كلمة منفعة
1- هناك أحلام من الله:مثل الأحلام التي ظهرت ليوسف النجار، وللمجوس، قيل له في حلم أن يأخذ الطفل وأمه ويمضى إلى مصر. وقيل لهم في حلم أن يرجعوا من طريق آخر. وكذلك الأحلام التي رآها والتي فسرها يوسف الصديق ودانيال النبي: وكلها أحلام موجهة، ومنبئة بشيء يحدث في المستقبل.
— الأحلام
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الخامس
العظة على الجبل * التطويبات * استكمال الناموس
(1) مقدمة العظة على الجبل ( ع 1 - 2 ) :
ع 1 : تكاثرت الجموع خلف المسيح ، فخرج بهم إلى الجبل ليحدثهم بكلامه المحيى0والجبل يشبر روحياً إلى الإرتفاع عن الماديات ، والقوة والثبات الروحى0وتكلم معهم فى خطاب طويل إستغرق ثلاثة أصحاحات ، ويُعتبر دستوراً للمسيحية فيه أهم تعاليمها0وقد إقترب منه تلاميذه لمحبتهم فيه0 " صعد " : كان هناك جموع كثيرة تتبع المسيح ، وهى التى ذُكرت فى نهاية الأصحاح السابق0وحتى يسمعوه ويروه بوضوح ، صعد مسافة صغيرة على الجبل وجلس ، واقترب منه تلاميذه0أما باقى الجموع ، فجلست أمامه على الأرض فى الوادى المتسع ؛ وهذا الجبل هو أحد الجبال القريبة من كفرناحوم فى الجليل0
ع 2 : بدأ المسيح يتكلم ويعلم الجموع بكلام مباشر ، وهذه العظة هى من أشهر عظاته0وقد يكون كرر بعض معانيها فى مناسبات أخرى ، ولكنها من أهميتها تُعتبر دستوراً للمسيحية0وقد كانت عظته بمثابة تفسير للناموس ، مضيفاً إليه كمال الحياة المسيحية ، فما جاء لينقض الناموس بل ليكمله ( ع 17 )0
(2) التطويبات وهى الغبطات أو البركات ( ع 3 - 12 ) :
ع 3 : بدأ المسيح حديثه بتشجيع أولاده ومدحهم ، ليجاهدوا فى حياتهم الروحية ، فأظهر لهم المكافأة ، ليتحمسوا للعمل الروحى0وأول مدح كان " المساكين بالروح " ، أى المتضعين ، لأن الإتضاع هو أساس كل فضيلة ، كما أن الكبرياء هو الخطية الأولى التى أسقطت آدم ، وأيضاً الشيطان0وبالتالى ، فالمتضع يضمن ملكوت السماوات الأبدى بحلول الله فى قلبه بملكوته الروحى ، فيفرح ويتمتع كل حين0
ع 4 : ثم يمدح الحزانى على خطاياهم ، أى التائبين ، ومن يحزنون على خطايا الآخرين ، فيصلّون لأجلهم ، لأن الله يعطيهم سلاماً فى قلوبهم فى هذه الحياة ، ثم تعزيات سماوية وأمجاد فى الأبدية0ومن أجل هذا ، أحب أولاد الله الدموع والندم على الخطية ، ليحيوا فى البر بقلوب رقيقة ، تشعر بحنان الله وغفرانه ، وتشكره كل حين0وهذا الحزن طبعاً غير الحزن على فقدان الماديات ، أو عدم الحصول عليها ، فهذا حزن باطل ينبغى التحرر منه0
ع 5 : إذ يتحلّى الإنسان بالتوبة ، تهدأ نفسه ، فيصير وديعاً فى داخله لا ينفعل لأى مكسب أو خسارة0وعلى قدر قوة علاقة الروح بالله ، يهدأ الجسد وتُروَّض طاقاته ؛ وقد قدّم المسيح نفسه مثلاً أعلى فى الوداعة لنتعلم منه0ويظن البعض أن الوديع يخسر حقوقه فى هذه الحياة ، لكن الله يعد الودعاء بوراثة الأرض0والمقصود بـ " الأرض " ، ليس فقط الأرض الجديدة فى ملكوت السماوات ، بل أيضاً الأرض التى نعيش عليها ، إذ أن الوديع يحبه الجميع وتزداد بركات الله له ، المادية بالإضافة إلى الروحية ، فلا يحتاج لأى شئ مادى0وترمز الأرض أيضاً للجسد ، الذى يخضع للروح ، فيصير هيكلاً للروح القدس0وكذلك ترمز الأرض للأشرار ، الذين يتحولون عن طبعهم الشرير بمخالطة الودعاء ، وبهذا يكسبونهم للمسيح0
ع 6 : " البر " : هو الصلاح والأعمال الحسنة ، وكل حياة فى الله0وكمال البر هو المسيح ، فالجوع والعطش إليه هو الشعور بالاحتياج المستمر للإمتلاء به0وكما كان بنو إسرائيل فى البرّية ، يشبع الله جوعهم بالمن من السماء ويروى عطشهم بالماء من الصخرة ، مانحاً إياهم الحياة فى البرّية القاحلة ، كذلك المسيح هو حياتنا التى لا نستطيع أن نعيشها بدونه0ومن يطلب المسيح ، لابد أن يشبع ويمتلئ بفرح0وهذا الجوع والعطش ، يدفع الإنسان للنمو فى الحياة الروحية بالطموح والإقتراب المتزايد من الله ، وانتهاز كل فرصة لمعرفته بالصلاة والقراءة والتأمل ، وفوق الكل التمتع بالأسرار المقدسة0
ع 7 : الرحمة : هى الإحساس بالآخر ، ووضع نفسك مكانه ، فتعطيه ، ليس فقط الإحتياجات المادية أو العاطفية ، بل المشاركة ، فتأكل وتتحرك وتفكر معه ، كما فعل المسيح إذ تجسد ، وشاركنا طبيعتنا كلها ما خلا الخطية وحدها0وتذكّر أن المسيح هو من تصنع معه الرحمة ، لأنه دعا المحتاجين " إخوته " ، وما نفعله معهم كأننا فعلناه معه0ومكافأة الرحمة أننا ننال مراحم الله فى حياتنا وخاصة فى الضيقة ، ثم فى النعيم الأبدى ( راجع ص 10 : 42 ، ص 25 : 34 - 46 )0
ع 8 : " القلب " : يمثل داخل الإنسان وأعماقه ومشاعره ونياته ، ونقاوته معناها تجرده من كل شهوة شريرة ، وكل انشغال عالمى عن محبة الله ، إذ يصير القلب مهيّأً لسكنى الله بالنقاوة ، ويستطيع أن يعاين الله ويشعر أنه بداخله ومعه فى كل شئ ، ليس بالرؤية أو السماع الحسى ، بل بالإحساس الروحى ، لأنه أعمق من الأمور الحسية ، ومشبع للنفس جداً ؛ وكل الصفات السابقة تجتمع معاً لتؤهل النفس للنقاوة التى بها نعاين الله0
ع 9 : " السلام " : هو استقرار القلب وراحته وفرحه0وصنع السلام يكون مع النفس فأحيا فى سلام ، وهذا يستلزم التنازل عن كل ما يقلق من شهوات ردية وأطماع أرضية ، بل والإستعداد للتنازل عن جميع الحقوق والإحتفاظ بالحق الأهم ، وهو السلام الداخلى0وإذا اكتسبنا سلامنا ، نستطيع أن نصنع سلاماً مع الآخرين بالحب والصلوات لأجلهم ، ومساعدتهم على الخروج من متاعبهم ، حتى وإن احتملناهم كثيراً لأنهم مساكين فاقدين سلامهم0والسلام هو الخضوع لله ، إله السماء ، الذى يمنحه كهبة للذين يحبونه0وقد صنع سلاماً بين الأرض والسماء ، ومصالحة بينهما ، بدمه على الصليب0فإن سعينا فى طلب السلام ، نكون بالحقيقة أبناء له0
ع 10 - 12 : التطويب الثامن والأخير ، ينتج من كل الصفات السبعة السابقة ، وهو احتمال الإضطهادات من أجل الحياة النقية والأمانة ، ومن أجل طاعة المسيح ووصاياه0ويعدنا الرب ، مقابل الآلام المحدودة فى هذه الحياة ، بأمجاد ملكوت السماوات التى لا تنتهى0 " البر " : أى الصلاح وأعمال الخير والحياة مع الله ، وهذا شرط للمكافأة السماوية ، لأنه لو أساء الناس إلينا ليس لبرنا ، بل لأخطاء صنعناها ، فهذا جزاؤنا الطبيعى0 " عيَّروكم " : أى استهزأوا بكم وبمسيحكم وبكل معتقداتكم وسلوككم المستقيم0 " كل كلمة شريرة " : وهى اتهامات باطلة يدعيها الأشرار عليكم ، كما فعلوا أيام الإضطهاد الرومانى ، وفى كل جيل0 " افرحوا وتهللوا " : لأنكم شاركتم المسيح فى آلامه ، وللأمجاد السماوية التى تنتظركم عِوض كل ما احتملتموه0 " عظيم " : ليُظهر مقدار البركات السماوية التى لا يُعبَّرُ عنها0ويدعونا للثقة فى سلوكنا البار ، مهما كانت تشكيكات وادعاءات الأشرار التى نحتملها ، عالمين أنها طريقنا لننال أجرنا السمائى ، خاصة وأن كل الأنبياء والقديسين إحتملوا لأجل الله ، فالإحتمال شرط أساسى لنوال الملكوت0ونصوص هذه التطويبات هى صفات الإنسان المسيحى ، التى لا يُستغنى عن أحدها لنوال المكافآت الثمانية0وأمامنا مثلنا الأعلى ، المسيح ، لنجد التطبيق العملى لكل هذه الصفات فيه0
+ إن كنت تبغى السعادة ، وتشتاق أن تصل إلى الملكوت ، فلابد أن تقتنى الفضيلة ، وتتعب لتقتنيها ، فتفرح بسكنى المسيح فيك0إفحص حياتك ، لتعرف الخطية المتكررة التى تعانى منها ، واسع لاقتناء الفضيلة المقابلة لخطيتك0فإن كنت تعانى من الكبرياء ، تعلم الإتضاع0وإن كنت محارباً بالنجاسة ، فأنت محتاج للطهارة000وإرشادات أب إعترافك تفيدك كثيراً فى هذا الأمر0
(3) رسالة المسيحى ( ع 13 - 16 ) :
ع 13 : شبه المسيح أولاده " بالملح " الذى يملح الأرض ، أى البشر الأرضيين المرتبطين بالعالم0ويتميز الملح بذوبانه فى الطعام ، فيعطى مذاقاً أفضل ، دون أن يلغى طعمه الأصلى ، مثل المسيحى الذى يؤثر فى الآخرين فيصيروا فى حياة أفضل ، ولا يفقدوا شخصياتهم الخاصة0والملح رخيص ومنتشر فى العالم كله بسهولة ، مثل المسيحى المتضع الذى تنتشر خدمته لكل إنسان0والملح أبيض اللون ، فيرمز للنقاوة والطهارة0ويستخدم أيضاً فى حفظ الأطعمة من الفساد ، كما أن المسيحى يحفظ نفسه ومَن حوله ويثبتهم فى الحياة مع الله0المشكلة الحقيقية ، هى أن يفسد الملح الذى نعتمد عليه فى إصلاح الجميع0ومتى يفسد الملح ؟
(1) إذا اختلط بمواد غريبة ، فيضعف تأثيره ، مثل اختلاط المسيحى بالأشرار وتأثره بهم0
(2) دخول رطوبة عليه فتضعف ملوحته ، وهذا يرمز للتنعم والتلذذ براحة الجسد ، وشهوات الحياة الفاسدة0
(3) إذا اختلط بالماء ومر فيه تيار كهربائى ، يتحول إلى مواد ضارة مثل الصودا الكاوية ، وهذا يرمز لخضوع المسيحى لقوى العالم الشريرة ، مثل التعلق بمحبة المال والشهوات المختلفة ، فتملأ قلبه وتغيّره عن طبعه ، ويصبح ضاراً ومفسداً للمحيطين به الذين يرونه قدوة ، فيصبح مُعثراً لهم0
حينئذٍ تظهر مشكلة ، ألا وهى : بماذا نُملّح أو نصلح الآخرين ؟ ومن ناحية أخرى : ماذا نصنع بهذا الملح الفاسد ؟ إنه فقد عمله وهدف وجوده فى الحياة ، فلا ينتظره إلا أن يُلقى خارج الملكوت ، ويعانى آلام الدوس ، أى العذاب الأبدى ، والسحق الذى لا ينتهى0
ع 14 : يشبّه المسيحى " بالنور " الذى وظيفته أن ينير للآخرين ، وهو يتميز بما يلى :
(1) يرشد الآخرين فى طريق حياتهم0
(2) يكشف لهم الشر وكل ما يضرهم ليبتعدوا عنه0
(3) يساعدهم على عمل الخير ، فالعمل يكون فى النور وليس فى الظلمة0
(4) النور قوى ، لا يخاف الظلام ، أى الشر ، بل إن الظلمة تهرب منه0
فلابد أن يكون المسيحى فى سمو حياة روحية كمدينة مبنية على جبل ، لا يمكن إخفاء نورها ، مثل القمر الذى يضئ العالم بنوره العاكس لضوء الشمس التى هى الله ، فهو يطالبنا أن ننير العالم كله بحياتنا الصالحة0
ع 15 : يشبّه أيضاً حياة المسيحى بسراج ( مصباح أو قنديل ) فى بيت ، الهدف منه إنارة هذا البيت ، ويوضع على منارة أو مكان مرتفع ليصل نوره إلى كل أرجاء البيت ؛ ومن غير المنطقى أن يوضع فوق السراج مكيال ليخفى ضوءه0 " المكيال " : هو وعاء ذو فوهة ضيقة وقاعدة أكبر ، يستخدم لتعيين حجم الحبوب عند بيعها ، فإذا وُضع فوق السراج يخفى ضوءه تماماً0وهو يرمز للماديات والقياسات العقلية ، وهموم العالم التى تمنع إنطلاق النور " نور عمل الروح القدس فينا " ليضئ للآخرين0
ع 16 : يطالبنا بالقدوة للآخرين فى الأعمال الصالحة ، فيروا المسيح فينا ، وعمل روحه القدّوس ، فيمجدوا الله وينجذبوا للحياة معه ، ولا يكون غرضنا من الأعمال الصالحة الكبرياء ومديح الناس ومجد أنفسنا ، بل نسلك بالبر من أجل الله كقدوة للآخرين ، فنجذب القلوب لمحبة الله0
+ إن لك دور أساسى فى العالم ، وهو إظهار المسيح فى كلامك وتصرفاتك فى كل مكان تذهب إليه أو توجد فيه0فاسأل نفسك فى نهاية كل يوم ، هل أظهرت المسيح فى بيتك وعملك وكل مكان ذهبت إليه ؟ حتى تتوب عن خطاياك وتدقق فى سلوكك ، فتربح نفسك ومن حولك0
(4) تكميل الناموس ( ع 17 - 20 ) :
ع 17 - 18 : المسيح هو الله ، واضع الناموس0وبالتالى ، من غير المعقول أن ينقض ما وضعه ، ولكنه تجسد ليكمله ؛ كيف ؟
أ ) فيه تتم كل الرموز والنبوات فى العهد القديم ، كما يذكر متى الإنجيلى هذه العبارة : " ليتم ما قيل بالأنبياء000"
ب ) يتمم بنفسه كل ناموس عنا ، إذ عجزنا نحن عن إتمامه ، كما يقول ليوحنا المعمدان : " نكمل كل بر " ( ص 3 : 15 )0
حـ ) يكمل الناموس فى حياتنا بقوة روحه القدّوس ، فإن كنا قد عجزنا بقوتنا أن نتممه ، فالروح القدس يسندنا ويقوينا0
د ) يكمل تفاصيل الوصايا ، فيعطى أسبابها وجذورها حتى نتلافاها ، فالقتل مثلاً بدايته الغضب ، والزنا أوله نظرة شريرة0
" الناموس أو الأنبياء " : يقصد بهما كل أسفار العهد القديم0 " الحق " : تعنى " آمين " ، والمقصود تثبيت وتأكيد ما سيعلنه فى الآية0 " السماء والأرض " : تعبير عن أكثر الأمور ثباتاً فى العالم ، لتوضيح ثبات كلام الله فى الكتاب المقدس إلى نهاية الدهور0 " حرف واحد أو نقطة واحدة " : أى أن أصغر تعليم لا يمكن أن يتغيّر0 " حتى يكون الكل " : حتى تكمل خطة الله فى خلاص أولاده يوم الدينونة ، ويكمل تطبيق كل الناموس ، بتمجيد أولاد الله وعذاب الأشرار0
ع 19 - 20 : كان الكتبة والفرّيسيّون يحفظون الناموس حرفياً ، لكنهم ينقضونه بأعمالهم0فرغم أهمية الحرف ، فإن الأهم هو تنفيذه عملياً0فمن أهمل أصغر وصية ، وعلَّم بذلك ، يكون أحط وأقل إنسان فى ملكوت العهد الجديد ، أى الكنيسة ، وينبغى أن يتوب سريعاً حتى لا يخسر أبديته0لأن من نقض إحدى الوصايا ورفضها عمداً ، يكون قد رفض الكل0أما من يخطئ بضعفه ، فالتوبة تمسح الخطايا فى سر الإعتراف0ولكن من قَرَنَ تعليمه للوصايا بتنفيذها فى حياته ، فهذا يدعى عظيماً فى الكنيسة والملكوت الأبدى0ثم ينادى المسيح تابعيه أن يزيد برهم عن الكتبة والفرّيسّيين ، فلا يكتفوا بحفظ حروف الناموس ، بل لابد من تطبيق وصاياه عملياً فى حياتهم ، لأنهم إن لم يطبقوا الناموس لن يدخلوا ملكوت السماوات0 " الوصايا الصغرى " : هى التى تختص بالإبتعاد عن شئ ، أو التدقيق فى شئ صغير0فهى مهمة مثل الوصايا الكبرى كالوصايا العشر0 " الكتبة والفريسيين " : كان اليهود يظنون أنه لكثرة معلومات هاتين الفئتين ، أنهما أعظم مثال للحياة مع الله ، فأوضح المسيح ضرورة أن يزيد البر لأى إنسان يريد أن يخلص عن هذا البر النظرى0
+ ليتك تطبق ما تقوله للآخرين فى حياتك قبل أن تعلّم به غيرك ، فتختبره وتنال بركته ، ويكون كلامك أكثر تأثيراً فى سامعيك0إن كل معرفتك الروحية ، الله أعطاها لك أنت أولاً قبل أن تعلّم بها غيرك0فاقبل كل ما تقرأه أو تسمعه للتطبيق العملى ، فتخلّص نفسك ومن يسمعونك ، إذ يظهر فى حياتك سلوك مستقيم يكون قدوة للآخرين دون أن تشعر0
(5) القتل ( ع 21 - 26 ) :
ع 21 - 22 : إن كانت التطويبات قد تكلمت عن الصفات الإيجابية فى الإنسان المسيحى ومكافآتها ، فيذكر المسيح الآن الخطايا السلبية وكيفية معالجتها ، ويأخذ مثلاً وصية صعبة ، وهى " لا تقتل " فيأتى بجذرها ، وهو خطية الغضب ، لأنه إن ابتعدنا عن الغضب ، فبالطبع لن نقتل أحداً0وقد كان الكتبة والفرّيسّيون وشيوخ اليهود يعاقبون من يقتل عمداً ، أما غير المتعمد فيهرب إلى مدن الملجأ0ولم يعطوا اهتماماً بالغضب الداخلى ، بل اكتفوا بتنفيذ الغضب خارجياً بالقتل0ولكيما يوضح المسيح خطورة الغضب ، قال : " إن كل من يغضب على أخيه باطلاً " ، أى بسبب الأمور المادية الباطلة الزائلة ، يكون مستوجباً حكم المحاكم الصغيرة التى أقيمت فى كل البلاد اليهودية ، ويقضى فيها عادة 23 قاضٍ من الشيوخ ، وهذا الحكم يمكن استئنافه أو مراجعته فى المحاكم العليا ، وأكبرها مجمع " السنهدريم " فى أورشليم ، الذى يتكون من سبعين من كبار شيوخها رؤساء اليهود ، لذا يسمى أيضاً مجمع السبعين ، وهو المجلس الأعلى وتتبعه كل المجالس الفرعية0كما أنه أكبر سلطة يهودية تأخذ القرارات فى أمور اليهود الدينية ، وكان كثير من الكتبة أيضاً أعضاء فى هذا المجمع0والمقصود بالغضب هنا ، غضب داخلى قلبى ، دون إظهار أى تعبير عنه0أما " من قال لأخيه رقا " ، وهى كلمة سريانية تعبّر عن الإحتقار المرتبط بالغضب ، يستوجب هذا محاكمة المجمع ، أى مجمع السنهدريم الذى يتكون من كبار شيوخ أورشليم0ولكن ، إن تطاول الإنسان فى غضبه ، ووصف أخيه بالحمق والغباء ، فيستحق " نار جهنم "0 " جهنم " : مأخوذة من وادى هنُّوم الذى كانت تلقى فيه بقايا الذبائح ، وكان يسرى فيها الدود ، ويحرقونها بالنار ، فكانت النار لا تنطفئ فى هذا الوادى0ولذا شبه الله العذاب الأبدى بالنار التى لا تنطفئ ، والدود الذى لا يموت ، فى وادى هنُّوم ، ولكن بطريقة روحية أكثر عذاباً وقسوة0وهنا ، يظهر المسيح رفضه للغضب وخطورته ، فحتى الغضب الداخلى يستوجب محاكمة أمام الله ، وبالتالى أى تعبير عنه ، سيؤدى بالإنسان إلى الهلاك الأبدى0
ع 23 - 24 : يعلن المسيح بوضوح أن الصلوات والعطايا المقدمة لله ، لا تُقبل من الإنسان الغضوب ، أو المسئ لغيره ، أو المخاصم ، لأن الله يريد الصلوات المقدمة من القلب النقى المملوء محبة0فإن قدّم أحد اليهود قربانه كعطية لله ، ثم تذكّر وانتبه لوجود مخاصمة بينه وبين أحد ، فلا يكمل تقديم قربانه ، بل يصطلح أولاً مع أخيه ، ثم يعود ويكمل تقديم قربانه ، لكيما يُقبل من الله0 " لأخيك شيئا عليك " ، لم يقل لك عليه شئ ، فحاسب نفسك على واجباتك قبل حقوقك0 " اترك " : يوضح أهمية المصالحة وتقديم الحب قبل العبادة ، لأنه إن تنقَّى القلب بالمحبة يكون مقبولاً من الله ، وكذا العبادة التى يقدمها0 " اذهب " : أى إهتم بمصالحة أخيك حتى لو كان مخطئاً فى حقك ، كما يوصى المسيح بنفسه ، قائلاً : " إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه " ( ص 18 : 15 )0
+ يلزم تنقية القلب من كل غضب قبل الصلاة ، سواء فى مخدع بيتك أو فى الكنيسة ، وخاصة عند التناول من الأسرار المقدسة ، لأن صلواتك غير مقبولة إن لم تُنقَّ قلبك0فأسرع لمصالحة الآخرين ، حتى لو كانوا مخطئين فى حقك ، فتكسبهم بالمحبة ، ولا تنزعج من كبريائهم أو قسوتهم ، بل صلَّ لأجلهم حتى يُنزع الغضب من قلوبهم ، واهتم بسلامك قبل كل شئ0
ع 25 - 26 : إن " خصمك " هو وصايا الله ، أو ضميرك الذى يذكّرك بكلام الله ، أو الروح القدس الساكن فيك ، إذ أنك صرت فى خصومة معه بسبب وقوعك فى الشر0 " الطريق " : هو هذه الحياة0فإن خضعت لصوت الروح القدس والضمير ، وأطعت الوصية ، مبتعداً عن الغضب والحقد وكل شر ، تُنجَّى نفسك ، وتصطلح مع هذا الخصم ، وإن لم تصطلح معه بالخضوع له والتوبة ، فإنه يسلمك إلى " القاضى " ، وهو الله الديان العادل فى يوم الدينونة ، فيحكم عليك بالهلاك الأبدى ، ويسلمك إلى " الشرطى " ، وهم الملائكة الذين يلقونك فى السجن ، أى العذاب الأبدى ، و " لا تخرج من هناك حتى تُوفى الفلس الأخير " ( كل ديونك حتى أصغر عملة )0ولأن خطيتك غير محدودة ، إذ هى موجه لله غير المحدود ، فعقابها غير محدود ، وبالتالى ، تظل فى العذاب الأبدى0
+ ليتك تحترس من خطية الغضب ، ولا تعطى لنفسك أعذاراً لتتمادى فيها ، بل أشفق على الآخرين مهما كانت أخطاؤهم ، فتحمى نفسك من نتائج الغضب الشريرة ، وتستعيد سلامك ، وترجع إلى طريقك الروحى المؤدى إلى الملكوت ، وتكسب نفوس من حولك0
(6) الزنا ( ع 27 - 30 ) :
ع 27 - 28 : إن الزنا هو النظر بقصد الشهوة ، وهذا يولد تلذذ بالشهوة فى الفكر ، الذى يؤدى إلى السقوط فى الفعل بدرجاته المختلفة0لذا ، أراد المسيح قطع الخطية من جذورها ، وهو النظر ، موضحاً أنه يعتبر زنا ، حتى لا يتهاون أحد فى نظرته أو أفكاره أو عواطفه ، ويظن هذا شيئاً عادياً ، وإلا سيتمادى ويعتبر حتى اللمسات الشريرة عادية0وإن سقط فى الزنا الكامل ، قد يعذر نفسه ، فيُغلق باب التوبة أمامه ، لتهاونه وتبريره للخطية0
+ أما أنت يا إنسان الله ، فاهرب من التطلع بلا داعٍ حتى لا تسقط فى المناظر الشريرة ، كما يهرب الإنسان من الثعبان أو العقرب0
ع 29 - 30 : حيث أن الإنسان ، لضعفه ، معرض للسقوط بالنظر أو الفعل ، يقول المسيح : إن سقطت فى نظرة شريرة ، فاقلع عينك اليمنى التى أعثرتك وأسقطتك فى خطية الزنا0وإن سرقت ، فاقطع يدك اليمنى التى أعثرتك0والمقصود هنا ليس المعنى الحرفى ، لأنه ، ما الفرق بين العين اليمنى واليسرى ؟ إلا أن اليمين يرمز للقوة والأهمية ، فيشير بهذا إلى الصديق القريب جداً أو الشهوة المحببة ، أو أى شئ عزيز لديك مثل العين أو اليد ، ينبغى الإبتعاد عنه ، والتنازل عن الإرتباط به ، حتى لا تسقط فى الخطية ، ويكون مصيرك العذاب الأبدى0
+ إفحص يا أخى مصادر سقوطك فى الخطية ، سواء الزنا أو أية خطية أخرى ، وتنازل وابتعد عنها مهما كانت غالية عندك ، لتكسب خلاص نفسك وأبديتك0
(7) الطلاق ( ع 31 - 32 ) :
ع 31 - 32 : " كتاب طلاق " : يجلس الزوج مع أحد الكتبة ، ويكتب محضر طلاق ، فيعطى حرية للزوجة أن ترتبط بآخر0كان العالم الوثنى يبيح الطلاق لأى سبب ، خاصة اليونانيون الذين انتشر عندهم الفجور والزنا فى معابدهم0أما عند اليهود ، فكان لابد أن يراجع نفسه ، ويكتب كتاب طلاق ، لعله يرجع عن قراره ، إذا شعر أن امرأته ستكون لآخر ، ويهدأ غضبه وضيقه0أما المسيح ، فيظهر عظمة سر الزيجة أنه اتحاد لا يمكن فصله ، إلا إذا ارتبط أحد الطرفين بزنا ، فحينئذٍ يكون قد فصل نفسه عن الآخر وقسم هذا الإتحاد0أما من يطلق إمرأته لأى سبب آخر ، يجعلها تزنى إذا ارتبطت بآخر ، لأنها مازالت أمام الله زوجته ، والزوج الجديد يعتبر زانياً لأنه تزوج بامرأة غيره0والمسيح هنا يعارض ، ليس شريعة موسى المكتوبة فى ( تث 24 : 1 ) بإباحة الطلاق وكتابة كتاب بذلك ، بل يُرجع الأمور إلى أصلها0فإن كان موسى قد اضطر ، نتيجة اختلاط شعبه بالمصريين وتعودهم الطلاق ، أن يضع حدوداً لهم ، بأن يراجع الإنسان نفسه ويكتب شهادة بذلك0ولكن ، لم يكن هذا قصد الله حين خلق الإنسان ليتحد بالآخر فى سر الزيجة ، عندما قال : " لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً " ( تك 2 : 24 ) ، ولم يعط سماحاً بالطلاق إلا فى حالة الزنا ، لأنه يفصل بين جسدى الزوجين عندما يرتبط أحدهما بجسد آخر0
+ فلنقدّس سر الزيجة ، لنرتفع عن أسباب الخلافات ، ونحاول حلها بالإرشاد الروحى ، والتوبة ، والإلتصاق بالكنيسة0
(8) القَسَم ( ع 33 - 37 ) :
ع 33 : سمح الله قديماً لشعبه أن يقسِموا ( يحلفوا ) باسمه ، حتى يوجه قلوبهم لعبادته ، وعدم القَسَم بالآلهة الوثنية0وما نهاهم عنه هو " الحنث " ، أى القَسَم كذباً0ومعنى ذلك ، تنفيذ ما أقسموا به ، مثل النذور التى يجب الوفاء بها إذا ما نطق الإنسان بها ، ووعد الله أن يتممها0وكان الكتبة والفرّيسّيون يعلّمون أن القَسَم باسم الرب هو الذى ينبغى إيفاءه ، أما القَسَم بأى شئ آخر فيمكن الرجوع فيه0وهذا طبعاً تعليم خاطئ يقاومه المسيح هنا ، ويصححه فى الآيات التالية ، مُعلّماً بعدم الحلف أو القَسَم مطلقاً0
ع 34 - 37 : فى العهد الجديد ، يكمل الناموس بالنهى عن القَسَم ، لأن إسم الله أسمى من أن يقال لأجل معاملات مادية ، بل يذكر للعبادة ومباركة حياتنا0 " كرسىُّ الله " : السماء ترمز لوجود الله نظراً لسموها وارتفاعها ، فتناسب سموه0 " موطئ قدميه " : الأرض والأرضيات أدنى من السماء ، لذلك دُعيت موطئاً لقدمى الله0ومن ناحية أخرى ، نحن لا نملك أى شئ فى العالم ، بل نحن وكلاء عليه ، فكيف نقسم بشئ لا نملكه ؟ الله وحده القادر على القَسَم ، لأنه يملك كل شئ0ويوضح المسيح أننا لا نملك حتى شعرة واحدة من رؤوسنا ، وعاجزين عن تغيير لونها0وبالتالى ، لا يصح أن نحلف بحياة إنسان أو أى شئ من المخلوقات التى فى العالم ؛ لذا يطالبنا أن يكون كلامنا بسيطاً خالياً من القَسَم ، أى لا نحتاج أن نثبته بالقَسَم ، وتكون إجابتنا على الآخرين ، نعم أو لا فقط0 " نعم نعم ، لا لا " : أى لا نستخدم القَسَم ، ونعلن الحقائق أو موافقتنا على ما يقوله الآخرون بكلمة نعم ، أو النهى ورفض ما يناسبنا بكلمة " لا " ، دون الحاجة لإثبات ذلك بكلمات القَسَم0 " من الشرير " : أى أن استخدام القَسَم هو من عمل الشيطان الشرير ، فهو الذى أوجد الكذب والغش ، ويدعو الناس للقَسَم إثباتاً لكذبهم0منع القَسَم يضبط الغضب ، حتى لا يتمادى إلى قرارات ملزمة ، بل هو سمة للمسيحيين فى براءتهم0والقَسَم ليس دليلاً على الصدق ، بل يستخدمه الأشرار فى الكذب للوصول إلى أغراضهم0
+ دقق فى كلماتك ، فيكون فيها إسم الله للبركة ، وابعد عن الكذب ، وبالتالى لا تحتاج إلى إثبات أقوالك بالأقسام الباطلة0ولا تستهن باسم الله ، أو حياة الناس فتُقسم بها باستهتار لمجرد التعود على ترديدها0
(9) مقابلة الشر بالخير ( ع 38 - 42 ) :
ع 38 : أراد الله فى العهد القديم تثبيت فكرة العدل الإلهى ، والحاجة إلى الفداء ، وإن أخطأ الإنسان يحتاج لإنسان مثله يفديه0فالعين تُفدى بعين ، والسن ( مفرد أسنان ) يُفدى بسن مثله0ولأن الخطية غير محدودة ، إذ هى فى حق الله ، إحتاجت لفداء غير محدود ، أى بموت الله المتجسد ، المسيح إلهنا0وأراد أيضاً بهذه الوصية " عين بعين ، وسن بسن " ، ألا يرد الإنسان على الشر بشر أعظم منه ، بل يكفى أن يرد بشر مثلما أصابه0هذه هى وصايا العهد القديم ، لأن مستوى فهم الشعب لا يحتمل أكثر من هذا0والإنسان فى نضجه الروحى ، يتدرج فى ست درجات أمام الشر الذى يصيبه :
(1) الإعتداء على الغير بالشر ، وهذا هو الإسلوب الهمجى0
(2) مقابلة الشر بشر أعظم ، لأن الآخر بدأ بالشر0
(3) مقابلة الشر بشر مثله ، وليس أكثر ، كما فى الشريعة اليهودية0
(4) مقابلة الشر بشر أقل ، وهذا فيه ضبط للنفس0
(5) عدم الرد على الشر ، بل الصمت ، وهذا ضبط كامل للنفس0
(6) مقابلة الشر بالخير ، وهذا هو المستوى المسيحى ، أعلى الدرجات0
ع 39 : ينبهنا المسيح إلى عدم اضطراب القلب ، فيرد على الشر بشر آخر ، لأنه إن امتلأ القلب بالمحبة ، يلتمس العذر للآخر ، فلا ينزعج من الإساءة الخارجية على الجسد ، أى اللطمة0وليس المقصود المعنى الحرفى فى اللطم ، لأن الإنسان يُلطم على خده الأيسر وليس الأيمن ، إلا إذا كان الضارب أعسر ، أى يستعمل يده اليسرى ، فتقع اللطمة على الخد الأيمن0ولكن المقصود المعنى الروحى ، وهو التسامح والإحتمال ، بل الإستمرار فى الإحتمال بقبول لطمة ثانية ، أى إساءة ثانية0
ع 40 : يعطى مثالاً آخر فى الإحتمال والتسامح ، وهو إذا حدثت مشاجرة ، وحاول الآخر اغتصاب ثوبك0 " الثوب " : هو اللباس الداخلى مثل جلباب ، والشريعة تقضى بألا يأخذه أحد لأنه غطاء الفقير ( خر 22 : 26 - 27 )0 " الرداء " : هو العباءة الخارجية ، وهو أغلى ثمناً0وبذلك نقابل الظلم بالحب ، وعطاء أكبر مما كان يريده الظالم ، مهما كان الظلم شديداً ، فيخجل الظالم ويهدأ غضبه0وهذا لا يمكن أن يتم إلا من قلب ممتلئ بالمحبة والشبع من الله ، فيتنازل بسهولة عن الماديات ، حتى لو ظن الآخر فى البداية أنه كسب شيئاً منه واستغله ، لكنه يقف مبهوراً أمام هذا الحب العجيب ، فهو بشارة صامتة تقدمها للأشرار حتى يتوبوا ، واثقاً من أن الله يعوضك أضعاف وأضعاف ، ليس فقط فى السماء ، بل وعلى الأرض أيضاً ، لأن وعده واضح : " ليس أحد ترك بيتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً لأجلى ولأجل الإنجيل ، إلا ويأخذ مئة ضعف الآن فى هذا الزمان000وفى الدهر الآتى الحياة الأبدية " ( مر 10 : 29 - 30 )0
ع 41 : السُّخرة : هى العمل بدون أجر0فإن أجبرك أحد على عمل ، قدّم له خدمة أكبر ، فتكسبه بمحبتك ، وتنال بركات سمائية0 " الميل الثانى " : هو الحب ، الذى تطفئ به شر وظلم الآخرين0
ع 42 : إن وجدت إنساناً محتاجاً طلب منك ، فأعطه0وهذا تنازل عن محبة المال ، وإحساس بالآخر ، وعدم النظر إليه كطامع ، فقد يكون طمعه نتيجة إحساسه بالحرمان ، فاحتمله0وقد يكون خجلاً من أن يستعطى منك ، فيطلب قرضاً وهو غير قادر على رده ، فلا تطالبه ، بل اتركه له كعطاء محبة منك0وطبعاً ، كل هذا على قدر المحبة التى فى قلبك0فإن لم تكن قادراً على هذه المحبة ، فعلى الأقل احتمله وسامحه0ولا تكن أنانياً شحيحاً فى عطائك ، لأن الله قال بوضوح : " طوبى للرحماء ، لأنهم يُرحمون " ( ع 7 )0
+ إن آمنت بالحب ، تستطيع أن تطفئ كل لهيب الشر فى المحيطين بك ، فالحب أقوى من الكراهية0أشفق بمحبتك على الغضوبين والطامعين ، فهم مرضى محتاجون للدواء الذى هو الحب ، سواء باحتمالهم والصلاة لأجلهم ، أو التكلم معهم بلطف عِوض كلماتهم السيئة ، أو تقديم خدمات لهم ؛ ولا تستطيع أن تحتملهم وتحبهم ، إلا إذا امتلأ قلبك بمحبة الله0فاهتم بعلاقتك الروحية بالله ، واطلب معونته ، فتستطيع أن تفيض حباً منه على الآخرين0
(10) محبة الأعداء ( ع 43 - 48 ) :
ع 43 : " قريبك " : فى نظر الفرّيسّيين هو اليهودى ، أما تفسير المسيح فهو كل إنسان كما فى مثل السامرى الصالح ( لو 10 : 30 - 37 )0أمرت الشريعة فى العهد القديم بمحبة القريب ، حتى يخرج الإنسان من أنانيته ، ويحب أقرباءه والمقربين إليه0 " تبغض عدوك " : هى إضافة من الفرّيسّيين لم تقررها الشريعة ، ولعلهم استنتجوا هذا من أمر الله بإبادة الأشرار من أرض الميعاد ، أى إزالة الشر0ومع هذا ، فالشريعة أقرت بمساعدة العدو إن وقع حماره تحت حمله ( خر 23 : 4 - 5 )0وأمرت أيضاً ألا يكره الأدومى لأنه قريبه ، ولا المصرى لأنه كان نزيلاً عنده ، مع أنهم من ألد الأعداء الذين أذلّوهم وحاربوهم ( تث 23 : 7 )0
ع 44 : مع النضج الروحى فى العهد الجديد ، طالبت الشريعة بمحبة الأعداء ، لأن طبيعتهم خلقها الله نقية ، والشر الذى فيهم دخيل عليهم من إبليس0فلا ننظر إليهم كأشرار ، بل كمرضى محتاجين للمحبة والشفقة ، فنباركهم بالكلمات الطيبة ، فتسكت كلمات الشر التى على أفواههم0وبعمل الخير معهم ، تهدأ قلوبهم0ونصلى لأجلهم ، حتى يرفع الله عنهم أفكارهم الردية ، وبهذا نكسبهم لنا أصدقاء فى الإيمان والمحبة0 " باركوا " : فلا تقتصر المحبة على المشاعر الداخلية ، بل تخرج فى كلمات طيبة ومشجعة0 " أحسنوا " : وترتبط المحبة أيضاً بتقديم خدمات وإحسانات للساقطين فى قضية البغضة لنا0 " صلّوا " : وهى أقل درجة فى المحبة أو الوسيلة التى لا يمكن منعها ، لأن من يعادينا قد يرفض الحديث معنا أو قبول خدماتنا ، ولكنه لا يستطيع منعنا من أن نصلى إليه ، مهما كان اضطهاده لنا0
ع 45 : " أبناء أبيكم " : الله محبة ، ودليل بنوتنا ، أن نحب كل أحد بما فيهم الأشرار والمسيئين0بهذه المحبة ، نتشبّه بالله الذى أحبنا ومات لأجلنا على الصليب ، نحن الذين عصيناه وتحديناه وصلبناه0والله مستمر فى عطائه لكل البشر ، سواء المؤمنين به أو الرافضين إياه ، فهو يشرق بشمسه على الكل ، وأمطاره تروى الكل0وقد استخدم الشمس والمطر لأجل نفعهما لكل البشر ، ولأنهما فى السماء فيرمزان لعطايا الله العلوية0
+ إن كان الله ينير ويشبع الكل ، فقدم محبتك لكل من تقابله ، وانسَ ذاتك ، محتملاً الآلام لأجل المسيح ، مهما أساء إليك الآخرون0
ع 46 - 47 : " العشارون " : هم جامعو الضرائب الرومانية ، ويتصفون بالطمع والقسوة ، فكانوا أردأ جماعة فى المجتمع ، ويرتبط إسمهم بالخطاة0يعلن المسيح بوضوح أن محبتنا لمن يحبنا شئ عادى ، يشترك فيه معنا الأشرار ، الذين يمثلهم العشارون المتصفون بالقسوة والطمع0ولكن تميزنا كمسيحيين ، هو أن نحب ونعطى السلام ، ونعمل الخير مع من يسئ إلينا ويعادينا0 " سلّمتم " : كانت الشريعة تقضى بعدم السلام على الأمم ، وتقصره على اليهود ، وبهذا يظهر قصور المحبة وعدم اتساعها لتشمل كل البشر ، فأوصت شريعة العهد الجديد بمحبة الكل0
ع 48 : " كونوا أنتم كاملين " : أى اسعوا نحو الكمال0يؤكد المسيح أن هذا هو كمال المحبة ، أى محبة الأعداء ، فنصير أبناء الله الكامل ، وهو يدعونا للسعى نحو الكمال الذى لا يمكن الوصول إليه تماماً ، ولكن الله يفرح بهذا السعى لأنه هو الكامل ، فيكون هذا سعياً نحوه0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح