كلمة منفعة
يكفي أن يتيقن الإنسان أنه يعمل مع الله، ثم بعد ذلك لا يليق به أن يعول هم. الله الذي يعمل معه، هو سيدبر كل شيء..
— العاملون مع الرب
إنجيل يوحنا 1
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الاصحاح الاول
الاصحاح الاول
الميلاد الأزلي * شهادة يوحنا المعمدان * دعوة التلاميذ
[ 1 ] الميلاد الأزلي ( ع 1 - 8 )
ع ( 1 - 2 ) : بينهما اهتم البشيرين لوقا ومتي بأحداث الميلاد الزمنية ، اهتم يوحنا بإبراز الميلاد الأزلي للسيد المسيح ، لان شاغله الأول كان إثبات لاهوت المسيح ، في وسط التشكيكات التي شنها اليهود علي شخص المسيح . ولا توجد آية اقوي من : " وكان الكلمة الله " ولهذا نجد أن جماعة مثل شهود يهوه ، الناكرين للمسيحية ولاهوت المسيح ، يغيرون في كتابهم منطوق هذه الآية إلى : " وكان الكلمة كإله " . والمقصود بالكلمة : العقل الالهي ، أي الاقنوم الثاني ، لان الكلمة تعبر عن العقل وتصدر منه وتساويه.
تؤكد الآية الثانية بوضوح أكثر ، أزلية الوجود للآب والابن ، فلم تكن هناك لحظة بحسب لغة البشر كان فيها الآب سابقا أو منفردا ؛ فالميلاد الأزلي للابن مرتبط بالكلية بوجود الآب ، مثلما نقول : تزامن ظهور قرص الشمس مرتبط بخروج الشعاع الضوئي منه.
ع ( 3 - 5 ) : إشارة واضحة لتأكيد لاهوت المسيح ، إذ انه الخالق " وبغيره لم يكن شئ " من الخليقة ( راجع مع عب 1 : 2 ) . ويذهب الرسول إلى بعد روحي مقارن للبعد اللاهوتي ، فيقول : " كانت الحياة " أي أن المسيح ليس خالقا فقط بل مصدر حياة وقوة كل أولاده ممن آمن واعتمد ( باسم الآب والابن والروح القدس ) . ويشير القديس يوحنا إلى رفض اليهود للمسيح، مما جعله يصفهم بالظلمة التي لم تدرك النور المرسل للعالم.
+ فهل يا أيها الحبيب، تشكر السيد المسيح علي انك خليقة يديه التي صنعها ووهبها الحياة، وأراد لها الشركة معه في النور ؟ إن الذي يؤمن فعلا انه محور اهتمام السيد لا يجد شيئا يقدمه عوضا عن حياة الشركة الدائم.
ع 6 - 8 : الكلام هنا عن يوحنا المعمدان وعن مهمته ، أي تهيئة الناس لقبول المسيح، وليس جذب الناس لذاته والإيمان به.
+ وتهيئة الناس لقبول المسيح مهمة مشتركة لكل شعب كنيسته ، فالمسيحي الحقيقي لا يعتقد في نفسه انه نور ، بل هو عاكس لنور المسيح علي كل من حوله ؛ فتكون شهادته إما بالكلام كشهادة يوحنا ، أو بأعماله وسلوكه الظاهر ، فيري كل من حوله نور المسيح من خلاله .
[ 2 ] مهمة يوحنا ( ع 9 - 13 )
ع 9 - 11 : العودة بالكلام هنا لشخص المسيح المخلص . فبالرغم من أن السيد المسيح كان موضع رجاء اليهود ، وكانوا ينتظرونه إلا إنهم لم يعرفوه ، ولم يقبلوه.
+ وهذا حال المسيح اليوم ، بين قابل ورافض ، وبين من يدعون أنهم أولاده، ولكن بأعمالهم لا يقبلونه ، بل يردونه إلى خلف ؛ فقبول المسيح ليس إعلانا ، بل هو إخضاع النفس والإرادة لمشيئته، وتنفيذ وصاياه والعمل بها " فليضئ نوركم هكذا قدام الناس ، لكي يروا أعمالكم الحسنة ، ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" ( مت 5 : 16 )
ع 12 - 13 : " الذين قبلوه .. أي المؤمنون باسمه " : كانت هناك عطية خاصة ، ولم تزل ، لكل من يريد المسيح وهي عطية البنوة لله . فالميلاد الجسدي يعطي الحسب والنسب ، والميراث الأرضي مصيره الموت والزوال . أما الميلاد الروحي ، وشرطه الإيمان والمعمودية ( مر 16 : 16 ) ، فيعطي نبوة ونسبا إلهيا وميراثا سمائيا ثابتا لا يضمحل .
+ وهذه العطية ، أخذناها جميعا مجانا في سر المعمودية المقدس ، مما يلقي علي الإنسان المسيحي مسئولية عظيمة ، وهي سؤال يطرح نفسه طوال الوقت : هل نسبي للعالم أم للمسيح ... هل أحيا كمولود من جسد أو كمولود من الروح ؟ والتدقيق في هذا السؤال ، وما نطلق عليه : حساب النفس اليومي عن كل أفعالنا ، له عظيم الأثر علي الحياة الروحية مع الله .
[ 3 ] تجسد المسيح ( ع 14 - 18 ) :
ع 14 : " الكلمة صار جسدا وحل بيننا" : إشارة إلى سر التجسد ، وهي إحدى عقائد المسيحية الأساسية ، أن الله الكلمة صار جسدا . ومعني " جسدا " هنا ، إنسانا كاملا ، كما يشير قانون الإيمان " تجسد وتأنس " أي المسيح الإله اخذ جسدا وروحا ونفسا بشرية اتحدت بلاهوته ، فصار الله الكامل والإنسان الكامل ( راجع 1تي 3 : 16 ) . " وصار " : لا تعني تحول اللاهوت إلى جسد مادي أو محدوديته بجسد مادي بل تعني اتحد به .
و نعلم أن كلمة جسد ، في لغة الكتاب المقدس تعني أحد ثلاث معان:
(1) جسم : لم يبغض أحد جسده قط " ( أف 5 : 29 )
(2) شر : " ولا تصنعوا تدبيرا للجسد لاجل الشهوات " ( رو 13 : 14 )
(3) شخصية إنسانية كاملة : " ليسا بعد اثنين بل جسد واحد " ( مت 19 : 6 )
و قد تنبأ باروخ النبي بالتجسد والحلول بيننا ، عندما قال : " هذا هو إلهنا ولا يعتبر حذاءه آخر ... تراءي علي الأرض وتردد بين البشر " ( 3 : 36 ، 38 )
و بجانب البعد الإيماني لهاتين الآيتين ، نستطيع أن نستخلص المعاني الروحية التالية أيضا : " صار جسدا " : صار الإنسان المسيحي ابنا لله ، لان ابن الله الوحيد صار إنسانا.
" حل بيننا ": عاش في وسطنا كواحد منا بإتضاع عجيب ، مختبرا كل آلامنا ، شاعرا بنا في كل ضيقنا ، بل هو المعين لكل المتألمين ... فلن يشعر بك إلا من تألم كل الألم من اجلك ... هذا هو مسيحك ( عب 2 : 18 )
" ورأينا مجده ، مجدا " : ما أصعب الحديث عن مجد الله قبل التجسد . فعندما حاول موسى رؤية مجد الله، جاءته الإجابة: " الإنسان لا يراني ويعيش " ( خر 33 : 20 ) . أما في تجسد المسيح ، فقد رأينا مجد الله المتجسد في معجزاته التي لا يصنعها إلا الله . وكانسان ، صار في قدرته لنا بلا خطية واحدة ، مقدما لنا صورة الإنسان الكامل الذي يجب علينا أن نكون علي صورته ، غير معتذرين أو مبررين خطايانا بظروف العالم المحيطة بنا .
" كما لوحيد من الآب " : هنا تمييزا لبنوة المسيح عن بنوتنا نحن لله ، فبنوة المسيح هي بنوة الطبيعة الإلهية ، أي ولادة الكلمة الأزلي من الآب قبل كل الدهور . أما بنوتنا فقد نلناها بالإيمان بالآب والابن والروح القدس من خلال سر المعمودية.
" مملوءا نعمة وحقا " : النعمة هي العطايا المجانية التي يهبنا المسيح إياها. والحق هو اعلان حقيقة الله والإيمان به .
ع 15 : هذه شهادة ليوحنا المعمدان ، تؤكد كل ما سبق وأن تنبأ به عن مجئ المسيح بعده ، ولكن له المكانة الأولي ، ويشير أيضا إلى أزليته .
ع 16 - 17 : المسيح فيه كل الملء والشبع لمريديه من المؤمنين باسمه ، ومن فيضه اخذ يوحنا وكل المسيحيين.
" نعمة فوق نعمة " : إشارة للفرق بين نعمة العهد القديم ، القاصرة علي أنبياء ووعود ورجاء ووصايا ، ونعمة العهد الجديد التي تكلم فيها الله من خلال ابنه ، ومن خلال فدائه المجاني . فالناموس لم يعط تبريرا لأحد ، بل كان موضحا للطريق . أما المسيح، فهو " الطريق والحق والحياة " ( ص 14 : 6 )
ع 18 : أراد الله أن يكشف لنا عن طبيعة جوهره بطريقة يمكن الإحساس بها ، فلم يكن سبيلا سوي تجسد الكلمة .
" في حضن الآب ": إشارة إلى الاتحاد والمشاركة بين الآب والابن . وتعني أيضا انه أثناء تجسد المسيح علي الأرض ، لم يفارق الآب ، بل هو مالئ لكل زمان ومكان.
" هو خبر " : تاكيد اخر للوحدة الازلية بين الآب والابن.
[ 4 ] شهادة المعمدان ( ع 19 - 36 ) :
ع 19 - 28 : كانت هناك احتمالات حول شخصية يوحنا ، إما أن يكون نبيا كاذبا كبعض السابقين ، أو أن يكون إيليا السابق للمسيح ( ملا 3 : 1 ، 4 : 5 ) أو نبيا حقيقيا تنبأ عنه موسى ( تث 18 : 15 ) ، أو المسيح المنتظر . ولهذا ، تم إرسال وفد من الكتبة والفريسيين واللاويين ، ممثلي طغمة الخدام ، للاستفسار عن هذه الشخصية القوية التي تكاثر تلاميذها . ونلاحظ خبث اليهود في سؤالهم ، فهم يعلمون أن المسيح من سبط يهوذا ونسل داود ، بينما يوحنا من سبط لاوي ، سبط الكهنوت . وعند سؤال يوحنا ، لم ينسب لنفسه ، بإتضاع ، أية صفة من هذه الصفات ، بل أشار إلى مهمته في تهيئة الشعب بمعمودية التوبة ، لاستقبال المسيح ، الذي بسلطانه وحده ، معمودية الروح القدس . وشهد أيضا أن المسيح قائم في وسطهم وتجسد . وبأتضاع حقيقي ، ختم حديثه بأنه لاشئ أمام مجد الأتي بعده ، والذي لا يستحق أن يحل سيور حذائه ، وهي من خدمات العبيد في ذلك الزمن.
+ ولعلنا نستخلص من شهادة يوحنا هذه درسين :
(1) أن مهمة كل مسيحي هي الشهادة للمسيح الإله والمخلص
(2) أن نتعلم الإتضاع ، ولا نسرق مجد الله لأنفسنا ، بل يكفينا فخرا أن نخدم اسمه ونحن ساجدين تحت قدميه .
" بيت عبرة " هي مكان عبور يشوع بالشعب إلى ارض الموعد.
ع 29 - 36 : يكشف لنا يوحنا سرا جديدا من إسرار عمل الروح القدس ، فهو لم يكن يعرف قبلا شخص المسيح ،و لكن عمل الروح القدس في الإرشاد ، هو الذي ابلغ يوحنا بعلامة واضحة " مثل حمامة " . ومن خلال هذه العلامة ، تيقن يوحنا انه هو المسيح ... ثم يؤكد لنا المعمدان ، من خلال شهادته ، أن المسيح هو ابن الله ( ع 34 ) ، وهو " حمل الله " المبذول عنا فداء لمغفرة الخطايا ( ع 29 ، ع 36 ) ، والذي كان عندئذ آتيا من جبل التجربة ، ليبدأ خدمته ، وليقدم نفسه ذبيحة خطية عن العالم .
و قد أدي يوحنا شهادته علي 3 مراحل : ع 19 إلى ع 28 ع 29 إلى ع 34 ع 35 - 36 في مسامع تلميذيه اندراوس ويوحنا.
+ وألان أيها الحبيب فان ما أخذته أنت في سر مسحة الروح القدس الميرون المقدس قادر أن يرشدك أمام ظروف ومشاكل الحياة ، فتحيا مطمئنا في كل حين ، بل تتعرف أكثر فأكثر علي مشيئة الله في حياتك.
[ 5 ] دعوة بعض التلاميذ ( ع 37 - 46 )
ع 37 - 39 : سمع تلميذي يوحنا المعمدان شهادته للمسيح فتبعاه . فسالهما يسوع : " ماذا تطلبان ؟ " فأجابا أنهما يريدان معرفة مكان إقامته ، فرحب بهما واتيا معه إلى مكانه ، ومكثا عنده طوال اليوم ، وهكذا بدأت تلمذتهما له .
+ أن الله يسألك عندما تتبعه ماذا تطلب ، لتكون تبعيتك محبة لشخصه بإيمان وتسليم ، ولا تكون لأية إغراض مثل مصلحة شخصية ، أو تظاهر وكبرياء أو مجرد ملء لوقت الفراغ .
ع 40 - 42 : كان اندراوس واحد من تلميذي يوحنا المعمدان اللذين تبعا المسيح ، فدعا أخاه سمعان ، وبشره بظهور المسيا ، وأخذه للمسيح الذي غير اسمه إلى صفا أي بطرس ، ومعناه صخرة ، إشارة لخدمته المستقبلية في التمسك بصخرة الإيمان والتبشير به .
و معروف في الكتاب المقدس تغيير بعض الأسماء ، إيذانا ببدء مهمة عظيمة ، مثل : أبرام الذي صار إبراهيم ، ويعقوب الذي صار إسرائيل ؛ وكما هو متبع ألان في سيامة الأساقفة والكهنة والشمامسة ، فينال كل منهم اسم أحد القديسين ليناسب مهمته الجديدة .
ع 43 - 45 : اتجه يسوع إلى منطقة الجليل في الشمال ، وتابع دعوة تلاميذه حيث وجد فيلبس الذي من مدينة بيت صيدا ، وفيها أيضا مسكن اندراوس وبطرس ، ودعاه فتبعه . وفيلبس اخبر صديقه نثنائيل انهم وجدوا المسيح المنتظر ، وهو ابن يوسف الذي من مدينة الناصرة . ويظهر من كلام فيلبس أن هدف الناموس والنبوات هو المسيا المنتظر . ونثنائيل هذا هو الذي صار اسمه فيما بعد برثولماوس ، وهو من تلاميذ المسيح .
ع 46 : أما ما وقع فيه نثنائيل من تسرع في الحكم ، وإدانة شاملة لكل أهل الناصرة .
+ نتعلم منه إلا نحكم علي أحد فربما ، دون أن ندري ، نقع في إدانة قديسين ، كما تهكم نثنائيل علي المسيح نفسه .
و كان اليهود يعلمون أن المسيح يأتي من بيت لحم ، مدينة داود ( مي 5 : 2 ؛ مت 2 : 5 ، 6 ؛ يو 7 : 42 ) وليس من ناصرة الجليل .
[ 6 ] إيمان نثنائيل ( ع 47 - 51 )
ع 47 - 49 : عندما رأي المسيح نثنائيل ، بادره بقوله انه اسرائيلي أي ليس من الأمم المنتشرين في منطقة الجليل . فتعجب نثنائيل وسأله : " كيف عرفتني ؟ " فاكمل يسوع كلامه انه يعرفه منذ زمان بعيد ، حين كان تحت شجرة التين . وهذه قصة سرية ، لا يعرفها إلا نثنائيل وامه . فعندما أمر هيرودس بقتل الأطفال في بيت لحم ، الذين عمرهم اقل من سنتين ، خافت أم نثنائيل ، وخبات طفلها تحت شجرة تين ، وظلت تراقبه من بعيد . وبحث الجنود في كل المنطقة وقتلوا الأطفال ، ولم يستدلوا علي مكان نثنائيل ، وانصرفوا . ثم أخذته وربته سرا بعيدا عن كل العيون ، حتى لا يقتل . وبعدما كبر ، اعلمته بقصة نجاته من الموت ، وظل يحفظ بها سرا داخله ، حتى كشفها له المسيح عندما قابله . فتيقن نثنائيل أن يسوع هو المسيا المنتظر ، العالم بالغيب ، وأعلن انه ابن الله وملك إسرائيل .
و لا يفوتنا التنويه إلى أن يسوع الطفل لم يكن في بيت لحم في ذلك الحين ، بل في طرقه إلى مصر مع أمه القديسة مريم ويوسف النجار .
ع 50 - 51 : أضاف يسوع لنثنائيل أن إيمانه سيزداد ن ليس لأنه رأي المسيح العالم بالغيب بل لأمور أعظم سيراها في تبعيته له ، وهي إتمام الفداء علي الصليب ، وبهذا يصالح السمائيين مع الأرضيين ، وتصعد الملائكة بصلوات المؤمنين إلى السماء من خلال المسيح الفادي ، وينزلون من السماء ببركات كثيرة بالمسيح أيضا مخلص العالم .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح