى العالم المملوء اضطرابًا، لكي يدخل بهم إلى كنيسته، بدخوله هو إلى سفينة إنسانيّتنا وحديثه معهم عن ملكوت السماوات خلال الأمثال. بحبّه يتحدّث مع الجميع، لكنّه لا يأتمن أحدًا على أسرار الملكوت وتذوّق الأمجاد الأبديّة خارج البيت. إنه يصرف الجماهير ليلتقي مع تلاميذه وحدهم داخل البيت، ويحدّثهم في أمورٍ لا ينطق بها ومجيدة. يقول العلاّمة أوريجينوس: [عندما يكون يسوع مع الجموع يكون خارج بيته، لأن الجموع خارج البيت. هذا العمل ينبع عن حبّه للبشر، إذ يترك البيت ويذهب بعيدًا إلى أولئك الذين يعجزون عن الحضور إليه.] ثانيًا: يُشير البيت أيضًا إلى السماء بكونها هيكل الله. فإذ عجزت البشريّة عن الارتفاع إلى السماء لتلتقي بخاِلقها نزل هو إليها. إنه كمن يخرج من البيت ليلتقي بالبشريّة خلال إنسانيّتهم، حتى بدخوله إليهم لا يهابونه كديّان، فيهربون منه، بل يسمعون صوته خلال السفينة الخشبيّة، أي خلال الصليب ليجتذبهم بالحب إلى السمويّات "بيته"، ويكشف لهم أسراره كعريس يناجي عروسه في حجاله الأبدي. لا يحدّثها عن أسراره علانيّة بين الجماهير، بل خلال علاقة الحب الشخصي في لقائهما معًا تحت سقف واحد! ليتنا بالحق لا نكتفي بالوقوف مع الجماهير عند الشاطئ لنسمع الأمثال، إنّما ندخل به وفيه إلى بيته، ننعم بالعضويّة الروحيّة في كنيسته والدخول إلى سماواته، فنرتمي في أحضانه الإلهيّة ليحدّثنا حديث حُبّه السرّي الفائق. هوذا الزارع قد خرج غاية الله فينا هو "الخروج exodus"، ينطلق بنا كما مع بني إسرائيل من أرض العبوديّة إلى خيرات أرض الموعد. إنه يشتهي أن يخرج بنا من عبوديّة الخطيّة إلى حرّية مجد أولاد الله. ولما كان الخروج بالنسبة لنا مستحيلاً خرج هو أولاً كما من أمجاده، حتى يخرج بنا نحن أيضًا من طبيعتنا الفاسدة، فنلتقي معه وفيه، متمتّعين بالطبيعة الجديدة التي على صورته. يتحدّث القدّيس يوحنا الذهبي الفم عن هذا الخروج الإلهي هكذا: [خرج ذاك الذي هو كائن في كل مكان، لكنّه غير محدود بمكان؛ جاءنا في ثوب جسدنا. يتحدّث المسيح بحق عن اقترابه إلينا كخروج. لأننا قد طُردنا خارج الله كمن هم مدينين وثائرين مطرودين من حضرة الملك. لكن ذاك الذي يرغب في مصالحتهم مع الملك يخرج إليهم، ويتحدّث معهم خارج المملكة، ومتى تأهّلوا يحضرهم إلى الحضرة الإلهيّة. هذا هو ما فعله المسيح.] كما يقول: [لم يخرج إلى موضع إنّما يُعلن عن حياة وتدبير يخصّان خلاصنا، إذ صار قريبًا لنا بالتحافه جسدنا. فإذ لم نستطع نحن أن ندخل بسبب خطايانا خرج هو إلينا. ولماذا خرج؟ هل لكي يُهلك الأرض التي أنتجت أشواكًا؟... لا، إنّما خرج ليهتمّ بالأرض ويبذر كلمة الحنو. إذ يدعو تعاليمه هنا بذارًا، ونفوس البشر حقلاً مفلحًا، ويدعو نفسه بالباذر.] السيّد المسيح هو الزارع الذي يخرج دومًا ليلقي ببذار حبّه فينا لكي تثمر في قلبنا شجرة حب يشتهي الله أن يقطف ثمارها، قائلاً: "قد دخلتِ جنتي يا أختي العروس، قطفتِ مرِّي مع طيبي، أكلتِ شهدي مع عسلي، شربتِ خمري مع لبني. كلوا أيها الأصحاب اشربوا واسكروا أيها الأحبّاء" (نش 5: 1). ألقى الله بذاره في الفردوس، لكن أبويْنا الأوّلين قبِلا الزوان عِوض بذار الرب، فخرجا يحملان ثمار المرارة والعصيان. عاد الله وخرج إلى شعبه خلال موسى لينطلق بهم من أرض العبوديّة، مقدّمًا لهم الشريعة كبذارٍ إلهيّة، لكن القلب الذي ارتبط بعبادة الأوثان المصريّة، خاصة عِجل أبيس الذهبي، رفض البذار الإلهيّة مثمِرًا شجرة تذمُّر مستمر. وفي ملء الزمان خرج كلمة الله بنفسه إلينا متجسّدًا، وحلّ وسطنا، لنتقبّله حالاًّ فينا، فنثمر ثمار روحه القدّوس. وقد تمّ كمال خروجه بانطلاقه خارج أورشليم حاملاً عار الصليب، حتى نخرج نحن أيضًا بالصليب خارج "الأنا"، أي خارج ذواتنا المتعجرفة، فنلتقي به عند صليبه ونتقبّل ينبوع دمه الطاهر بذار حب تعمل فينا؛ الأمر الذي أوضحه الرسول بقوله "لذلك يسوع أيضًا لكي يقدّس الشعب بدم نفسه تألّم خارج الباب؛ فلنخرج إذًا إليه خارج المحلّة، حاملين عاره" (عب 13: 12-13). البذار ما هي البذار التي يلقيها السيّد المسيح في حياتنا كما في الأرض؟ قديمًا كان موسى والأنبياء يتقبّلون الكلمة من الله، أي يستعيرونها لكي ينعمون بها في حياتهم ويقدّمونها للشعب، إنها عارية! أمّا السيّد المسيح فهو بعينه الكلمة الإلهي، يوَد أن يُدفن في قلب المؤمن، لكي يُعلن ذاته شجرة حياة في داخله. إنه لا يقدّم شيئًا خارجًا عنه استعارة، إنّما يقدّم حياته سرّ حياة لنا، وقيامته علّة قيامتنا، ونصرته بكر نصرتنا، وأمجاده سرّ تمجيدنا! إنه الباذر والبذرة في نفس الوقت. الأرض : الأرض التي تستقبل السيّد المسيح نفسه كبذرة لها أن تقبله أو ترفضه، وقد قدّم لنا السيّد المسيح أربعة أنواع من التربة: الطريق، والأرض المحجرة، والأرض المملوءة أشواكًا، والأرض الجيّدة. حقًا إن الزارع واحد، والبذار واحدة، لكن الثمر أو عدمه يتوقّف على الأرض التي تستقبل البذار. وقد استغلّ البعض هذا المثل للمناداة بوجود طبائع مختلفة لا يمكن تغييرها، فالشرّير إنّما يصنع الشرّ بسبب طبيعته، والصالح بسبب صلاح طبيعته، وكأن الإنسان ملتزم بتصرّفات لا يمكنه إلا أن يفعلها، وكأنه لا يحمل حرّية إرادة. هذه البدعة تصدّى لها كثير من الآباء، لكنّني هنا أود تأكيد أن هذا المفهوم لا يمكن استنباطه من المثل، فلو أن الله يُعلّم هذا، فلماذا ضرب لنا المثل؟ إنه يقول: "من له أذنان للسمع فليسمع" [9]، وكأنه يأمرنا أن ننصت لكلماته فنطلب تغيير طبيعتنا إلى الأرض الجيّدة. + عند سماعكم هذا لا تبتدئوا تفتكروا في طبائع مختلفة كبعض الهراطقة، الذين يذكرون أن للواحد طبيعة شرّيرة وللآخر صالحة، وأن البعض تقودهم إرادتهم خلال تكوينهم إلى ما هو صالح أو شرير. أضف إلى هذا أن الكلمات "قد أُعطى لكم"، تعني أنه لكم إرادة. الأب غريغوريوس (الكبير) + (عن إمكانيّة التحوّل إلى تربة صالحة) : اقلبوا التربة الصالحة بالمحراث، أزيلوا الحجارة من الحقل، انزعوا الأشواك عنها. احترزوا من أن تحتفظوا بذلك القلب القاسي الذي سرعان ما تعبر عنه كلمة الرب ويفقدها. احذروا من أن تكون لكم تربة خفيفة فلا تتمكن جذور المحبّة من التعمق فيها. احذروا من أن تختنق البذار الصالحة التي زُرعت فيكم خلال جهادي، وذلك بواسطة الشهوات واهتمامات هذا العالم. كونوا الأرض الجيّدة، وليأتِ الواحد بمائة والآخر بستين وآخر ثلاثين. القدّيس أغسطينوس ماذا يقصد بقوله: "من له أذنان للسمع فليسمع"؟ يُعلّق القدّيس جيروم على هذه العبارة هكذا: [يقول إشعياء "أعطاني الرب أذنًا" (إش 50: 4). لتفهم ماذا يقول؟ لقد أعطاني الرب أذنًا، إذ تكون لي أذن القلب؛ وهبني الأذن التي تسمع رسالة الله فما يسمعه النبي إنّما يسمعه في قلبه. وذلك كما نصرخ نحن أيضًا في قلوبنا قائلين: أيها الأب أبّا، وهي صرخة صامتة، لكن الرب يسمع الصمت هكذا بنفس الكيفية يحدّث الرب قلوبنا التي تصرخ: "أيها الأب أبّا".] أولاً: الطريق "وفيما هو يزرع، سقط بعض على الطريق، فجاءت الطيور وأكلته" [4]. هذا الطريق هو القلب المتعجرف الذي على مستوى مرتفع عن الأراضي الزراعيّة، إنه مطمع للطيور المرتفعة، أي لشيّاطين الكبرياء التي تعوق تلاقينا الحقيقي مع الله الكلمة! والطريق دائمًا مفتوح، ليس له سور يحفظه من المارة، كالإنسان صاحب الحواس المفتوحة لكل غريب، ليس من رقيب يحفظها! ما أحوج هذا الإنسان إلى الصراخ لله مع المرتّل، قائلاً: "ضع يا رب حافظًا لفمي وبابًا حصينًا لشفتيَّ"، فينعم بالروح القدس نفسه كسورٍ ناريٍ يحيط به، لا يقدر الشرّ أن يقترب إليه. يتحدّث القدّيس كيرلّس الكبير عن الطريق، قائلاً: [الطريق دائمًا صلب، تَطَأه أقدام كل العابرين على الدوام، لهذا لا تبذر فيه بذار. هكذا من كانت لهم الأفكار العنيفة وغير الخاضعة، لا تَدخل الكلمة الإلهيّة المقدّسة فيهم، ولا تسندهم، لكي يتمتّعوا بثمر الفضيلة المفرح. مثل هؤلاء يكونون كالطريق الذي تطأه الأرواح الدنسة ويدوسه الشيطان نفسه، فلا يأتون بثمرٍ مقدّسٍ بسبب قلوبهم المجدبة العقيمة.] ثانيًا: الأماكن المحجرة "وسقط آخر على الأماكن المحجرة، حيث لم تكن له تربة كثيرة. فنبت حالاً، إذ لم يكن له عمق أرض، ولكن لما أشرّقت الشمس اِحترق، وإذ لم يكن له أصل جف" [5-6]. هذه المنطقة الحجريّة المغطّاة بطبقة خفيفة من التربة إنّما تمثّل القلب المرائي الذي يخفي طبيعته الحجريّة وراء مظاهر برّاقة. فيتقبّل الكلمة سريعًا لتنبت ويفرح الكل به، لكن الرياء الخفي كفيل بقتل كل حيويّة فيه. إنه لا يحتمل إشراق الشمس فيحترق، لأن ليس فيه أصل فيجف. يودّ أن يبقى رياؤه مخفيًا، لكن الضيقة تفضحه وتكشف أعماقه، إذ يقول البابا كيرلّس الكبير: [يوجد آخرون يحملون الإيمان بغير اِكتراث في داخلهم، إنه مجرّد كلمات عندهم! تديُّنِهم بلا جذور، يدخلون الكنيسة فيبتهجون برؤيتهم أعدادًا كبيرة مجتمعة هناك وقد تهيّأوا للشركة في الأسرار المقدّسة، لكنهم لا يفعلون ذلك بهدف جاد وسموّ للإرادة. وعندما يخرجون من الكنائس فإنهم في الحال ينسون التعاليم المقدّسة. متى كان المسيحيّون في سلام يحتفظون بالإيمان، لكنّه متى ثارت الاضطهادات يفكّرون في الهروب طالبين الأمان. يتحدّث إرميا لمثل هؤلاء، قائلاً: "اعدّوا المجن والترس، وتقدّموا للحرب" (إر 46: 30). لأن يد الرب المدافع عنكم لا يمكنها أن تنهزم، وكما يقول بولس غزير العلم: "الله أمين، الذي لا يدعكم تُجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا" (1كو10: 13).] ثالثًا: الأرض المملوءة أشواكًا "وسقط آخر على الشوك، فطلع الشوك وخنقه" [7]. إنها تمثِّل النفس التي تخنقها أشواك اهتمامات العالم، فإنه لا يمكن للكلمة الإلهيّة أن تبقى عاملة في قلب متمسِّك باهتمامات العالم، أو ما دعاه السيّد: "همّ هذا العالم وغرور الغنى" [22]. ويلاحظ هنا أنه لم يقل "العالم والغنى" بل "همّ العالم وغرور الغنى" وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ليتنا لا نلُم الأشياء في ذاتها، وإنما نلوم الذهن الفاسد، فإنه يمكنك أن تكون غنيًا، لكن بلا غرور الغنى، وأن تكون في العالم دون أن يخنقك باهتماماته.] يوضّح القدّيس إكليمنضس السكندري بأنه لا يجب أن نلوم المال، بل سوء استعماله، كذلك ليس فضل أن يكون الإنسان فقيرًا، ولكن الفضل أن نمارس مسكنة الروح، أي عدم التعلُّق بالأموال. يتحدّث الأب غريغوريوس (الكبير) عن غرور الغنى، قائلاً: [من يصدّقني إن فسَّرت الأشواك بأنها الغنى، خاصة وأن الأشواك تؤلمنا، بينما الغنى يبهجنا؟ ومع ذلك فهي أشواك تجرح النفس بوخزات الأفكار التي تثيرها فينا، وبتحريضنا على الخطيّة، إنها تلطِّخنا بفسادها كالدم الخارج من الجرح... الغنى يخدعنا إذ لا يمكن أن يبقى معنا إلى الأبد، ولا أن يُشبع احتياجات قلبنا. الغنى الحقيقي وحده هو ذاك الذي يجعلنا أغنياء في الفضائل، لهذا أيها الاخوة، إن أردتم أن تكونوا أغنياء أحبّوا الغنى الحقيقي، إن أردتم الكرامات العُليا اطلبوا ملكوت السماوات. إن كنتم تحبّون التمتّع بالمجد بدرجة عالية، فأسرعوا لكي تُحصى أسماؤكم بين طغمة الملائكة الممجّدة.] ويُعلّق القدّيس كيرلّس الكبير على الشوك بكونه هموم الحياة وغناها ولذّاتها، قائلاً: [يزرع الفادي البذور، فتصادف قلوبًا تظهر قويّة مثمرة، ولكن بعد قليل تخنقها متاعب الحياة وهمومها، فتجف البذور وتَبلى، أو كما يقول هوشع النبي: "إنهم يزرعون الريح ويحصدون الزوبعة، زرع ليس له غلة لا يصنع دقيقًا، وإن صنع فالغرباء تبتلعه" (هو 8: 7). لنكن زارعين ماهرين، فلا نزرع البذور إلا بعد تطهير الأرض من أشواكها، حتى نقول مع المرنم: "الذاهب ذهابًا بالبكاء حاملاً مِبذَر الزرع، مجيئًا يجيء بالترنم حاملاً حزمه" (مز 126: 6). كل من رمى البذر على أرض تنبت شوكًا وحسكًا يتعرّض لخسارتين: البذر الذي يفنى، والتعب المضني. لنعلم أنه لا يمكن أن تزهر البذور الإلهيّة إلا إذ نزعْنا من عقولنا الهموم العالميّة وجردّْنا أنفسنا عن زهو الغنى الباطل، "لأننا لم ندخل العالم بشيء وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء" (1 تي 6: 7). لأنه ما الفائدة من اِمتلاكنا للأشياء الزائلة الفانية؟ "الرب لا يُجيع نفس الصديق ولكن يدفع هوى الأشرار" (أم 10: 3). ألم تلاحظ أن الشرور الفاسدة من نهم وطمع وشره وجشع وسكر وعبث ولهو وكبرياء تخنقنا، أو كما يقول رسول المخلّص: "كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظّم المعيشة، ليس من الأب بل من العالم، والعالم يمضي وشهوته، وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد" (1 يو 2: 16).] رابعًا: الأرض الجيّدة "وسقط آخر على الأرض الجيّدة، فأعطى ثمرًا بعض مائة وآخر ستين وآخر ثلاثين. من له أذنان للسمع فليسمع" [8-9]. إنها الأرض المنخفضّة التي خضعت للحرث، فتعرَّضت تربتها خلال الحرث للشمس، وتنساب المياه إليها. هذه هي النفس المتواضعة التي تتقبّل التجارب كمحراث يقلب تربتها، فتتعرّض تربتها الداخليّة أي الإنسان الداخلي لإشراقات شمس البرّ نفسه أي المسيح، وتتقبّل إنسياب مياه الروح القدس عاملاً فيها. مثل هذه النفس تأتي بثمر مائة وستين وثلاثين. + إنها أرض غنيّة ومثمرة تنتج مائة ضعف! صالحة ومثمرة هي النفوس التي تتقبّل الكلمة بعمق وتحتفظ بها، وتهتم بها. يُقال عن مثل هذه النفوس ما قاله الرب على فم أحد الأنبياء: "ويطوِّبكم كل الأمم لأنكم تكونون أرض مسرَّة، قال رب الجنود" (مل 3: 12). فإنه عندما تسقط الكلمة الإلهيّة على نفس طاهرة من الأمور المحزنة، تخرج جذورًا عميقة، وتأتي بسنابل حنطة تحمل ثمرًا متزايدًا. القدّيس كيرلّس الكبير الأرض الجيّدة هي هبة الله لنا بروحه القدّوس الذي يعطينا في المعموديّة الطبيعة الجديدة التي على صورة السيّد المسيح، القادرة أن تثبت في المسيح، وتأتي بثمر الروح المتكاثر. كنّا قبلاً بالخطيّة طريقًا صعبًا تدوسه الأقدام وتلتقط الطيور منه البذار. ومن أجلنا صار السيّد المسيح الطريق الذي لن يقدر عدوّ الخير أن يقترب منه، ولا تتجاسر الطيور أن تختطف منه شيئًا. إنه الطريق الآمن الذي لا يعرف القسوة أو العنف، إنّما هو طريق الحق الذي يدخل بنا إلى حضن الأب. أما كوننا أرضًا محجرة، فهذا ليس بالأمر الغريب فقد قبلت البشريّة آلهة من الحجارة عِوض الله الحيّ، وتعبّدت للأوثان زمانًا هذا مقداره، فجاء السيّد المسيح كحجر الزاوية الذي يربط البناء كله، ليس حجرًا جامدًا يقتل الزرع، إنّما حجر حيّ قادر أن يُقيم فينا فردوسًا سماويًا يفرح الآب! أمّا الأشواك والحسك الخانقة للنفس فقد حملها السيّد على رأسه، دافعًا ثمن خطايانا لنتبرّر أمام الآب، ونُوجد في عينيّه بلا لوم، ليس فينا شوك ولا حسك بل ثمر الروح المفرح! لنرفع قلوبنا بالشكر للذي نزع عنّا ما كان لنا بسبب عصياننا من طريق قاسي وأرض محجرة وأشواك وحسك، واهبًا إيّانا الطبيعة الجديدة الغنيّة فيه ليقيمنا فردوسًا سماويًا يأتي بثمار كثيرة. درجات الثمر قدّم السيّد بذاره لأربعة أنواع من الأراضي، لكن لم تتجاوب كل الأراضي معها، وحتى التي تجاوبت إنّما بدرجات متفاوتة، فالبعض أنتج مائة ضعف وآخر ستين وثالث ثلاثين. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [اخبرني إذن كيف فُقد الجزء الأكبر من البذار؟ إنها لم تفقد بسبب الباذر، إنّما بسبب الأراضي التي لم تقبلها، أي النفوس التي لم تنصت لها.] يرى بعض الآباء مثل القدّيس جيروم أن هذا الثمر مع اختلاف كميّته لكنّه يصدر عن أرضٍ واحدةٍ وحقلٍ واحدٍ، لكن شخصًا يثمر ثلاثين وهو المتزوّج الذي حفظ المضجع غير دنّس ويحمل علاقة حب طاهرة بين الزوج وزوجته، وآخر يأتي بالستّين وهو الأرمل أو الأرملة الذي يحتمل ضيق الترمل والتعب بفرح، وأما الذي يثمر المائة فهو البتول. 2. الحاجة إلى الأمثال "فتقدّم التلاميذ وقالوا له: لماذا تكلّمهم بأمثال. فأجاب، وقال لهم: لأنه قد أعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات، وأما لأولئك فلم يُعط. فإن من له سيعطي ويُزاد، وأما من ليس له فالذي عنده سيؤخذ منه. من أجل هذا أكلّمهم بأمثال" [10-13]. يقول الله على لسان المرتّل: "اَفتح بمثل فمي، أُذيع ألغازًا منذ القدّم" (مز 78: 2). هكذا يتكلّم السيّد بأمثالٍ، لا لكي يحرم أحدًا من أسراره، إذ "يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" (1 تي 2: 4)، إنّما أراد أن يجتذب المشتاقين لمعرفة الحق إليه. فقد اعتاد البشر أن ينجذبوا نحو الأحاديث الغامضة، فيدخلوا معه في علاقة سرّيّة خلالها يقدّم لهم مقدّساته التي لا ينطق بها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن هذه الأمثال كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [حملت توبيخات غير مباشرة للسامعين، إذ لم يرد أن يوبّخهم بعنف (مباشرة) حتى لا يسقطوا في اليأس.] هذا وبحديثه خلال الأمثال لا يلقي السيّد بمقدّساته للجميع لئلا يحتقرها غير راغبي الحق ويدوسونها بأقدامهم. يقول السيّد: "من له سيعطَي ويزداد، وأما من ليس له فالذي عنده سيؤخذ منه" [12]. فبقدر ما يكون الإنسان أمينًا على المقدّسات الإلهيّة يفيض الله عليه أمجاد معرفة حقيقية من يوم إلى يوم. فيتذوّق أمثال السيّد، ليدخل خلالها إلى بيته، يسمع أسراره بعبوره إلى المجد وجهًا لوجه. أمّا غير الأمين فحتى ما يسمعه من أمثال يُنزع منه، ويصير سماعه علّة إدانته عِوض أن يكون سرّ مجد له. لقد أوضح السيّد المسيح ذلك بمثَل الوزنات، فإن صاحب الوزنات الخمسة إذ تاجر فيها وربح أُعطى له خمس مدن. أمّا الذي له وزنة واحدة وقد أخفاها في الطين، ولم يتاجر بها، فحتى هذه الوزنة سُحبت منه لتُعطى لمن تاجر وربح! حياتنا مع السيّد المسيح هي انطلاقة مستمرّة من مجدٍ إلى مجدٍ، وتفاعل دائم مع روح الله القدّوس الذي لا يكف عن أن يُعلن لنا الحق، ويذكرنا بكل ما قاله لنا السيّد؛ يأخذ ممّا للمسيح ويعطينا! إنها حياة ديناميكيّة لا تتوقف قط. أمّا الإنسان السلبي المكتفي بما لديه من معرفة وخبرات، حاسبًا في نفسه أنه غني وقد استغنى، فإن ما لديه يؤخذ منه، ليهوى من ضعفٍ إلى ضعفٍ، ومن حرمانٍ إلى حرمانٍ، ليهبط إلى الجهالة التي تُظلم ذهنه وتُحجِّر قلبه. وكما يقول الرب لملاك كنيسة اللاودكيّين: "لأنك تقول إني أنا غني، وقد اِستغنيت ولا حاجة لي إلى شيء ولستَ تعلم أنك أنت الشقي والبائس وفقير وأعمى وعريان" (رؤ 3: 17). هذا ما حدث مع الشعب اليهودي الذي عاش في سلبيّة مكتفيًا بالاتكال على أنهم أهل الختان، ومن نسل إبراهيم، وأنهم أصحاب المواعيد، ومنهم الآباء والأنبياء. خلال هذه السلبيّة جاءهم المسيّا المخلِّص، فرأوه بالجسد دون الروح، ولمسوه حسب الظاهر دون إدراك حقيقته. لهذا يقول السيّد عنهم: "لأنهم مبصرين لا يُبصرون، وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون. قد تمَّت فيهم نبوّة إشعياء القائلة: تسمعون سمعًا ولا تفهمون، ومُبصرين تُبصرون ولا تنظرون. لأن قلب هذا الشعب قد غلظ، وآذانهم قد ثقل سماعها، وغمَّضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأُشفيهم" [13-15]. لقد سمعوا السيّد وأبصروه، لكنهم بقسوة قلبهم لم يسمع إنسانهم الداخلي، ولا عاينت بصيرتهم الداخليّة، فصار صوته ورؤيته ليس سرّ خلاص لهم، بل علّة ازدياد قلبهم في الغلاظة. فازدادت قسوتهم قسوة وعماهم عمى وشرِّهم شرًا. وكما يقول الرسول بولس: "لأننا رائحة المسيح الذكيّة لله في الذين يخلُصون وفي الذين يهلكون. لهؤلاء رائحة موت لموت، ولأولئك رائحة حياة لحياة" (2 كو 2: 15-16). مجيء السيّد المسيح وتصرفاته أضافت إلى قسوة الأشرار قسوة بسبب حبّهم للشرّ وكبريائهم، بينما فتحت بصيرة البسطاء الروحيّة لإدراك أسراره الفائقة والتمتّع بما اشتهى الأنبياء معاينته، إذ يقول السيّد المسيح لتلاميذه: "ولكن طوبى لعيونكم لأنها تبصر، لآذانكم لأنها تسمع. فإني الحق أقول لكم أن أنبياء وأبرارًا كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا" [16-17]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ما معنى القول: يبصرون ولا يبصرون [13]؟ إنهم يبصرون كيف يخرج الشيّاطين، ويقولون فيه شيطان؛ يُبصرون القائمين من الأموات ولا يسجدون له، بل يفكِّرون في قتله.] كانوا مبصرين إذ لديهم النبوّات واضحة عن المسيّا المخلّص، بل وقام بعضهم بإرشاد هيرودس والمجوس إلى موضع ميلاد السيّد، لكنهم بقوا غير مبصرين داخليًا. فلم يلتقوا معه على صعيد خلاص نفوسهم وتمتّعهم بالحياة الجديدة. لقد رأوا من تحدّث عنه الأنبياء واشتهوا أن يروه ويسمعوا صوته وينعموا بعمله فيهم، لكن للأسف لم يتمتّعوا به في حياتهم بل قاوموه. ما أكثر النعم التي صارت لنا في المسيح يسوع ربّنا، إذ صار لنا ما تشتهي الملائكة معاينته والتمتّع به، لكننا هل نحيا بها ونعيشها؟ 3. تفسير المثَل "تعرّضنا له أثناء حديثنا عن المثَل نفسه". 4. مثَل الزوان في المثَل السابق أعلن السيّد المسيح العمل الإلهي في إقامة مملكته داخلنا، فقد خرج الزارع بنفسه، وألقى بذار الكلمة منتظرًا الثمر، أمّا هنا فيُعلن عن وجود عدوّ مقاوم، أي إبليس رئيس مملكة الظلمة الذي لا يطيق مملكة النور. "قدّم لهم مثلاً آخر، قائلاً: يشبه ملكوت السماوات إنسانًا زرع زرعًا جيدًا في حقله. وفيما الناس نيام جاء عدوّه وزرع زوانًا في وسط الحنطة ومضى، فلما طلع النبات وصنع ثمرًا حينئذ ظهر الزوان أيضًا" [24-25]. لم يقل السيّد "وفيما الزارع نائم جاء عدوّه وزرع زوانًا، إنّما قال "فيما الناس نيام". وكأن الله يسهر على كرمه، ويهتمّ به، لكن الكرّامين إذ ينامون يتسلّل العدوّ إلى الكرم. إنه يحترم الإرادة الإنسانيّة ويأتمنها، فإذ يسلّم الكرم للكرّامين يطلب سهرهم، فيعمل فيهم على الدوام ولا يقدر العدوّ أن يلقي بالزوان، لكن إن ناموا لحظة يتسلّل العدوّ. لم يقل السيّد "جاء عدوّهم"، إنّما "جاء عدوّه" فالعدو لا يقصد الكرّامين بل صاحب الكرم. العامل الحقيقي ضدّ الكرم هو إبليس عدوّ الله نفسه، حتى في مضاداته لنا يقصد الله نفسه الساكن فينا. أنها حرب بين الله وإبليس، بين النور والظلمة، ليس لنا عدوّ غير إبليس نفسه وملائكته الأشرار المقاومين لعمل الله فينا. أما النوم هنا فلا يعني نوم الجسد الطبيعي، وإنما التراخي والإهمال أو نسيان الله في العمل الرعوي كما في الجهاد الروحي. فالراعي ينام حينما يبذل كل الجهد في رعايته خلال "الأنا"، فيحسب نفسه المسئول الأول عن الكرم، فيختفي الله لتُعلن الذات البشريّة. ويرى القدّيس جيروم أن النوم إنّما يُشير إلى تراخي الذهن عن الالتصاق بالعريس، إذ يقول: [لا تسمح للعدو أن يلقي زوانًا وسط الحنطة بينما الزارع نائم، أي عندما يكون الذهن الملتصق بالله في غير حراسة، وإنما قل على الدوام مع عروس نشيد الأناشيد: "في الليل على فراشي طلبت من تحبّه نفسه، اخبرني أين ترعى أين تربض عند الظهيرة؟(نش 3: 1؛ 1: 7).] هكذا يليق بكل مؤمن - كاهن أو من الشعب - ألا ينام روحيًا بل يكون دائمًا في يقظة ملتصقًا بالله، فيحرس الرب كرمه من العدوّ حتى لا يلقي بزوانه وسط الكنيسة أو في قلب المؤمن كعضو فيها. ما هو الزوان؟ أولاً: يُشير الزوان إلى الهرطقات التي تدخل الكنيسة خلسة، خاصة في غفلة روحيّة من الرعاة. يقول القدّيس جيروم: [ليت أسقف الكنيسة لا ينام لئلا بإهماله. يأتي إنسان عدوّ ويلقي بالزوان أي تعليم الهراطقة.] ثانيًا: يُشير الزوان أيضًا إلى الخطيّة التي تتسلّل إلى الفكر والقلب في غفلة روحيّة من المؤمن. يتحدّث الآب إسيذورس بالبلسان عن الأفكار الشرّيرة، قائلاً: [لماذا تنبع الأفكار الشرّيرة من القلب وتنجِّس الإنسان (مت 15: 19-20)؟ بلا شك لأن العاملين نيام، مع أنه كان يلزم أن يكونوا ساهرين حتى يحفظوا ثمار البذار الصالحة لكي تنمو. فلو لم نضعف أثناء سهرنا بسبب النهم والتراخي وتدنيس الصورة الإلهيّة أي فساد البذرة الصالحة ما كان يمكن لباذر الزوان أن يجد وسيلة للزحف وإلقاء الزوان المستحق للنار.] ثالثًا: يُشير إلى الأشرار بوجه عام الذين يحملون شكليّة العضويّة الكنسيّة دون روحها وحياتها. ظهور الزوان وانتظار وقت الحصاد "فلما طلع النبات وصنع ثمرًا، حينئذ ظهر الزوان أيضًا. فجاء عبيد رب البيت، وقالوا له: يا سيّد أليس زرعًا جيّدًا زَرعت في حقلك، فمن أين له زوان؟ فقال لهم: إنسان عدوّ فعل هذا. فقال له العبيد: أتريد أن نذهب ونجمعه؟ فقال له: لا، لئلا تقلعوا الحنطة مع الزوان وأنتم تجمعونه. دعوهما ينميان كلاهما معًا إلى الحصاد. وفي وقت الحصاد أقول للحصّادين: اِجمعوا أولاً الزوان واِحزموه ليُحرق، وأما الحنطة فاجمعوها إلى مخزني" [26-30]. هكذا ينصحنا السيّد ألا ننشغل بنزع الزوان، إنّما نتركه حتى يأتي وقت الحصاد، فيرسل الله ملائكته كحصّادين يجمعونه ويحرقونه. وأما الحنطة فيجمعونها إلى ملكوته عِِوض أن ندين الأشرار. فإن هذا ليس عملنا! ومن جهة أخرى فإنه مادام الوقت قائمًا فإنّنا لا نيأس قط، مجاهدين لا في اقتلاع الزوان، بل في العمل على تحويل الزوان إلى حنطة. يقول الأب إيسيذورس بالبلسان أن الملائكة يطلبون نزع الزوان أي عقاب الأشرار، لكنهم يُمنعون من ذلك حتى يتمتّع الأشرار بفرصة للتوبة، ولا يُضار الصالحون. فإن الله لم يقطع عيسو الشرّير حتى لا يهلك معه أيوب البار الذي جاء من نسله، ولم يقتل لاوي العشّار حتى لا يفقده ككارز بالإنجيل، ولا اِنتقم لإنكار سمعان بطرس الذي قدّم دموع التوبة بحرقة، ولا ضرب شاول الطرسوسي بالموت حتى لا نفقد بولس الرسول الذي كرز بالخلاص في أقاصي الأرض. + سمح الله بالزمن لأجل التوبة. إنه يحذّرنا هنا لئلا نقطع أخًا قبل الوقت المناسب، فإن من يكون اليوم مصابًا بالتعاليم السامة قد يعود غدًا إلى صوابه ويصير مدافعًا عن الحق. القدّيس جيروم + كثيرون يكونون في البداية زوانًا، لكنهم يصيرون بعد ذلك حنطة، فإن لم نحتملهم بالصبر وهم خطاة، لما يمكن بلوغهم إلى هذا التحوّل المستحق لكل تقدير. + اهدأوا، فإنه ليس الآن وقت للحصاد. سيأتي الوقت لعلّه يجد الزوان قد صار حنطة! لماذا لا تحتملون بصبرٍ خلطة الأشرار بالأبرار؟ إنهم معكم في الحقل، لكن الأمر لا يكون هكذا في المخزن! + إنك تجد القمح والزوان بين الكراسي العُظمى كما بين العلمانيّين أيضًا. فليحتمل الصالحون الأشرار، وليصلح الأشرار من أمرهم مقتدين بالصالحين. القدّيس أغسطينوس ويرى القدّيس جيروم في كلمات الديّان بترك الزوان إلى وقت الحصاد حنوًا على الخطاة لأجل توبتهم، فيناجيه قائلاً: [حقًا يُحسب الناس والملائكة قساة إن قورنوا بك، فأنت وحدك الملك الكُلي الحنو... نسألك أن تكون أنت الديّان، لأنك تحنو على جميع الأمم!] يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم في هذا المثل صورة حيّة لواقع الكنيسة فإنه بقدر ما تُبذر بذار الحق، يبذل عدوّ الخير كل الجهد أن يلقي بالزوان في وسطها. إنه يقول: [بعد الأنبياء يأتي أنبياء كذبة، وبعد الرسل يأتي رسل كذبة، وبعد المسيح يأتي ضدّ المسيح.] هل يُترك الفساد (الزوان) هل يترك الزوان داخل جماعة المؤمنين أو داخل قلب المؤمن؟ ألم يقل الرسول: "ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمِّر العجين كله! إذًا نقّوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجينًا جديدًا كما أنتم فطير" (1 كو 5: 6-7)! لم يقصد السيّد ترك البدع والخطيّة، وإنما أراد تأكيد مبدأ هام، ألا وهو أن نزع الشرّ من عمل الله نفسه لا الإنسان. فالكنيسة في معالجتها للشرّ لا تحتاج إلى مقاومة فلسفيّة ومناقشات بقدر ما تحتاج إلى التقديس. لست أنكر التزامنا نحن كرعاة ورعيّة في رفض البدع والخطيّة. لكن ينبغي أولاً أن نتسلَّح بالجانب الإيجابي ألا وهو الحياة النقيّة المقدّسة، فنحمل السيّد المسيح نفسه فينا، هو الديّان وحده القادر أن يطرد الظلمة بإشراقه علينا كشمس البرّ! لست بهذا أقلّل من شأن أبطال الإيمان الذين وقفوا أمام الهرطقات، والقدّيسين الذين صوّبوا السهام ضدّ الخطيّة، وإنما كان هؤلاء مختفين في السيّد المسيح نفسه الصخرة الحقيقيّة، الذي يحطّم كل موجة للشك، وكان القدّيسون بالروح القدس الساكن فيهم يصوّبون "السيّد المسيح" نفسه كالسهم الناري لقتل الخطيّة والشرّ! حقًا لقد طالبنا السيّد ألا نقتلع الزوان، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [أنه لا يجوز للكنيسة أن تأمر بقتل هرطوقي، فهذا ليس عملها، لكنها تقاومه فكريًا.] وأوضح القدّيس أغسطينوس موقف الكنيسة من الهراطقة "الزوان" قائلاً: [إن كان أحد المسيحيّين وهو ثابت في الكنيسة قد أُخذ في خطيّة من نوع يستحق أن يُحرم من الكنيسة، فلْيتِم هذا: تجنّب حدوث انشقاق، بمعالجة الأمر بالحب فتصحّح عِوض أن تُقتلع. فإن لم يأت إلى معرفة خطأه ولم ينصلِح بالتوبة يُطرد. ليقطع بإرادته من شركة الكنيسة، لأن قول الرب: "دعوهما ينميان كلاهما معًا"، قد أضيف إليه السبب وهو "لئلا تقلعوا الحنطة مع الزوان"، مقدمًا تفسيرًا واضحًا. أمّا هنا فالسبب غير موجود، فبقطعه لا يوجد قلق على سلامة الحنطة متى كانت جريمته واضحة ويظهر لكل واحد أنه ليس من يدافع عنه أو على الأقل أنه ليس له مدافعون يسبّبون انقسامًا.] 5. مثل حبّة الخردل "قدّم لهم مثلاً آخر، قائلاً: يشبه ملكوت السماوات حبّة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله. وهي أصغر جميع البذور، ولكن متّى نمت فهي أكبر البقول، وتصير شجرة حتى أن طيور السماء تأتي وتتآوى في أغصانها" [31-32]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ حدّثنا السيّد بأن ثلاثة أقسام من البذار يهلك (في مثل الزارع 1-9) والقسم الأخير يخلص، بل حتى هذا الذي يخلص يهلَك بعضه بسبب الزوان الذي يُزرع في وسطه، فلئلا يقول أحد: إذن من يخلص؟... لهذا قدّم مثل حبّة الخردل لينزع عنهم هذا القلق.] حقًا في المثل الأول يحدّثنا عن عمل الله في ملكوته بكونه الزارع الذي يقدّم ذاته بذارًا حيّة داخل القلب، وفي المثل الثاني يحدّثنا عن التزامنا باليقظة من عدوّ الخير الذي يُلقي الزوان سرًا ليملك العدوّ على القلب عِوض المسيّا المخلّص. أمّا في هذا المثل، فيقدّم لنا عن إمكانيّة الملكوت الحيّ الذي يعمل في القلب ليمتد في العالم بالرغم من مقاومة العدوّ. إنه يشبَّه بحبّة الخردل الصغيرة، وقد ألقيت في حقل وسط التربة، تحاصرها الظلمة من كل جانب، ويضغط ثقل الطين عليها، لكن "الحياة" الكامنة فيها تنطلق خلال هذه التربة لتصير شجرة تجذب إليها الطيور لتأوي فيها. حقًا إن المؤمن كعضو في ملكوت السماوات يحاصر عدوّ الخير من كل جانب بظلمته ليفقده استنارته الروحيّة. ويحرمه من التمتّع بشمس البر،ّ والارتفاع عن الأرضيّات، ويثقِّل عليه بالطين، فيستخدم شهوات الجسد الترابي ليكتم أنفاس روحه. لكن الروح القدس الناري في قلبه ينطلق به خلال هذا الجهاد كعملاق حيّ، لا ليحيا مقدّسًا للرب فحسب، وإنما ينجذب نحوه الكثيرون. يسندهم في الحياة المقدّسة. يكون كشجرة تضم داخلها طيورًا كثيرة، على أغصانها تتراقص متهلّلة بالتسابيح المقدّسة، وتقيم أعشاش فتأتي بصغار يتعلّمون الطيران منطلقة نحو السماويات. حبة الخردل والمسيح المتألّم إن كان ملكوت السماوات المعلن في داخلنا يعلن عن حلول السيّد المسيح في داخلنا. نقبله فينا مصلوبًا، قائمًا من الأموات، نحمل شركة آلامه فينا لننعم بقوة قيامته، متمثلين بشبه موته، فإن حبة الخردل التي تُدفن في الحقل هي المسيح المتألّم الذي يُدفن فينا ويقوم شجرة حياة في قلبنا! يرى الآباء في حبّة الخردل الصغيرة أن قيمتها لا تظهر إلا بدفنها. فتظهر شجرة عظيمة تأوي طيور السماء، ويستظل تحتها حيوانات البرّيّة، أو بسحقها تقدّم طعامًا مفيدًا "الموستاردة". هكذا بالتجسّد الإلهي ظهر الله الكلمة كصغير جدًا، إذ صار عبدًا، لكن بقبره قام واهبًا إيّانا سرّ الحياة. نأوي في أغصان كنيسته كطيور محلّقة في السماوات، ونستظل تحته، كقول النشيد: "تحت ظلِّه اشتهيت أن أجلس" (نش 2: 3). بسحقه قدّم لنا جسده طعامًا روحيًا، ذبيحة حقَّة واهبة التقديس! + يقارن الرب نفسه بحَبَّة الخردل، وهي أمرّ البذور وأصغرها، تُعلن فضيلتها (نفعها) خلال سحقها. القدّيس هيلاري أسقف بواتييه + إنه حَبّة الخردل، نمت في بستان القبر إلى شجرة عظيمة. لم يكن إلا حَبّة حين مات وشجرة عندما قام. كان بذرة في تواضع جسده وشجرة في قوّة عظمته!... في هذه الفروع تجد الطيور راحتها، لأن النفوس النقيّة إذ ترتفع بأجنحة نعمته تجد في كلماته راحتها من الهموم الأرضيّة والتعزية من قلاقل الحياة الحاضرة. الأب غريغوريوس (الكبير) حَبَّة الخردل وإنجيل المسيح إن كانت حَبّة الخردل تمثّل شخص السيّد المسيح المتألّم، فهي تمثِّل إنجيله والكرازة به. أو قُل هي الإيمان بالمسيّا المصلوب. إنها تحمل قوّة في داخلها قادرة على جذب الكثيرين للملكوت، بالرغم من أن الكارزين بها بسطاء وأُميُّون. + بذرة الإنجيل هي أصغر البذور، لأن التلاميذ كانوا أكثر حياءً من غيرهم، لكنهم يحملون فيهم قوّة عظيمة، فانتشرت كرازتهم في العالم كله. القدّيس يوحنا الذهبي الفم + عندما تنمو تعاليم الفلاسفة لا تُعلن شيئًا كامل النضوج أو حيويًا، بل كل ما هو رخو ومترهِّل. إنها غزيرة في أوراقها وسيقانها التي تذبل بسرعة وتهلك. أمّا الإنجيل فإذ يُكرز به يبدو في البداية غير واضح، لكنّه إذ يُبذر داخل نفس المؤمن ينتشر في كل العالم، ولا يرتفع كشُجيْرة بل كشجرة تأتي طيور السماء لتسكن في أغصانها، أي أرواح المؤمنين أو القوّات المكرّسة لخدمة الله. إنها تصير شجرة، وكما اَعتقد أن أغصان الشجرة الإنجيليّة التي تنبت عن بذرة الخردل إنّما هي التعاليم المقدّسة المتنوّعة، التي يقال عنها أن الطير يجد فيها راحته. ليتنا نأخذ أجنحة حمامة ونطير لنسكن في فروع هذه الشجرة، ونصنع لأنفسنا عشًا في تعاليمها، تاركين وراءنا الأمور الأرضيّة، مسرعين إلى ما هو سماوي. القدّيس جيروم حَبَّة الخردل والإيمان بالمسيّا المتألّم يقول القدّيس أمبروسيوس: [إن كان ملكوت السماوات يشبه حَبّة الخردل، والإيمان أيضًا يشبه حَبّة خردل (مت 17: 20)، إذًا فالإيمان بالحق هو ملكوت السماوات، وملكوت السماوات هو الإيمان، (بمعنى أن من له إيمان له ملكوت السماوات، ملكوت السماوات داخلنا (لو 17: 21)، والإيمان أيضًا داخلنا... والآن ليتنا نقيّم المقارنة التالية من طبيعة الخردل: حقًا إن حَبّة الخردل هي بسيطة جدًا وقليلة القيمة، لكنها إن سُحقت أو عُصِرت تظهر قوّتها، هكذا يبدو الإيمان بسيط جدًا، لكنّه إن سُحق خلال الأعداء يُبرهن على قوّته، إذ يملأ الآخرين الذين يسمعون أو يقرأون عنه برائحة حلاوته. شهداؤنا فيلكس ونابور وفيكتور تمتّعوا برائحة الإيمان الزكيّة، لكن أثناء حياتهم كانوا في غموض، وعندما جاء الاضطهاد أرخوا أذرعتهم وأحنوا رقابهم فضُربت بالسيف، وبهذا فإن نعمة استشهادهم قد انتشرت إلى أقاصي الأرض، وبحق قيل: "خرجت أصواتهم إلى كل الأرض" (مز 19: 4). فالإيمان تارة يُسحق، وأخرى يُعصر، وفي وقت آخر يُزرع (يدفن). الرب نفسه هو حَبّة الخردل، بدون الآلام ما كان للشعب أن يعرفه كحَبَّة خردل ولا يلاحظه. لقد اختار أن يُسحق، لكن نقول: "لأننا رائحة المسيح الزكيّة لله" (2 كو 2: 15). اختار أن يُضغط عليه (يُعصر) حيث قال بطرس: "الجموع يضيِّقون عليك ويزحمونك" (لو 8: 45). واختار أن يُزرع في الأرض كبذرة أخذها إنسان وغرسها في بستانه. ففي البستان أُخذ المسيح سجينًا وأيضًا في البستان دُفن. لقد "نبت" في بستان حيث قام من الأموات وصار شجرة، كما هو مكتوب: "كالتفاح بين شجر الوعْر كذلك حبيبي بين البنين" (نش 2 : 3). هكذا ليُزرع المسيح في بستانك، فإن البستان هو الموضع الممتلئ زهورًا وثمارًا متنوّعة، فتنمو الفضيلة التي لجهادك وتفيح العذوبة المتعدّدة لفضائله الكثيرة! حيث يوجد الثمر يوجد المسيح. لتَزرع يسوع الرب، فهو بذرة حين يَمسك به إنسان، وهو شجرة حين يقوم، إنه الشجرة التي تعطي ظلاً للعالم! إنه بذرة يُدفن في القبر، وهو شجرة حين يقوم إلى السماء! لتضغط عيه باقترابك إليه جدًا ولتبذر الإيمان! فإنّنا نتبعه عن قرب ونبذر الإيمان عندما نعبد المسيح المصلوب. فقد اقترب إليه بولس بإيمان عندما قال "وأنا لمّا أتيتُ إليكم أيها الإخوة أتيتُ ليس بسموّ الكلام أو الحكمة مناديًا لكم بشهادة المسيح، لأني لم أعزِم أن أعرف شيئًا بينكم إلا يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا" (1 كو 2: 1-2)... إننا نبذر الإيمان عندما نؤمن بآلام الرب خلال الكتابات النبويّة والرسوليّة. لذلك نبذر الإيمان كما لو كنّا ندفنه في تربة جسد الرب اللطيفة والرقيقة حتى أنه باحتضانه الجسد المقدّس وحرارته ينتشر الإيمان في الخارج. من يؤمن أن ابن الله صار إنسانًا، يؤمن أنه مات لأجلنا وقام أيضًا؛ لذلك أبذر الإيمان عندما أزرعه في قبر السيّد. أتريد أن تعرف المسيح البذرة؟ المسيح المزروع؟ "إن لم تقع حَبّة الحنطة في الأرض وتمُت فهي تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير" (يو 12: 24)... لا تحتقر حَبّة الخردل هذه فإنها "وهي أصغر جميع البذور ولكن متى نَمَت فهي أكبر البقول وتصير شجرة" [32]. إن كان المسيح هو حَبّة الخردل، ففي أي شيء هو أصغر البذار؟ وكيف ينمو؟ بالحق إنه لا ينمو في طبيعته، وإنما في الخارج (الجسد)! أتريد أن تراه أصغر الجميع؟ نراه، "لا صورة له ولا جمال" (إش 53: 2)، انظر إليه فتجده أكبر الكل "أنت أبرع جمالاً من بنيّ البشر" (مز 45: 3). فمن لا جمال له ولا صورة يصير أبرع جمالاً من الملائكة وفوق مجد الأنبياء!... المسيح هو بذرة، لأنه من نسل إبراهيم: "وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله، لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد، وفي نسلك الذي هو المسيح" (غل 3: 16). إنه ليس في حكمة هذا العالم، لكن فجأة كشف عن شجرة السمو المرتفع لقدرته، حتى نقول: "تحت ظلِّه اشتهيتُ أن أجلس" (نش 2: 3)... هناك تستريح الملائكة والقوّات السماويّة والذين يستحقّون أعمال الروح أن يطيروا إليه. هناك استراح يوحنا عندما اتكأ على صدر يسوع (يو 13: 25؛ 21: 20). ومن ساق الشجرة تخرج أغصانًا؛ فبطرس غصن وأيضًا بولس مثله، إذ "يَنسى ما هو وراء ويمتدّ إلى ما هو قدّام" (في 3: 13)... هذا الذي يحدّثنا معلّما إيّانا نحن الذين كنّا قبلاً بعيدين (أف 2: 13)، فاجتمعنا من الأمم، نحن الذين كنّا في ارتباكات روح الشرّ وهموم هذا العالم وقد أُلقينا خارجًا في زمانًا طويلاً، والآن قد صار لنا أجنحة القداسة، مسرعين بالطيران لكي نحتمي في ظلال القدّيسين من حرّ هذا العالم، فنسكن بسعادة في سلام هذا الميناء الأكيد، مادامت نفوسنا التي كانت قبلاً كالمرأة المذكورة في الإنجيل أنها مثقّلة بالخطايا وقد خلصت كالعصفور من فخ الصيّادين (مز 124: 7) وارتفعت على الجبال إلى أغصان الرب (مز 10: 1)]. القدّيس أمبروسيوس 6. مثل الخميرة بعد أن كشف السيّد المسيح عن الدور الإلهي في ملكوت السماوات، ومقاومة العدوّ له، وإمكانيّات الملكوت، يحدّثنا هنا عن دور الكنيسة العملي في إعلان ملكوت السماوات خلال حياة الشركة، قائلاً: "يشبه ملكوت السماوات خميرة أخذتها امرأة وخبّأتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اِختمر الجميع" [33]. لقد شبّه الكنيسة بامرأة تمسك بيديها خميرة تُخبِّئها في ثلاثة أكيال دقيق لتحوّلها إلى خبز تَقدمة للثالوث القدّوس. فإن الدقيق بدون يديّ هذه المرأة العاملة والحاملة للخميرة لا يصلح إلا أن يقدّم للحيوانات، لكنّه بالخميرة التي في يديّ المرأة يصير خبزًا مقدّسًا يُسر به الثالوث القدّوس. ما هي المرأة العاملة هنا؟ وما هي الخميرة؟ وما هي الثلاثة أكيال دقيق؟ أولاً: إن كانت المرأة تمثِّل الكنيسة الأم، فإن رسالتها تتركّز في تقديم السيّد المسيح "الخميرة واهبة الحياة" للدقيق حتى يختمر، فيحمل سمات المسيح فيه. الخميرة في واقعها مأخوذة من الدقيق، لكنها تحمل "قوّة الاختمار"، إشارة إلى السيّد المسيح الذي أخذ جسده منّا، وصار كواحدٍ منّا، ليس بغريبٍ عنّا، لكنّه هو الحياة. أمّا كمّية الدقيق فثلاثة أكيال، وكما يقول القدّيس جيروم: [أن الكيلة وِحدة قياس في فلسطين تحوي حوالي 3 جالونات. على أي الأحوال كمّية الدقيق ثلاث أكيال لأنه يمثّل الوِحدة بين الروح والنفس والجسد، فالكنيسة إنّما تقدّم السيّد المسيح كسرّ تقديس للإنسان في كليَّته، روحًا ونفسًا وجسدًا.] ثانيًا: يرى القدّيس هيلاري أسقف بواتييه في المرأة المذكورة هنا المجمع اليهودي الذي حكم على السيّد المسيح "الخميرة" بالدفن، فقام السيّد واهبًا للدقيق اختمارًا أي "الحياة المقامة"، أمّا رقم ثلاثة هنا يُشير إلى الناموس والأنبياء والإنجيل، ففي المسيح يسوع ربّنا يظهر الثلاثة عجينًا واحدًا. غاية الناموس هو المسيح وهدف النبوّات هو الإعلان عنه. وأما الإنجيل فهو الكرازة بالمسيح يسوع. تظهر وحدة الكتاب المقدّس كلّه بنواميسه ونبوّاته وبشارته المفرحة. في التجلّي أراد بطرس أن يُقيم ثلاث مظال واحدة لموسى ممثلاً الناموس، وأخرى لإيليّا ممثلاً الأنبياء، والثالثة للسيّد المسيح ممثلاً الإنجيل، لكن الله لم يرسل ثلاث مظال، بل سحابة واحدة إشارة إلى هذه الوحدة في المسيح يسوع! رقم 3 يُشير أيضًا إلى الأمم والشعوب التي جاءت عن سام وحام ويافث، أولاد نوح الثلاثة... وكأن الكنيسة الأم تقدّم السيّد المسيح لهذه الشعوب المتفرِّقة فتختمر معًا في وحدة الروح والفكر، تحمل سمات المسيح الواحد! ثالثًا: يرى القدّيس أغسطينوس في هذا المثل صورة حيّة لملكوت السيّد المسيح بكونه ملكوت الحب الحيّ العامل في البشريّة، وذلك بدخول المحبّة "المسيح" في الحياة البشريّة لتقديسها لله [الخميرة تعني الحب، الذي يخلق ويلهب الغيرة والمرأة تعني الحكمة، والثلاثة أكيال طعام (دقيق) يعني إمّا الأمور الثلاثة في الإنسان (الخاصة بحب الله) "من كل القلب ومن كل النفس ومن كل الذهن" (مت 21: 37)، أو ثلاث درجات الإثمار: "مائة ضعف وستون وثلاثون" (مت 13: 8، 23)، أو الثلاث أنواع من الرجال: "نوح ودانيال وأيوب" (حز 14: 14).] رابعًا: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم صورة فعّالة لملكوت السماوات، فإنه لا يمكن للدقيق أن يختمر ما لم تُدفن فيه الخميرة أو تحبس في داخله. لم يقل السيّد أن المرأة وضعت الخميرة في الدقيق، بل "خبّأتها"، هكذا إن لم يلتقِ بمضايقيه محتملاً الأتعاب بفرح لا تتحوّل حياة المضايقين إلى الاختمار. وكما يقول القدّيس: [عندما تكونون واحدًا مع من يهاجمكم وتمتزجون معهم تغلبونهم (بالحب والإيمان). وكما أن الخميرة المختفية في عجين لا تهلك، بل بالأحرى تُغيّر طبيعة العجين، هكذا أيضًا في الكرازة بالإنجيل. لذلك لا تخافوا عندما أُخبركم عن الضيقات أنها قادمة، لأن نوركم لا يقدر أحد أن يُطفئه، إنّما يغلب كل البشر.] 7. تفسير مثل الزوان "حينئذ صرف يسوع الجموع وجاء إلى البيت، فتقدّم إليه تلاميذه قائلين: فسِّر لنا مثل زوان الحقل" [36]. لقد صرف السيّد الجموع وجاء إلى البيت لكي يدخل بتلاميذه إلى كنيسته السماويّة ويختلي بهم، معلنًا لهم أسرار الملكوت، لكنّه لم يقدّم التفسير إلا بعد أن تقدّموا يسألونه. فإنه لا يهب أسراره الإلهيّة ونِعمه المجّانيّة السماويّة للمتهاونين. حقًا في الأمور الأرضيّة يهب الجميع حتى الأشرار دون أن يسألوه، إذ "يُشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويُمطر على الأبرار والظالمين" (مت 5: 45). أمّا النِعم الروحيّة والأمجاد السماويّة بالرغم من وعده "قد أُعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السموات" [11] لكنّه يطلب منهم السؤال المستمر علامة الشوق الحقيقي والمثابرة على نوال النعم. الله يعطي ويمنع ليس عن محاباة، إنّما قدومًا يفتح الإنسان فمه ليملأه؛ أمّا إن أغلق فمه أمامه وأعطاه القفا لا الوجه فلا يلتزم الله بالعطاء، بل يمتنع، لأن الإنسان قد حرَّم نفسه بنفسه من العطايا بل ومن واهبها. + إن تقدّم أحد وكان غيورًا، فالله من جانبه يعطيه كل شيء، أمّا من لم ينشغل بهذه الأمور ولا يساهم بشيء من جانبه فلن تمنح له عطايا الله. القدّيس يوحنا الذهبي الفم "حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم" [43]. يقول القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [إذ يترك الإنسان (محبّة) هذا العالم المظلم يصبح نقيًا طاهرًا بعمل الروح وبالتصاقه بالنقاء الحقيقي... فتشع النفس ضوءًا وتصير هي نفسها نورًا كوعد الرب.] ويقول القدّيس أمبروسيوس: [أليس بصالحٍ ذاك الذي رفع الأرض إلى السماء، وعكس مجده في السماء كما على مجموعات بهيّة من الكواكب... فجعل طغمات الرسل والشهداء والكهنة يُضيئون مثل كواكب مجيدة تنير العالم!] 8. مثل الكنز المُخفى "أيضًا يشبِه ملكوت السماوات كنزًا مُخفَى في حقل، وجده إنسان فأخفاه، ومن فرحه مضى وباع كل ما كان له واشترى ذلك الحقل" [44]. في المثَل السابق قدّم لنا السيّد المسيح صورة حيّة عن دور الكنيسة بكونها المرأة المقدّسة، التي تقدّم شخص السيّد المسيح كسرّ الملكوت الحقيقي لكل إنسان، حتى يختمر العجين كله، ويحمل الكل شركة طبيعة المخلّص. هنا يقدّم لنا في مثَل الكنز المُخفى صورة لدور المؤمن بالجهاد المستمر لاكتشاف المسيح "الكنز المُخفى في الحقل". ما هو هذا الحقل إلا الكتاب المقدّس بعهديه الذي يحوي في داخله سرّ المسيح ككنز مُخفى لا يتمتّع به غير المثابرين بالحفر المستمر في الكتاب؟ لهذا يليق بالمؤمن أن يبيع كل شيء ليقتني هذا الحقل الحاوي للكنز، لينعم بالكنز ويخفيه في قلبه كما تَخفي الكنيسة مسيحها وسط البشريّة. حقًا لا يستطيع أحد أن يحمل الكتاب المقدّس في قلبه ويتفاعل معه لما لم يبع من قلبه كل شيء ليتفرّغ لكلمة الله بهدف الالتقاء مع الكلمة الإلهي المتجسّد! فما كان يمكن ليوسف أن يتسلّم مخازن مصر ما لم يترك ثوبه في يديّ سيّدته المصريّة ويهرب عاريًا، وهكذا لا يمكن ليوسفنا الداخلي أن يتفهّم كلمة الله، وينعم بمخازن المعرفة الروحيّة، ما لم يترك ثوبه في يديّ العالم، وينطلق عاريًا متقبلاً السجن من أجل المسيح، ويرتفع إلى حيث الغِنى الحقيقي، لا ليَشبع بمفرده من خيرات المعرفة، وإنما يفتح يديه ليهبنا بغنى معرفة المسيح الفائقة. + حقًا إن الحقل كما يبدو لي حسب ما جاء هنا هو الكتاب المقدّس الذي فيه زُرع ما هو ظاهر من كلمات من التاريخ والناموس والأنبياء وبقيّة الأفكار؛ فإنها عظيمة ومتنوّعة هي نباتات الكلمات التي في كل الكتاب! أمّا الكنز المُخفى في الحقل فهو الأفكار المختومة والمُخفية وراء الأمور المنظورة، الحكمة المَخفيّة في سِرّ، المسيح "المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" (1 كو 2: 3). قد يقول آخر أن الحقل هو مسيح الله الذي بالحقيقة مملوء... أمّا الكنز المُخفى فيه فهو الأمور التي قال عنها بولس أنها مخفيّة في المسيح: "المذخَّر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم"، الأمور السماويّة. لذلك حتى ملكوت السماوات كُتب في الكتب المقدّسة كما في رمز! العلاّمة أوريجينوس يرى الأب غريغوريوس (الكبير) أن الكنز المُخفى هو إرادة المؤمن المقدّسة ونيّته الصالحة الخفيّة، التي لا يراها إلا الله نفسه ليكافئنا عليها، فالمؤمن إذ يتقدّس بالروح القدس يحمل إرادة المسيح فيه وفكر المسيح الخفي. هذا هو كنزه غير المنظور الذي يراه الآب فينا، فيُسر ويبتهج بنا. يقول الأب غريغوريوس: [الكنز الذي وُجد أُخفي لكي يُحفظ... فإنّنا في الحياة الحاضرة نسلك كمن يتقدّمون في الطريق الذي يقودنا إلى وطننا. وفي الطريق يوجد أعداء خبثاء يهاجموننا كلصوص، لهذا من يحمل كنزًا بصورة علنيّة في طريقة يتعرّض للسطو عليه. أقول هذا لا بمعنى لا يرى قريبنا أعمالنا، إذ هو مكتوب: "لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات" (مت 5: 16)، وإنما لكي لا نطلب مديحًا عمّا نفعله أمام الآخرين. يلزم أن تتم أعمالنا الظاهرة بطريقة تبقَى فيها النيّة خفيّة. بهذا تصير أعمالنا مثلاً لقريبنا، بينما نيّتنا التي يُسر الله بها تَبقى غير معروفة. الكنز الذي عليه تقوم الرغبات السماويّة، والحقل الذي فيه يُخفى هذا الكنز يُشير إلى السلوك (الداخلي)، خلاله نبلغ هذه الرغبات. هذا الحقل يشتريه من يبيع كل ما لديه، مستهينًا بملذّات الجسد، وضابطًا الاشتياقات الأرضيّة، وحافظًا التعاليم الإلهيّة، فلا يبتهج في شيء ممّا يُبهج الجسد، ولا تَحجم نفسه عن ممارسة ما يُميت الحياة الجسدانيّة.] 9. مثل اللؤلؤة الكثيرة الثمن "أيضًا يُشبه ملكوت السماوات إنسانًا تاجرًا يطلب لآلئ حسنة. فلما وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن مضى وباع كل ما كان له واشتراها" [45-46]. بعد أن كشف السيّد عن جهادنا المستمر خلال كلمة الله لمعرفة السيّد المسيح عن قرب واِحتضانه فينا، فنُخفيه في قلوبنا، يقدّم لنا هنا تكلفة الملكوت، فإنه لا يستطيع أحد أن يقتني السيّد المسيح، اللؤلؤة الكثيرة الثمن، ما لم يبِع كل ما له من القلب ليتربَّع وحده فيه. طالب القدّيس جيروم فيوريا Furia ألا تقرأ الكتب غير النافعة، وإنما تبيعها جميعًا لتقتني "اللؤلؤة الكثيرة الثمن" خلال الكتاب المقدّس وكتابات الآباء، قائلاً: [بعد قراءة الكتب المقدّسة اِقرأي كتب المتعلّمين المشهود لإيمانهم. يلزمك ألا تذهبي إلى الوحل لتبحثي عن الذهب. لديكِ جواهر كثيرة، فلِتشتريِ بها اللؤلؤة الواحدة.] حقًا يليق بالمؤمن ليس فقط أن يتخلّى عن الكتب الرخيصة تمامًا، معطيًا المجال لكلمة الله أن تُعلن المسيح متجلِّيًا في حياته، وإنما حتى في الكتب الأخرى يلزم ألا تشغله عن إيمانه! لقد كان القدّيس إكليمنضس السكندري فيلسوفًا ولم يخلع ثوب الفلاسفة حتى بعد استلامه مدرسة الإسكندرية المسيحيّة، لكن الفلسفة لم تكون عائقًا له عن إيمانه، إنّما رآها طريقًا يُعلن خلاله عن الإيمان بين الفلاسفة. فالبيع ليس عمليّة حرفيّة مظهريّة، لكنها انسحاب القلب نحو الله لاقتناء الملكوت السماوي كسرّ حياتنا. كثيرون لا يقرأون إلا الكتاب المقدّس والكتب الدينيّة لكن قلوبهم لا تلتقي مع "المسيح"، بينما آخرون يرونه في كل حياتهم وقراءاتهم. يتحدّث العلاّمة أوريجينوس عن هذه اللؤلؤة الكثيرة الثمن هكذا: [أي شيء تطلب؟ أجسر فأقول اللؤلؤة التي من أجلها يترك الإنسان كل ما يمتلك ويحسبه نفاية: "أحسب (كل الأشياء) نفاية لكي أربح المسيح" (في 3: 18)، قاصدًا بكل الأشياء اللآلئ الصالحة، حتى أربح المسيح، اللؤلؤة الواحدة كثيرة الثمن. ثمين هو السراج للإنسان أثناء الظلمة، فهناك حاجة إليه حتى تُشرق الشمس! وثمين هو مجد وجه موسى والأنبياء أيضًا، فهو كما أظن يمثّل رؤيا جميلة، خلالها دخلنا لكي نرى مجد المسيح، الذي يشهد عنه الآب قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (مت 3: 17). لكن "المُمجّد لم يمجَّد من هذا القبيل بسبب المجد الفائق" (2 كو 3: 10)؛ ونحن في حاجة أولاً إلى المجد الذي يزول حتى نبلغ المجد الفائق؛ وفي حاجة إلى المعرفة الجُزئيّة التي تزول حين تأتي المعرفة الكاملة (1 كو 13: 9-10). إذًا كل نفسٍ تأتي أولاً إلى الطفولة، وتنمو حتى تبلغ كمال الزمان؛ تحتاج إلى معلّمين ومرشدين وأوصياء، وفي وجود هؤلاء تبدو أنها لا تختلف عن العبد مع أنها صاحبة الجميع (غل 4: 1-2). أنها إذ تتحرّر من المعلّمين والمرشدين والأوصياء تبلغ سن الرشد، فتنعم باللؤلؤة كثيرة الثمن والكاملة، وببلوغها يزول ما هو جزئي، عندما يقدر الإنسان أن يبلغ إلى "فضل معرفة المسيح" (في 3: 8) بعد أن كانت تتدرّب على أشكال المعرفة هذه التي تفوقها معرفة المسيح.] ويتحدّث الأب غريغوريوس (الكبير) عن اللؤلؤة الكثيرة الثمن قائلاً: [من يطلب معرفة الحياة السماويّة بطريقة كاملة قدر المستطاع فإنه يهجر كل ما أحبّه سابقًا، وهو في سعادة فائقة! فإن قورنت تلك العذوبة التي صارت له لا يجد لشيء ما قيمة، فتتخلَّى نفسه عن كل ما اقتنته، وتبدِّد كل ما قد جمعته. وإذ تلتهب بحب السماويات لا تبالي بأمرٍ أرضي، فيبدو لها ما كانت تظنّه جميلاً بالأمر القبيح. إذ يشرق فيها سمو اللؤلؤة التي لا تقدَّر بثمن وحدها. عن هذا الحب يقول سليمان "المحبّة قويّة كالموت" (نش 1: 6)؛ فكما يَحرم الموت الجسد من الحياة، هكذا تقتِل محبّة الأبديّات محبّة الزمنيّات. فمن ينال هذا الحب بالكمال يصير كمن هو بلا إحساس نحو الممتلكات الأرضيّة.] ويرى القدّيس جيروم أن اللآلئ التي يبيعها الإنسان إنّما هي الطرق المتعدّدة التي تتركها لندخل الطريق الواحد الذي هو المسيح. لقد سبق فأعلن إرميا النبي: "قفوا على الطرق وانظروا واسألوا عن السبل القديمة: أين هو الطريق الصالح، وسيروا فيه فتجدوا راحة لنفوسكم" (إر 6: 16)، هكذا خلال الآباء والأنبياء نبلغ إلى السيّد المسيح الطريق الصالح، الذي فيه وحده تجد النفس راحتها الأبديّة. وكما يقول القدّيس جيروم: [خلال الطرق الكثيرة نجد الطريق الواحد.] كما يقول: [ماذا نفهم باللآلئ الكثيرة والطرق الكثيرة، والدروب الكثيرة، لكي نقتني اللؤلؤة الواحدة والطريق الواحد والدرب الواحد؟ إبراهيم واسحق ويعقوب، موسى ويشوع بن نون وإشعياء وإرميا وحزقيال والإثناء عشر نبيًا، هؤلاء هم الدُروب، التي ندخلها أولاً لنصل إلى الأخيرة درب الأناجيل، فنجد هناك المسيح.] 10. مثل الشبكة المطروحة "أيضًا يُشبه ملكوت السماوات شبكة مطروحة في البحر، وجامعة من كل نوع. فلما امتلأت أصعدوها على الشاطئ، وجلسوا وجمعوا الجياد إلى أوعِية، وأما الأردياء فطروحها خارجًا. هكذا يكون في انقضاء العالم، يخرج الملائكة ويَفرزون الأشرار من بين الأبرار. ويطرحونهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان" [47-50]. يقدّم لنا السيّد المسيح في هذا المثل سِمة جوهريّة لملكوت السماوات، هي "الحياة الديناميكيّة"، أي استمراريّة العمل بغير توقّف. فإن ملكوت السماوات يشبه شبكة مطروحة في العالم كما في بحر متلاطم الأمواج تجمع من كل نوع، لا تُرفع إلى الشاطئ إلا بعد امتلائها بكل المختارين [48]. ما هي هذه الشبكة إلا شخص السيّد المسيح نفسه، الذي ألقى بنفسه في العالم خلال إنسانيّتنا لكي يجتذب كل نفس إليه؟ وإذ تجتمع فيه الكنيسة كلها جسده المقدّس، ويضم من كل الأمم والألسنة أعضاء له مقدّسين في حقّه، يرتفع بهم عن العالم إلى سمواته ينعمون به. حقًا يتسلّل إلى الشبكة بعض الأردياء الذين يحملون اسم المسيح، وينعمون بالعضويّة الكنسيّة الروحيّة، لكنهم إذ لا يثبتون في المسيح يُطردون خارجًا. ويمكننا أيضًا أن نفهم الشبكة بكونها الكنيسة "جسد المسيح"، هذه التي تنزل في العالم لتخدمه وتضم السمك فيها، أي المؤمنين. ولكن إن تسلّل إليها سمك رديء، ففي انقضاء الدهر يُفرز ويُطرد عن الكنيسة المرتفعة إلى السماوات. إنه يسمح لهم بالدخول إلى الكنيسة، لعلّهم بالتوبة يصيرون سمكًا جيدًا، لكن يأتي وقت يُنزعون عنها. إنهم كالزوان الذي تركه السيّد مع الحنطة، ولم يسمح باقتلاعه حتى وقت الحصاد [29]. وقد سبق لنا في أكثر من موضع أن رأينا الكنيسة الأولى تتطلّع إلى المؤمنين كسمكٍ صغير، يتمثل بالسيّد المسيح السمكة الكبيرة. والشبكة أيضًا تُشير إلى الكتاب المقدّس الذي يأسِر النفس البشريّة ويصطادها من وسط العالم، لكي يدخل بها إلى ملكوت السماوات. يقول العلاّمة أوريجينوس: [ملكوت السماوات يُشبه شبكة من نسيج متنوِّع، إشارة إلى الكتاب المقدّس: العهد القديم والعهد الجديد. إنه منسوج من أفكار من كل نوع، فهو متنوِّع تمامًا. أمّا بخصوص السمك الذي سقط في الشبكة، فبعضه في جانب، والآخر في جانب آخر، لكن الكل مجتمع في الموضع الذي فيه تمّ الاِصطياد (أي في الشبكة الواحدة). دخل البعض شبكة الكتاب المقدّس خلال الجانب النبوي، مثل إشعياء أو إرميا أو دانيال. والبعض الآخر دخل خلال شبكة الإنجيل. والبعض خلال شبكة الكتابات الرسوليّة. فعندما يؤسَر إنسان بواسطة الكلمة يبدو كمن هو أسير يأخذ موضعًا معينًا في الشبكة الكلّيّة.] يشرح الأب غريغوريوس (الكبير) هذا المثل قائلاً: [تُقارن الكنيسة المقدّسة بشبكة، إذ هي أيضًا سُلِّمت إلى صيّادين، وبواسطتها نحن سُحبنا من أمواج هذا العالم وأُحضرنا إلى المملكة السماويّة، لكي لا تبتلعنا أعماق الموت الأبدي. لقد ضمَّت كل أنواع السمك، إذ تقدّم مغفرة الخطيّة للحكماء والجهلاء، للأحرار والعبيد، للأغنياء والفقراء، للأقوياء والضعفاء. لهذا يقول المرتّل لله: "إليك يأتي كل جسد" (مز 65: 3). ستمتلئ هذه الشبكة تمامًا عندما تحتضن كل الجنس البشري، ويجلس الصيادون بجوارها على الشاطئ. إن كان الزمن يُشار إليه بالبحر، فإن الشاطئ يُشير إلى نهاية الزمن، حيث يُفصل السمك الجيد ويحفظ، بينما يُطرح الرديء خارجًا، إذ يسلَّم الجيِّد للراحة الأبديّة. أمّا الأشرار، فإنهم إذ فقدوا نور الملكوت الداخلي يُطردون إلى الظلمة الخارجيّة. حاليًا نحن هنا نختلط معًا، يختلط الصالحون مع الأشرار، كالسمك في الشبكة، لكن الشاطئ سيُخبرنا عمّا كان في الشبكة، أي في الكنيسة المقدّسة. إذ يُحضَر السمك إلى الشاطئ، لا تصير له فرصة التغيّر، أمّا الآن ونحن في الشبكة، فيمكننا إن كنّا أشرّارًا أن نتغيّر ونصير صالحين. إذن لنفكِّر حسنًا يا إخوة، إذ لا يزال الصيد قائمًا، لئلاّ يحتقرنا الشاطئ فيما بعد.] 11. الكاتب المتعلّم "فقال لهم يسوع: أفهمتم هذا كله؟ فقالوا: نعم يا سيّد. فقال لهم: من أجل ذلك كل كاتب مُتعلِّم في ملكوت السماوات يشبه رجلاً رب بيت يُخرج من كنزه جددًا وعُتَقاء. ولما أكمل يسوع هذه الأمثال انتقل من هناك" [51-53]. أراد السيّد أن يُقارن بين كتبة اليهود الحَرفيّين الجامدين وبين كتبة ملكوت السماوات. حقًا لقد كان كتبة اليهود حريصين على نَسخ الكتاب المقدّس على الورق وهم متطهِّرون. إنهم يطهِّرون أقلامهم كلما أرادوا كتابة اسم الله، ويراجعون كل سطر بدقّة، لئلا يكونوا قد نسوا أو أضافوا شيئًا. لكنهم إذ توقَّفوا عند هذا الحدّ حوّلوا كلمة الله إلى كلمة مكتوبة جامدة، بسبب جمود قلوبهم وحرفيّة أفكارهم. أمّا من يدخل ملكوت السماوات، فيحمل مسيحه في قلبه، يحمل "الكنز الحقيقي" الذي يجعل منه "رب البيت"، فيُقيمه سيِّدًا بعد أن كان عبدًا للحرف. إنه ملك يحمل في قلبه ملك الملوك، لا تُأسره الحروف، ولا يقتِله الجمود. بالسيّد المسيح الكنز الداخلي يتمتّع الكاتب الحقيقي بالجُدد والعُتقاء، أي يتمتّع بأسرار الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد كأسرار حيّة عاملة بلا توقف. الكاتب الجديد ينقش بقلم الروح القدس الساكن فيه كلمة الله القديمة الجديدة، فهي كلمة قديمة لكنها جديدة على الدوام، عاملة فينا لتجديدنا. + يليق بنا أن نجاهد بكل طريقة أن نجمع في قلوبنا "نعكف على القراءة والوعظ والتعليم" (1 تي 4: 13)، وأن "نلهج في ناموس الرب نهارًا وليلاً" (مز 1: 2)، ليس فقط خلال الأقوال الجديدة التي للأناجيل والرسل وإعلانهم، وإنما أيضًا الأقوال القديمة للناموس التي هي "ظل الخيرات العتيدة" (عب 10: 1)، وللأنبياء الذين تنبَّأوا في اتِّفاق معًا. لنجمع هذه جميعًا معًا عندما نقرأها ونتعرّف عليها ونتذكّرها، مقارنين الروحيّات بالروحيّات... حتى بفم شاهدين (سفرين) أو ثلاثة شهود (ثلاثة أسفار) من الكتاب المقدّس تثبت كل كلمة الله... الرجل رب البيت ربّما هو يسوع نفسه الذي يُخرج من كنزه الجدد... أي الأمور الروحيّة التي تتجدّد دائمًا بواسطته العاملة في الإنسان الداخلي للأبرار الذين يتجدّدون على الدوام. كل يوم فيوم (2 كو 4: 16). ويُخرج أيضًا العتقاء، أي الأمور المنقوشة على حجارة (2 كو 3: 7) أي على القلوب الحجريّة للإنسان القديم، حتى أنه بمقارنة الحرف بإعلان الروح يتشبّه الكاتب بمعمله ويتمثّل به... ويُفهم أيضًا يسوع كربّ البيت بصورة أبسط، إذ يُخرج من كنزه جددًا أي التعليم الإنجيلي، وعتقاء أي الأقوال المأخوذة من الناموس والأنبياء لتجد لها موضعًا في الأناجيل. بخصوص الجدد والعتقاء لنصغ أيضًا إلى الناموس الروحي القائل في اللاويين: "فتأكلون العتيق المُعتّق وتخرجون العتيق من وجه الجديد، وأجعل مسكني في وسطكم" (لا 26: 10-11). بالبركة نأكل العتيق أي الكلمة النبويّة، والعتيق المعتق أي كلمات الناموس، وعندما يأتي الجديد أي الكلمات الإنجيليّة، أي نعيش حسب الإنجيل، فتخرج الأمور العتيقة التي للحرف من وجه الجديد، ويجعل خيمته فينا، محقّقًا الوعد الذي نطق به: "أجعل مسكني في وسطكم". العلاّمة أوريجينوس يقدّم الأب غريغوريوس (الكبير) تفسيرًا رمزيًا لمفهوم الجُدد والعُتقاء، فيرى في الانجذاب نحو السماويات جُددًا، والرعب من عذابات جهنّم عتقاء... إذ يقول: [الكارز المتعلّم في كنيستنا هو ذاك الذي يستطيع أن ينطق بالأمور الجديدة الخاصة بمباهج ملكوت السماوات، وأيضًا يستدعي الأمور القديمة الخاصة برعب العقوبة، فإن الأخيرة تقدر على الأقل أن ترهب من لم تجتذبهم المكافأة. ليت كل إنسان إذن يصغي بحرص إلى الأمور الخاصة بالملكوت.] 12. موقف أهل وطنه دخل التلاميذ مع السيّد إلى البيت وتقدّموا إليه يسألونه، فنالوا أسرار معرفته التي تنطلق بهم إلى "ملكوت السماوات". أمّا الذين بقوا في الخارج، فكانوا يسمعونه، ويرون أعماله العجيبة فيتعثّرون فيه، إذ يقول الإنجيلي: "يهتمّوا وقالوا: من أين لهذا هذه الحكمة والقوّات؟ أليس هذا هو ابن النجّار؟ أليست أمه تدعى مريم وإخوته يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا؟ أو ليست أخواته جميعهنّ عندنا؟! فمن أين لهذا هذه كلها؟ فكانوا يتعثّرون فيه" [54-57]. النفس التي لا تهتم بخلاصها تتعثّر حتى في السيّد المسيح. حقًا قد تُبهَر بكلماته، لكنها لا تتقبّلها كسِرّ خلاصها وحياتها. ترى قوّاته، فعِوض تسليم ذاتها بين يديه ليعمل فيها بسلطانه لإقامتها. تقف متفرِّجة. تتساءل عن أمور خارج حياتها وأبديّتها، مثل هذه النفس تُعطِّل عمل الله لعدم إيمانها. أما ما يُحزن القلب فإن الذين حُرموا من عمل السيد المسيح متعثّرين فيه هم أهل وطنه، إذ يقول الإنجيلي: "وأما يسوع فقال لهم: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته. ولم يصنع هناك قوّات كثيرة لعدم إيمانهم" [57-58]. من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الثالث عشر الإصحاح الثالث عشر هو إصحاح الأمثال ويبدأ بأن يشرح السيد مثل الزارع، ثم نجد التلاميذ ينفردون بمعملهم ويسألونه عن تفسير المثل ولماذا يستخدم الأمثال فيجيب السيد أولاً عن سبب إستخدامه للأمثال ثم يفسر لهم المثل. وسنبداً بالآيات التى تشرح سبب إستخدام الأمثال. (مت 10:13-17 + مر 10:4-12 + لو 9:8،10):- (مت 10:13-17):- فتقدم التلاميذ وقالوا له لماذا تكلمهم بأمثال.فأجاب وقال لهم لأنه قد أعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات وأما لاولئك فلم يعط. فان من له سيعطى ويزاد وأما من ليس له فالذي عنده سيؤخذ منه. من اجل هذا أكلمهم بأمثال لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون. فقد تمت فيهم نبوة اشعياء القائلة تسمعون سمعا ولا تفهمون ومبصرين تبصرون ولا تنظرون. لان قلب هذا الشعب قد غلظ وأذاهم قد ثقل سماعها وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فاشفيهم. ولكن طوبى لعيونكم لأنها تبصر ولآذانكم لأنها تسمع. فاني الحق أقول لكم أن أنبياء وأبرارا كثيرين اشتهوا أن يروا ما انتم ترون ولم يروا وأن يسمعوا ما انتم تسمعون ولم يسمعوا. (مر 10:4-12):- ولما كان وحده سأله الذين حوله مع الاثني عشر عن المثل. فقال لهم قد أعطى لكم أن تعرفوا سر ملكوت الله وأما الذين هم من خارج فبالأمثال يكون لهم كل شيء. لكي يبصروا مبصرين ولا ينظروا ويسمعوا سامعين ولا يفهموا لئلا يرجعوا فتغفر لهم خطاياهم. (لو 8 : 9-10):- فسأله تلاميذه قائلين ما عسى أن يكون هذا المثل. فقال لكم قد أعطى أن تعرفوا أسرار ملكوت الله وأما للباقين فبأمثال حتى انهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يفهمون. 1- إستخدام السيد المسيح الأحداث التى يرونها تجرى أمامهم، مثل الزارع الذى خرج ليزرع أو الصياد الذى يصطاد.... الخ فالصور التى تجرى أمام عيونهم تُثَبِّت المفهوم التعليمى الذى يريده السيد. ولو كان السيد المسيح موجوداً اليوم لضرب أمثال من حياتنا اليومية. وهذه طريقة لنتأمل أعمال الله، فلنتأمل فيما حولنا من أحداث لنرى حكمة الله ولنرى يد الله. ولقد إتبعت الكنيسة المقدسة نفس أسلوب السيد المسيح فمثلاً تقرأ الكنيسة هذا الفصل فى شهر هاتور شهر الزراعة، بنفس المفهوم الذى إستخدمه السيد المسيح. وفى أعياد إستشهاد القديسين تقرأ فصولاً عن الإضطهادات والألام، ثم نسمع سيرة الشهيد وتُرسم أمام عيوننا. 2- المثل هو شرح لأمر يصعب فهمه وهذا يتضح من كلمة مثل، وهو قد يكون مجرد تشبيه أو قصة من الواقع اليومى لتوضيح حقيقة روحية. فالقصص والأمثال التى من واقع الحياة تؤثر فى الناس أكثر من الوعظ. أما التلاميذ فأعطاهم المسيح أكثر من القصص وعظاً فهو يعرف أهتمامهم. 3- إستخدم السيد المسيح أمثال للمشابهة كمثل رقعة الثوب الجديد على الثوب القديم.... وهناك مثل للمناسبة كمثل الزارع.. وهناك مثل بالقصة لموضِّحةَ كمثل السامرى الصالح والغنى الغبى وقاضى الظلم وهنا فى هذه القصص يوضح السيد حقائق روحية فى صورة قصة. إذاً فى الأمثال عموماً يشرح الرب ويستخرج الحقائق الروحية من الأشياء والأحداث المألوفة ليدربنا أن نأمل فيما حولنا وفى الطبيعة ونرى يد الله. 4- السيد المسيح يتكلم بأمثال لا ليخفى الحقائق الروحية عن بعض الناس فهو يريد أن الجميع يخلصون، ولكن الكلام بأمثال هى طريقة تدعو السامع لأن يفكر ويستنتج وبهذا تثبت المعلومة بالأكثر، ولكن من هو الذى سوف يفكر ويستنتج ؟ قطعاً هو المهتم بأن يفهم أسرار الملكوت، هو من يأخذ الأمر بجدية، هو المشتاق لمعرفة الحق، أما قساة القلوب والمهتمين بالماديات أو بأنفسهم فى كبرياء غير المهتمين بالبحث عن الحق فلن يهتموا بالبحث ولا الفهم، وبهذا فإن السيد يطبق ما سبق أن قاله "لا تعطوا القدس للكلاب". من هنا نفهم قول السيد من لهُ سيعطى ويزداد = أى من كان أميناً وقد حرص أن يفتش على الحق، سيعطيه السيد أن يفهم، وينمو فهمه يوماً فيوماً ويذوق حلاوة أسرار ملكوت الله.وبقدر ما يكون الإنسان أميناً ينمو فى إستيعاب أسرار ملكوت الله، وكلما ينمو يرتفع مستوى التعليم ويرتفع مستوى كشف أمور ملكوت الله. أماّ النفس الرافضة غير الأمينة بل المستهترة أو المعاندة فهذه لا يُعطى لها أى فهم = أما من ليس له فالذى عنده سيؤخذ منه= ما الذى كان عند هذه النفس، كان لها الذكاء العادى وكان لها بعض المفاهيم الروحية ولكن أمام عناد هذه النفس واستهتارها تفقد حتى ذكاءها العادى، وفقد حتى مفاهيمها الروحية السابقة ويدخل الإنسان فى ظلام روحى ويفقد حكمته. إذاً هناك من يكشف له السيد عن أسرار الملكوت فينطلق من مجد إلى مجد، وهناك من يحرمه السيد حتى من حكمته العادية. وهذه الحالة الأخيرة كانت هى حالة الشعب اليهودى والفريسيين والكتبة.. هؤلاء كان لهم الناموس والنبوات تشهد للمسيح وأمام عنادهم فقدوا حتى تمييز النبوات، ولاحظ أنهم كانوا يفهمون هذه النبوات إذ حين سأل المجوس عن المسيح كان هناك من يعلم أن المسيح يولد فى بيت لحم. ولكن أمام عنادهم فهم فقدوا حتى فهم نبوات كتابهم. لقد صاروا مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون وهم رأوا السيد ولم يعرفوه وسمعوه ولم يميزوا صوته الإلهى بينما أن تلاميذ السيد إنفتحت بصيرتهم الروحية فعرفوه وأحبوه طوبى لعيونكم لأنها تبصر من له أذنان للسمع فليسمع = (مت 9:13) هنا السيد يقسم الناس قسمين من يريد أن يسمع ويفهم، من لا يريد أن يفهم بل يريد أن يقاوم لذلك فالسيد ينبه (لو 18:8) ويقول فانظروا كيف تسمعون. قول السيد فى (مت 11:13) قد أعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت الله هذا لسابق علمه عن إستعدادهم وإشتياقهم للسمع (رو 29:8،30) ونلاحظ أن متى إذ يكتب لليهود أورد لهم نبوة إشعياء لأنهم يعرفون النبوات وأما مرقس ولوقا إذ يكتبون للأمم لم يوردوا النبوة. قلب هذا الشعب قد غلظ … ويرجعوا فأشفيهم= كم يود السيد أن هذا الشعب يسمع ويؤمن ويرجع إليه فيشفيه، ولكن كبريائهم وعنادهم وارتباطهم بشهواتهم غَلّظَ قلوبهم وأغلق عيونهم وأذانهم فلم يعرفوا المسيح بل صلبوه إن أنبياء.. اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون = أى يروا المسيح حين يتجسد. (مت 1:13-9،18-23 + مر 1:4-9، 13-20+لو 4:8 –8،11-15):- (مت 1:13-9):- في ذلك اليوم خرج يسوع من البيت وجلس عند البحر. فاجتمع إليه جموع كثيرة حتى انه دخل السفينة وجلس والجمع كله وقف على الشاطئ. فكلمهم كثيرا بأمثال قائلا هوذا الزارع قد خرج ليزرع. وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فجاءت الطيور وأكلته. وسقط أخر على الأماكن المحجرة حيث لم تكن له تربة كثيرة فنبت حالا إذ لم يكن له عمق ارض. ولكن لما أشرقت الشمس احترق وإذ لم يكن له اصل جف. وسقط أخر على الشوك فطلع الشوك وخنقه. وسقط أخر على الأرض الجيدة فأعطى ثمرا بعض مئة وأخر ستين وأخر ثلاثين. من له أذنان للسمع فليسمع. (مت 18:13-23):- فاسمعوا انتم مثل الزارع. كل من يسمع كلمة الملكوت ولا يفهم فيأتي الشرير ويخطف ما قد زرع في قلبه هذا هو المزروع على الطريق. والمزروع على الأماكن المحجرة هو الذي يسمع الكلمة وحالا يقبلها بفرح. ولكن ليس له اصل في ذاته بل هو إلى حين فإذا حدث ضيق أو اضطهاد من اجل الكلمة فحالا يعثر. والمزروع بين الشوك هو الذي يسمع الكلمة وهم هذا العالم وغرور الغنى يخنقان الكلمة فيصير بلا ثمر. وأما المزروع على الأرض الجيدة فهو الذي يسمع الكلمة ويفهم وهو الذي يأتي بثمر فيصنع بعض مئة وأخر ستين وأخر ثلاثين. (مر 1:4-9):- وأبتدأ أيضا يعلم عند البحر فاجتمع إليه جمع كثير حتى انه دخل السفينة وجلس على البحر والجمع كله كان عند البحر على الأرض. فكان يعلمهم كثيرا بأمثال وقال لهم في تعليمه. اسمعوا هوذا الزارع قد خرج ليزرع. وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فجاءت طيور السماء وأكلته. وسقط أخر على مكان محجر حيث لم تكن له تربة كثيرة فنبت حالا إذ لم يكن له عمق ارض. ولكن لما أشرقت الشمس احترق وإذ لم يكن له اصل جف. وسقط أخر في الشوك فطلع الشوك وخنقه فلم يعط ثمرا. وسقط أخر في الأرض الجيدة فأعطى ثمرا يصعد وينمو فأتى واحد بثلاثين وأخر بستين وأخر بمئة. ثم قال لهم من له أذنان للسمع فليسمع. (مر 13:4-20):- ثم قال لهم أما تعلمون هذا المثل فكيف تعرفون جميع الأمثال. الزارع يزرع الكلمة.وهؤلاء هم الذين على الطريق حيث تزرع الكلمة وحينما يسمعون يأتي الشيطان للوقت وينزع الكلمة المزروعة في قلوبهم. وهؤلاء كذلك هم الذين زرعوا على الأماكن المحجرة الذين حينما يسمعون الكلمة يقبلونها للوقت بفرح. ولكن ليس لهم اصل في ذواتهم بل هم إلى حين فبعد ذلك إذا حدث ضيق أو اضطهاد من اجل الكلمة فللوقت يعثرون. وهؤلاء هم الذين زرعوا بين الشوك هؤلاء هم الذين يسمعون الكلمة. وهموم هذا العالم وغرور الغنى وشهوات سائر الأشياء تدخل وتخنق الكلمة فتصير بلا ثمر. وهؤلاء هم الذين زرعوا على الأرض الجيدة الذين يسمعون الكلمة ويقبلونها ويثمرون واحد ثلاثين وأخر ستين وأخر مئة. (لو 4:8 –8):- فلما اجتمع جمع كثير أيضا من الذين جاءوا إليه من كل مدينة قال بمثل. خرج الزارع ليزرع زرعه وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فانداس وأكلته طيور السماء. وسقط أخر على الصخر فلما نبت جف لأنه لم تكن له رطوبة. وسقط أخر في وسط الشوك فنبت معه الشوك وخنقه. وسقط أخر في الأرض الصالحة فلما نبت صنع ثمرا مئة ضعف قال هذا ونادى من له أذنان للسمع فليسمع. (لو 11:8-15):- وهذا هو المثل الزرع هو كلام الله. والذين على الطريق هم الذين يسمعون ثم يأتي إبليس وينزع الكلمة من قلوبهم لئلا يؤمنوا فيخلصوا. والذين على الصخر هم الذين متى سمعوا يقبلون الكلمة بفرح وهؤلاء ليس لهم اصل فيؤمنون إلى حين وفي وقت التجربة يرتدون. والذي سقط بين الشوك هم الذين يسمعون ثم يذهبون فيختنقون من هموم الحياة وغناها ولذاتها ولا ينضجون ثمرا. والذي في الأرض الجيدة هو الذين يسمعون الكلمة فيحفظونها في قلب جيد صالح ويثمرون بالصبر. مثل الزارع هو إشارة لكلمة الله التى تبذر فى قلوب المؤمنين فيولدوا من جديد. "مولودين ثانية لا من زرع يفنى بل مماّ لا يفنى بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد (ابط 23:1) فنحن التربة لأننا مأخوذين من تراب الأرض، والروح القدس هو المطر النازل من السماء (اش 3:44،4) والروح القدس يعلمنا ويذكرنا بكلام الله (يو 26:14). ومن يسمع كلمة الله التى يعلمها له الروح القدس يتنقى (يو 3:15) ويولد من جديد، أى بعد أن كان ميتا يحيا وكأنه وُلدَ من جديد ( يو 24:5،25). أما من يقاوم فكلمة الله التى سمعها سوف تدينه (يو 48:12). فكلمة الله سيف ذى حدين (عب 12:4) الحد الأول للسيف يقطع الشر من النفس وينقى الإنسان فيحيا ويولد من جديد، هو مشرط الجراح الذى يقطع الداء من الجسم ليحيا. والحد الثانى هو حد الدينونة والعقاب، (رؤ 16:2+يو 48:12) والكنيسة المقدسة كما قلنا تقرأ فصل الزارع مرتين فى شهر هاتور المرة الأولى فى الأسبوع الأول (الأحد الأول من الشهر ) وتقرأ معه فصل من رسالة بولس الرسول إلى أهل كورنثوس الثانية "هذا وان من يزرع بالشح فبالشح أيضاً يحصد، ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضاً يحصد (2كو 6:9). وكأن الكنيسة تدعونا لقراءة الكتاب المقدس كلمة الله لنتنقى، وأن نقراً كثيراً ونسمع كثيراً، نقرأ لا بالشح بل كثيراً. هذا هو الحد الأول للسيف ذى الحدين أى كلمة الله. ثم نأتى للأحد الثانى من الشهر لنجد الحد الثانى للسيف، فالكنيسة تقرأ نفس الفصل من الإنجيل أى فصل الزارع ولكن تقرأ معه فصلاً أخر من البولس من "عب 7:6،8" لأن أرضاً قد شربت المطر الآتى عليها.. وأنتجت عشباً صالحاً تنال بركة من الله، ولكن أن أخرجت شوكاً.. فهى مرفوضة وقريبة من اللعنة التى نهايتها للحريق". وكلمة الله التى تزرع فينا ليست فقط هى كلمات الكتاب المقدس بل هى حياة المسيح كلمة الله، فأقول " لى الحياة هى المسيح " (فى 23:1) وأقول " مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىّ " (غل 20:2) ومن يحافظ على حياة المسيح فيه يخلص، فنحن " نخلص بحياته " (رو 10:5). أى نصير بذرة حية فيها حياة هى حياة المسيح، فحتى وإن متنا ودفننا نعود ونحيا فى مجد (1كو 35:15-45). آيات (1،2):- خرج يسوع من البيت.. وجلس عند البحر الجمع كله وقف. في ذلك اليوم خرج يسوع من البيت وجلس عند البحر. فاجتمع إليه جموع كثيرة حتى انه دخل السفينة وجلس والجمع كله وقف على الشاطئ. هو خرج من عند الآب (بيته السماوى) (يو 3:13) ليأتى للعالم (البحر) ولكنه فى السفينة (الكنيسة ليعلم شعبه) آية (3):- خرج الزارع ليزرع فكلمهم كثيرا بأمثال قائلا هوذا الزارع قد خرج ليزرع. بيت يسوع هو السماء، وقوله خرج من البيت إشارة لتجسده والبحر إشارة للعالم بأمواجه المتقلبة ومياهه المالحة التى من يشرب منها يعطش. والجمع الواقف أمامه يشير لكل العالم الذى أتى إليه يسوع الزارع ليزرع كلمته فى قلوبهم. ولكن انقسم الناس إلى أربعة أنواع 1) الطريق 2) الأرض المحجرة 3) أرض بها شوك 4) أرض جيدة إشارة لإستعداد كل نفس لتقبل كلمة الله = انظروا كيف تسمعون (لو 18:8). فالسيد تجسد وجاء ليعلم وأرسل روحه القدوس كماء يروى أرضنا العطشى، هو هياً لنا كل شىء، والسؤال الآن لنا كيف نسمع ؟ أنا بحريتى أضع نفسى فى أرض من الأراضى الأربع. ولاحظ أن رقم 4 يشير للعالم، فالمسيح أتى لكل العالم، هو قام بدوره فى الخلاص فهل أهتم أنا بخلاص نفسى وأسمع بجدية تعاليمه. ولاحظ فإن الباذر هو المسيح أو خدام المسيح (1كو 6:3-9) ومن (يو24:12) نجد أن السيد يشبه نفسه بحبة الحنطة التى تقع فى الأرض وتدفن لتموت وتقوم، فالمسيح أيضاً هو البذرة فهو كلمة الله يدفن فىّ ويقوم فىّ أى يعطينى أن أموت معه وأقوم معهُ، هو يعطينى حياته إذا قبلت أن أصلب معه (غل20:2). ولاحظ أنه لا يولد إنسان طبيعته محجرة، أوبها شوك، وإنسان آخر طبيعته جيدة، فكلنا خطاة ومرضى والسيد المسيح أتى ليغير طبيعتنا مهما كانت فاسدة ليعطينا أن نكون فيه خليقة جديدة (2كو 17:5). فلنصلى مع داود قائلين "قلباً نقياً إخلق فىّ يا الله" ثم نسمع بجدية وبإهتمام كلمة الله فى إنجيله. وليس المهم السمع فقط بل أن نسمع ونعمل (يع 21:1-25)، والأذن المفتوحة التى تريد أن تسمع وتتعلم ستسمع أى تُدرك كلمة الله المرسلة الحاملة لسر الحياة. 1) البذار التى تسقط على الطريق: ماذا يحدث للبذار التى تسقط على الطريق، إماّ تأكلها الطيور (متى ومرقس ولوقا) أو تدوسها الأرجل (لوقا فقط ). ثم يفسر السيد الطيور بأنها الشياطين التى تخطف ما قد زرع فى القلب. ولوقا وحده يعطى التفسير كيف يخطف إبليس ما يُزرع ؟ الطريقة بأن يعرض على الإنسان أفكاراً شهوانية أو أفكاراً إلحادية، فإذا جعل الإنسان حواسه مفتوحة لكل دنس أو يقبل كل فكر غريب إلحادى أو هرطوقى.. الخ.يكون مداساً للشياطين. الحواس المفتوحة بشغف للعالم تجعل القلب مداساً للشياطين، أماّ من يمنع حواسه عن الإنفتاح للعالم يكون الله له سوراً من نار فلا يدخل شىء ليدوس البذار ويميتها فى القلب (زك 5:2) هل يجرؤ الشيطان أن يدخل ليدوس والله سور يحمى هذه النفس؟! ولكن لمن يكون الله سوراً من نار؟ قطعاً لمن يصلب شهواته وأهواءه، لمن يُصْلَبْ مع المسيح، لمن يضع عينيه فى التراب ولا ينظر بشهوة، من يحيا كميت ويقول مع المسيح صلب (غل 20:2). ونلاحظ أن من يكون طريقاً يتقسى قلبه من دوس الأقدام، فالطريق يكون دائماً صلباً، وهذا يمثل القلب الذى تقسى بشهوات العالم، يسمع كلمة الله ولكن بدون إنتباه يتأثر بها مؤقتا وانفعاله عاطفى سريعاً ما يزول، ومع أول شهوة أو فكرة خاطئة، حالاً تموت كلمة الله فى قلبه.ولأن القلب قاسى يكون صعباً توبته (أرض لا تصلح للحرث) وإصلاح هذه الأرض يكون بالتوبة (يشبه هذا حرث الأرض) فيتفتت القلب، ويستعد لإستقبال كلمة الله ويخبئها فتأتى بثمر، والتوبة هنا هى بحفظ الحواس، قرار من الإنسان أن تصبح حواسه ميتة عن العالم حينئذ تتدخل نعمة الله، ويكون الله سوراً يحمى هذه النفس. فلننتبه إلى أصدقائنا وجلساتنا وطريقة أفراحنا ولهونا. مثال: شخص دخل الكنيسة وصلّى ودخلت كلمة الله فى قلبه كبذرة. فإذا خرج وذهب بإرادته لدار لهو أو سينما مثلاً، فالشيطان هنا يكون مثل الطير المستعد دائماً لخطف البذار ليأكلها، وما سيشاهده هذا الإنسان سيدوس كلمة الله، البذرة التى سقطت على الطريق، فهذا الإنسان هو الذى سمح لنفسه أن يكون طريقاً ومداساً. أماً لو ذهب هذا الإنسان إلى بيته وإستمر باقى اليوم مع الله، فهو بهذا يخبىء كلمة الله عن الطيور فتنمو فى داخله. فالفلاح أولاً (فى فلسطين ) يحرث الحقل ثم يبذر البذور ثم يحرثها مرة أخرى ليدفن البذار داخل التربة. لذلك علينا بعد أن تقع كلمة الله فى داخل قلوبنا أن ندفنها داخل قلوبنا بأن نمنع حواسنا عن التلذذ بالعالم، وقضاء حياتنا مع الله وفى حماية الله. البذار التى تسقط على أرض محجرة: البذار هنا سقطت على أرض بها أحجار كثيرة، إشارة لخطايا محبوبة مدفونة فى القلب. وتشير للقلب المرائى، فهى لها مظهر التربة الجيدة لكن داخلها خطايا مدفونة. وبالتالى فلم يكن هناك فرصة أن تمتد الجذور لتحصل على المياه من العمق =لم تكن له رطوبة (لوقا). ونلاحظ أن البذرة وقعت فى منطقة ترابها قليل فسبب الحرارة الشديدة (لقلة الرطوبة) تنمو البذرة بسرعة. ولكن أيضاً حرارة الشمس تجفف هذه الزراعة. فالشمس التى تفيد المزروعات العادية هى هى نفسها تحرق هذه الزراعة. لذلك طلب المسيح (ادخلوا إلى العمق ) (لو 4:5 ) ومن لهُ عمق ستكون لهُ رطوبة، أى من يدخل لعمق محبة الله (وهذا يأتى من عشرة الله فنكتشف لذة عشرته ونحبه)ومن يجب الله سيزداد إيمانه بالله، مثل هذا سيمتلىء من الروح القدس (الرطوبة) وسيكون له ثمار (غل 22:5-23) وسيمتلئ تعزية وصبر. ومن يمتلىء صبر سيحتمل التجربة، فالشمس هى التجارب المؤلمة. أما من يحيا حياة سطحية، يكتفى بالذهاب للكنيسة كما لقوم عادة (عب 25:10) دون أن يدخل فى علاقة وشركة حب مع المسيح، مثل هذا إن هبت التجارب عليه ينكر إيمانه إذ هو لم يتذون حلاوة المسيح، مثل هذا تحرقه التجارب ولنلاحظ أن التجارب التى تفيد المؤمن وتثبته، هى هى نفسها تحرق الإنسان السطحى الذى لم يتذوق حلاوة المسيح. وما الذى يجعل الإنسان يحيا فى سطحية إلاّ أنه أحب خطاياه ولا يريد أن ينقى حياته منها، مثل هذا الفلاح الذى لم ينقى أرضه من الحجارة الموجودة فيها، المختبئة داخلها. مثل هذا محتاج للتوبة، أى يترك خطاياه المحبوبة، ويغصب نفسه أولاً على أن يقيم علاقة صلاة ودراسة للكتاب المقدس، إلى أن يدخل للعمق، أى يكتشف حلاوة شخص المسيح. ولنلاحظ أن مثل هؤلاء السطحيين حين يسمعون كلمة الله يفرحون جداً ويبدو أنهم ينمون بسرعة جداً. لكن للأسف بسبب إصرارهم على عدم ترك خطاياهم المحبوبة يرتدون بسرعة. وغالباً تكون هذه الخطايا المحبوبة هى الكبرياء والذاتية. البذار التى سقطت على أرض بها أشواك الحبة التى تقع بين الشوك حين تنمو ينمو معها الشوك، يضرب جذوره حولها، يمتصها ويخنقها، يسرق نصيبها من التربة ومن الماء فتخرج صفراء عليلة ولا تعطى ثمر. والسيد المسيح شرح ما هو هذا الشوك فقال إنه هم هذا العالم وغرور الغنى. والغريب أن يجتمع هذان الإثنان، فهم هذا العالم يعانى منه الفقراء والضعفاء وهذا عكس الغنى والقوة، ولكن لو فكرنا قليلاً سنجد أن هم هذا العالم وغرور الغنى هما وجهان لعمله واحدة إسمها.. "عدم الإتكال أو عدم الثقة فى الله" فالفقير أو الضعيف الذى يحمل الهم ويعيش حزيناً خائفاً من الغد هو لا يثق فى الله ولا يعتمد عليه، لا يفهم أن الله هو ضابط الكل وهو أبوه السماوى القادر أن يعتنى به. وأيضاً المغرور بغناه، هو يعتمد على أمواله أو قوته أو مركزه، ولا يعتمد على الله (مر 24:10). ويكون عدم الثقة فى الله والإتكال عليه هو كشوك يخنق كلمة الله، أما المتكل على الله فنجده يحيا مسبحاً فرحاً، يفرح بكلمة الله ويتعزى بها، إذ لاشىء من الأشواك يمنع كلمة الله من تأدية عملها فى قلبه، والغنى الذى يعرف أن الله هو الذى يحميه وليس أمواله سيفرح بالله وتأتى الكلمة بثمارها فى قلبه. وشهوات سائر الأشياء (مرقس) مثل شهوة العظمة والقوة والسلطان والانتقام والمتعة. هنا يخرج الإنسان عن مفهوم أن يحيا فى العالم، أو يكون العالم أداة نعيش بها إلى مفهوم أن يكون العالم هدفاً ولو صار العالم هدف لا يصير الله هدف، ويكون هذا شوكاً يخنق الكلمة. فكلمة الله لو دخلت القلب ستجده مملوكاً لآخر وهو العالم. إذاً كل من حمل هم هذا العالم، وإنشغل بهمومه عن الفرح بالله. وكل من صار لهُ العالم أو الغنى أو الشهوات إلهاً آخر يبعده عن الله، كل هؤلاء لا تثمر فيهم كلمة الله. إذا فلنهتم بأن نحيا ونفكر فى أمورنا ولكن بدون هَمْ، نفكر بثقة فى أن الله سيتدخل فى الوقت المناسب. ولا مانع أن يكون للإنسان أموال ولكن يتصرف فيها بطريقة حكيمة ويعرف أن الله هو الذى يُؤمِّنْ له الحياة وليست أمواله. وعلى من يحمل هماً نتيجة ضيق أو ظلم أو مرض أن يجرى إلى الله ويصلى ويلقى همه عليه، حينئذ سيكتشف مع المرنم أنه "عند كثرة همومى فى داخلى تعزياتك تلذذ نفسى "مز 19:94" الأرض الجيدة : من الأمثال السابقة فالأرض الجيدة هى التى تدخل فيها البذرة للداخل ولا تكون أرضا صلبه لأنها مداس للناس والبهائم. وهى الأرض التى تنقت من الأحجار، فيكون هناك عمق، ولا تحيا النفس فى سطحية، بل تتذوق لذة العمق ولذة العشرة مع الله، ولكن عليها أن تترك خطاياها المحبوبة أولاً. وهى أرض عرفت الله فوضعت كل إتكالها عليه. فى مثل هذه الأرض يصعد الثمر وينمو =وتصعد النفس لتحيا فى السماويات والأرض الجيدة هى هبة الله لنا فى المعمودية، إذ يعطينا الروح القدس أن نولد بطبيعة جديدة جيدة على صورة المسيح، ويكون لنا الروح القدس مياهاً سمائية تروى أرضنا، ويسوعنا هو شمس البر الذى ينير على تربتنا فتثمر كلمة الله فينا. ولكن من يعود يفتح حواسه للعالم سيكون مداساً، أومن يعود ينفتح على العالم وخطاياه سيكون مداساً، أومن يحيا فى سطحية، أو يجرى وراء شهوات العالم، مثل هؤلاء سيعودون إلى طبيعة الإنسان العتيق، والإنسان العتيق لن يدخل ملكوت السماء "لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله (1كو 50:15)" الأرض الجيدة هى التى يتم حرثها، أى تقليبها فى ضوء الشمس، إذاً لنفحص ذواتنا يومياً فى ضوء كلمة الله، ونقدم توبة عن كل خطية يظهرها نور الله لنا. والبذار حتى تثمر يجب أن يكون هناك شمس، وشمس برنا هو مسيحنا، فهل نجلس أمام المسيح وقتاً كافياً فى صلاة ودرس للكتاب وفى خلوات روحية يومية لتثمر الكلمة فى داخلنا. ثلاثين وستين ومئة = (قيل ان هناك سنابل تثمر 30 حبة واخرى تثمر 60 حبة وثالثة تثمر 100حبة، وهذه تعبر عن درجات المؤمنين، هذا يعبر عن تفاوت الناس فى عبادة الله وممارسة الفضيلة والرحمة، وظهور ثمار الروح فيهم. (مت 24:13-30،36-43):- مثل الحنطة والزوان (مت 24:13-30):- قدم لهم مثلا أخر قائلا يشبه ملكوت السماوات إنسانا زرع زرعا جيدا في حقله. وفيما الناس نيام جاء عدوه وزرع زوانا في وسط الحنطة ومضى. فلما طلع النبات وصنع ثمرا حينئذ ظهر الزوان أيضا. فجاء عبيد رب البيت وقالوا له يا سيد أليس زرعا جيدا زرعت في حقلك فمن أين له زوان. فقال لهم إنسان عدو فعل هذا فقال له العبيد أتريد أن نذهب ونجمعه. فقال لا لئلا تقلعوا الحنطة مع الزوان وانتم تجمعونه. دعوهما ينميان كلاهما معا إلى الحصاد وفي وقت الحصاد أقول للحصادين اجمعوا أولا الزوان واحزموه حزما ليحرق وأما الحنطة فاجمعوها إلى مخزني. (مت 13: 36-43):- حينئذ صرف يسوع الجموع وجاء إلى البيت فتقدم إليه تلاميذه قائلين فسر لنا مثل زوان الحقل. فأجاب وقال لهم الزارع الزرع الجيد هو ابن الإنسان. والحقل هو العالم والزرع الجيد هو بنو الملكوت والزوان هو بنو الشرير. والعدو الذي زرعه هو إبليس والحصاد هو انقضاء العالم والحصادون هم الملائكة. فكما يجمع الزوان ويحرق بالنار هكذا يكون في انقضاء هذا العالم. يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الآثم. ويطرحونهم في أتون النار هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم من له أذنان للسمع فليسمع. يشبه ملكوت السموات=هو الكنيسة التى تنشر الإيمان ومعرفة المسيح. ليملك المسيح على قلوب شعبه فخدمة الكنيسة سواء كرازة أو وعظ أو تعليم هدفها وصول المؤمنين إلى ملكوت السموات. إنساناً زرع زرعاً جيداً = هو المسيح نفسه فى حقله= فى كنيسته. وفيما الناس نيام= لم يقل السيد وفيما الزارع نائم، فالمسيح لا ينام بل هو ساهر على كنيسته ويهتم بها. ولكن الناس هم الذين ينامون أى هم فى غفلة وتراخى وكسل وإهمال ونسيان الله، سواء رعاة وخدام أو رعية وشعب. ومضى = كأنه لم يفعل شئ مع أنه سبب الشر الموجود فى العالم فإبن الإنسان زرع فى العالم زرعاً جيداً هم بنو الملكوت، وجاء العدو خلسة وزرع زواناً وهم بنو الشرير. ففى وسط الكرازة يضع إبليس أراء هدامة ( هرطقات / فلسفات مخادعة إلحادية/ شكوك /شهوات /خطية) وهذه يمكن أن تنتشر إذا نام الناس أى لو تناسوا علاقتهم بالله من صوم وصلاة …الخ وإنشغلوا بملذات هذا العالم. وفجأة نجد هذه الأراء وقد إنتشرت أو أن أناساً أشرار خرجوا من وسط الكنيسة. والزوان يشبه الحنطة فى الشكل ويصعب تمييزه عنها فى البداية لذا نحتاج لحياة السهر والتدقيق لنميز أفكار الشر ولنحذر الثعالب الصغيرة التى تدخل ونحن نيام. والزوان ينمو مع الحنطة ولكنه لا يؤثر فى نموها فلا نضطرب إذا رأيناهما معاً. (وليس أمام الخدام سوى مخدع الصلاة) جاء عدوه=فإبليس هو عدو الله، هى حرب بين الله وإبليس، وهو يحارب أولاد الله. الحصاد=يوم الدينونة. الحصادين=الملائكة. لئلا تقلعوا الحنطة مع الزوان = مع كل إمكانيات الملائكة الجبارة فهم لا يعرفون المستقبل. والله يعمل فى قلوب البشر ويحول البعض من زوان إلى حنطة. فمثلاً لو سمح الله للملائكة بقلع الزوان لقلعوا شاول الطرسوسى بسبب شره ومهاجمته للكنيسة غير عارفين أنه سيتحول إلى أعظم حنطة. فالملائكة لا تعرف سوى ما يرونه الآن. والله يعطى فرصاً للتوبة لكل فرد حتى لو قرر التوبة يعطيه الله بنعمته طبيعة جديدة، فيتحول من زوان إلى حنطة. والزوان لو طحنت بذوره مع الحنطة فالدقيق يكون ساماً لذلك يجب حرق الزوان وهذا مصير الأشرار الذين لم يستغلوا فرص التوبة (رؤ 21:2-23). هنا نرى فى هذا المثل مزاحمة الباطل للحق فى هذا العالم ثم إنتصار الحق فى النهاية. ولكن على الكنيسة أن لا تتسرع وتحكم على إنسان بالقطع فلعله من نوع الزوان الذى يتحول إلى حنطة. على الكنيسة أن تعلم وتنير الطريق له. لكن لا يعنى هذا التهاون مع الذين يصرون على خطاياهم (1كو 9:5-13+2يو10). وجاء إلى البيت.. فتقدم إليه تلاميذه قائلين فسرلنا=المسيح يود أن يشرح لتلاميذه ويعطيهم كل أسرار الملكوت، لكن لا يعطى هذا إلاّ لمن يشتاق ويسأل ويطلب ويثابر، فهو لا يهب أسراره السماوية للمتهاونين. أما فى الأمور الأرضية (طعام/ملبس..) فهو يشرق بشمسه على الأبرار والأشرار ويمطر على الأبرار والظالمين (مت45:5). والبيت هو رمز للكنيسة حيث نجتمع بإسم المسيح فيحل فى وسطنا فرحاً بالمحبة التى فينا معلناً أسراره لنا. (مت 31:13،32+مر30:4-32) مثل حبة الخردل + (لو 18:13،19) (مت 31:13،32):- قدم لهم مثلا اخر قائلا يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله. وهي اصغر جميع البزور ولكن متى نمت فهي اكبر البقول وتصير شجرة حتى ان طيور السماء تأتى وتتاوى في أغصانها. (مر30:4-32):- وقال بماذا نشبه ملكوت الله أو بأي مثل نمثله. مثل حبة خردل متى زرعت في الأرض فهي اصغر جميع البزور التي على الأرض. ولكن متى زرعت تطلع وتصير اكبر جميع البقول وتصنع أغصانا كبيرة حتى تستطيع طيور السماء أن تتاوى تحت ظلها. (لو 13 : 18-19):- فقال ماذا يشبه ملكوت الله وبماذا أشبهه. يشبه حبة خردل أخذها إنسان وألقاها في بستانه فنمت وصارت شجرة كبيرة وتاوت طيور السماء في أغصانها. - فى مثل الزارع رأينا ثلاثة أقسام من البذار يهلك، وقسم واحد يخلص، بل فى مثل الزوان رأينا أن جزءاً من القسم الرابع يهلك، وحتى لا ييأس أحد يقدم السيد المسيح مثل حبة الخردل. هنا نرى حبة خردل صغيرة تنمو وتزداد وتصبح شجرة كبيرة وهذا يعنى.. 1. يشير للمؤمن الفرد إذ تنمو كلمة الله فى داخله ويتحول لشجرة يأوى إليها الآخرون. والملكوت ينمو فى القلب الهادئى وتدريجياً كنمو الحبة أو الخميرة. 2. يشير للكنيسة التى بدأت بشخص المسيح الذى ظهر فى صورة ضعف ومات على الصليب وترك 12 تلميذاً خائفين مضطهدين ولكنها نمت فى العالم كله وإنتشرت. 3. تشير للمسيح الذى تألم ودُفِنَ كما دفنت هذه البذرة (يو24:12) ولكن قام وأقام كنيسته فيه، كنيسة هى جسده الذى إمتد فى كل العالم. والبذرة فيها حياة تظهر بدفنها للموت، وهكذا الخميرة فى المثل القادم، فالحبة تدفن وتتحلل لتثمر، وهكذا كل من مات وصُلِبَ عن شهوات العالم، ويقبل المسيح فيه مصلوباً حاملاً شركة ألامه فيه، هذا ينعم بقوة قيامة المسيح فيه.حبة الخردل التى تُدفن فى الحقل إنما هى المسيح المتألم الذى يدفن فينا ويقوم شجرة حياة فى قلبنا. وحبة الخردل هذه الصغيرة لا تتحول لشجرة يأوى إليها الطيور ويستظل تحتها حيوانات البرية إلاّ لو دفنت فى الطين (موت عن شهوات العالم) طيور السماء=إشارة للأمم الذين آمنوا ودخلوا تحت ظلال الكنيسة المريحة. ولكن فى آية (19:13) نفهم أن الطيور تشير للشيطان، ونحن لا نندهش إذ يتسلل أبناء الشيطان إلى داخل الكنيسة (فهذا هو مثل الحنطة والزوان) إنسان وزرعها فى حقله= الإنسان هو المسيح وحقله هو العالم. وهذا المثل يشير لإزدهار الحق ونمو الملكوت بالرغم من مضايقات أهل العالم. فالحبة ألقيت فى الأرض، وأحاطت بها الظلمة، وضغط عليها الطين من كل جانب، ولكن الحياة الكامنة فيها إنطلقت لتصبح شجرة. ونلاحظ أن ملكوت الله يبدأ فى حياة الإنسان بمعرفة بسيطة عن الله مع بدايات التوبة، ولكن بعد ذلك يتحول ليشمل حب الله كل النفس فيعطى الإنسان حياته كلها لله. ملحوظة :- هناك بذور أصغر من حبة الخرول، فلماذا إختار المسيح الخردل؟ لأن شجرة الخردل تنمو من بعد وضع البذرة فى شهور قليلة. وكأن المسيح أراد أن يشير ضمناً لسرعة إنتشار الملكوت، مع الهدف الأساسى الذى هو الفارق الهائل ين حجم حبة الخردل والشجرة التى ستنمو. (مت 33:13+لو 20:13،21) مثل الخميرة : (مت 33:13):- قال لهم مثلا أخر يشبه ملكوت السماوات خميرة أخذتها امرأة وخباتها في ثلاثة اكيال دقيق حتى اختمر الجميع. (لو 13 : 20-21):- وقال أيضا بماذا أشبه ملكوت الله. يشبه خميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاثة اكيال دقيق حتى اختمر الجميع. بنفس مفهوم المثل السابق فالخميرة صغيرة فى كميتها، لكنها تمسك فى العجين كله وبسرعة تتفاعل معه وتهبه خواصها، هكذا تعمل فينا كلمة الله بنفس الطريقة، فإذا وضعناها فى قلبنا تجعلنا قديسين وروحيين، على أن لا نغلق القلب أمامها، بل نتجاوب معها ولا نعاند صوت الله داخلنا. بهذا تنتشر فينا رائحة المسيح وحبه ويسيطر الروح على الحياة كلها. وهذا العمل يتم فى الخفاء ثلاثة أكيال دقيق=رقم 3 هو رقم الأقنوم الثالث أى الروح القدس وهو رقم القيامة فالسيد قام فى اليوم الثالث. ولاحظ أنه فى اليوم الثالث خرجت الأرض من الماء وبدأ ظهور الحياة من شجر وثمار (تك 9:1-13) وهذا عمل الروح القدس داخل نفس كل إنسان إذ يخرج حياة فيه من بعد موت، وهذه الحياة هى الحياة المقامة مع المسيح، نحصل عليها أولاً فى المعمودية إذ نموت وندفن مع المسيح ونقوم معه مولودين من الماء والروح وتبدأ ثمار الروح تظهر فينا، وثانياً مع الخطية نعود لحالة الموت، لكن عمل الروح القدس الذى يبكت على الخطية، يعمل فينا وبالتوبة والإعتراف يعطى الروح القدس غفراناً للخطية فنعود من حالة الموت للحياة " إبنى هذا كان ميتاً فعاش" (لو24:15). والمرأة هى الكنيسة التى بأسرارها وبالروح القدس العامل فى هذه الأسرار تعطى حياة لأبنائها. وقد تشير المرأة لليهود الذين صلبوا المسيح، وبموته وقيامته أعطى الحياة لكل البشرية (الدقيق). والدقيق يشير للكنيسة كلها (1كو17:10). ونرى هنا فى هذا المثل دور الكنيسة التى من خلال حياة الشركة، ومن خلال الأسرار تعلن ملكوت السموات، فهى تقدم المسيح (الخميرة) والخميرة هنا تكون واهبة للحياة وتعطى صفاتها للعجين (الكنيسة) ليشبه العجين بالخميرة، أى تحمل الكنيسة سمات المسيح. ولاحظ أن الخميرة مأخوذة من الدقيق، والمسيح أخذ جسده من العذراء أى جسد بشريتنا، وأعطانا بعد ذلك جسده لنتحد به ونصير خبزاً واحداً (1كو 17:10).وقد تكون الخميرة هى تلاميذ ورسل المسيح، هو أعدهم ونشروا الإيمان فى العالم كله بسرعة، فأقاموه من موت الخطية إلى قيامة الحياة ( رقم 3)، وبعمل الروح القدس الأقنوم الثالث. وهذا ينطبق على أى مجموعة خدام نشطين روحياً يغيرون حياة الآخرين. (مت 34:13،35+مر 4 : 33-34):- (مت 34:13،35):- هذا كله كلم به يسوع الجموع بأمثال وبدون مثل لم يكن يكلمهم. لكي يتم ما قيل بالنبي القائل سأفتح بأمثال فمي وانطق بمكتومات منذ تأسيس العالم. (مر4 : 33-34):- وبأمثال كثيرة مثل هذه كان يكلمهم حسبما كانوا يستطيعون أن يسمعوا. وبدون مثل لم يكن يكلمهم وأما على انفراد فكان يفسر لتلاميذه كل شيء. فكما قلنا فى مقدمة الإصحاح أن الأمثال تزيد توضيح الأمور، وتدفع السامع للتفكير فتثبت الحقائق فى ذهنه. (مت 44:13) الكنز المخفى فى حقل أيضا يشبه ملكوت السماوات كنزا مخفى في حقل وجده إنسان فأخفاه ومن فرحه مضى وباع كل ما كان له واشترى ذلك الحقل. هذا المثل والمثلين الآتيين كانوا للتلاميذ وليس للجموع، فهم لمن يريد أن يدخل فى العمق حباً فى المسيح وليس لأى شخص. فى المثل السابق رأينا دور الكنيسة فى نشر ملكوت السموات، فالكنيسة تقدم شخص المسيح كسر الملكوت الحقيقى. وهنا نرى دور المؤمن وجهاده المستمر لإكتشاف المسيح "الكنز المخفى" فى الحقل. والكنز المخفى فى حقل يحتاج لمن يفتش عنه، يتعب ويبحث باذلاً كل الجهد ليجد هذا الكنز والحقيقة أننا فى جهادنا، سواء فى صلاة أو درس الكتاب المقدس إنما نجتهد لأن نعرف شخص المسيح، ونكتشف لذة العشرة معهُ، وهنا نملكه القلب كله فيمتد بهذا ملكوت السموات إلى قلبى. ومن يكتشف هذا الكنز سيبيع كل شىء آخر حاسباً إياه نفاية (فى 7:3،8) ولكن كما يحرف الإنسان فى حقل حتى يجد الكنز المخفى، فلنحفر فى آيات الكتاب المقدس، أى نجتهد أن نصل لأعماقها ونفهمها. فنكتشف شخص المسيح. ولاحظ أننا لن يمكننا أن نفرط فيما بين أيدينا من ولذات العالم ونبيعها، ما لم نكتشف أولاً هذا الكنز. فلندخل إلى مخدعنا ونصلى وندرس كلمة الله بهدف إكتشاف شخص المسيح كلمة الله، حينئذ سنبيع كل شىء أماّ من تلهيه ملذات العالم، رافضاً الجهاد فى الصلاة ودراسة كلمة الله سيظل هذا الكنز مخفياً بالنسبة لهُ. (مت 45:13،46) مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن: أيضا يشبه ملكوت السماوات إنسانا تاجرا يطلب لآلئ حسنة* 46 فلما وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن مضى وباع كل ما كان له واشتراها. اللؤلؤة الواحدة كثيرة الثمن هى شخص المسيح، وأماّ اللآلىء الحسنة هى العالم بملذاته. وهذا العالم لاشك لهُ إغراؤه وحلاوته وجذبه ولكن إذا إكتشفنا شخص المسيح سنكتشف فى الوقت نفسه تفاهة كل ملذات الدنيا (فى 7:3،8). المثل السابق يشرح أن من يجاهد ليكتشف شخص المسيح سيبيع كل شىء، وهنا نكتشف أن ما نبيعه كان قبل إكتشاف المسيح كلآلى فى نظرنا، ولكن بعد معرفة المسيح اللؤلؤة كثيرة الثمن، نكتشف أن ما كان فى نظرنا كلآلىء صار كنفاية. (مت 47:13-50) مثل الشبكة المطروحة فى البحر: أيضا يشبه ملكوت السماوات شبكة مطروحة في البحر وجامعة من كل نوع. فلما امتلأت اصعدوها على الشاطئ وجلسوا وجمعوا الجياد إلى أوعية وأما الاردياء فطرحوها خارجا. هكذا يكون في انقضاء العالم يخرج الملائكة ويفرزون الأشرار من بين الأبرار. ويطرحونهم في أتون النار هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. هذا المثل يشبه مثل عُرس إبن الملك (مت 1:22-14) الذى دعا إلى عُرس إبنه كل الناس ولكن أخيراً أخرج غير المستعدين لأن كثيرين يُدعون وقليلين ينتخبون (مت14:22). فالشبكة المطروحة هى الكنيسة التى يُدعى الكل إليها، والخدام هم الصيادون والبحر إشارة للعالم كله، يدخل الكل للكنيسة، ولكن هناك من يجاهد لكى يكتشف شخص المسيح فيبيع العالم لأجله، وهناك من يجذبه العالم فيبيع المسيح لأجله، أى لأجل العالم، فمن باع العالم لأجل المسيح فهؤلاء هم الحنطة، ومن باع المسيح لأجل ملذات العالم فهؤلاء هم الزوان والشبكة ستُسْحَبْ للشاطىء يوم الدينونة..فالشاطىء يشير لنهاية الزمان يوم يترك كل الناس البحر أى العالم " إليك يأتى كل بشر مز2:65" جلسوا = إشارة لجلوس الله على كرسى الدينونة. مت (51:13-53):- قال لهم يسوع أفهمتم هذا كله فقالوا نعم يا سيد. فقال لهم من اجل ذلك كل كاتب متعلم في ملكوت السماوات يشبه رجلا رب بيت يخرج من كنزه جددا وعتقاء. ولما اكمل يسوع هذه الأمثال انتقل من هناك. هذا الكلام موجه للتلاميذ الذين سيقومون بخدمة الكلمة، والسيد هنا يقول لهم أنهم لن يكونوا مثل كتبة اليهود متمسكين بحرفية الناموس دون خبرات روحية، إنما سيكونون بجهادهم وتفتيشهم عن شخص المسيح، وبعمل الروح القدس فيهم، لهم خبرات حية جديدة فى معرفة شخص المسيح اللؤلؤة كثيرة الثمن. سيكون لهم خبرات الكتاب المقدس بعهديه (جدداً وعتقاء) وسيكون لهم خبرات الأباء =عتقاً وخبراتهم هم الشخصية =جدداً. ويشبههم السيد برب بيت= فهم سيكونون رؤوساً لكنائس يعلمون شعبها من هذه الكنوز. وقد تكون عتقاً = العهد القديم وجدداً = العهد الجديد. (مت 54:13-58+مر1:6-6):- (مت 54:13-58):- ولما جاء إلى وطنه كان يعلمهم في مجمعهم حتى بهتوا وقالوا من أين لهذا هذه الحكمة والقوات. أليس هذا ابن النجار أليست أمه تدعى مريم واخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا. اوليست أخواته جميعهن عندنا فمن أين لهذا هذه كلها. فكانوا يعثرون به وأما يسوع فقال لهم ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته. ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم أيمانهم. (مر1:6-6):- وخرج من هناك وجاء إلى وطنه وتبعه تلاميذه. ولما كان السبت أبتدأ يعلم في المجمع وكثيرون إذ سمعوا بهتوا قائلين من أين لهذا هذه وما هذه الحكمة التي أعطيت له حتى تجري على يديه قوات مثل هذه. أليس هذا هو النجار ابن مريم وأخو يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان اوليست أخواته ههنا عندنا فكانوا يعثرون به. فقال لهم يسوع ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وبين أقربائه وفي بيته. ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة غير انه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم. وتعجب من عدم أيمانهم وصار يطوف القرى المحيطة يعلم. بهتوا وقالوا… أليس هذا هو إبن النجار=هؤلاء كانوا واقفين لا ليتعلموا بل ليحكموا عليه، أعجبوا بكلامه ولكنهم لم يستفيدوا بسبب كبريائهم الذى أغلق قلوبهم، فلم يروا فى المسيح سوى إبن نجار هم يعرفون عائلته، وكم من فلاسفة حتى الآن يحكمون على كلمات المسيح وتعاليمه بالعظمة ولكنهم لم يؤمنوا ولم يتذوقوا حلاوته، لأنهم جعلوا من أنفسهم حكاماً يحكمون عليه وقضاة يتحققون من كل كلمة قالها، ولم يفحوا القلب لهُ. وربما لم يقبله هؤلاء اليهود إذ إنتظروا المسيح ملكاً زمنياً، وكم من مرة نرفض المسيح ونهاجمه إذ لا يخلصنا بحسب الخطة التى نضعها نحن، وهذه هى نفس سقطة تلميذى عمواس (لو21:24)، فى نظر هؤلاء أن الفداء الذى تم على الصليب ليس هو الفداء المطلوب. فكانوا يعثرون فيه= فهو وضع لسقوط وقيام كثيرين (لو34:2 وهذا ما تنبأ إشعياء أيضاً عنه 14:8،15) إن كبرياء هؤلاء اليهود تصادم مع تواضع المسيح الذى ظهر كإبن نجار، فلم يقبل هؤلاء المتغطرسين أن يكون مسيحهم متواضعاً. وبسبب عدم إيمانهم هذا لم يستطيع المسيح أن يعمل قوات ومعجزات بينهم (مر5:6). أليس هذا هو النجار إبن مريم = يُفهم من هذا أن يوسف النجار كان قد تنيح. فى ذلك الحين وإلاّ كانوا قد ذكروا إسمه. يعقوب ويوسى.. إخوته= الكتاب المقدس يستخدم لفظ إخوة فى حالات القرابة الشديدة (تك 8:13 إبراهيم ولوط +تك 15:29 لابان ويعقوب). وهى تستخدم عند اليهود للتعبير عن أولاد العم والعمة والخال والخالة. وفى اللغة الأرامية تستخدم نفس الكلمة أخ لتعبر عن كل هذه القرابات. وهناك أراء كثيرة فى هذا الموضوع 1) هم أبناء زوجة أخرى ليوسف النجار 2) أولاد خالة للمسيح. ويعقوب هو رئيس كنيسة أورشليم وكاتب رسالة يعقوب ويهوذا كاتب رسالة يهوذا. وإخوته لم يقبلوه أولاً ثم عادوا وآمنوا (يو5:7). (مر 1:6) خرج من هناك (من كفر ناحوم) وجاء إلى وطنه (الناصرة) لكى يعطيهم فرصة أخرى. إن تواضع المسيح الذى بسببه تعثر اليهود فيه صار سبباً لإعجابنا به وحبنا لهُ، إذ نزل إلينا ليرفعنا إليه. شاركنا جسدنا وأعمالنا فبارك لنا كل شىء. ليس نبى بلا كرامة إلاّ فى وطنه = درج الناس على إكرام الغريب الذى لا يعرفونه، والتقليل من شأن القريب الذى يعرفون نشأته وأهله وغالباً مايكون هذا بسبب الحسد. والمسيح إستعمل مثلاً شائعاً قال فيه عن نفسه أنه نبى، إذ أن بعض الفئات فهموا أنه النبى الذى قال لهم عنه موسى (تث 15:18+ مر 27:8،28 + مر 15:6). ليس نبى بلا كرامة إلا فى وطنه= مثل معروف عند اليهود استخدمه السيد المسيح هنا. مر5:6 لم يقدر أن يصنع… من عدم إيمانهم= فعدم إيماننا قادر أن يغلق أبواب مراحم الله، أماّ الإيمان فيفتح كوى مراحم الله.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث عشر أمثال المسيح * الكرازة فى وطنه (1) مثل الزارع ( ع 1 - 9 ) : ع 1 - 2 : " عند البحر " : هو بحر الجليل0تبعت الجموع المسيح كعادتهم ليتمتعوا بتعاليمه المحيية ، وإذ زاد عددهم ، وكان قريباً من شاطئ البحر ، دخل إحدى السفن وابتعد بها قليلاً عن البر ، فصارت منبراً له يتحدث منه ، بينما جلست الجموع على الشاطئ لتستمع إليه0كم هى بساطة المسيح واتضاعه ! إنه يعلّم فوق الجبل ، أو على الشاطئ ، أو يقف فى سفينة يعتبرها منبراً لتعاليمه0فأهم شئ عنده هو أن يكسب محبة الجموع ، ويوصل إليهم تعاليمه الروحية0لقد خرج من " البيت " الذى كان مقيماً فيه ، وهو يرمز للكنيسة التى خرج منها إلى العالم ليفتقد شعبه ، ودخل إلى " البحر " الذى يرمز إلى العالم ، ولكنه وقف فى " سفينة " وهى ترمز إلى النفس البشرية التى يسكن فيها ، ويُظهر ذاته منها للآخرين ، كما يفعل من خلال أولاده المؤمنين الذين هم نور للعالم0 ع 3 : " كلمهم كثيراً " : يُفهم أنه أعطى أمثلة كثيرة ، ذُكر بعضها فى الكتاب المقدس0 " أمثال " : وهى توضيح للحقيقة الروحية بقصة عملية واقعية ، لتقريب المعنى إلى ذهن السامع0 " الزارع " : هو الله0إستعمل الزارع البذور ، وهى كلمته التى يعطيها للأراضى المختلفة ، التى تمثل أنواع البشر ، كل واحد يختلف عن الآخر فى تقبّله لكلامه0إن الزارع قد خرج ليزرع ، فالله عمله هو الخير ، يلقى كلمته إلى الكل لعلها تثمر0وكذلك أولاد الله ، عملهم هو صنع الخير مع الكل ، بغض النظر عن مدى تجاوب الآخرين مع هذا الخير0 ع 4 : أول نوع من الأراضى هو الطريق الزراعى الذى يمر بجوار الحقول ، وهو مرتفع عنها وصلب وغير معد للزراعة ، ويداس دائماً بأقدام المارة0إنه يشير للنفس البشرية المتكبرة والغير معدة بالحرث لقبول كلمة الله ، أى فحص النفس والتوبة0وهو صلب ، فيشير لصلابة القلب ورفض كلام الله ، ويداس من الكل ، أى تدخل إليه كل شهوات العالم ، فهو بلا أسوار تحميه ، أى غير محصن بالكنيسة ، فعندما أُلقيت إليه كلمة الله ، فرح بها سريعاً ولكن لم يتقبلها القلب ، بل سريعاً ما انقضَّت عليها طيور السماء وأكلت البذور0والطيور تشير إلى الشياطين التى تسرق الكلمة ، لأن القلب يتأثر مؤقتاً ، وسرعان ما يفقد هذا التأثر ، لأجل كبريائه وعدم توبته عن شهواته المختلفة0 ع 5 - 6 : النوع الثانى من الأراضى هو الأرض المحجرة ، ولكن لها طبقة سطحية رقيقة من التربة ، فمنظرها كأنها أرض زراعية جيدة ، وحقيقتها أنها حجارة ترفض كل زراعة فيها0وهى تشير إلى قساوة القلب كالحجر ، وإلى عبادة الأوثان الحجرية ، أى عبادة أموال ومراكز هذا العالم ، التى هى بمثابة أصنام يتعلق بها الإنسان ، فمع أن له تربة سطحية تنمو فيها البذور قليلاً ، لكن عندما تحاول الجذور أن تمتد ، لا تستطيع بسبب الحجارة ، وحينما تشرق الشمس تجف هذه النباتات الصغيرة وتموت0وهى ترمز أيضاً للنفوس المرائية ، التى لها مظهر التربة الجيدة وحقيقتها حجرية0وترمز للقلوب المتعلقة بالعالم ، التى تقبل الكلمة لفترة وجيزة ، وعندما تأتى عليها التجارب ، مثل أشعة الشمس ، تجف سريعاً وتموت كلمة الله فيها ، فهى قلوب قاسية أنانية لا تحب الله من الداخل0 ع 7 : النوع الثالث من الأراضى هو تربة جيدة صالحة للزراعة ، ولكنها ممتلئة أشواكاً ، أى اهتمامات القلب بالعالم وشهواته0فعندما تُلقى إليها كلمة الله تنمو ، ولكن نمو الأشواك والحشائش الغريبة أقوى منها ، فيزاحم جذورها فى الأرض فلا تجد غذاء ، وتغطيها الأشواك والحشائش من فوق ، فلا تصل إليها أشعة الشمس ، فتخنقها وتموت0وهى تشير إلى خطورة الإحتفاظ بشهوات الخطية فى القلب ، لأنها تعطل عمل كلمة الله ، فلا يستفيد منها الإنسان0والعلاج طبعاً هو التوبة ونزع أشواك الخطية ، فتستطيع الكلمة أن تؤثر فى هذه النفوس0 ع 8 : النوع الرابع من الأراضى هو الأرض الجيدة الصالحة للزراعة ، فإن أُلقيت إليها كلمة الله ، تنمو وتأتى بثمار0وتختلف كمية الثمر بحسب خصوبة الأرض وتجاوبها مع الكلمة ، فكلهم أبناء الملكوت ، ولكن نجم يمتاز عن نجم بكيفية استفادته وتطبيقه لكلمة الله0 ع 9 : أكد المسيح أهمية استماع كلمته بالأذنين ، أى الأذن الخارجية ، والأذن الداخلية وهى القلب ، لفهم وتطبيق الكلمة0 + الله يقدم محبته ونعمته لكل الناس ، ولكن المهم أن تتجاوب معها ، فلا ترفض كلام الله الذى يرسله لك سواء فى الكتاب المقدس أو تعاليم الكنيسة وإرشادات أب إعترافك ، أو على ألسنة المحيطين بك0إقبل الكلمة لك وليس لتعليم الآخرين ، وحاول تطبيقها فى حياتك ، وثق أن كل جهاد فى تنفيذ كلمة الله غالٍ جداً عنده ويساندك لتكميله ، ويكافئك عليه0 (2) أهمية الأمثال ( ع 10 - 17 ) : ع 10 - 12 : " تقدم " : بعد انصراف الجموع ، بقى عدد قليل تقدموا نحو المسيح ليسألوه0 " التلاميذ " : هم الإثنا عشر ومجموعة أخرى قليلة من الملتصقين بالمسيح ، كما يظهر من ( مر 4 : 10 ) ، وهم مثل السبعين رسولاً والمريمات0 " أُعطِىَ لكم " : نعمة خاصة تُعطَى للمهتمين بمعرفة الله0 " أسرار ملكوت السماوات " : أى كيف يملك الله على القلب ، فمعرفة الله فوق العقل الإنسانى ، ولكن الله بنعمته يعطى فهماً للمستعدين أن يقبلوه0 " أولئك " : الغير مهتمين بكلام الله ، لانشغالهم بالماديات ، فمعرفتهم دائماً سطحية0كلم المسيح الجموع بأمثال قريبة من حياتهم ، ليفهموا فكرتها وتؤثر فيهم ، لأنهم بقساوة قلوبهم سيرفضون الكلام المباشر ، ولكن الأمثال التى من حياتهم قد يقبلونها ، فيخضعون لكلمة الله0أما التلاميذ ، فلأجل استعدادهم لطاعة المسيح ، فسّر لهم الأمثال بكلام روحى مباشر ، فمن له استعداد روحى يُعطَى معرفة بالله أكثر وأكثر0أما من ليس له استعداد ويظل يرفض ، فحتى المثل لا يفهمه وسيرفضه ، والفهم الروحى القليل الذى عنده ، سيفقده بكبريائه وتعلقه بالعالم المادى0 ع 13 - 15 : " مبصرين لا يبصرون ، وسامعين لا يسمعون " : رغم رؤيتهم للمسيح وسماعهم تعاليمه ، لا يدركون أعماق الكلام ليطبّقوه فى حياتهم ، بل يكتفون بالمعرفة السطحية0وأكثر من هذا ، أنهم قد يرفضون الكلام ومعانيه الروحية ، لأجل تعلقهم بشهواتهم المادية وكبريائهم0 " قلب هذا الشعب قد غلظ " : أى ارتبط بالشهوات الأرضية ، ولم يعد رقيقاً قابلاً للتأثر بكلام الله0 " ثقل سماعها " : أى صاروا عاجزين عن فهم كلام الله ، لأن الشهوات قد صمَّت آذانهم ، ولا يريدون أن يسمعوا إلا ما يرضيهم0 " أشفيهم " : أى أقبل توبتهم ، وأصلح حياتهم فتصير روحانية0مع أن هذه الجموع لها عيون خارجية ، وآذان تميز الحروف ، إلا أن قلوبهم ترفض الله ، فقد انتظروا بحسب النبوات المسيا المنتظر ، وعندما تجسد المسيح وجاء إليهم ، رفضوه لقساوة قلوبهم وكبريائهم ، وتعلقهم بالمُلك الأرضى والكرامة ، ففقدوا الفهم الروحى ، كما تنبأ عنهم نبيهم العظيم إشعياء ( 6 : 10 )0 ع 16 - 17 : يمدح المسيح تلاميذه لأجل فهمهم لكلامه ، وتمتعهم برؤيته ، وإيمانهم أنه هو المسيا المنتظر ، بل يعلن لهم أن ما نالوه من شرف رؤيته تمناه أنبياء وأتقياء كثيرون فى العهد القديم ولم يروه ، بل نالوا فقط شرف التنبؤ عنه ، وانتظروا الوعد بإتمامه ونفوسهم مربوطة فى الجحيم ، حتى يأتى ويتمم الفداء عنهم ويخلّصهم0 + هذا ما تعانيه يا أخى اليوم فى الكنيسة ، بل تناله جسداً ودماً حقيقياً ، وتتمتع بسماع كلمة الله فى الكتاب المقدس ، الذى اشتهى كل رجال الله فى العهد القديم أن يعاينوه ، فتمتع به ، لتحيا به وفيه ، واحرص على حضور القداسات من بدايتها ، ونوال بركة الإعتراف والتناول دائماً0 (3) تفسير مثل الزارع ( ع 18 - 23 ) : تم شرحه عند تفسير المثل ( ع 1 - 9 ) ، وإليك تفسير بعض الكلمات المذكورة لزيادة التوضيح : ع 18 - 19 : " كلمة الملكوت " : كلمة الله التى إن فهمتها وطبقتها ، يصبح قلبك معداً لمُلك الله عليه0 " لا يفهم " : يرفض أن يفهم كلام الله ، لانشغاله بالماديات0 " الشرير " : الشيطان0 " يخطف " : أى يكون تأثره مؤقتاً جداً ، كانفعال عاطفى ويزول سريعاً ، ولا يطبق شيئاً مما سمعه فى حياته0 ع 20 : " حالاً يقبلها " : التأثر السريع بكلام الله ، والنية لتطبيقه والبدء فى ذلك0 ع 21 : " ليس له أصل فى ذاته " : لم يجاهد فى طريق الله لتنفيذ كلامه مدة طويلة ، أى أن تأثره عاطفى سطحى ، والقلب ضعيف نتيجة حياته المنشغلة بالعالم0 " ضيق أو اضطهاد " : أى مشاكل تحاول منعه من الإستمرار فى تنفيذ الوصية0 " يعثر " : أى يترك وصايا الله ، ويعود لحياته المرتبطة بالعالم0 ع 22 : " همُّ هذا العالم " : القلق والإنشغال بتحصيل الماديات والشهوات المختلفة0 " غرور الغِنى " : الكبرياء نتيجة ما يقتنيه الإنسان من ماديات ، فيشعر أنه أفضل من غيره0 " يخنقان الكلمة " : أى ليس هناك مكان فى القلب لمحبة الله ، لأنه انشغل بالشهوات الرديّة0 " بلا ثمر " : أى لا تظهر فضائل فى حياته0 ع 23 : " الجيدة " : أى التى تم حرثها ثم تسميدها وريّها ، بمعنى فحص الإنسان نفسه والتوبة ، وكذلك الجهاد الروحى فى استخدام وسائط النعمة من أسرار وممارسات روحية0 " يسمع الكلمة ويفهم " : أى يهتم بالتطبيق العملى وليس المعرفة النظرية فقط0 " يأتى بثمر000مئة وآخر ستين وآخر ثلاثين " : درجات فى التجاوب والجهاد الروحى فتنتج عنها فضائل ، بل تزداد نعمة الله للمتجاوبين المجاهدين ، فيظهر هذا التمايز بينهم فى القداسة0 (4) مثل زوان الحقل ( ع 24 - 30 ) : ع 24 : " ملكوت السماوات " : أى مُلك المسيح الآتى من السماء ، ليملك على قلوب أولاده0الإنسان : هو الله ، الذى خلق جميع البشر على صورته ومثاله ، ليحيوا معه إلى الأبد فى ملكوته ، ويثمروا أعمالاً صالحة0 ع 25 : " نيام " : نوم المسئولين عن الزراعة ، أى الكهنة والخدام ، ومعناها عدم السهر الروحى والعناية بالشعب0العدو : هو الشيطان ، وهو ليس عدواً للكرامين أو الحنطة ، بل لله وكل أولاده0استغل فرصة نوم الكرامين المسئولين عن الحقل ، وبذر بذور الزوان ، وهى تشير إلى الهرطقات التى يدسها أصحاب البدع فى قلوب بعض الناس ، فيبعدوهم عن الله0أو ترمز إلى خطايا وشهوات تنجس الناس ، فيصيروا أشراراً لا يعطون الثمار الصالحة التى كان الله ينتظرها منهم0 " زواناً " : بذور مشابهة لبذور الحنطة ، ولكنها حشائش تضر النبات الأصلى ، أى القمح0 " الحنطة " : القمح0 " مضى " : فى الخفاء ، وكأنه لم يفعل شيئاً ، مع أنه سبب الشر الموجود فى العالم0 + أخى الحبيب000كم هو ضرورى لكل منا أن يكون منتبهاً روحياً ، حتى لا يقبل أفكاراً شريرة أو شهوات تبعده عن الله ، وإن كان خادماً يهتم بمن يخدمهم ، حتى لا يتحولون إلى زوان ويبعدون عن الله0 ع 26 : عندما نمت البذور ، ظهرت نباتات الزوان ، أى الحشائش الغريبة ، مختلفة عن الحنطة000فمن ثمارهم تعرفونهم ، فالقمح أعطى سنابل ، أما الزوان ففى بدايته متشابه كنبات صغير مع القمح ، ولكن لما كبر ، لم تظهر عليه سنابل القمح المعروفة000فأولاد الله أعمالهم صالحة ، والأشرار أعمالهم شريرة0 ع 27 - 28 : " عبيد رب البيت " : هم الخدام الروحيون ، سواء الأساقفة أو الكهنة أو كل من يخدم فى الكنيسة ، وقد لاحظوا أن هناك أشرار فى العالم بعيدين عن الله ، لاختلاف ثمارهم عن سنابل القمح المحبوبة ، واندهشوا جداً لهذا التغيّر ، فقد كانوا يتوقعون ثماراً صالحة من كل النباتات ، لأن كل زراعة الله جيدة0وعندما استفسروا عن سبب وجود الزوان ، أعلمهم رب البيت أن " العدو " ، أى الشيطان ، " فعل هذا " ، ووضع بذوراً فى الحقل ، أى وضع شراً فى قلوب بعض البشر ، فابتعدوا عن الله ولم يعطوا ثماراً صالحة0فسألوه : هل ينزعوا نباتات الزوان من بين الحنطة ، أى يحكموا بالهلاك على الأشرار الذين فى العالم ؟ ع 29 : رفض الله نزع الزوان ، لئلا يضروا بنبات القمح الأصلى ، بالإضافة إلى أن إهلاك الأشرار يُفقدهم الفرصة الكافية للتوبة ، وقد يخيف أو يزعج أولاد الله ، لأنهم يرون فى إلههم الحب والحنان0فإن أهلك الأشرار كلهم ، يرتعبون ويعجزون عن التوبة والجهاد بسبب الخوف الشديد0فبطرس الناكر تاب وصار كارزاً ، ومتى العشار صار تلميذاً ، وبولس شاول عدو المسيحية اللدود ، صار خادماً لها ، فشرّفته بلقب " الرسول "0لذا لم ينزع الله الزوان ، لعله بالتوبة يتحول إلى حنطة0إذن الأشرار نوعان : نوع مُصِرٌّ على شرّه وهذا سيهلك ، والنوع الآخر سيتوب ويخلُص0فلا ننزع الزوان لئلا ننزع الحنطة معه ، أى أولاد الله الذين سقطوا فى الخطية وصار شكلهم كالزوان ، ولكنهم سيتوبون ويعودوا يعطون ثماراً صالحة ، أى يصيروا حنطة جيدة0 + إنتهز فرصة الحياة لتتوب وتُلقى عنك بذور الزوان ، فيصير لك ثمار صالحة وحياة نقية مع الله0 ع 30 : أمر الله أن تأخذ كل النباتات فرصة كاملة للنمو ، لِيُمتحن الأبرار برفضهم شرور الأشرار المحيطين بهم ، ولعل الأشرار يستنيرون بنور الأبرار ويتوبوا ويرجعوا إلى الله0ولكن ، إن أصر الأشرار على شرهم ، فبعد الموت يلاقون مصيراً فظيعاً ، وهو العذاب الأبدى الذى يُلقون فيه كحزم ( جماعات )0فكما اجتمعوا فى الشهوات الرديئة فى العالم ، يستمرون معاً فى العذاب الأبدى0أما الأبرار فيُجمعون إلى مخزن الله ، أى ملكوته ، لينعم كل واحد بعِشرة الله ، كلٍ حسب تعبه وثماره0 (5) مَثَلاَ حبة الخردل والخميرة ( ع 31 - 33 ) : ع 31 - 32 : حبة الخردل : هى أصغر الحبوب ، ولكن بدفنها فى الأرض ، تحاط بالظلمة والتراب ، وتحتمل هذا0ورغم ضعفها الظاهر ، يعمل فيها الروح القدس فينميها ، وتصير شجرة عظيمة أكبر من أشجار باقى البقول زميلاتها0ومن كبرها ، تستطيع الطيور أن تجد فيها مكاناً لأعشاشها0وترمز حبة الخردل للمسيحى أو المسيح الذى يحتمل الآلام والموت ، فتصير له حياة عظيمة فى السماء0وباحتمال الألم وحمل الصليب ، ترتفع أفكار الإنسان وتصير سمائية مثل الطيور السابحة فى السماء0وترمز حبة الخردل لبشارة الإنجيل ، والكنيسة التى بدأت كجماعة صغيرة داخل اليهودية ، وخلال سنوات إنتشرت فى العالم كله ، واحتوت نفوس كثيرة آمنت وصارت تسبح الله مثل الطيور0إن حبة الخردل مثل الإيمان الذى يُمتحن فى الضيقات ، فينمو ويصير شجرة عظيمة0 ع 33 : المرأة : ترمز للكنيسة التى تخبئ الخميرة ، أى المسيح ، فبتجسده يحيا فى وسطنا ، فيحول " الدقيق " الذى هو البشرية إلى مؤمنين نشطين روحياً ، يؤثرون فى غيرهم ويجذبونهم للإيمان0 " ثلاثة أكيال " : تشير للروح والنفس والجسد ، أى المسيح عندما أخذ طبيعتنا البشرية ، إرتفع بنا إلى طبيعة روحية بفدائه وعمل روحه القدّوس فينا0وقد ترمز المرأة إلى اليهود الذين صلبوا المسيح ، وهكذا بموته ودفنه ، جدد الطبيعة البشرية لتحيا معه0كما يمكن أن ترمز المرأة إلى الله الذى وضع الخميرة أو الكنيسة فى العالم ، أى الدقيق ، فجذبت النفوس للإيمان ، وانتشرت فى المسكونة كلها بهدوء ومحبة0 + إحتفظ بكلمة الله داخلك ، وطبقها فى حياتك لتعمل فيك وتغير أفكارك وسلوكك ، وداوم على التأمل فيها ليستمر تجديد حياتك0وحينئذٍ ستؤثر فيمن حولك دون أن تشعر ، وتجذبهم للحياة مع الله0 (6) التعليم بالأمثال ( ع 34 - 35 ) : ع 34 : فى هذا الوقت ، كانت تعاليم المسيح كلها بأمثال0أما قبل هذا أو بعد ذلك ، فكانت تعاليمه مباشرة ، أى أنه إستخدم كل طرق التعليم0 ع 35 : " النبى " : أى الرائى ، وهو آساف0 " مكتومات " : تدابير الله الروحية لخلاص الإنسان ، والتى كان صعباً على الإنسان أن يفهمها من أجل خطاياه ، فيعلنها المسيح فى العهد الجديد ، وهى محبته للبشرية والتى فى قلبه منذ أسس العالم وخلق الإنسان0تعوّد متى أن يؤكد كلامه بنبوات ، لأنه يخاطب اليهود العارفين بالكتب المقدسة ؛ وقد قال الله هذا فى ( مز 78 : 2 ) " أفتح بمثل فمى ، أذيع ألغازاً منذ القِدَمِ "0 + محبة الله لك كبيرة جداً منذ الأزل ، ويريد أن يعلنها لك إن كنت تفتح قلبك وتهتم بأن تسمعه0وتستطيع ذلك من خلال سعيك نحوه بقراءة الكتاب المقدس ، والإرتباط بالكنيسة ، وسماع العظات الروحية ، واهتمامك أن تتعلم من الكل وخاصة الآباء والإخوةالروحيين0 (7) تفسير مثل زوان الحقل ( ع 36 - 43 ) : " البيت " غالباً بيت سمعان بطرس0 " تلاميذه " : الإثنا عشر مع الملتصقين به0 " ملكوته " : أى العالم الذى خلقه الله ليملك عليه ، ولكن الأشرار رفضوا ملكه0 " المعاثر وفاعلى الإثم " : الأشرار الذين بشرّهم يعثرون غيرهم ويسقطونهم فى الشر0 " أتون النار " : العذاب الأبدى المعد للأشرار0 " البكاء وصرير الأسنان " : يعنى الندم الذى لا ينتهى ، والغيظ والألم الذى يعانونه فى العذاب الأبدى0 " كالشمس " : أى فى بهاء ومجد ونورانية0 " ملكوت أبيهم " : الملكوت الأبدى الذى يتمتع فيه أولاد الله بعِشرة أبيهم السماوى0طلب التلاميذ من المسيح أن يفسر لهم مثل زوان الحقل ، ففسره لهم ، لأن العطايا الروحية لا تُعطَى إلا لمن يهتم بها ويسألها من الله ، أما العطايا المادية فالله يعطيها للكل ، فهو المشرق شمسه على الأبرار والأشرار0وأولاد الله يضيئون كالشمس أو الكواكب فى ملكوت الله ، أبوهم السماوى الذى أحبوه وثبتوا فى الإيمان به طوال حياتهم ، فهو يضئ عليهم بنوره ، ويمجدهم فى السماء0 (8) مَثَلاَ الكنز المخفى واللؤلؤة الكثيرة الثمن ( ع 44 - 46 ) : الأمثال الثلاثة الآتية ، قالها المسيح لتلاميذه ومحبيه المقرّبين فى البيت ؛ أما الأربعة السابقة فكانت لكل الجموع0والسبب فى ذلك ، أن الثلاثة الأخيرة تدعو الإنسان الروحى لترك انشغالات العالم من أجل محبة الله ، ثم تشجعه بالمكافأة السمائية فى المثل الأخير0فهى أمثال تخاطب أولاد الله المرتبطين بكنيسته ، وليس العالم كله0 ع 44 : الكنز : يرمز للمسيح الذى فى الكتاب المقدس0الحقل : يرمز للكتاب المقدس0 " من فرحه " : التعزيات الروحية التى ينالها الإنسان من خلال الممارسات الروحية ، والتى تدفعه إلى أن يتنازل عن كل شئ ليظل متمتعاً بهذا الإحساس الروحى0ولكيما نقتنى الكتاب المقدس فى قلوبنا ، ونحيا به ، ونتمتع بالمسيح الذى فيه ، ينبغى أن ننزع من قلوبنا تعلقاتنا المادية ، ونكون مستعدين للتنازل عن أى شئ منها ، وبهذا نتشبه بيوسف الذى ترك ثوبه فى يد إمرأة سيده ، وقَبَلَ أن يُلقَى فى السجن ، فارتفع إلى عرش مصر وصار له الغِنى والسلطان ، بل وزع الخيرات على العالم كله المحيط به0والحقل يرمز أيضاً للمسيح ، والكنز لكلماته العميقة التى يفهمها المؤمن الخاضع للروح القدس ، وهو الذى لا يتعلق بالعالم وكل مقتنياته ، فتتفرغ روحه لفهم الله ، وبهذا يملك الله على القلب ، ويكون للمؤمن نصيب فى ملكوت السماوات0 ع 45 - 46 : " اللؤلؤة " الوحيدة الكثيرة الثمن هى محبة المسيح ، وهذا " التاجر " هو الإنسان الروحى الذى يبحث عن الحق ، ويحاول إقتناء اللآلئ ، أى الفضائل0ولكن محبة المسيح تفوق كل فضيلة ، وبالطبع ، تفوق كل مقتنيات العالم ، وكذلك كل الشهوات المادية مهما بدت مبهرة0ومن كثرة انبهاره بمحبة المسيح ، يتنازل عن كل ما فى العالم ويعتبره نفاية ، لكيما يربح المسيح0وحينئذٍ ، يملك على قلبه عربوناً للملكوت الأبدى0 + لا تنشغل بأمور العالم واحتياجات الجسد والمغريات المختلفة عن خلاص نفسك ، بل أعطِ أولوية لعلاقتك بالله ، وإن تعارضت الأمور العالمية مع حياتك الروحية ، فكن قوياً وتنازل عنها لتنال خلاص نفسك ، وتنعم بخدمة الآخرين لتربحهم بالمحبة للمسيح0 (9) مثل الشبكة المطروحة فى البحر ( ع 47 - 50 ) : هذا هو المثل السابع والأخير فى كلام المسيح أثناء ذلك اليوم ، وتحدث عن صيد السمك ، إذ أن بعض تلاميذه كان عملهم هو صيد السمك ، فيسهل عليهم فهم ما يقصده0الشبكة المطروحة : هى المسيح أو الكنيسة التى تدعو الكل للإيمان ، فيدخل فيها مؤمنون من العالم كله ، إذ يجدون فيها الخلاص من الشر0 " البحر " : يرمز للعالم المملوء بالإضطراب والشرور ، ويحيا فيه أيضاً أولاد الله0 " جامعة من كل نوع " ترحب الكنيسة بكل الناس الذين يؤمنون رغم اختلاف طباعهم ، لكن بعضهم صادقون فى الإيمان ، والآخرين مراءون يكتفون بالمظاهر الدينية ولم يتوبوا عن خطاياهم بالحقيقة0ويعيش الكل طوال عمرهم فى الكنيسة دون أن يفرزهم الله ، ليعطى فرصة كاملة لتوبة الأشرار وثبات الأبرار0 " لما امتلأت " : أى عند انتهاء عمر البشرية ومجئ يوم الدينونة0 " أصعدوها على الشاطئ " : أى إرتفعت كل الأرواح لتدان أمام الله فى اليوم الأخير0 " جلسوا " : أى جلس الله الديّان العادل ومعه ملائكته ليدين كل البشر0 " الجياد " : أى الأبرار الذين ثبتوا فى الإيمان والقداسة كل أيام حياتهم0 " أوعية " : المنازل العظيمة فى المجد ، الموجودة فى ملكوت السماوات ، والمعدة لأولاد الله0 " الأردياء " : الأشرار الذين تظاهروا بعلاقتهم مع الله ، مع تهاونهم وإصرارهم على الخطية0 " خارجاً " : أى خارج الملكوت السماوى الأبدى0 + إن العمر فرصة للتوبة لتثبت فى بنوتك لله ، فلا تنزعج من كثرة سقطاتك ، ولكن المهم التوبة السريعة0وفى نفس الوقت ، حاول أن تتمتع بوسائط النعمة فى الكنيسة ، لتعوّض ما فاتك وتتقوَّى وتثبت فى الحياة الروحية0 (10) الكاتب المتعلم ( ع 51 - 53 ) : ع 51 : تأكد المسيح من فهم تلاميذه لأمثاله ، حتى يطبقوها فى حياتهم0 ع 52 : أوضح المسيح لتلاميذه كيف يكونون كتبة متعلمين بالحقيقة ، كلمة الله ، وليس مثل الكتبة اليهود المهتمين بنسخ الأسفار المقدسة بعناية وتدقيق فى الحرف ، وليس العمل بها0فشبّه الكاتب الروحى ، المتعلم كلام الله ، بإنسان له بيت وهو حياته المعتمدة على كلمة الله ، ويُخرج من الكتاب المقدس معانى مفيدة ، سواء من " الجُدُد " ( العهد الجديد ) أو " العُتقاء " ( العهد القديم ) ، ليحيا بها ، وترشده فى حياته مع الله0 ع 53 : بعدما أكمل تعاليمه للجموع وتلاميذه بهذه الأمثال ، ترك المكان ، وذهب إلى موضع آخر ليكمل الكرازة0 + إهتم بقراءة الكتاب المقدس بعهديه ، لتحصل على معانى روحية تطبقها فى حياتك كل يوم000بهذا تعتنى بخلاص نفسك ، ثم يكون لك مما اختبرته ما تعلم به آخرين0 (11) الكرازة فى وطنه ( ع 54 - 58 ) : ع 54 : جاء يسوع إلى مدينة الناصرة حيث تربَّى ، فهو أحد مواطنيها ، ودخل مجمعهم اليهودى وعلّم تعاليمه القوية ، فتعجبوا جداً من قوة كلامه ومعجزاته0 +جيد للإنسان أن يهتم بالرعاية الروحية لأسرته وأقربائه ، وحتى لو كان هذا صعباً لرفضهم كلامه ، فيمكن أن يقدم هذه الرعاية بالصلاة لأجلهم ، والتعليم الغير مباشر مثل التحدث عما سمعه فى عظات الكنيسة أو قراءة فى الكتاب المقدس والكتب الروحية0وإن كان له دالة ، فليتحدث حديثاً مباشراً ، وإن لم يكن ، يمكن توصية بعض خدام الكنيسة أو الأحباء المرتبطين بالروحيات لجذبهم إلى الله0 ع 55 - 56 : تعجُّب اليهود لم يدفعهم إلى الإيمان ، بل اكتفوا بالتعجب فقط ، إذ هم يعرفون أصله أنه إبن مريم ويوسف النجار ، ويعرفون أيضاً أولاد وبنات خالته المذكورة أسماؤهم000أبناء مريم أخت العذراء زوجة كلُوبا ، وكان العرف اليهودى يعتبر أولاد الخالة وأولاد العم إخوة ( كما هو معروف الآن فى صعيد مصر )0فلم يتخيلوا أن المسيا المنتظر سيكون شخصاً عادياً يخرج من وسطهم ، مع أن النبوات تعلن هذا بوضوح0 ع 57 - 58 : من أجل انحصار ذهنهم فى أصله البشرى وأقاربه ، لم يستطيعوا الإيمان بلاهوته0وكان هناك مثلاً شائعاً عندهم بأن النبى بلا كرامة فى وطنه ، فلمعرفتهم بأصله تعوّدوا أن يعاملوه كإنسان عادى وليس متميزاً0ومن أجل ضعف إيمانهم ، لم يصنع إلا معجزات قليلة عندهم ، لأنهم لن يصدقوه0 + الله مستعد أن يعمل فى حياتك بحسب إيمانك وتمسكك به وطلبك له ، فافتح قلبك بالتلمذة والتعلم على يد من حولك ، ولا تستهن بأحد أفراد أسرتك أو معارفك ، فقد يكون الصورة الإلهية التى يقدمها لك الله ببساطة وسهولة ، لتتعلم منه ، حتى لو كان طفلك الصغير ، أو أى إنسان ذو مركز قليل0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح