كلمة منفعة
الذي يشكو، ربما يقدم أحيانًا نصف الحقيقة، حيث يبدو معتدى عليه. وغالبًا لا يقدم النصف الآخر وهو سبب هذا الاعتداء. وهكذا لا يعطى صورة كاملة عن الحقيقة. وبالتحقيق يمكن اكتشاف المعلومات الأخرى التي تشرح الموقف.
— النصف الآخر
إنجيل مرقس 14
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الرابع عشر
العشاء الأخير * القبض على المسيح ومحاكمته
(1) التدبير لقتل الرب ( ع 1 - 2 ) :
إجتمع مجمع كبير من رؤساء الكهنة والكتبة ( معلّمى الشعب ) الثلاثاء ليلاً ( الأربعاء يهودياً ) ، وكان الإجتماع لغرض واحد وهو القبض على الرب يسوع وقتله ، إلا أن الإجتماع قرر التأجيل لسبب أحداث عيد الفصح وتجمّع معظم اليهود فى أورشليم والبلبلة التى قد تحدث فيه. " الفصح " : أعظم أعياد اليهود على الإطلاق ، وأمر الله فيه موسى واليهود أن يكون شريعة أبدية ( خر 13 : 9 ) ، يحتفل فيه اليهود بتذكار خروجهم من مصر وعبورهم البحر الأحمر وغرق فرعون ، والنجاة من قتل أبكار المصريين بعلامة الدم ( خر 12 : 7 ) { رمز لفداء المسيح } ، ويأكلون فى هذا الفصح الخروف مشوياً بالنار وعلى أعشاب مرة ، وهى رموز كلها تحققت فى آلام المسيح على الصليب. " الفطير " : كان يؤكل لمدة سبعة أيام بعد الفصح ، ومصنوع من الدقيق والماء دون الخمير ، وهو يرمز للطهارة التى يجب أن يحيا فيها الإنسان كل أيام حياته ( 7 أيام ) بعد اتحاده بالفصح ( المسيح ) ، وذلك لأن الخمير يرمز للشر هنا.
(2) ساكبة الطيب ( ع 3 - 9 ) :
ع 3 : بعد أن تعرض القديس مرقس لمؤامرة الكهنة ليلة الأربعاء ، يعود بنا إلى ليلة الأحد السابقة ( يو 12 : 1 ) حيث الوليمة التى حضرها الرب يسوع فى بيت سِمعان الذى كان أبرص وشفاه الرب. " بيت عَنْيَا " : تعنى " بيت العناء " ، وهى قرية تقع فى سفح جبل الزيتون شرقىِّ أورشليم ، وكان الرب يبيت فيها ليلاً ، ويقضى النهار بأورشليم طوال أسبوع الآلام. " جاءت امرأة " : لم يذكر متى ومرقس أيضاً من هى هذه المرأة ، بينما أكد القديس يوحنا أنها مريم أخت لعازر ومرثا ( يو 12 : 3 ). " قارورة " : زجاجة. " طيب ناردين " : هو أغلى العطور وأزكاها فى ذلك الزمان ، وكان أيضاً خالصاً أى مركزاً. فكسرت القارورة ، أى عنق الزجاجة ، وسكبته على رأس المسيح. ويقول القديس يوحنا أنها سكبته على قدميه ، مما يجعلنا نصل إلى أنها سكبت الطيب على رأسه وقدميه.
ع 4 - 5 : بسبب تصرف مريم ، إغتاظ كثيرون من الحضور ، بعضهم من التلاميذ ( مت 26 : 8 ) ، وأشار القديس يوحنا أن أكثرهم غيظاً كان يهوذا ( يو 12 : 4 ) ، وتساءلوا فى أنفسهم : لماذا هذا الإسراف ، أليس الفقراء أولى بثمنه الغالى ( 300 دينار ) ؟
ملاحظة : لمعرفة إرتفاع سعر هذا الطيب ، كان أجر العامل فى اليوم ديناراً واحداً ( مت 20 : 2 ) ، وإذا أنقصنا أيام السبوت التى لا يجوز فيها العمل ، فإن ثمن قارورة الطيب كان يعادل أجرة عامل لمدة سنة كاملة.
ع 6 - 7 : إزداد توبيخ الناس وتأنيبهم لها ، فتدخل السيد المسيح مدافعاً ، وصد عنها كل هجوم ، بل عاتب مؤنبيها ومدح تصرفها ، موضحاً : إن الفقراء معكم فى كل حين ، أما أيامى أنا فقليلة على الأرض. . . وهو لا يرفض أبداً مشاعر الحب المقدمة من أولاده وأحبائه له.
ع 8 - 9 : كان ما صنعته مريم كأنه تَنَبُّؤٌ منها بصلب المسيح ودفنه ، وهذا ما أعلنه المسيح إنه للتكفين. ولم يكتفِ المسيح فقط بشكرها أو مدحها ، بل أمر رسله الأطهار بتسجيل هذا الحادث فى بشائرهم عند الكتابة والكرازة ، ليعلم العالم كله ما صنعته مريم أخت لعازر ويطوّبونها. . .
+ نتعلم من هذه الواقعة :
(1) أن مريم قدمت أغلى ما عندها للمسيح الرب. . . فماذا نقدم نحن. ؟
(2) كانت هذه تقدمة شكر للمسيح الذى أقام أخيها. . . فهل نشكر الله على أعماله معنا. . . وكيف نشكره ؟
(3) ليتنا لا ندين أحداً على تصرفه. . . فمن ندينه نحن قد يكون ممدوحاً من الله نفسه.
(4) الله لا ينسى تعب المحبة ، ويمدح ويشجع أولاده ويطوّبهم. . . فما أطيب قلبه.
(3) خيانة يهوذا ( ع 10 - 11 ) :
فى مقابلة عجيبة بين محبة مريم وتقدمة أغلى ما عندها ، نجد فى الناحية الأخرى التلميذ الخائن الذى يسعى لتقديم معلمه ليقبض ثمن خيانته ، وبالطبع فرح الكهنة ووعدوه بالمال " ثلاثين من الفضة " ( زك 11 : 13 ؛ مت 26 : 15 ) ، ودار حديث بينهم عن تحيّن أفضل الفرص لتسليمه لهم. وهكذا تختلف نوعيات البشر من الأمانة إلى الخيانة ، وربما الخيانة ممن لا نتوقع منهم ذلك. . . فلا تضطرب أبداً يا صديقى ، ألم يحدث هذا مع المسيح ذاته ؟!!
(4) الفصح الأخير ( ع 12 - 21 ) :
ع 12 : " اليوم الأول من الفطير " : كان يوم الخميس ، وكان يُنزع فيه الخمير من البيوت. وكان خروف الفصح يذبح ما بين الساعة الثالثة والخامسة عصراً ، ولكنه لا يؤكل قبل الغروب ، أى ليلة الجمعة ، وفى ذلك اليوم سأله تلاميذه : أين نذهب ونُعد لتأكل الفصح ؟
ع 13 - 16 : لما كان المسيح لا يريد التصريح بالمكان جهراً حتى لا يعرف يهوذا ويبلغ الكهنة ، فيتعرض التلاميذ لخطر القبض عليهم ، أرسل بطرس ويوحنا ، وأعطاهما علامة أنهما يلاقيان إنساناً حاملاً جرة ماء فيتبعاه حتى البيت ، ثم يسألا صاحب البيت عن المكان ، فيخبرهما عن مكان أعلى المنزل " عِلّيَةً كبيرة مفروشة ". وهناك ، على التلميذين إعداد الفصح للرب وباقى التلاميذ.
ولنلاحظ الآتى :
(1) لم يكن للرب يسوع أو أحد من تلاميذه بيت بأورشليم ، ولهذا استخدم بيت رجل آخر.
(2) يخبرنا التقليد الكنسى أن هذا البيت هو بيت القديس مرقس كاروز الديار المصرية كلها.
(3) إستخدم الرب يسوع علامة " جرة الماء " قبل تأسيس الأفخارستيا ( سر التناول ) ، فى إشارة واضحة بأن المعمودية بالماء تسبق التناول.
ع 17 - 18 : فى المساء ( أى ليلة الجمعة ) ، جاء السيد المسيح مع تلاميذه إلى المكان المعد لأكل الفصح. وعند جلوسهم للأكل ، أعلن المسيح إعلاناً نزل كالصاعقة على تلاميذه ، وهو أن أحد الإثنى عشر سوف يقوم بتسليمه ، وأنه ممن يأكلون معه.
ع 19 - 20 : تبدّل شعور التلاميذ من الفرح بالإحتفال بأبهج أعياد اليهود إلى حزن وحيرة ، وبدأوا يتساءلون بصوت مسموع واحد بعد الآخر : " هل أنا ؟ " وجاءت إجابة مؤكدة : نعم ، إنه أحدكم. وأعطى علامة أخرى أن من يسلّمه سوف يغمس يده فى نفس الصحن الذى يأكل منه المسيح. ويضيف القديس يوحنا فى إنجيله ( 13 : 26 ) أن يسوع بالفعل غمس اللقمة من الصحفة وأعطى يهوذا ليأكل فى إشارة صامتة أخيرة أن يهوذا هو مسلمه. . . كل هذه النداءات والتلميحات والتحذيرات كان الغرض منه هو توبة يهوذا. ولكن الصورة توضح لنا كيف أن القلب الشرير المحب للمال لم يستجب لتحذيرات الله ، بالرغم من وضوحها وتكرارها. بالإضافة إلى ذلك ، نجد أن يهوذا حضر الفصح مع الجميع على الرغم من عزمه على تسليم المسيح ، ولكنه فى رياء واضح إشترك فى هذه المائدة. . . فهل نفعل مثله فى بعض الأحيان ؟!
+ فليعطنا الرب قلباً يقظاً حساساً سريع الإستجابة والعودة من طريق الشر. . .
ع 21 : أكد الرب أنه ماضٍ فى طريقه من أجل فداء البشر كما جاء فى النبوات ، ولكن هذا لن يَعْفِ يهوذا من عقوبة خيانته وتسليمه ، فالله لم يجعل يهوذا يسلّمه ، وكان يمكن أن يتم القبض عليه وصلبه دون أن يكون ليهوذا دخلاً فى ذلك ، ولكن يهوذا استحق بفعلته عقوبة هلاكه. " كان خيراً. . . لو لم يولد " : تعبير على سبيل المثل ، ويحمل كناية عن شدة عقوبة هذا الإنسان حتى أنه كان من الأفضل له ألا يولد ، عن أن يولد ويقع فى هذا الشر والخطية ، ويستحق هذه الدينونة الرهيبة.
(5) تأسيس الأفخارستيا " سر التناول " ( ع 22 - 26 ) :
ع 22 : بعد عشاء الخروف ، أخذ الرب خبزاً وباركه ، فتحوّل إلى جسده الحقيقى بصورة سرية فائقة ، وأعلن بكل وضوح أن هذا الخبز قد صار جسده ، " هذا هو جسدى " ، وقدّم وأعطى هذا الجسد لهم ليأكلوه. . . ولهذا احتفظت الكنيسة فى قداسها الإلهى بنفس الكلمات التى نطق بها السيد المسيح.
ع 23 - 24 : وفعل بالمثل أيضاً مع الكأس التى تحوى خمراً ممزوجاً بماءٍ كالعادة فى الفصح وشكر أيضاً وأعطاه للتلاميذ ليشربوا بتمرير الكأس بينهم ، وأعلن الرب بوضوح أيضاً تحوّل الخمر إلى دمه الحقيقى المسفوك عن العالم من أجل خلاصه وفدائه.
ع 25 : هكذا قبل الرب فى نفسه حكم الموت بإرادته وبسلطانه قبل أن ينفذه فيه اليهود ، وأعلن أنه لن يكرر هذا السر معهم ثانية على الأرض ، إذ اكتفى بتأسيسه قبل موته. ولكنه وعد بأن تكون هناك وليمة وشرِكة جديدة فى ملكوت السماوات ، حيث نكون أرواحاً تشعر وتشبع به بصورة روحانية بعيدة عن الأكل المادى ، وبالتالى تعبير " أشربه جديداً " هو تعبير مجازى الغرض منه ما سبق شرحه.
ع 26 : " ثم سبّحوا " : كانت مزامير التهليل ( 115 - 118 ) ، المعروفة لليهود ، تُصَلَّى بعد عشاء الفصح. ولما انتهوا من التسبيح ، إنطلقوا إلى جبل الزيتون.
(6) الإنباء بإنكار بطرس ( ع 27 - 31 ) :
ع 27 : فى حديثه الأخير مع تلاميذه ، وقبل تسليمه لذاته ، بدأ السيد يُعدّهم لما هم مقبلين عليه من حروب ، وعرض عليهم أولها وهى الشك فيه ، إذ يروه مسَلّماً لأيدى اليهود دون مقاومة ، وفى مظهر الضعف. وكنتيجة لهذا الموقف ، سوف يهربون ويتفرقون كغنم فقدت راعيها ، وقد استخدم السيد هنا نفس المعنى الذى نطق به زكريا فى ( 13 : 7 ).
ع 28 : لم يتركهم الرب فى هذه الحالة كثيراً القلق والإضطراب بل أعلن مؤكداً أنه سيقوم من الأموات ، وسيقابلهم فى الجليل. وبالطبع ، لم يكن كل كلام المسيح مفهوماً لهم ، بل تحققوا منه بعد حدوثه.
ع 29 : كعادة بطرس ، وهو البادئ دائماً بالكلام أو الإعتراض ، وبشعور خاطئ بذاته بأنه أفضل من باقى التلاميذ ، أعلن ، بعاطفة مندفعة غير مدروسة ، أنه الوحيد الذى لن يشك ولن يترك المسيح ، حتى وإن بقى وحده وتركه باقى التلاميذ.
ع 30 - 31 : فى مقابلة مع كبرياء بطرس وغروره ، واجهه المسيح بما سوف يقوم به ويفعله ، فهو الوحيد ، دون التلاميذ كلهم ، الذى سيقوم بإنكاره أثناء محاكمته ثلاث مرات. ويرى الآباء ، فى تأمل رمزى ، أن صياح الديك مرتين هو رمز لإنذارات الله فى العهدين ( القديم والجديد ) ، وأن إنكار بطرس ثلاث مرات رمز لكمال إنكار الإنسان فى ضعفه لله ، إذ ينكره بالفكر والقول والقلب. إلا أن بطرس أعاد وشدد على ما قاله سابقاً ، وهكذا قال أيضاً الجميع ، أى باقى التلاميذ ، فى تأكيد عدم شكهم ورغبتهم فى الموت مع المسيح.
+ يا صديقى. . . إن الثقة بالله وبالنفس فى المسيح جيدة ، دون أن يدخلها الذات. . . ولهذا ، اُطلب دائماً معونة الله باتضاع ، فيسند ضعفك الإنسانى ، ويعضدك وينصرك فى الزمن الصعب.
(7) فى بستان جثسيمانِى ( ع 32 - 52 ) :
ع 32 - 33 : فى جزء من جبل الزيتون ، كان هناك بستان جثسيمانِى ومعناه " معصرة الزيت " لوجود كثير من أشجار الزيتون به. أمر السيد الإثنى عشر بالجلوس ، ثم اختار منهم ثلاثة هم بطرس ويعقوب ويوحنا ، الذين شاهدوه فى مجد التجلى ، حتى لا يعثروا عندما يرونه فى آلام وضعف أثناء صلاته وساعاته الأخيرة قبل القبض عليه ومحاكمته وصلبه. وبالفعل ، رأوا وجهه وقد بدت عليه علامات الألم والضيق البشرى.
ع 34 - 35 : لم يُخْفِ الرب يسوع مشاعره الإنسانية عن تلاميذه ، بل صارحهم بها قائلاً : " نفسى حزينة جداً حتى الموت " ، أى بلغ الحزن أقصاه بداخله ، فهو يعلم بلاهوته ما هو قادم عليه. وكان حزنه الإنسانى حزناً مركباً ، إذا جاز التعبير ، لأن :
(1) حزن المسيح لأنه ، وهو البرىء الطاهر ، بدأ فى حمل كل خطايا العالم الشرير ، ويا له من ثِقَلٍ وحِمْلٍ ، إذ يحمل كل الشر والنجاسات.
(2) حزن المسيح أيضاً لأنه كإنسان سيقع عليه ظلم ، إذ الفداء يتطلب موت برىء بلا خطية عن بشرية آثمة.
ولهذا ، وبالرغم من خضوعه بإرادته لما هو قادم عليه ويعلمه ، صلّى إلى الآب بإنسانيته طالباً أن يرفع عنه هذه الآلام ، فى إثبات لناسوته الكامل.
ع 36 : " أبَّا ، الآب " : تعبير نُقل من اللغة الكلدانية إلى اللهجة الآرامية ، وكان معروفاً عند اليهود. إستخدمه القديس بولس أيضاً فى ( رو 8 : 15 ؛ غل 4 : 6 ). والكلمتان تحملان معنًى واحداً أى " الآب " ، ولكنهما كتعبير واحد يحمل معانٍ أعمق فى المحبة والدالة والإرتباط القوى ، ولفهمه جيداً ، نشبهه بالتعبير العامى " يابا ، يا ابويا ". لازلنا فى نفس المشهد بكل أحاسيسه المُرّة وآلامه ، إذ يرفع الرب يسوع قلبه إلى الآب السماوى القادر على كل شىء ، طالباً منه أن يجيز عنه آلام الصليب. ولكنه فى طاعة كاملة يسلّم مشيئته للآب معلناً خضوعة لقبولها.
+ ليتنا نتعلم من هذا المشهد قبول مشيئة الله فى حياتنا ، ونتعلم من مخلّصنا لجاجة الصلاة كما فعل ، ولا نخفى عن الله مشاعرنا مهما كانت حزينة أو مُرّة ، ولنثق أنه طالما سمح بها ، فإنه سوف يعيننا فيها وعليها. . .
ع 37 - 38 : كان المسيح قد تقدم قليلاً عن تلاميذه ليختلى بالآب فى صلاته ، وعند عودته وجد التلاميذ نياماً ، فوجّه كلامه لبطرس معاتباً : " أما قدرت أن تسهر معى فى آلامى ولو ساعة واحدة ؟ " ولكن المسيح الرقيق الطيب ، بعد عتابه ، إلتمس لبطرس والتلميذين العذر بأن إرادتهم الروحية تريد أن تسهر وأن تكمل كل عمل روحى معه ، ولكن الجسد بثقله وإرادته الضعيفة ، كثيراً ما يكون ثقلاً على الروح ويعطل اشتياقها.
+ نعم يا إلهى ، فنحن كثيراً ما ندعى أن أرواحنا نشيطة ونعطى وعوداً كبيرة ، لكن عدم الجهاد يجعلنا لا ننفذ شيئاً منها. . . فلنغصب أنفسنا إذن ولو بجهاد قليل ، ولا نستسلم لضعف الجسد ، لئلا ندخل فى تجربة.
ع 39 - 40 : ذهب السيد للصلاة مرة أخرى منفرداً بنفس الأحاسيس الضعيفة السابقة ، وعاد لتلاميذه مرة أخرى. وبسبب ثقل جسدهم ونعاسهم ، وجدهم أيضاً نياماً ، فلم يستطيعوا الرد عليه خجلاً إذ قال لهم سابقاً : " اسهروا وصلوا ".
ع 41 : رجع الرب يسوع لثالث مرة إلى تلاميذه ، وهذه المرة عاتبهم أيضاً بقوله : ناموا. . . واستريحوا ، فقد مضى وقت جهاد الصلاة ، وأتت ساعة إبن الإنسان التى يُسَلَّمُ فيها بإرادته إلى أيدى الخطاة والأشرار الظالمين.
ع 42 : " قوموا لنذهب " : عرف المسيح بلاهوته قدوم يهوذا ومن معه للقبض عليه ، فذهب بنفسه لملاقاته ولم ينتظر القبض عليه ، فبالذهاب ، أراد المسيح أن يثبت لتلاميذه ولنا أنه هو من أسلم نفسه ، وهو العالِم بساعته متى تكون.
ع 43 : أثناء هذا الحديث ، والذى كان الأخير قبل القبض عليه ، جاء يهوذا ( العارف المكان ) ومعه جمع كثير من عبيد ورجال رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ ، وحمل كلٍ منهم سيفاً أو عصا غليظة ، متوقعين شجاراً مع التلاميذ قبل القبض على السيد الرب. " يهوذا ، واحد من الاثنى عشر " : إستخدم كلٍ من القديسيْن متى ومرقس هذا التعبير للدلالة على بشاعة الخيانة التى كان مصدرها أحد الخاصة المقربين من السيد المسيح طوال سنوات كرازته ، ويا لها من خيانة !!!
ع 44 - 45 : إستخدم الخائن يهوذا علامة يعرف بها الجمع شخص الرب يسوع ، ومن السخرية العجيبة أنه استخدم التقبيل ، الذى هو علامة للمحبة والصداقة البالغة ، فى تسليم السيد. وفى رياء فاضح أيضاً ، ناداه مرتين : " يا سيدى ، يا سيدى " ، وهو نداء احترام وخضوع من تلميذ لمعلمه ، يخفى به شره وخيانته. وكلمات : " امضوا به بحرص " ، قصد بها يهوذا ألا يصنع الجمع الذى معه جلبة تلفت الأنظار ، وتعطل وتفسد عملية القبض على المسيح.
ع 46 - 47 : عندما قبّل يهوذا السيد ، هجم الجمع على الرب المسالم. وفى تعجب حزين ، يصف القديس أغسطينوس المشهد فيقول : " قبضوا على من جاء ليحررهم !! ". كان مع الرسل سيفين ( لو 22 : 38 ) ، والمقصود بالسيف هنا سكيناً لا يزيد طوله عن 30 سم كان يستخدم لتقطيع الخبز ، وكان أحد السيفين مع بطرس ( يو 18 : 10 ) الذى هاله ما رآه ، فأسرع وضرب عبد رئيس الكهنة ، فقطع أذنه. وقطع الأذن هنا ، إشارة رمزية إلى الأمة اليهودية التى قطعت آذانها عن الإستماع للرب.
ع 48 - 49 : وبخ السيد المسيح وعاتب من أتوا للقبض عليه ، فهذه الجمهرة الليلية بدت وكأنها كميناً لأحد اللصوص الخطرين ، بالرغم من وجوده وظهوره الدائميْن طوال النهار أمام الشعب ، وهذا التوبيخ إشارة إلى جبنهم الحقيقى من المسيح ، ومن تعلق الشعب به ، فلجأوا لهذا الأسلوب. ويوضح السيد أيضاً أن ما قاموا به هو ما تنبأ به الأنبياء ( مز 22 ؛ اش 53 ؛ زك 13 : 7 ).
ع 50 : " تركه الجميع " : المقصود هنا التلاميذ ، الذين ، من هول المفاجأة ، خافوا بضعفهم البشرى وتركوا المسيح وحده ، ليتم ما تنبأ به المسيح فى ( يو 16 : 32 ) أنه سيأتى وقت يتركه فيه التلاميذ وحده.
ع 51 - 52 : " وتبعه شاب " : هو القديس مرقس كاتب البشارة ، ولم يذكر إسمه إتضاعاً منه. " إزاراً " : أى اللباس الخارجى. وعندما أمسكه بعض الشبان للقبض عليه ، خاف وهرب بملابسه الداخلية أى عارياً إذ كان شاباً صغيراً وضعيفاً خائفاً ، وله فى هذا كله عذره ، إذ قد هرب التلاميذ أنفسهم.
(8) المحاكمة اليهودية ( ع 53 - 65 ) :
ع 53 - 54 : ذهب الجمع بالرب يسوع إلى بيت رئيس الكهنة " قَيَافَا " ، حيث اجتمع فى بيته كل رؤساء الكهنة والكتبة والفرّيسيّون. ويلاحظ أن القديس مرقس لم يذكر الذهاب أولاً إلى بيت " حَنَّانَ " كما ذُكِرَ فى ( يو 18 : 13 ) ، وهو رئيس الكهنة السابق وحما " قيافا " ، واكتفى بالمحاكمة التى تمت فى بيت " قيافا " ، وهو الرئيس الحالى والرسمى للكهنة فى ذلك الوقت. ولم يذهب من الإثنى عشر إلى بيت " قيافا " سوى يوحنا ، وبطرس الذى تبعه بحرص من بعيد ، وظل خارجاً مع الخدام يستدفئ بالنار من شدة البرد ( يو 18 : 18 ).
ع 55 - 56 : " ليقتلوه " : تعتبر هذه الكلمة محوراً لشرح هذين العددين ، فالمحاكمة كانت صورية ، والحكم قد سبق واتخذه رؤساء الكهنة والشيوخ فى وجوب قتل المسيح. ولكى يتم هذا المشهد التمثيلى ، دعوا كثيرين ليشهدوا على المسيح شهادات تبرر قتلهم إياه ؛ ولأن كل الشهادات كانت زوراً ، فقد اختلفت أكثر مما اتفقت ، ولم يجدوا شيئاً عليه.
ع 57 - 59 : شهد البعض الآخر زوراً أن المسيح قال إنه ينقض هيكل سليمان ويبنيه فى ثلاثة أيام ، وحتى فى هذه اختلفوا ولم يتفقوا ، إذ ما قاله المسيح حقاً : انقضوا أنتم هذا الهيكل ، قاصداً جسده وموته ( يو 2 : 19 ) وأنا أقيمه بذاتى أى قيامة جسده أيضاً بعد الموت فى اليوم الثالث ، ولهذا تضاربت شهاداتهم.
ع 60 - 61 : لم يصل المجلس لشىء يتفق ومرادهم ، فلهذا قام " قَيَافَا " رئيس المجمع وسأل الرب : ألا تدافع عن نفسك فيما يتهمك به هؤلاء الناس ؟ أما المسيح فلم يُجِبْ بشىء وظل صامتاً كما تنبأ إشعياء : " لم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح " ( 53 : 7 ). وعندما ضاق صدر " قيافا " ، سأل المسيح سؤالاً مباشراً : " أ ( هل ) أنت المسيح ابن المبارك ( الله ) ؟ ".
ع 62 : صَمَتَ المسيح ولم يدافع عن نفسه ، عندما كانت الأسئلة والشهادات زوراً ، ليحتمل ظلم الأشرار. ولكن ، عندما تعلق السؤال بشخصه وبذاته لم ينكر نفسه ، بل أعلن بوضوح وقوة أنه هو المسيح إبن الله الحى ، بل أعلن عن مجده العتيد أن يُستعلن فى قيامته وصعوده وجلوسه عن يمين القوة ( الآب ) ، وكذلك مجيئه الثانى المخوف على السحاب ( اع 1 : 11 ) عند نهاية العالم.
ع 63 : نزل رد المسيح على رئيس الكهنة كالصاعقة عندما أعلن لاهوته ومجيئه على السحاب ولهذا صرخ غاضباً معلناً : (أ) تجديف المسيح. (ب) عدم حاجته لشهود. وجاء تعبيره عن غضبه بفعل تحرّمه الشريعة ، وهو تمزيق ثيابه ( لا 10 : 6 ، 21 : 10 ). وبهذا الفعل ، ودون أن يدرى ، كان تمزيق ثيابه إشارة إلى نهاية كهنوت العهد القديم وبطلان الذبيحة الحيوانية ، وبدء شريعة العهد الجديد الحية المستمرة فى شخص المسيح الذى يسلّم الكهنوت بدوره إلى الكنيسة الجديدة فى شخص الآباء الرسل ثم الأساقفة والكهنة.
ع 64 - 65 : بعد هذا طلب " قَيَافَا " رأى المجمع ، فوافقوه رأيه ، فحكموا على المسيح بوجوب موته ؛ ولم يكن حكمهم واجب النفاذ ما لم تصدّق السلطة الرومانية عليه. أما اليهود والعبيد المجتمعون ، فبدأوا يهزأون بالمسيح فى تطاول واحتقار لشخصه ، حتى غَطَّوْا وجهه القدّوس وضربوه ، سائلينه : تنبأ ، وقل لنا من الذى لطمك. . .
+ يا إلهى الحبيب. . . أهكذا كلّفتك خطيئتى كل هذه الآلام والإهانات ؟! كان يجدر بى أن أكون مكانك. . . ولكنك أخذت صورة العبد ، ومن أجلى يا سيدى ، لم ترد وجهك عن خزى البصاق ( من القداس الغريغورى ). فتوبى يا نفسى ، ولا تهينى من تحمّل كل هذه الآلام حباً فيكِ. . .
(9) إنكار بطرس ( ع 66 - 72 ) :
ع 66 - 67 : كان بطرس فى الدار أسفل ، أى فى ساحة الدار ، حيث أوقد العبيد ناراً للإستدفاء ، ومع وهج النار التى وضّحت معالم وجهه ، تعرّفت عليه إحدى جوارى رئيس الكهنة أنه من تلاميذ المسيح ، وأعلنت ذلك قائلة له : " وأنت كنت مع يسوع الناصرى ".
ع 68 - 69 : هرباً من الموقف المتأزم ، خرج بطرس من المنزل إلى الممر الخارجى ، بعد أن أنكر ما قالته الجارية ونفاه عن نفسه. وعند خروجه ، فوجئ بالجارية طبقاً لقول مرقس هى نفس الجارية ، بينما يقول متى الرسول : " رأته أخرى " ( 26 : 71 ) ولا اختلاف بين القولين إذا كانت الجارية الأولى هى التى أخبرت الثانية ، والثانية هى التى ذهبت وراءه إلى الدهليز لتعلن وتكرر ما قالته الأولى فى أنه من تلاميذ الرب.
ع 70 - 71 : أنكر بطرس أيضاً. وبعد قليل من الزمن ، أعلن الحاضرون وأكدوا ما سمعوه من الجارية ، وواجهوا بطرس قائلين : إنك من أتباعه ، لأنك جليلى ولهجتك مثل لهجة معلمك وباقى التلاميذ. وهنا ، زاد بطرس على إنكاره أنه لعن وشتم وحلف ، ليؤكد لهم عكس ما اتهموه به ، ويُبعد عن نفسه شُبهة معرفة الرب يسوع نهائياً !!
+ أخشى يا إلهى أن أعتب على بطرس تصرّفه ، لأننى أجد نفسى أحياناً أكرر مافعله ، فلا أظهرك فى أفعالى بل أخفيك ، وأكاد أنكرك فى ظلمة أقوالى وتصرفاتى.
ع 72 : صاح الديك ثانية ، كالعلامة التى وضعها السيد ( ع 30 ). وعند هذا الصياح الثانى ، إستيقظ ضمير بطرس الغائب ، وتذكر ما قاله له السيد المسيح ، ولهذا بكى بكاءً شديداً ، معلناً ندمه على خطية إنكاره للسيد.
+ أيها الحبيب. . . مما لا شك فيه أن بطرس أخطأ بإنكاره السيد خطأً كبيراً. . . ولكن أيضاً ، عند العلامة تذكّر ، فقدّم توبة صادقة من قلب نادم. . . ونحن فى كثير من الأحيان قد نخطئ مثله ، بسبب تسرعنا ، أخطاءً مزعجة. ولكن ، هل لنا هذا القلب السريع الإستجابة لنداءات الله لنا بالتوبة ، وهو المنتظر دائماً عودة أبنائه. . . أعطنا يارب دموع توبة كالتى أتى بها بطرس نادماً.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح