كلمة منفعة
قال الكتاب:"كنت أمينًا في القليل، فسأقيمك على الكثير".
— الأمانة في القليل
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السابع والعشرون صلب المسيح ودفنه (1) المحاكمة أمام السنهدريم ( ع 1 - 2 ) : ع 1 : بعد محاكمة المسيح فى دار قيافا رئيس الكهنة ، أصعدوه إلى مجمع السنهدريم ( ص 5 : 20 - 21 ) فى أحد أروقة الهيكل ، وكان ذلك مع الفجر ، وحكموا بموته ، إذ أنه للحكم على أحد بالموت فى النظام اليهودى ، لابد أن يكون هناك أكثر من جلسة ، كذلك لا يصح الحكم على أحد بالموت إلا فى النهار0وهذه هى المحاكمة الثالثة للمسيح ، وهى المحاكمة الدينية الأخيرة0وقد قرروا فيها قتل المسيح ، ورتبوا الدعوة التى سيقدمونها لبيلاطس حتى يقتله ، وكانوا قد أجمعوا على الآتى : (1) أن يطلبوا من بيلاطس الموافقة على قرارهم بقتله0 (2) إذا لم يوافق ، يتهمون المسيح بادعائه أنه ملك اليهود ، وبهذا يكون عاصياً ضد قيصر ، ومهيجاً للشعب ضد السلطة ، ويدّعوا أنه يمنع دفع الجزية ليثيروا ضده السلطة المدنية ، فتوافق على قتله0 (3) إتهام يسوع بالتجديف ، إذ أعلن أنه إبن الله0 وكان رد بيلاطس عليهم : (1) لم يوافق على قرارهم بقتل المسيح0 (2) فحص اتهامهم الثانى ، فوجده بريئاً ، ولم يوافق على قرارهم بقتله0 (3) لم يهتم بأمر التجديف ، لأنه أمر يخص شريعتهم ، ولا يعاقب عليه القانون الرومانى0 لم يعد أمامهم سوى أن يؤكدوا الإتهام الثانى ، وهو ادعاءه أنه ملك اليهود ، وأحرجوا بيلاطس ، الذى اضطر ، لخوفه من أن يُعتبر مؤيداً للمسيح ضد قيصر ، أن يوافق على كلامهم ، وأمر بصلبه0 ع 2 : كان بيلاطس والياً على اليهودية من قِبَلِ السلطة الرومانية ، وكان قاسياً ، وسفك دماء كثيرين ، وتولى مدة عشر سنوات ، وشكاه اليهود كثيراً لقيصر ، ولكنه كان ضعيفاً فى تمسكه بالحق ، ومهتماً بأن يحتفظ بمركزه0 + لا تحاول البحث عن اتهامات لمن تتضايق منهم حتى تثير الآخرين ضدهم ، مستخدماً عقلك بطريقة شريرة ، فإنك بذلك تجلب غضب الله عليك ، ويضطرب قلبك ، وتخسر محبة المحيطين بك حتى لو أيدوك فيما تقول أو تفعل ، لأنهم يشعرون بأفكارك العدوانية0 (2) يهوذا يرد الفضة ( ع 3 - 10 ) : ع 3 - 4 : " قد دين " : حكم اليهود بقتله0 " ماذا علينا ؟ " : لا يهمنا كلامك ، فقد حصلنا على ما نريده ، وهو القبض على المسيح0 " أنت أبصر " : أنت المسئول عن ذنبك ، فتصرف كما تريد بعيداً عنا ، فلن نساعدك فى شىء0عندما علم يهوذا أن اليهود حكموا على المسيح بالموت ، نخسه ضميره وشعر بفظاعة خيانته ، بل صارت الفضة ثقلاً يوجع قلبه ويُذكّره بخطيته ، ذهب فى الصباح إلى الهيكل ، فوجد أنهم قد ذهبوا بالمسيح إلى بيلاطس ، ولكن قليلاً من الكهنة مازالوا موجودين ، فألقى لهم الفضة ليتخلص مما ينخس ضميره ، واعترف أن المسيح برىء ، وأنه خائن إذ أسلمه إليهم0ولكن للأسف ، كان ندماً بدون رجاء ، فهو ليس توبة ، لأن التوبة هى إيمان بالله ورجاء فى الحياة معه ، وليس مجرد ندم0أما الكهنة والشيوخ ، فحاولوا التنصل من خطيتهم برفض الفضة ، وقالوا ليهوذا أن يتحمل ذنبه ، فهم غير مسئولين0كيف هذا وهم سيتممون قتله بعد قليل ؟! إنه الخداع الذى يخدع به الإنسان نفسه حتى لا يتوب0 ع 5 : لما رفض الكهنة أخذ الفضة منه ، ألقاها أمامهم ليتخلص منها ، ظناً منه أن هذا يخلّصه من الإحساس بالذنب ، وترك الهيكل ، بل والمدينة كلها0لكن ضميره استمر ينخسه ويوبخه ، فلم يحتمل ، وذهب وشنق نفسه0والأرجح أنه علّق نفسه بحبل فى الجبل ، فاختنق ثم ثقل على الحبل ، فانفك من الجبل وسقط ، فانشق وخرجت أحشاؤه منه ، كما ذكر بطرس الرسول فى سفر أعمال الرسل ( 1 : 18 )0 ع 6 : لم يستطع رؤساء الكهنة وضع الفضة فى صناديق الخزانة التى فى الهيكل لأنها ثمن دم إنسان ، وهم يعتبرون أن العطايا التى توضع فى الخزانة مقدسة0ورغم علمهم بكل هذا لم يتوبوا ، واستمروا فى شرهم حتى صلبوا المسيح0 ع 7 - 8 : " تشاوروا " : أعضاء مجلس السنهدريم ، بعد أن قدموا المسيح ليصلب0 " حقل الفخارى " : حقل يسمى بهذا الإسم ، ولعله كان يؤخذ من ترابه لعمل الفخار فسُمى هكذا0وهو لا يصلح للزراعة ، فكان ثمنه زهيداً ، ويمكن فقط البناء عليه0 " للغرباء " : اليهود الغرباء عن أورشليم إذا ماتوا فيها ، ويكونون فقراء ليس لهم مكان يُدفنون فيه0 " حقل الدم " : لأنهم اشتروه بثمن دم إنسان وهو المسيح0 " اليوم " : وقت كتابة متى البشير إنجيله0وجد الكهنة حلاً ، وهو شراء شىء ما بهذه الفضة لعمل الخير ، فاشتروا حقل الفخارى وخصصوه مقبرة للغرباء الذين ليس لهم مكان يُدفنون فيه ، وسمى ذلك الحقل حقل الدم تأكيداً لشناعة خطيتهم ، ولم يستطع تخفّيهم وراء عمل الخير أن يمحو خطيتهم0 ع 9 - 10 : بِشَرّهم هذا تمموا ما تنبأ به إرميا النبى ( 18 : 2 ، 6 ) عن حقل الفخارى ، وزكريا النبى ( 11 : 13 ) عن ثمن هذا الحقل وهو ثلاثين من الفضة0وهكذا نجد أن كل تفاصيل آلام المسيح عن البشرية كلها ، قد تنبأ عنها العهد القديم ليؤمن اليهود ، ولكنهم للأسف قسّوا قلوبهم وصلبوه0 + اُنظر ، لا تُقَسِّ قلبك وترفض توبيخ الآخرين وكلمات الكتاب المقدس والعظات الروحية ، بل اعتبرها رسائل من الله تنبهك وتعيدك إلى محبته ، فتتوب عن خطاياك0 (3) المحاكمة أمام بيلاطس ( ع 11 - 14 ) : ع 11 : بدأت محاكمة المسيح أمام السلطة الرومانية ممثلة فى الوالى بيلاطس ، وهى المحاكمة الرابعة للمسيح0وقد سأله بيلاطس : هل أنت ملك اليهود ؟ فأجاب بالإيجاب ، لعله يراجع نفسه ولا يسقط فى خطية تسليمه لليهود ، ليس لأنه متراجع عن إتمام الفداء ، ولكن حتى يكون بيلاطس بلا عذر ، وينتبه أنه أمام ملك ، فلا يندفع فى الحكم عليه بأى شر0وقد أوضح المسيح فى حديثه مع بيلاطس ، كما ذكر يوحنا ( 18 : 36 - 37 ) ، أن ملكوته روحى وليس أرضياً ، فخاب ادعاء اليهود على المسيح ، الذى حاولوا به تهييج بيلاطس ليحكم عليه0وإذ علم أنه يقصد مُلك روحى ، حكم ببراءته عندما قال أنه لم يجد فيه علة ( لو 23 : 4 ، 14 ؛ يو 18 : 38 )0 ع 12 - 14 : حاول رؤساء الكهنة وشيوخ اليهود أن يقدموا اتهامات على المسيح للوالى بيلاطس ، وهى بخصوص تهييجه للشعب كما يذكر لوقا البشير ( 23 : 5 )0ولم يدافع يسوع عن نفسه ، لأنه يعرف إصرار اليهود على لصق التهم الباطلة به ، ويعلم أيضاً ضعف بيلاطس ، الذى ، رغم علمه ببراءته ، يحاول إرضاء اليهود خوفاً منهم ، ويحاول اصطياد كلمة من المسيح ليحكم بها عليه0تعجب الوالى لصمته ، وسأله لماذا لا يرد على ادعاءاتهم حتى يثبت براءته0أما هو ، فظل صامتاً0فزاد بذلك تعجب الوالى ، لأن المتهمين فى مثل هذه الأحوال يدافعون عن أنفسهم حتى لا يُحكم عليهم بالموت ؛ فالمسيح لم يكن محتاجاً أن يدافع عن نفسه ، بل يريد أن يتمم خلاصنا بموته على الصليب0وبهذا ، ظهرت مرة أخرى أمام بيلاطس براءة المسيح ، وكان قد أرسله إلى هيرودس عندما علم أنه جليلى ، وعلم أيضاً أن هيرودس والى الجليل فى زيارة لأورشليم0ولما حاكمه الأخير ولم يجد فيه علة ( لو 23 : 15 ) ، وهذه هى المحاكمة الخامسة ، فرده إلى بيلاطس ليحاكمه المحاكمة السادسة والأخيرة0وبهذا ظهرت براءة المسيح ثلاث مرات ، مرتين أمام بيلاطس ، ومرة أمام هيرودس0ولكن ، لضعفه ، لم يستطع بيلاطس أن يطلقه ( راجع عدد المحاكمات الدينية والمدنية ص 26 : 66 )0 + إذا صمت الآخرون أمام أخطائك ، فلا تتمادى فيها ، بل راجع نفسك لتتوب0 (4) إطلاق باراباس ( ع 15 - 26 ) : ع 15 - 18 : وجد بيلاطس نفسه أمام إنسان برىء مسالم ، لا يجد عليه علة تستحق الموت0ولأن بيلاطس ضعيف الشخصية ، لم يستطع أن يعلن براءته0ففكر فى وسيلة ليخلّصه من الموت ، ولكن دون أن يعادى اليهود ، لأنه يبحث عن مركزه ورضا الشعب عنه0فكان معتاداً أن يطلق لليهود أحد المسجونين فى عيد الفصح ، ليظهر سماحته وعطفه على اليهود ، فسألهم هل يطلق لهم يسوع ، أم مجرماً مسجوناً يسمى باراباس كان مشهوراً بالإجرام ومعروفاً عند الشعب ؟ وكان يعلم أن يسوع برىء ، ورؤساء الكهنة والشيوخ يحسدونه ، لأنه اجتذب الجموع بمحبته وتعاليمه ومعجزاته0 " مجتمعون " : يقصد عامة الشعب وليس رؤساء الكهنة ، لأنه ظن أن المسيح إذ صنع خيراً معهم ، يطلبون إطلاقه0 ع 19 : نبه الله بيلاطس مرة أخرى ، حتى لا يخطئ فى حق المسيح ويحكم عليه بالموت ، إذ أرسلت إليه إمرأته تنذره ألا يحكم بشىء ضار على المسيح ، لأنها رأت حلماً فى ليلة محاكمته يؤكد بر المسيح ، وكم يحتمل آلاماً دون ذنب0لم يذكر الكتاب المقدس تفاصيل الحلم ، ولكنه شهادة ببر المسيح من إمرأة وثنية ، فى الوقت الذى يحكم عليه اليهود بالموت ، ويهرب تلاميذه وكل محبيه0 " اليوم " : أى فى ليلة اليوم التى تُحسَب جزءاً منه ، وهذا معناه أن الحلم إعلان إلهى ، لأنه لم يكن اليهود قد قدموا المسيح إلى بيلاطس حين حلمت حلمها ليلاً0 ع 20 : بحقد وحسد هيّج الكهنة وشيوخ اليهود كل الشعب المجتمع أمام بيلاطس ، ليطلبوا إطلاق باراباس المعروف بإجرامه وقتل يسوع ، فحاولوا مدح باراباس والتماس العذر له فى جريمته0أما المسيح ، فحاولوا إلصاق التهم به ليقنعوا الشعب بطلب إطلاق باراباس0 ع 21 - 22 : بعد أن ترك بيلاطس اليهود يفكرون ، سألهم عمن يريدون أن يُطلَق لهم ، يسوع أم باراباس ، فقالوا جميعاً : باراباس0فسألهم ماذا يصنع بيسوع ، فقالوا : اصلبه ؛ ولعل الرؤساء هم الذين بدأوا المطالبة بصلبه ، وتبعتهم الجموع0والصلب هو وسيلة قتل المجرمين عند الرومان ، والذى كان سيقع على باراباس ، فطلب اليهود أن يتم فى المسيح0 ع 23 : سألهم بيلاطس مرة أخرى بضعف ، ما هو الشر الذى صنعه ، لعلهم يتراجعون عن قرارهم ، كأن القرار هو للشعب وليس له ! إنه منتهى التخاذل000فازداد صراخ اليهود مطالبين بصلب المسيح0وهكذا يعطيهم الله أكثر من فرصة لعلهم يتوبون ، أما هم ، فأصروا على شرهم بقتل البار0ونلاحظ هنا أنه قد سبق تحذيران لهما : الأول من المسيح نفسه أنه يأتى ليدين العالم كله ، ( يو 5 : 22 ) ، ويدينهم على شرهم بقتله ( ص 26 : 24 )0والتحذير الثانى كان على لسان يهوذا الإسخريوطى مسلمه عندما أعلن براءته ( ع 4 )0والتحذير الثالث عندما غسل بيلاطس يديه أمامهم معلناً براءة المسيح كما سيأتى شرحه فى ( ع 24 )0 + إن الله ينبهك مرات كثيرة لترجع عن خطاياك ، فلا تسد أذنيك وتتمادى فى شرك0 ع 24 : " يحدث شغب " : أى هياج فى المدينة ( أورشليم ) يلومه عليه القيصر ، ويكون سبباً فى عزله لعدم التحكم وضبط المدينة0 " غسل يديه " : عادة معروفة قديماً للدلالة على عدم مسئولية الإنسان عما يحدث أمامه ( تث 21 : 6 )0 " أبصروا أنتم " : أى أنتم المسئولون عن الحكم وقتله0أعلن بيلاطس أن المسيح بار وبرىء ، وغسل يديه أمام كل الشعب ليعلن براءته من جريمة قتل يسوع0ولكن هذا لا يعفيه أبداً من مسئوليته عن قتله ، لأنه كان فى إمكانه أن يحميه ولا يسلمه لليهود0ولكن ، لضعفه ، خاف من صراخهم ، واهتم بمركزه كوالٍ أكثر من اهتمامه بالحق0 ع 25 - 26 : أعلن اليهود المجتمعون مسئوليتهم عن قتل المسيح ، حتى يشجعوا بيلاطس على أن يأمر بصلبه ، وقالوا : " دمه علينا وعلى أولادنا "0لأن المشتكى على إنسان بتهمة ، إذا ظهرت بعد ذلك براءته ، يقع عقابها على المشتكى ، كما حدث مع الذين اشتكوا دانيال ( دا 6 : 24 ) ؛ ومازالت جريمة صلب المسيح على كل يهودى لم يؤمن به0وفى خضوع وضعف ، أمر بيلاطس بجلد المسيح وتسليمه لليهود حتى يصلبوه0 " جلده " : من يحكم عليه الرومان بالصلب ، يُجلد أولاً0وكان الجلد الرومانى قاسياً ، إذ يضربون بسيور جلدية فى نهايتها قِطع معدنية حادة ، فتجرح بقسوة من يجلدونه0 + تمسك بالحق مهما كلفك ، لأن الحق هو الله ، وتخاذلك عن إعلانه هو رفض لله0فلا تترك بريئاً يُظلم وفى يدك أن تدافع عنه ، ولا تبحث عن مصلحتك وتنسى مصلحة غيرك المظلوم0 (5) الإستهزاء بالمسيح وتعذيبه ( ع 27 - 31 ) : ع 27 : بعد أن جلدوه وألبسوه ثيابه ، أدخلوه إلى دار الولاية ، واجتمع عليه عساكر الكتيبة الرومانية ، وهى حوالى 600عسكرى ، لأنه يبدو أن اليهود كانوا قد حذروا بيلاطس من تابعى يسوع الذين قد يقومون بثورة ويختطفوه ، فلذا جمع عليه كل هذا العدد من العسكر0 ع 28 : عرّوه ثانية ، فقد نزعوا ثيابه أولاً عند جلده ، ولم يشفقوا على جسده الدامى الممزق بالجلدات ، ثم ألبسوه ثوباً قرمزياً ، يبدو أنه كان ثوباً قديماً من ثياب الملوك المخزونة فى دار الولاية0وهذا اللون القرمزى ، ويسمى أيضاً الأرجوانى ، أى الأحمر الداكن ، يرمز للدم والفداء الذى سيتممه لأجل خلاص البشرية0 ع 29 : إمعاناً فى الإستهزاء به ، فبدلاً من وضع تاج من الذهب والجواهر ، ضفروا إكليلاً من شوك وغرسوه فى رأسه ، وهو يشبه غطاء كامل للرأس ، كم كان مؤلماً !! وبدلاً من أن يمسك صولجاناً ( وهو قضيب من الذهب أو العاج يمسكه الملوك فى أيديهم ) ، وضعوا قصبة ( عصا صغير من خشب البوص ) فى يمينه ، ثم سجدوا أمامه باستهزاء قائلين : " السلام يا ملك اليهود "0 + لقد حمل البار خطايانا ، واحتمل ما كان يجب أن نحتمله0فالخاطئ يضرب نفسه بجلدات الشهوة التى تمزقه ، فيظن بإتمامها أنه ملك ، ويلبس الملابس الملوكية فى كبرياء ، وأكاليل الكرامة التى يفتخر بها هى الماديات الفانية والأرض الملعونة التى تنبت شوكاً وحسكاً ، فلا يغطى رأسه إلا القلق والألم0وإذ قد فقد سلطانه على نفسه ، يصير مثل قصبة ( نبات ضعيف مثل البوص ) تحركها الريح ، أى ينساق مع تيار العالم الشرير0وإمعاناً فى خداع نفسه ، يفرح بكلمات النفاق والإحترام المزيّف الذى يُقدّم له من المنتفعين منه0 ع 30 : إستمروا فى الإستهزاء به واحتقاره ، وبصقوا عليه ، وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه الدامى من الأشواك0وهذا هو الإستهزاء الثالث بالمسيح ، فالأول كان من خدام الهيكل فى بيت قَيَافَا ( ص 26 : 67 ، 68 ) ، والثانى بواسطة هيرودس وعسكره الذى يذكره لنا لوقا البشير ( 23 : 11 )0 ع 31 : بعدما استهزأوا به بكل نوع ، أعادوا إليه ثيابه وقادوه للصلب0وكان ذلك فى الساعة الثالثة ، فالمحاكمة أمام مجمع اليهود كانت فى باكر الجمعة0أما المحاكمات الثلاثة المدنية ، فقد بدأت فى باكر ، وامتدت إلى الساعة الثالثة حين سلّمه بيلاطس للجند حتى يصلبوه0 + إن تعرضت لاستهزاء أو احتقار فلا تنزعج ، لأن إلهك قد احتمل لأجلك كل إهانة ، وهو البار القدّوس0فاحتمل لأجله ، وثق أنه سيسندك ، بل ويُظهر برك ويكافئك فى السماء ، ويمنحك السلام الداخلى على الأرض فى هذه الضيقات0 (6) صلب المسيح ( ع 32 - 38 ) : ع 32 : حمل المسيح الصليب ، وسار به من دار الولاية إلى خارج أورشليم ، وكان جسده منهكاً مملوءاً بالجروح والكدمات ، فلم يستطع جسده الضعيف أن يواصل المسيرة تحت ثقل الصليب ، وهذا يؤكد ناسوت المسيح ، فقد أخذ جسداً حقيقياً أُرهق من كثرة الجلدات0وحتى لا يتعطل الجند الذين يقودونه ، أمسكوا رجلاً يسمى سِمعان ، كان فلاحاً راجعاً من حقله ، وألزموه أن يحمل الصليب دون مقابل ، ويسير خلف المسيح حتى يصلوا بسرعة إلى إتمام صلبه0وكان هذا الرجل يهودياً من القيروان فى شمال أفريقيا ، أى فى ليبيا الحالية ، ويبدو أنه قد ظهرت عليه علامات الإشفاق على المسيح ، فاستغل الجند ذلك وجعلوه يحمل الصليب ، ولم يحملوه هم لأنه علامة العار0إن سِمعان يرمز لكنيسة العهد الجديد ، أى المؤمنين الذين يحملون الصليب خلف المسيح ، كعلامة حب له فى ترك كل خطية واحتمال الآلام لأجله0 ع 33 : وصلوا إلى مكان خارج أورشليم يسمى جلجثة ، وهى كلمة عبرانية معناها الجمجمة0وهناك تقليد قديم بأن آدم قد دُفن هناك ، لذا سُمى المكان بهذا الإسم0وها آدم الثانى ، المسيح ، يُصلب فيه ليفدى آدم وكل بنيه0وقد صُلب خارج أورشليم ، كما كانوا يُخرجون بعض الذبائح ويذبحونها خارج المحلة التى يسكنون فيها ؛ فالمسيح حمل كل العار والخزى ، ورُفض من الجميع0وقد تم خروج المسيح ووصوله إلى الجلجثة أثناء الساعة الثالثة ، أى من الساعة الثالثة إلى الساعة السادسة ( راجع تفسير ص 20 : 2 - 7 )0 + إذا رفضك الناس ، فتذكر ما فعلوه بسيدك يسوع المسيح ، وتحمّل من أجله كما تحمّل من أجلك0 ع 34 : كانت عادة الرومان أن يُسقوا المقدَّم للصلب خلاً ممزوجاً بمرارة حتى يُخدَّر جزئياً من يشربه ، فيتحمّل الآلام بسهولة أكثر0وكان بعض اليهود يقدّمون الخل الممزوج بمرارة كعمل رحمة للمحكوم عليه بالإعدام ، فقد يكون بعض اليهود هم الذين قدّموا هذا الخل للمسيح0أما المسيح ، الذى حمل مرارة خطايانا ، فلم يرد أن يشرب أى مُخدّر حتى يحمل كل أتعاب خطايانا ، فهو : " مجروح لأجل معاصينا ، مسحوق لأجل آثامنا ، تأديب سلامنا عليه ، وبحبره شفينا " ( اش 53 : 7 )0ويذكر مرقس البشير أنهم : " أعطوه خمراً ممزوجة بمر " ( 15 : 23 ) ، وليس هناك اختلاف مع متى الذى ذكر أنه خل ، لأن عسكر الرومان كانوا يستخدمون نوعاً رخيصاً وحامضاً من الخمر ، فطعمه يشبه الخل ، ويعطى نفس تأثير الخمر ، عند مزجه بالمر ، فى تخدير من يشربه0يلاحظ أن تقديم الخمر الممزوج بمرارة للمسيح قبل تعليقه على الصليب ، غير المرة الثانية التى قدّموا فيها خلاً له وهو معلّق ( ع 48 ) ، وعندما قال : " أنا عطشان " ( يو 19 : 28 )0 ع 35 : ثياب المسيح الملتصقة بجسده ترمز للكنيسة ، وقد قسمها الجند الذين قاموا بصلبه إلى أربعة أقسام بينهم ، رمزاً لخلاصه المقدم لأربعة أركان العالم0وقد أخذها الجند الأمميون ، فخلاصه مقدم للعالم كله ؛ لليهود والأمم ولكل من يؤمن به0أما لباسه ، فكان منسوجاً كقطعة واحدة ، وقد اقترعوا عليه ، فهو يرمز للكنيسة الواحدة المنسوجة من فوق ، أى من السماء ، ويريدها أن تحيا فى محبة واحدة دون انشقاق0وقد تنبأ داود عنه ( مز 22 : 18 ) ، أن ثيابه يقتسمونها ويقترعون عليها0وقد كان الصلب تعذيباً شديداً لمن يُصلب ، فبعد أن يُعرّوه ، يسمّرونه فى يديه ورجليه ، ويتركونه معلقاً حتى يموت وهو يعانى من النزيف والآلام الصعبة0وكان الصلب أيضاً يعنى العار والخزى عند الرومان ، الذين كانوا يحكمون العالم فى ذلك الوقت0واقتسام الثياب يظهر مدى قسوة البشر ، وانهماكهم فى تحصيل الماديات فيما هم يعذبون الآخرين0فالمسيح يموت لأجل خلاصنا ، أما نحن ، فننشغل باقتسام ثيابه أو الإقتراع عليها0وكانوا يضعون المصلوب على الصليب أفقياً ، ويسمرونه ، ثم يرفعون الصليب ويضعونه فى حفرة قد تم تجهيزها لذلك ، ويثبّتونه بحيث تكون رجلىّ المصلوب مرتفعة عن الأرض نحو 30 - 40 سم0وقد تم تسمير المسيح على الصليب فى نهاية الساعة الثالثة ، لذلك يذكر مرقس البشير أنهم صلبوه فى الساعة الثالثة ( 15 : 25 ) ، أما يوحنا البشير ( 19 : 14 ، 15 ) فيذكر أن نهاية محاكمة المسيح على يد بيلاطس كانت نحو الساعة السادسة ، أى قبل انتهاء الساعة الثالثة بقليل ، وهى الفترة التى تم خلالها الخروج من أورشليم إلى الجلجثة وتسمير المسيح على الصليب ، حتى أنه فى الساعة السادسة كان قد تم تعليقه على الصليب ، وتثبيت الصليب فى الأرض ، وحينئذٍ صارت الظلمة على الأرض كلها ( ع 45 )0 ع 36 : جلس الجند الرومان لحراسة يسوع ، مع أنه الحارس للعالم كله ، ولكنه اتضع وخضع ليفدينا0وبهذا يكون الحراس شهوداً على صلبه وموته ، ليكون ذلك دليلاً على قوة قيامته بعد الموت ، وكذلك لم يُصلب إنسان آخر شبيه له ، فهو المسيح الذى سلّمه يهوذا وحاكمه اليهود ، وصُلب ومات من أجل خلاص المؤمنين به0 ع 37 : كتب الرومان فوق الصليب أنه ملك اليهود ، وهو ليس ما أراده الكهنة وشيوخ الشعب ، ولكن كان هذا بسماح إلهى ، لأنه هو ملك الملوك الذى يفدى شعبه0وكانت العادة كتابة علة الصلب أو سببه ، وكان المقصود أن سبب صلب المسيح هو ادعاؤه أنه ملك اليهود ، وهذا مقاومة للقيصر0يلاحظ أن الإنجيليين الأربعة قد أجمعوا على أن سبب صلب المسيح هو ادعاؤه أنه ملك اليهود ، وقد أوردوه كالآتى ، مع مراعاة أن النقل من اللغات المختلفة قد يصحبه بعض الفروق فى التعبير : * متى : " هذا هو يسوع ملك اليهود " ( 27 : 37 )0 * مرقس : " ملك اليهود " ( 15 : 26 )0 * لوقا : " هذا هو ملك اليهود " ( 23 : 38 )0 * يوحنا : " يسوع الناصرى ملك اليهود000 " ( 19 : 19 )0 ويلاحظ أن لوقا ويوحنا ( 19 : 20 ) البشيرين ، أضافا أن ما كتب كان بثلاث لغات ، هى العبرانية واليونانية واللاتينية0 ع 38 : لقد تنازل المسيح ليكون بين الأشرار ، فقد صُلب معه لصان واحد عن اليمين وواحد عن اليسار ليطلب خلاصهما0وقد آمن به اللص اليمين ، فقبله فى فردوسه ( لو 23 : 40 - 43 )0 + إتضع بين الضعفاء والمحتقرين لتشجعهم وتجذبهم للمسيح ، فيجدوا راحتهم ، كما اتضع المسيح وصُلب بين الأشرار0 (7) محاولة تعطيل الفداء ( ع 39 - 44 ) : ع 39 - 40 : كان الشيطان فى حالة من الشك الدائم وعدم اليقينية نحو شخص الرب يسوع0وعندما خشى أن يكون هو ( المسيا ) المنتظر المعلق على الصليب ، حاول إيقاف عملية الفداء ، وبالتالى عملية تقييده من المسيح بأن جعل الذين يمرون عليه يستهزئون به ، ويستفزونه حتى ينزل عن الصليب ، وكانوا يذكّرونه بكلامه عن قدرته على هدم الهيكل وبنائه فى ثلاثة أيام ، أى إن كان قادراً على ذلك كما ادعى ، وإن كان أيضاً إبن الله كما يقول ، فلينزل عن الصليب ، مع أنه لم يقل هذا عن هيكل سليمان ، بل عن هيكل جسده الذى حين يصلبونه ويموت ، سيقيم نفسه فى اليوم الثالث0وكانت هذه هى الشهادة الزور عليه ، وهى قوله أنه سينقض هيكل اليهود ، وهذا لم يحدث0وقد اشترك فى هذا الإستهزاء اليهود الذين مروا فى هذا المكان ، وكذا رؤساء الكهنة ( ع 41 ) ، وأيضاً عساكر الرومان ( لو 23 : 36 )0فكانت الإستفزازات كثيرة للمسيح ، حتى ينزل عن الصليب ولا يكمل عملية الفداء0 ع 41 - 42 : إشترك رؤساء الكهنة أيضاً مع الكتبة والشيوخ فى الإستهزاء به ، بأنه إذا كان قد صنع معجزات وشفى مرضى وأقام من الأموات ، فليخلّص نفسه الآن ، أى يؤكدون عجزه ويستفزونه ليرد على إفتراءاتهم ، ناسبين معجزاته السابقة إلى السحر والعلاقة برئيس الشياطين ، بدليل عجزه الآن عن تخليص نفسه ، مستهزئين بادعائه أنه ملك إسرائيل ، لأن تفكيرهم فى المُلك أرضى مرتبط بالقوة والعظمة المادية ، وليس سماوياً0 ع 43 : إستمروا فى استهزاءاتهم بالمسيح ، فقالوا له : إن كنت أنت إبن الله ، واتكلت عليه كما ادعيت ، فلماذا لم يخلّصك الله من العذاب والموت ، فصلبك يؤكد أنك لست المسيا المنتظر ، وهذا الإستهزاء تنبأ عنه داود بالتفصيل فى ( مز 22 : 7 ، 8 )0 ع 44 : هنا استهزاء وتعيير آخر يأتى إليه من أحد اللصين ، وهو اللص اليسار ( بحسب التقليد الكنسى ) ، إذ قال له : " إن كنت أنت المسيح ، فخلّص نفسك وإيانا " ( لو 23 : 39 )0وقد كُتب أن اللصين كانا يعيّرانه ، باعتبار أن تعيير أحدهما يدل على كلاهما ، مع أن اللص اليمين لم يشترك فى هذا التعيير الشرير ، كما يذكر لوقا البشير ( 23 : 40 ، 41 ) ، والكتاب المقدس يذكر أن أحد اللصين آمن به0لذلك لقّبته الكنيسة باللص اليمين ، باعتبار أن اليمين يمثل البركة والقوة ، أما اليسار فيرمز للبعد عن الله0 + لا ترد على الأشرار إذا استفزوك ، حتى لا تخطئ مثلهم ، بل اهرب بحياتك من الغضب ، فتكون بالحقيقة قوياً مثل المسيح وتتمم أهدافك0 (8) موت المسيح ( ع 45 - 50 ) : ع 45 : أعلنت الطبيعة حدادها واستنكارها لما يصنعه البشر مع إلههم المصلوب ، بأن صارت ظلمة على كل الأرض فى منتصف النهار والشمس فى قوتها من السادسة إلى التاسعة بحسب التوقيت اليهودى ، وهى من الثانية عشرة حتى الثالثة ظهراً0وهذه الظلمة ترمز لظلمة الخطية التى عاش فيها العالم ، وقد صُلب المسيح ليرفعها عنا ، وكذا إعلاناً لحزن الطبيعة من أجل صلب وموت خالقها ، وتنبيهاً للأشرار حتى يتوبوا كما تاب وآمن اللص اليمين0 ع 46 : " نحو الساعة التاسعة " : أى قرب نهاية الساعة السادسة0 " إيلى " : كلمة عبرانية معناها : إلهى ، وبالسريانية : ألُوِى أو إلُوِى ، كما ذكر مرقس البشير ( 15 : 34 )0 " إلهى000إلهى ، لماذا تركتنى ؟ " : تعبير يهودى معروف ومحفوظ ، إذ أنه الآية الأولى من ( المزمور 22 ) الذى يشير إلى نبوات واضحة عن آلام وصلب المسيح ، ففيه تنبأ داود عن : (1) إحتقار واستهزاء الشعب ( ع 6 - 8 )0 (2) عطشه قبل موته ( ع 15 )0 (3) ثقب يديه ورجليه ( ع 16 )0 (4) إقتسام ثيابه وإلقاء قرعة عليها ( ع 18 )0 لهذا إستخدمه المسيح ، كأنه يقول لليهود إرجعوا إلى ما كتب داود عنى ، لتعلموا ماذا تصنعون أنتم بى0ولا يُقصد طبعاً أن الله تركه ، لأنه هو الإله المتأنس ، والإبن والآب جوهر واحد0ومناداة المسيح تعلن شدة الآلام التى يعانيها ، سواء الآلام الجسدية أو الآلام الروحية ، لأنه يحمل خطايا العالم كله ، وهو الله القدّوس الذى يتنافر مع الخطية ، فيُظهر شناعتها0 ع 47 - 49 : كان اليهود الواقفون وسامعين له ، يظنون إنه ينادى إيليا ، لأن لفظة إيلى تشبه إيليا ، كما أنهم يعتقدون أن إيليا سيأتى مرة ثانية0فاستهزأوا به قائلين : اُنظروا ، هل يأتى إيليا يخلصه ؟ وهذا استفهام استنكارى ، أى لن يأتى إيليا0وأعلن المسيح عطشه وقال : أنا عطشان ( يو 19 : 28 ) ليؤكد ناسوته ، فالمصلوب يشعر بالعطش الشديد ، فتقدم واحد وقدم له خلاً ليشرب منه ، ووضعه فى إسفنجة ووضعها على قصبة من نبات الزوفا كما يذكر يوحنا البشير ( 19 : 29 )0والزوفا نبات كانت غصونه تستعمل لرش المياه المقدسة حسب الطقوس اليهودية0 ع 50 : بهذا أكمل المسيح كل الآلام عنا فصرخ بصوت عظيم تعبيراً عن شدة الألم ، ومات على الصليب ، وانطلقت روحه منفصلة عن جسده ، وبهذا تم الفداء ؛ ولكن ظل لاهوته متحداً بجسده وأيضاً بروحه0وقد نطق المسيح وهو على الصليب بسبعة أقوال ، هى : (1) صلاته من أجل من يصلبونه ، قائلاً : " يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون " ( لو 23 : 34 )0 (2) وعده للص التائب بالفردوس ، بقوله : " اليوم تكون معى فى الفردوس " ( لو 23 : 43 )0 (3) تسليمه العذراء أمه ليوحنا بقوله لها : " يا امرأة هوذا ابنك " ، ثم قوله ليوحنا : " هوذا أمك " ( يو 19 : 26 ، 27 )0 (4) صراخه إلى الله من شدة الألم ، قائلاً : " إيلى000إيلى لَمَا شبقتنى " ( مت 27 : 46 )0 (5) قوله : " أنا عطشان " ( يو 19 : 28 )0 (6) قوله : " قد أُكْمِلَ " ( يو 19 : 30 )0 (7) تسليم روحه لله ، قائلاً : " يا أبتاه فى يديك أستودع روحى " ( لو 23 : 46 )0 + اُنظر لآلام المسيح على الصليب حتى تشعر بحبه لك ، فتحبه كل حين0 (9) حوادث مصاحبة لموت المسيح ( ع 51 - 56 ) : ع 51 : عند موت المسيح فى الساعة التاسعة ، إنشق حجاب الهيكل ، وهو ستارة ضخمة من القماش ، عرضها حوالى 7 متر وارتفاعها 14 متراً ، وهى تفصل بين القدس وقدس الأقداس ( للتقريب لذهن القارىء ، كان الهيكل يتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية : الدار الخارجية ، وهى تماثل صحن الكنيسة حالياً ، وكان ممكن للشعب التواجد بها0أما الجزءان الداخليان " القدس وقدس الأقداس " ، فلا يُسمح لأحد بالإقتراب منهما سوى الكهنة0ويمكن تشبيههما بالهيكل والمذبح فى كنائسنا ) ، ولا يمكن أن يرى هذا الإنشقاق إلا الكهنة ، فهم وحدهم المسموح لهم بالدخول إلى القدس ، وقد آمن بعضهم وأعلن ما حدث0وانشقاق الحجاب إشارة ثانية إلى نهاية الكهنوت اليهودى ، وبداية الكهنوت المسيحى ، { كانت الإشارة الأولى فى ( ص 26 : 56 ) ، عندما مزق قيافا رئيس الكهنة ثيابه } ، إذ أتم المسيح الفداء على الصليب كرئيس كهنة ، قدّم نفسه ذبيحة عنا ، وبموته فتح لنا الطريق إلى الأقداس ، أى فردوس النعيم وملكوت السماوات ، إذ لم يكن مسموحاً فى العهد القديم أن يدخل أحد إلى قدس الأقداس إلا رئيس الكهنة ومعه دم يرشه على تابوت العهد0أما الآن ، فالمسيح رئيس الكهنة بشق جسده ، أى موته على الصليب ، فتح لنا الطريق إلى الأقداس ، فنستطيع ، ليس فقط أن ننظر إلى الهيكل والمذبح فى الكنيسة ، بل نتناول جسده ودمه الأقدسين0 " الأرض تزلزلت ، والصخور تشققت " : معناه اهتزاز الطبيعة أمام الخلاص الإلهى الذى تم على الصليب0ومن الناحية الروحية الرمزية ، يرمز إلى اهتزاز الشهوات الأرضية التى رفعها عنا المسيح ، وتشقُّق القلوب الصخرية ليسكن فيها0 ع 52 - 53 : بالإضافة إلى تأثر الهيكل والطبيعة ، تأثر الموت أيضاً ، فلم يعد له سلطان على أولاد الله ، إذ القبور تفتحت ، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين ( المؤمنين ) ، فقد نقلهم بصليبه من الجحيم إلى الفردوس ، فهم يعلنون بقيامتهم فرحتهم بالخلاص الذى نالوه ، وخرجوا من القبور بعد قيامته ، ودخلوا المدينة المقدسة ، أى أورشليم ، لأن فيها هيكل الله ، وظهروا لكثيرين ليعلنوا القيامة والخلاص لليهود حتى يؤمنوا بالمسيح الفادى ، سواء كانوا من القديسين المعروفين مثل الأنبياء ورجال الله ، أو المؤمنين بالمسيا المنتظر من اليهود الذين ماتوا من فترة قريبة ويعرفهم الناس الذين فى أورشليم0 ع 54 : عندما رأى قائد المئة والجند الذين معه المسئولون عن حراسة المسيح المصلوب ( وهم رومانيون أمميون ) تغيرات الطبيعة بالزلزلة وتشقق الصخور ، بالإضافة إلى معاينتهم الظلمة السابقة ، أعلنوا أن المسيح ليس إنساناً عادياً ، بل خافوه كإله ، وقالوا : " حقاً ، كان هذا ابن الله " ، مصدقين قوله عن نفسه أنه إبن الله ، كما علموا من الجموع الذين مروا بالصليب0ويذكر يوحنا البشير ( 19 : 31 ) أنه فى هذا الوقت ، طلب اليهود من بيلاطس كسر سيقان المصلوبين ، حتى يموتوا ولا تبقى أجسادهم معلقة فى عيد الفصح والفطير الذى يمتد ثمانية أيام ، فوافق ، وكسر الجند أرجل اللصين ، وعندما أتوا للمسيح وجدوه قد مات ، فطعنه أحد الجنود بحربة فى جنبه للتأكد من موته ، فخرج دم وماء0 ع 55 - 56 : وكانت هناك مجموعة من النساء ، هن اللاتى كن يتبعن ويخدمن المسيح بأموالهن ، وأتين معه من الجليل فى شمال اليهودية إلى أورشليم ، ومنهن مريم المجدلية التى أخرج منها سبعة شياطين ، ومريم زوجة كِلُوبَا أو حلفا أخت العذراء مريم ، وسالومة أم يعقوب ويوحنا ابنى زَبَدِى0وكن ينظرن من بعيد ، إما خوفاً من اليهود ، أو لأن العسكر أبعدوهن ، ولكن محبتهن جعلتهن يتابعن كل شىء حتى النهاية0 + الله يُظهر أمامك علامات فى أحداث الحياة لتؤمن به وتتكل عليه ، يمكنك أن تفهمها إن كنت متمسكاً بعلاقتك به فى صلوات وأصوام وقراءات وتناول من الأسرار المقدسة0وإن فهمت ما يحدث حولك فلا تهمله ، بل ليكن دافعاً لك حتى تتوب ، وتُزيد علاقتك مع الله0 (10) دفن المسيح ( ع 57 - 61 ) : ع 57 - 58 : أحد تلاميذ المسيح ، أى تابعيه ، يدعى يوسف الرامى ، والرامة قريبة من أورشليم0وكان هذا أحد شيوخ اليهود من مجمع السبعين شيخاً ، وهو غنى ، ولم يكن موافقاً لرأى شيوخ اليهود فى صلب المسيح ( لو 23 : 51 )0وبما له من علاقات ومركز ، استطاع بجرأة وإيمان أن يدخل إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع بعد أن مات ، فسمح له0وبتصرّفه هذا ، عرّض نفسه للخطر من بيلاطس واليهود ، لأن هذا دليل على ارتباطه الشديد بالمسيح المصلوب ، ولكنه لم يخف ، والله حفظه فلم يؤذه أحد0 ع 59 : اشترك مع يوسف الرامى نيقوديموس الذى كان مؤمناً بالمسيح ، ولكن خفية مثل يوسف خوفاً من اليهود ، وكان يحمل أطياباً وحنوطاً وضعاه على الجسد ( يو 19 : 39 )0ثم أخذ يوسف الجسد ولفه بكتان نقى0والكتان يوضع للأغنياء إذ هو ملك الملوك ، وأيضاً لباس الكهنة إذ هو رئيس كهنتنا الذى قدّم نفسه ذبيحة على الصليب0 ع 60 : كان يوسف يملك بستاناً قريباً من مكان الجمجمة داخله صخرة نحت فيها قبراً لنفسه0وعندما مات المسيح ، فضّله على نفسه ووضعه فى قبره الجديد الذى لم يوضع فيه أحد0وكان هذا بتدبير الله ، ليؤكد قيامته ، فلا توجد أجساد أو عظام أخرى معه يُشَكّ أنها قامت0ووضع حجراً كبيراً على باب القبر لا يستطيع أحد بسهولة أن يدحرجه ، ليؤكد هذا عدم استطاعة تلاميذ المسيح أن يسرقوا الجسد دون ضوضاء يشعر بها حراس القبر0 ع 61 : مازالت بعض النساء ، فى محبتهن للمسيح ، يراقبن دفنه0ويذكر الكتاب المقدس منهن مريم المجدلية ومريم أخرى يذكر مرقس البشير أنها أم يوسى ( 15 : 47 ) ، ويذكر لوقا أنه : " تبعته نساء كن قد أتين معه من الجليل ، ونظرن القبر وكيف وُضع جسده0فرجعن وأعددن حنوطاً وأطياباً ، وفى السبت استرحن حسب الوصية " ( 23 : 55 ، 56 ) ، كما يذكر يوحنا : " وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كِلُوبَا " ( 19 : 25 )0 + محبتك لله تجعلك تراقب طرقه وتسير وراءه ، ليس فقط فى وقت الراحة ، بل وفى الضيقات أيضاً ، متمسكاً بوصاياه ، فكن جريئاً وأعلن محبتك له مهما كان الأشرار يرفضون طريق الله0 (11) ختم القبر ( ع 62 - 66 ) : ع 62 - 64 : " رؤساء الكهنة والفريسيون " : أعضاء مجلس السنهدريم0 " المضل " : مازالوا يلقبون المسيح بذلك ، رغم رؤيتهم للظلمة والزلزلة ، لأنهم مصرون على الشر0فى مساء يوم الجمعة ، أى بداية السبت ، إذ أن اليوم يبدأ من ليلته ، وبعد انتهاء يوم الجمعة المسمى عند اليهود بالإستعداد ليوم السبت ، بعد دفن المسيح ، تذكّر رؤساء الكهنة والفريسيون كلام المسيح عن قيامته عندما : " قال لهم انقضوا هذا الهيكل أى جسده وفى ثلاثة أيام أقيمه " ( يو 2 : 19 ) ، وقد يكونوا عرفوا من أحد تلاميذه نبوته عن قيامته فى اليوم الثالث ( ص 16 : 21 ) ، وخافوا أن يسرق التلاميذ جسده ويدّعوا أنه قام0فذهبوا إلى بيلاطس وأخبروه بهذا ، وطلبوا منه أن يأمر بضبط القبر ، أى بوضع الأختام والحراس عليه ، ولم يفهموا أنهم بهذا يؤكدون قيامته عندما يقوم فى اليوم الثالث ، رغم وجود الأختام والحراس0 " الضلالة الأخيرة " : إذ اعتبروا كل تعليم المسيح ضلال للشعب ، فإذا سرق التلاميذ جسده وادعوا أنه قام ، يضلون الشعب أكثر من أيام حياة المسيح بينهم0 ع 65 - 66 : سمح لهم بيلاطس أن يضبطوا القبر ، فمضوا وضبطوا القبر بالحراس الرومانيين والأختام ؛ وبالطبع أتموا كل شىء بتدقيق ليضمنوا عدم سرقة الجسد0 + لا تنزعج من حِيَلِ الأشرار وقوتهم ، فالله يحولها لمصلحتك وإظهار برك0