كلمة منفعة
وسط زحمة الحياة ومشاغلها وضوضائها واهتماماتها الكثيرة ما أجمل أن يتفرغ الإنسان -ولو قليلًا- للجلوس مع الله، في جو التأمل، والصلاة، وانفتاح القلب على الله..
— في البرية والهدوء
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث عشر
أمثال المسيح * الكرازة فى وطنه
(1) مثل الزارع ( ع 1 - 9 ) :
ع 1 - 2 : " عند البحر " : هو بحر الجليل0تبعت الجموع المسيح كعادتهم ليتمتعوا بتعاليمه المحيية ، وإذ زاد عددهم ، وكان قريباً من شاطئ البحر ، دخل إحدى السفن وابتعد بها قليلاً عن البر ، فصارت منبراً له يتحدث منه ، بينما جلست الجموع على الشاطئ لتستمع إليه0كم هى بساطة المسيح واتضاعه ! إنه يعلّم فوق الجبل ، أو على الشاطئ ، أو يقف فى سفينة يعتبرها منبراً لتعاليمه0فأهم شئ عنده هو أن يكسب محبة الجموع ، ويوصل إليهم تعاليمه الروحية0لقد خرج من " البيت " الذى كان مقيماً فيه ، وهو يرمز للكنيسة التى خرج منها إلى العالم ليفتقد شعبه ، ودخل إلى " البحر " الذى يرمز إلى العالم ، ولكنه وقف فى " سفينة " وهى ترمز إلى النفس البشرية التى يسكن فيها ، ويُظهر ذاته منها للآخرين ، كما يفعل من خلال أولاده المؤمنين الذين هم نور للعالم0
ع 3 : " كلمهم كثيراً " : يُفهم أنه أعطى أمثلة كثيرة ، ذُكر بعضها فى الكتاب المقدس0 " أمثال " : وهى توضيح للحقيقة الروحية بقصة عملية واقعية ، لتقريب المعنى إلى ذهن السامع0 " الزارع " : هو الله0إستعمل الزارع البذور ، وهى كلمته التى يعطيها للأراضى المختلفة ، التى تمثل أنواع البشر ، كل واحد يختلف عن الآخر فى تقبّله لكلامه0إن الزارع قد خرج ليزرع ، فالله عمله هو الخير ، يلقى كلمته إلى الكل لعلها تثمر0وكذلك أولاد الله ، عملهم هو صنع الخير مع الكل ، بغض النظر عن مدى تجاوب الآخرين مع هذا الخير0
ع 4 : أول نوع من الأراضى هو الطريق الزراعى الذى يمر بجوار الحقول ، وهو مرتفع عنها وصلب وغير معد للزراعة ، ويداس دائماً بأقدام المارة0إنه يشير للنفس البشرية المتكبرة والغير معدة بالحرث لقبول كلمة الله ، أى فحص النفس والتوبة0وهو صلب ، فيشير لصلابة القلب ورفض كلام الله ، ويداس من الكل ، أى تدخل إليه كل شهوات العالم ، فهو بلا أسوار تحميه ، أى غير محصن بالكنيسة ، فعندما أُلقيت إليه كلمة الله ، فرح بها سريعاً ولكن لم يتقبلها القلب ، بل سريعاً ما انقضَّت عليها طيور السماء وأكلت البذور0والطيور تشير إلى الشياطين التى تسرق الكلمة ، لأن القلب يتأثر مؤقتاً ، وسرعان ما يفقد هذا التأثر ، لأجل كبريائه وعدم توبته عن شهواته المختلفة0
ع 5 - 6 : النوع الثانى من الأراضى هو الأرض المحجرة ، ولكن لها طبقة سطحية رقيقة من التربة ، فمنظرها كأنها أرض زراعية جيدة ، وحقيقتها أنها حجارة ترفض كل زراعة فيها0وهى تشير إلى قساوة القلب كالحجر ، وإلى عبادة الأوثان الحجرية ، أى عبادة أموال ومراكز هذا العالم ، التى هى بمثابة أصنام يتعلق بها الإنسان ، فمع أن له تربة سطحية تنمو فيها البذور قليلاً ، لكن عندما تحاول الجذور أن تمتد ، لا تستطيع بسبب الحجارة ، وحينما تشرق الشمس تجف هذه النباتات الصغيرة وتموت0وهى ترمز أيضاً للنفوس المرائية ، التى لها مظهر التربة الجيدة وحقيقتها حجرية0وترمز للقلوب المتعلقة بالعالم ، التى تقبل الكلمة لفترة وجيزة ، وعندما تأتى عليها التجارب ، مثل أشعة الشمس ، تجف سريعاً وتموت كلمة الله فيها ، فهى قلوب قاسية أنانية لا تحب الله من الداخل0
ع 7 : النوع الثالث من الأراضى هو تربة جيدة صالحة للزراعة ، ولكنها ممتلئة أشواكاً ، أى اهتمامات القلب بالعالم وشهواته0فعندما تُلقى إليها كلمة الله تنمو ، ولكن نمو الأشواك والحشائش الغريبة أقوى منها ، فيزاحم جذورها فى الأرض فلا تجد غذاء ، وتغطيها الأشواك والحشائش من فوق ، فلا تصل إليها أشعة الشمس ، فتخنقها وتموت0وهى تشير إلى خطورة الإحتفاظ بشهوات الخطية فى القلب ، لأنها تعطل عمل كلمة الله ، فلا يستفيد منها الإنسان0والعلاج طبعاً هو التوبة ونزع أشواك الخطية ، فتستطيع الكلمة أن تؤثر فى هذه النفوس0
ع 8 : النوع الرابع من الأراضى هو الأرض الجيدة الصالحة للزراعة ، فإن أُلقيت إليها كلمة الله ، تنمو وتأتى بثمار0وتختلف كمية الثمر بحسب خصوبة الأرض وتجاوبها مع الكلمة ، فكلهم أبناء الملكوت ، ولكن نجم يمتاز عن نجم بكيفية استفادته وتطبيقه لكلمة الله0
ع 9 : أكد المسيح أهمية استماع كلمته بالأذنين ، أى الأذن الخارجية ، والأذن الداخلية وهى القلب ، لفهم وتطبيق الكلمة0
+ الله يقدم محبته ونعمته لكل الناس ، ولكن المهم أن تتجاوب معها ، فلا ترفض كلام الله الذى يرسله لك سواء فى الكتاب المقدس أو تعاليم الكنيسة وإرشادات أب إعترافك ، أو على ألسنة المحيطين بك0إقبل الكلمة لك وليس لتعليم الآخرين ، وحاول تطبيقها فى حياتك ، وثق أن كل جهاد فى تنفيذ كلمة الله غالٍ جداً عنده ويساندك لتكميله ، ويكافئك عليه0
(2) أهمية الأمثال ( ع 10 - 17 ) :
ع 10 - 12 : " تقدم " : بعد انصراف الجموع ، بقى عدد قليل تقدموا نحو المسيح ليسألوه0 " التلاميذ " : هم الإثنا عشر ومجموعة أخرى قليلة من الملتصقين بالمسيح ، كما يظهر من ( مر 4 : 10 ) ، وهم مثل السبعين رسولاً والمريمات0 " أُعطِىَ لكم " : نعمة خاصة تُعطَى للمهتمين بمعرفة الله0 " أسرار ملكوت السماوات " : أى كيف يملك الله على القلب ، فمعرفة الله فوق العقل الإنسانى ، ولكن الله بنعمته يعطى فهماً للمستعدين أن يقبلوه0 " أولئك " : الغير مهتمين بكلام الله ، لانشغالهم بالماديات ، فمعرفتهم دائماً سطحية0كلم المسيح الجموع بأمثال قريبة من حياتهم ، ليفهموا فكرتها وتؤثر فيهم ، لأنهم بقساوة قلوبهم سيرفضون الكلام المباشر ، ولكن الأمثال التى من حياتهم قد يقبلونها ، فيخضعون لكلمة الله0أما التلاميذ ، فلأجل استعدادهم لطاعة المسيح ، فسّر لهم الأمثال بكلام روحى مباشر ، فمن له استعداد روحى يُعطَى معرفة بالله أكثر وأكثر0أما من ليس له استعداد ويظل يرفض ، فحتى المثل لا يفهمه وسيرفضه ، والفهم الروحى القليل الذى عنده ، سيفقده بكبريائه وتعلقه بالعالم المادى0
ع 13 - 15 : " مبصرين لا يبصرون ، وسامعين لا يسمعون " : رغم رؤيتهم للمسيح وسماعهم تعاليمه ، لا يدركون أعماق الكلام ليطبّقوه فى حياتهم ، بل يكتفون بالمعرفة السطحية0وأكثر من هذا ، أنهم قد يرفضون الكلام ومعانيه الروحية ، لأجل تعلقهم بشهواتهم المادية وكبريائهم0 " قلب هذا الشعب قد غلظ " : أى ارتبط بالشهوات الأرضية ، ولم يعد رقيقاً قابلاً للتأثر بكلام الله0 " ثقل سماعها " : أى صاروا عاجزين عن فهم كلام الله ، لأن الشهوات قد صمَّت آذانهم ، ولا يريدون أن يسمعوا إلا ما يرضيهم0 " أشفيهم " : أى أقبل توبتهم ، وأصلح حياتهم فتصير روحانية0مع أن هذه الجموع لها عيون خارجية ، وآذان تميز الحروف ، إلا أن قلوبهم ترفض الله ، فقد انتظروا بحسب النبوات المسيا المنتظر ، وعندما تجسد المسيح وجاء إليهم ، رفضوه لقساوة قلوبهم وكبريائهم ، وتعلقهم بالمُلك الأرضى والكرامة ، ففقدوا الفهم الروحى ، كما تنبأ عنهم نبيهم العظيم إشعياء ( 6 : 10 )0
ع 16 - 17 : يمدح المسيح تلاميذه لأجل فهمهم لكلامه ، وتمتعهم برؤيته ، وإيمانهم أنه هو المسيا المنتظر ، بل يعلن لهم أن ما نالوه من شرف رؤيته تمناه أنبياء وأتقياء كثيرون فى العهد القديم ولم يروه ، بل نالوا فقط شرف التنبؤ عنه ، وانتظروا الوعد بإتمامه ونفوسهم مربوطة فى الجحيم ، حتى يأتى ويتمم الفداء عنهم ويخلّصهم0
+ هذا ما تعانيه يا أخى اليوم فى الكنيسة ، بل تناله جسداً ودماً حقيقياً ، وتتمتع بسماع كلمة الله فى الكتاب المقدس ، الذى اشتهى كل رجال الله فى العهد القديم أن يعاينوه ، فتمتع به ، لتحيا به وفيه ، واحرص على حضور القداسات من بدايتها ، ونوال بركة الإعتراف والتناول دائماً0
(3) تفسير مثل الزارع ( ع 18 - 23 ) :
تم شرحه عند تفسير المثل ( ع 1 - 9 ) ، وإليك تفسير بعض الكلمات المذكورة لزيادة التوضيح :
ع 18 - 19 : " كلمة الملكوت " : كلمة الله التى إن فهمتها وطبقتها ، يصبح قلبك معداً لمُلك الله عليه0 " لا يفهم " : يرفض أن يفهم كلام الله ، لانشغاله بالماديات0 " الشرير " : الشيطان0 " يخطف " : أى يكون تأثره مؤقتاً جداً ، كانفعال عاطفى ويزول سريعاً ، ولا يطبق شيئاً مما سمعه فى حياته0
ع 20 : " حالاً يقبلها " : التأثر السريع بكلام الله ، والنية لتطبيقه والبدء فى ذلك0
ع 21 : " ليس له أصل فى ذاته " : لم يجاهد فى طريق الله لتنفيذ كلامه مدة طويلة ، أى أن تأثره عاطفى سطحى ، والقلب ضعيف نتيجة حياته المنشغلة بالعالم0 " ضيق أو اضطهاد " : أى مشاكل تحاول منعه من الإستمرار فى تنفيذ الوصية0 " يعثر " : أى يترك وصايا الله ، ويعود لحياته المرتبطة بالعالم0
ع 22 : " همُّ هذا العالم " : القلق والإنشغال بتحصيل الماديات والشهوات المختلفة0 " غرور الغِنى " : الكبرياء نتيجة ما يقتنيه الإنسان من ماديات ، فيشعر أنه أفضل من غيره0 " يخنقان الكلمة " : أى ليس هناك مكان فى القلب لمحبة الله ، لأنه انشغل بالشهوات الرديّة0 " بلا ثمر " : أى لا تظهر فضائل فى حياته0
ع 23 : " الجيدة " : أى التى تم حرثها ثم تسميدها وريّها ، بمعنى فحص الإنسان نفسه والتوبة ، وكذلك الجهاد الروحى فى استخدام وسائط النعمة من أسرار وممارسات روحية0 " يسمع الكلمة ويفهم " : أى يهتم بالتطبيق العملى وليس المعرفة النظرية فقط0 " يأتى بثمر000مئة وآخر ستين وآخر ثلاثين " : درجات فى التجاوب والجهاد الروحى فتنتج عنها فضائل ، بل تزداد نعمة الله للمتجاوبين المجاهدين ، فيظهر هذا التمايز بينهم فى القداسة0
(4) مثل زوان الحقل ( ع 24 - 30 ) :
ع 24 : " ملكوت السماوات " : أى مُلك المسيح الآتى من السماء ، ليملك على قلوب أولاده0الإنسان : هو الله ، الذى خلق جميع البشر على صورته ومثاله ، ليحيوا معه إلى الأبد فى ملكوته ، ويثمروا أعمالاً صالحة0
ع 25 : " نيام " : نوم المسئولين عن الزراعة ، أى الكهنة والخدام ، ومعناها عدم السهر الروحى والعناية بالشعب0العدو : هو الشيطان ، وهو ليس عدواً للكرامين أو الحنطة ، بل لله وكل أولاده0استغل فرصة نوم الكرامين المسئولين عن الحقل ، وبذر بذور الزوان ، وهى تشير إلى الهرطقات التى يدسها أصحاب البدع فى قلوب بعض الناس ، فيبعدوهم عن الله0أو ترمز إلى خطايا وشهوات تنجس الناس ، فيصيروا أشراراً لا يعطون الثمار الصالحة التى كان الله ينتظرها منهم0 " زواناً " : بذور مشابهة لبذور الحنطة ، ولكنها حشائش تضر النبات الأصلى ، أى القمح0 " الحنطة " : القمح0 " مضى " : فى الخفاء ، وكأنه لم يفعل شيئاً ، مع أنه سبب الشر الموجود فى العالم0
+ أخى الحبيب000كم هو ضرورى لكل منا أن يكون منتبهاً روحياً ، حتى لا يقبل أفكاراً شريرة أو شهوات تبعده عن الله ، وإن كان خادماً يهتم بمن يخدمهم ، حتى لا يتحولون إلى زوان ويبعدون عن الله0
ع 26 : عندما نمت البذور ، ظهرت نباتات الزوان ، أى الحشائش الغريبة ، مختلفة عن الحنطة000فمن ثمارهم تعرفونهم ، فالقمح أعطى سنابل ، أما الزوان ففى بدايته متشابه كنبات صغير مع القمح ، ولكن لما كبر ، لم تظهر عليه سنابل القمح المعروفة000فأولاد الله أعمالهم صالحة ، والأشرار أعمالهم شريرة0
ع 27 - 28 : " عبيد رب البيت " : هم الخدام الروحيون ، سواء الأساقفة أو الكهنة أو كل من يخدم فى الكنيسة ، وقد لاحظوا أن هناك أشرار فى العالم بعيدين عن الله ، لاختلاف ثمارهم عن سنابل القمح المحبوبة ، واندهشوا جداً لهذا التغيّر ، فقد كانوا يتوقعون ثماراً صالحة من كل النباتات ، لأن كل زراعة الله جيدة0وعندما استفسروا عن سبب وجود الزوان ، أعلمهم رب البيت أن " العدو " ، أى الشيطان ، " فعل هذا " ، ووضع بذوراً فى الحقل ، أى وضع شراً فى قلوب بعض البشر ، فابتعدوا عن الله ولم يعطوا ثماراً صالحة0فسألوه : هل ينزعوا نباتات الزوان من بين الحنطة ، أى يحكموا بالهلاك على الأشرار الذين فى العالم ؟
ع 29 : رفض الله نزع الزوان ، لئلا يضروا بنبات القمح الأصلى ، بالإضافة إلى أن إهلاك الأشرار يُفقدهم الفرصة الكافية للتوبة ، وقد يخيف أو يزعج أولاد الله ، لأنهم يرون فى إلههم الحب والحنان0فإن أهلك الأشرار كلهم ، يرتعبون ويعجزون عن التوبة والجهاد بسبب الخوف الشديد0فبطرس الناكر تاب وصار كارزاً ، ومتى العشار صار تلميذاً ، وبولس شاول عدو المسيحية اللدود ، صار خادماً لها ، فشرّفته بلقب " الرسول "0لذا لم ينزع الله الزوان ، لعله بالتوبة يتحول إلى حنطة0إذن الأشرار نوعان : نوع مُصِرٌّ على شرّه وهذا سيهلك ، والنوع الآخر سيتوب ويخلُص0فلا ننزع الزوان لئلا ننزع الحنطة معه ، أى أولاد الله الذين سقطوا فى الخطية وصار شكلهم كالزوان ، ولكنهم سيتوبون ويعودوا يعطون ثماراً صالحة ، أى يصيروا حنطة جيدة0
+ إنتهز فرصة الحياة لتتوب وتُلقى عنك بذور الزوان ، فيصير لك ثمار صالحة وحياة نقية مع الله0
ع 30 : أمر الله أن تأخذ كل النباتات فرصة كاملة للنمو ، لِيُمتحن الأبرار برفضهم شرور الأشرار المحيطين بهم ، ولعل الأشرار يستنيرون بنور الأبرار ويتوبوا ويرجعوا إلى الله0ولكن ، إن أصر الأشرار على شرهم ، فبعد الموت يلاقون مصيراً فظيعاً ، وهو العذاب الأبدى الذى يُلقون فيه كحزم ( جماعات )0فكما اجتمعوا فى الشهوات الرديئة فى العالم ، يستمرون معاً فى العذاب الأبدى0أما الأبرار فيُجمعون إلى مخزن الله ، أى ملكوته ، لينعم كل واحد بعِشرة الله ، كلٍ حسب تعبه وثماره0
(5) مَثَلاَ حبة الخردل والخميرة ( ع 31 - 33 ) :
ع 31 - 32 : حبة الخردل : هى أصغر الحبوب ، ولكن بدفنها فى الأرض ، تحاط بالظلمة والتراب ، وتحتمل هذا0ورغم ضعفها الظاهر ، يعمل فيها الروح القدس فينميها ، وتصير شجرة عظيمة أكبر من أشجار باقى البقول زميلاتها0ومن كبرها ، تستطيع الطيور أن تجد فيها مكاناً لأعشاشها0وترمز حبة الخردل للمسيحى أو المسيح الذى يحتمل الآلام والموت ، فتصير له حياة عظيمة فى السماء0وباحتمال الألم وحمل الصليب ، ترتفع أفكار الإنسان وتصير سمائية مثل الطيور السابحة فى السماء0وترمز حبة الخردل لبشارة الإنجيل ، والكنيسة التى بدأت كجماعة صغيرة داخل اليهودية ، وخلال سنوات إنتشرت فى العالم كله ، واحتوت نفوس كثيرة آمنت وصارت تسبح الله مثل الطيور0إن حبة الخردل مثل الإيمان الذى يُمتحن فى الضيقات ، فينمو ويصير شجرة عظيمة0
ع 33 : المرأة : ترمز للكنيسة التى تخبئ الخميرة ، أى المسيح ، فبتجسده يحيا فى وسطنا ، فيحول " الدقيق " الذى هو البشرية إلى مؤمنين نشطين روحياً ، يؤثرون فى غيرهم ويجذبونهم للإيمان0 " ثلاثة أكيال " : تشير للروح والنفس والجسد ، أى المسيح عندما أخذ طبيعتنا البشرية ، إرتفع بنا إلى طبيعة روحية بفدائه وعمل روحه القدّوس فينا0وقد ترمز المرأة إلى اليهود الذين صلبوا المسيح ، وهكذا بموته ودفنه ، جدد الطبيعة البشرية لتحيا معه0كما يمكن أن ترمز المرأة إلى الله الذى وضع الخميرة أو الكنيسة فى العالم ، أى الدقيق ، فجذبت النفوس للإيمان ، وانتشرت فى المسكونة كلها بهدوء ومحبة0
+ إحتفظ بكلمة الله داخلك ، وطبقها فى حياتك لتعمل فيك وتغير أفكارك وسلوكك ، وداوم على التأمل فيها ليستمر تجديد حياتك0وحينئذٍ ستؤثر فيمن حولك دون أن تشعر ، وتجذبهم للحياة مع الله0
(6) التعليم بالأمثال ( ع 34 - 35 ) :
ع 34 : فى هذا الوقت ، كانت تعاليم المسيح كلها بأمثال0أما قبل هذا أو بعد ذلك ، فكانت تعاليمه مباشرة ، أى أنه إستخدم كل طرق التعليم0
ع 35 : " النبى " : أى الرائى ، وهو آساف0 " مكتومات " : تدابير الله الروحية لخلاص الإنسان ، والتى كان صعباً على الإنسان أن يفهمها من أجل خطاياه ، فيعلنها المسيح فى العهد الجديد ، وهى محبته للبشرية والتى فى قلبه منذ أسس العالم وخلق الإنسان0تعوّد متى أن يؤكد كلامه بنبوات ، لأنه يخاطب اليهود العارفين بالكتب المقدسة ؛ وقد قال الله هذا فى ( مز 78 : 2 ) " أفتح بمثل فمى ، أذيع ألغازاً منذ القِدَمِ "0
+ محبة الله لك كبيرة جداً منذ الأزل ، ويريد أن يعلنها لك إن كنت تفتح قلبك وتهتم بأن تسمعه0وتستطيع ذلك من خلال سعيك نحوه بقراءة الكتاب المقدس ، والإرتباط بالكنيسة ، وسماع العظات الروحية ، واهتمامك أن تتعلم من الكل وخاصة الآباء والإخوةالروحيين0
(7) تفسير مثل زوان الحقل ( ع 36 - 43 ) :
" البيت " غالباً بيت سمعان بطرس0 " تلاميذه " : الإثنا عشر مع الملتصقين به0 " ملكوته " : أى العالم الذى خلقه الله ليملك عليه ، ولكن الأشرار رفضوا ملكه0 " المعاثر وفاعلى الإثم " : الأشرار الذين بشرّهم يعثرون غيرهم ويسقطونهم فى الشر0 " أتون النار " : العذاب الأبدى المعد للأشرار0 " البكاء وصرير الأسنان " : يعنى الندم الذى لا ينتهى ، والغيظ والألم الذى يعانونه فى العذاب الأبدى0 " كالشمس " : أى فى بهاء ومجد ونورانية0 " ملكوت أبيهم " : الملكوت الأبدى الذى يتمتع فيه أولاد الله بعِشرة أبيهم السماوى0طلب التلاميذ من المسيح أن يفسر لهم مثل زوان الحقل ، ففسره لهم ، لأن العطايا الروحية لا تُعطَى إلا لمن يهتم بها ويسألها من الله ، أما العطايا المادية فالله يعطيها للكل ، فهو المشرق شمسه على الأبرار والأشرار0وأولاد الله يضيئون كالشمس أو الكواكب فى ملكوت الله ، أبوهم السماوى الذى أحبوه وثبتوا فى الإيمان به طوال حياتهم ، فهو يضئ عليهم بنوره ، ويمجدهم فى السماء0
(8) مَثَلاَ الكنز المخفى واللؤلؤة الكثيرة الثمن ( ع 44 - 46 ) :
الأمثال الثلاثة الآتية ، قالها المسيح لتلاميذه ومحبيه المقرّبين فى البيت ؛ أما الأربعة السابقة فكانت لكل الجموع0والسبب فى ذلك ، أن الثلاثة الأخيرة تدعو الإنسان الروحى لترك انشغالات العالم من أجل محبة الله ، ثم تشجعه بالمكافأة السمائية فى المثل الأخير0فهى أمثال تخاطب أولاد الله المرتبطين بكنيسته ، وليس العالم كله0
ع 44 : الكنز : يرمز للمسيح الذى فى الكتاب المقدس0الحقل : يرمز للكتاب المقدس0 " من فرحه " : التعزيات الروحية التى ينالها الإنسان من خلال الممارسات الروحية ، والتى تدفعه إلى أن يتنازل عن كل شئ ليظل متمتعاً بهذا الإحساس الروحى0ولكيما نقتنى الكتاب المقدس فى قلوبنا ، ونحيا به ، ونتمتع بالمسيح الذى فيه ، ينبغى أن ننزع من قلوبنا تعلقاتنا المادية ، ونكون مستعدين للتنازل عن أى شئ منها ، وبهذا نتشبه بيوسف الذى ترك ثوبه فى يد إمرأة سيده ، وقَبَلَ أن يُلقَى فى السجن ، فارتفع إلى عرش مصر وصار له الغِنى والسلطان ، بل وزع الخيرات على العالم كله المحيط به0والحقل يرمز أيضاً للمسيح ، والكنز لكلماته العميقة التى يفهمها المؤمن الخاضع للروح القدس ، وهو الذى لا يتعلق بالعالم وكل مقتنياته ، فتتفرغ روحه لفهم الله ، وبهذا يملك الله على القلب ، ويكون للمؤمن نصيب فى ملكوت السماوات0
ع 45 - 46 : " اللؤلؤة " الوحيدة الكثيرة الثمن هى محبة المسيح ، وهذا " التاجر " هو الإنسان الروحى الذى يبحث عن الحق ، ويحاول إقتناء اللآلئ ، أى الفضائل0ولكن محبة المسيح تفوق كل فضيلة ، وبالطبع ، تفوق كل مقتنيات العالم ، وكذلك كل الشهوات المادية مهما بدت مبهرة0ومن كثرة انبهاره بمحبة المسيح ، يتنازل عن كل ما فى العالم ويعتبره نفاية ، لكيما يربح المسيح0وحينئذٍ ، يملك على قلبه عربوناً للملكوت الأبدى0
+ لا تنشغل بأمور العالم واحتياجات الجسد والمغريات المختلفة عن خلاص نفسك ، بل أعطِ أولوية لعلاقتك بالله ، وإن تعارضت الأمور العالمية مع حياتك الروحية ، فكن قوياً وتنازل عنها لتنال خلاص نفسك ، وتنعم بخدمة الآخرين لتربحهم بالمحبة للمسيح0
(9) مثل الشبكة المطروحة فى البحر ( ع 47 - 50 ) :
هذا هو المثل السابع والأخير فى كلام المسيح أثناء ذلك اليوم ، وتحدث عن صيد السمك ، إذ أن بعض تلاميذه كان عملهم هو صيد السمك ، فيسهل عليهم فهم ما يقصده0الشبكة المطروحة : هى المسيح أو الكنيسة التى تدعو الكل للإيمان ، فيدخل فيها مؤمنون من العالم كله ، إذ يجدون فيها الخلاص من الشر0 " البحر " : يرمز للعالم المملوء بالإضطراب والشرور ، ويحيا فيه أيضاً أولاد الله0 " جامعة من كل نوع " ترحب الكنيسة بكل الناس الذين يؤمنون رغم اختلاف طباعهم ، لكن بعضهم صادقون فى الإيمان ، والآخرين مراءون يكتفون بالمظاهر الدينية ولم يتوبوا عن خطاياهم بالحقيقة0ويعيش الكل طوال عمرهم فى الكنيسة دون أن يفرزهم الله ، ليعطى فرصة كاملة لتوبة الأشرار وثبات الأبرار0 " لما امتلأت " : أى عند انتهاء عمر البشرية ومجئ يوم الدينونة0 " أصعدوها على الشاطئ " : أى إرتفعت كل الأرواح لتدان أمام الله فى اليوم الأخير0 " جلسوا " : أى جلس الله الديّان العادل ومعه ملائكته ليدين كل البشر0 " الجياد " : أى الأبرار الذين ثبتوا فى الإيمان والقداسة كل أيام حياتهم0 " أوعية " : المنازل العظيمة فى المجد ، الموجودة فى ملكوت السماوات ، والمعدة لأولاد الله0 " الأردياء " : الأشرار الذين تظاهروا بعلاقتهم مع الله ، مع تهاونهم وإصرارهم على الخطية0 " خارجاً " : أى خارج الملكوت السماوى الأبدى0
+ إن العمر فرصة للتوبة لتثبت فى بنوتك لله ، فلا تنزعج من كثرة سقطاتك ، ولكن المهم التوبة السريعة0وفى نفس الوقت ، حاول أن تتمتع بوسائط النعمة فى الكنيسة ، لتعوّض ما فاتك وتتقوَّى وتثبت فى الحياة الروحية0
(10) الكاتب المتعلم ( ع 51 - 53 ) :
ع 51 : تأكد المسيح من فهم تلاميذه لأمثاله ، حتى يطبقوها فى حياتهم0
ع 52 : أوضح المسيح لتلاميذه كيف يكونون كتبة متعلمين بالحقيقة ، كلمة الله ، وليس مثل الكتبة اليهود المهتمين بنسخ الأسفار المقدسة بعناية وتدقيق فى الحرف ، وليس العمل بها0فشبّه الكاتب الروحى ، المتعلم كلام الله ، بإنسان له بيت وهو حياته المعتمدة على كلمة الله ، ويُخرج من الكتاب المقدس معانى مفيدة ، سواء من " الجُدُد " ( العهد الجديد ) أو " العُتقاء " ( العهد القديم ) ، ليحيا بها ، وترشده فى حياته مع الله0
ع 53 : بعدما أكمل تعاليمه للجموع وتلاميذه بهذه الأمثال ، ترك المكان ، وذهب إلى موضع آخر ليكمل الكرازة0
+ إهتم بقراءة الكتاب المقدس بعهديه ، لتحصل على معانى روحية تطبقها فى حياتك كل يوم000بهذا تعتنى بخلاص نفسك ، ثم يكون لك مما اختبرته ما تعلم به آخرين0
(11) الكرازة فى وطنه ( ع 54 - 58 ) :
ع 54 : جاء يسوع إلى مدينة الناصرة حيث تربَّى ، فهو أحد مواطنيها ، ودخل مجمعهم اليهودى وعلّم تعاليمه القوية ، فتعجبوا جداً من قوة كلامه ومعجزاته0
+جيد للإنسان أن يهتم بالرعاية الروحية لأسرته وأقربائه ، وحتى لو كان هذا صعباً لرفضهم كلامه ، فيمكن أن يقدم هذه الرعاية بالصلاة لأجلهم ، والتعليم الغير مباشر مثل التحدث عما سمعه فى عظات الكنيسة أو قراءة فى الكتاب المقدس والكتب الروحية0وإن كان له دالة ، فليتحدث حديثاً مباشراً ، وإن لم يكن ، يمكن توصية بعض خدام الكنيسة أو الأحباء المرتبطين بالروحيات لجذبهم إلى الله0
ع 55 - 56 : تعجُّب اليهود لم يدفعهم إلى الإيمان ، بل اكتفوا بالتعجب فقط ، إذ هم يعرفون أصله أنه إبن مريم ويوسف النجار ، ويعرفون أيضاً أولاد وبنات خالته المذكورة أسماؤهم000أبناء مريم أخت العذراء زوجة كلُوبا ، وكان العرف اليهودى يعتبر أولاد الخالة وأولاد العم إخوة ( كما هو معروف الآن فى صعيد مصر )0فلم يتخيلوا أن المسيا المنتظر سيكون شخصاً عادياً يخرج من وسطهم ، مع أن النبوات تعلن هذا بوضوح0
ع 57 - 58 : من أجل انحصار ذهنهم فى أصله البشرى وأقاربه ، لم يستطيعوا الإيمان بلاهوته0وكان هناك مثلاً شائعاً عندهم بأن النبى بلا كرامة فى وطنه ، فلمعرفتهم بأصله تعوّدوا أن يعاملوه كإنسان عادى وليس متميزاً0ومن أجل ضعف إيمانهم ، لم يصنع إلا معجزات قليلة عندهم ، لأنهم لن يصدقوه0
+ الله مستعد أن يعمل فى حياتك بحسب إيمانك وتمسكك به وطلبك له ، فافتح قلبك بالتلمذة والتعلم على يد من حولك ، ولا تستهن بأحد أفراد أسرتك أو معارفك ، فقد يكون الصورة الإلهية التى يقدمها لك الله ببساطة وسهولة ، لتتعلم منه ، حتى لو كان طفلك الصغير ، أو أى إنسان ذو مركز قليل0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح