الإصحاح السادس عشر
¬¬¬¬الآيات (مت 1:16-12) + (مر 10:8-21)
الآيات (مت 1:16-12):-"1وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالصَّدُّوقِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ. 2فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ:«إِذَا كَانَ الْمَسَاءُ قُلْتُمْ: صَحْوٌ لأَنَّ السَّمَاءَ مُحْمَرَّةٌ. 3وَفِي الصَّبَاحِ: الْيَوْمَ شِتَاءٌ لأَنَّ السَّمَاءَ مُحْمَرَّةٌ بِعُبُوسَةٍ.يَا مُرَاؤُونَ! تَعْرِفُونَ أَنْ تُمَيِّزُوا وَجْهَ السَّمَاءِ، وَأَمَّا عَلاَمَاتُ الأَزْمِنَةِ فَلاَ تَسْتَطِيعُونَ! 4جِيلٌ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ يَلْتَمِسُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ». ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَمَضَى. 5وَلَمَّا جَاءَ تَلاَمِيذُهُ إِلَى الْعَبْرِ نَسُوا أَنْ يَأْخُذُوا خُبْزًا. 6وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«انْظُرُوا، وَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ». 7فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ:«إِنَّنَا لَمْ نَأْخُذْ خُبْزًا». 8فَعَلِمَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ أَنَّكُمْ لَمْ تَأْخُذُوا خُبْزًا؟ 9أَحَتَّى الآنَ لاَ تَفْهَمُونَ؟ وَلاَ تَذْكُرُونَ خَمْسَ خُبْزَاتِ الْخَمْسَةِ الآلاَفِ وَكَمْ قُفَّةً أَخَذْتُمْ؟ 10وَلاَ سَبْعَ خُبْزَاتِ الأَرْبَعَةِ الآلاَفِ وَكَمْ سَّلاً أَخَذْتُمْ؟ 11كَيْفَ لاَ تَفْهَمُونَ أَنِّي لَيْسَ عَنِ الْخُبْزِ قُلْتُ لَكُمْ أَنْ تَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ؟» 12حِينَئِذٍ فَهِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنْ يَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْخُبْزِ، بَلْ مِنْ تَعْلِيمِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ."
الآيات (مر 10:8-21):-"10وَلِلْوَقْتِ دَخَلَ السَّفِينَةَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَجَاءَ إِلَى نَوَاحِي دَلْمَانُوثَةَ. 11فَخَرَجَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَابْتَدَأُوا يُحَاوِرُونَهُ طَالِبِينَ مِنْهُ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يُجَرِّبُوهُ. 12فَتَنَهَّدَ بِرُوحِهِ وَقَالَ:«لِمَاذَا يَطْلُبُ هذَا الْجِيلُ آيَةً؟ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَنْ يُعْطَى هذَا الْجِيلُ آيَةً!» 13ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَدَخَلَ أَيْضًا السَّفِينَةَ وَمَضَى إِلَى الْعَبْرِ. 14وَنَسُوا أَنْ يَأْخُذُوا خُبْزًا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي السَّفِينَةِ إِلاَّ رَغِيفٌ وَاحِدٌ. 15وَأَوْصَاهُمْ قَائِلاً: «انْظُرُوا! وَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَخَمِيرِ هِيرُودُسَ» 16فَفَكَّرُوا قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لَيْسَ عِنْدَنَا خُبْزٌ». 17فَعَلِمَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ أَنْ لَيْسَ عِنْدَكُمْ خُبْزٌ؟ أَلاَ تَشْعُرُونَ بَعْدُ وَلاَ تَفْهَمُونَ؟ أَحَتَّى الآنَ قُلُوبُكُمْ غَلِيظَةٌ؟ 18أَلَكُمْ أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُونَ، وَلَكُمْ آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُونَ، وَلاَ تَذْكُرُونَ؟ 19حِينَ كَسَّرْتُ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ لِلْخَمْسَةِ الآلاَفِ، كَمْ قُفَّةً مَمْلُوَّةً كِسَرًا رَفَعْتُمْ؟» قَالُوا لَهُ:«اثْنَتَيْ عَشْرَةَ». 20«وَحِينَ السَّبْعَةِ لِلأَرْبَعَةِ الآلاَفِ، كَمْ سَلَّ كِسَرٍ مَمْلُوًّا رَفَعْتُمْ؟» قَالُوا:«سَبْعَةً». 21فَقَالَ لَهُمْ:«كَيْفَ لاَ تَفْهَمُونَ؟»"
(مر 10:8 ) يقول مرقس أن السيد جاء إلى إلى نواحى دلمانوثة، ويقول متى جاء إلى تخوم مجدل (مت 39:15). وهذا المكان بالقرب من طبرية على الشاطىء الغربى للبحيرة. وإلإختلاف فى الأسماء راجع لأن نفس المكان قد يكون له إسمان، إسم قديم وإسم حديث، ومتى إستخدم أحدهما بينما إستخدم مرقس الآخر.
ويقول إدرشيم بعد تلك المعجزة دخل الرب سفينة ويقول القديس متى أن الرب جاء إلى تخوم مجدل، ويقول القديس مرقس أنه جاء إلى نواحى دلمانوثة. ومجدل نطقها الصحيح مجدان، وغالبا هى مجدو وهى لفظ وسط بين النطق العبرانى مجدون والنطق السريانى مجدو. وهذا المكان جنوب بحيرة الجليل ولكنه داخل محيط العشر المدن وهو قريب من حدود الجليل. وقدم الكاتب بحثا فى أصل كلمة دلمانوثة وقال أنها غالبا خليج صغير أو مرفأ ترسو فيه السفن على شاطئ البحيرة فى منطقة مجدل. وهناك مكان معروف لتمليح السمك والتلاميذ كصيادين لهم صلات بهذا المكان.
(مت 1:16-4):-الفريسيين متعارضون فكرياً، لكننا هنا نجدهم قد إتفقوا معاً ضد المسيح فمملكة الظلمة لا تقبل النور. وقد جاءوا للمسيح يطلبون آية، ولم يكفهم كل الآيات التى صنعها السيد المسيح. وهم طلبوا آية من السماء= ربما قصدوا بهذا نزول مَنْ مِنَ السماء، أو علامة طبيعية غريبة مثل إختفاء الشمس مثلاً أو بروق ورعود كما فعل موسى. ولكن الأقرب هو فكرة طلبهم مَنْ سماوى، فشيوخهم كانوا يقولون أن المسيا حين يأتى سينزل مناً من السماء كما فعل موسى (يو 30:6-31). والمسيح ما كان عنده مانع من عمل معجزة ولكن لمن يعمل المعجزة ؟ هو يعملها لمن تجعله يؤمن.ولكن هؤلاء عقدوا العزم على عدم الإيمان، بل هم قد أتوا ليَتَحدوُا المسيح فى عناد ومقاومة، ولو كان قد فعل آية لكانوا قد إخترعوا أى شىء ليقاوموه. لذلك هو رفض عمل آية لهم.ولاحظ إتفاق الفريسيين والصدوقيين ضد المسيح بالرغم من اختلافهم. فمملكة الظلمة لا تطيق النور.
والمسيح يفضل أن يؤسس ملكوته بالتعليم وليس بعمل الآيات "طوبى للذين آمنوا ولم يروا" (يو 29:20). والتعليم يقود للتوبة، لذلك نادى يوحنا المعمدان أولاً بالتوبة، ثم نادى المسيح بالتوبة ومن بعده التلاميذ فالزمان هو تأسيس الملكوت وذلك يتم بالتوبة، فلن يدخل أحد الملكوت إذا إستمر فى نجاسته، والعكس فالله حين تاب أهل نينوى قبلهم، لذلك يشير السيد إلى يونان النبى. ولكننا نجد هؤلاء المقاومين لا يبحثون سوى عن آية، وحتى الآن فهناك من يفكر فى المعجزات دون أن يقدم توبة. وإشارة المسيح لآية يونان النبى تعنى أن كل ما قدمه يونان لأهل نينوى هو قوله أن المدينة ستهلك إن لم يتوبوا، وبهذه الكلمات فقط تابوا. والآن أمامهم المسيح بكل ما يقوله ويفعله وهم لا يؤمنون ولا يتوبون. والسيد يقول تعرفون أن تميزوا وجه السماء = أى يتعرفوا على حالة الجو خلال العلامات الظاهرة فى السماء. وهؤلاء مثل كثيرين يظهرون ذكائهم فى الأمور المادية لكنهم لا يهتمون بالأمور الروحية وإكتشافهم لفرص التوبة والتعرف على الرب. فهؤلاء الفريسيين برعوا فى معرفة علامات الطقس ولم يعرفوا زمان الإفتقاد الإلهى، فالمسيح فى وسطهم ولم يعرفوه أماّ علامات الأزمنة = هم كدارسين للناموس لابد وأنهم يعرفون النبوات التى تحدد زمان مجىء المسيح بالسنة (دا 24:9-27) وظهور يوحنا المعمدان كسابق (ملا1:3 +إش 3:40) ثم ظهر المسيح ومعجزاته (إش5:35-6). وغيرها كثير من النبوات، فلماذا لم يستخدموا ذكائهم فى دراسة هذه النبوات، ولو فعلوا لكانوا قد عرفوا المسيح. لكنهم كما يقول المسيح جيل شرير فاسق= أى أن خطاياهم وعنادهم وريائهم وحسدهم للمسيح ومحبتهم للأموال وخوفهم على ضياعها إذا سار الناس وراء المسيح، كل هذا أعمى عيونهم عن فهم كتب الأنبياء والحل هو التوبة التي نادي بها يونان، ولو حدث ستعرفونني. ومثل هؤلاء مهما عُمِلَ أمامهم من آيات لن يؤمنوا لذلك تركهم المسيح ومضى والآن بالنسبة لنا فالزمن زمن توبة فعلينا أن لا نفكر سوى فى الإستعداد بتوبة كما تاب أهل نينوى على يد يونان ولا نطلب حدوث معجزات من المسيح بل نسلم بما يريده.
ونلاحظ أن المسيح أيضاً بإشارته ليونان فهو يشير لموته وقيامته، وتأملنا فيما صنعه المسيح لنا يجعلنا نحبه، ومن يحب المسيح سيقبل أى شىء يسمح به (راجع يو15:21-22). والصليب والقيامة أعظم آيات قدمها المسيح للبشرية ففيهما سر خلاص البشرية.
هؤلاء المعاندين بسبب شرهم فاتهم أن يدركوا من هو المسيح، وأنه جاء لخلاصهم الأبدى، ولو أدركوا لخلصوا، لو تابوا لكانوا الآن فى السماء. ولاحظ أن إشارة المسيح لآية يونان فيها تلميح بقبول الأمم بسبب رفض اليهود للمسيح.
وإنجيل مرقس لم يشر لكلام المسيح عن يونان فهو يكتب للرومان الذين لا يعرفون شيئاً عن يونان. وفى (مر12:8) تنهد بروحه = أى التنهد ليس على مستوى الجسد بل من أعماقه شعر بضيق من موقفهم منه.
إذا كان المساء قلتم صحو لأن السماء محمرة = أى إذا رأوا السماء حمراء فى المساء، يقولون إن الجو غداً سيكون صحواً. وفى الصباح اليوم شتاء = وفى صباح اليوم تقولون سيكون اليوم شتاء إذا رأيتم السماء حمراء بعبوسةأى هنا غيوم وسحاب. وتفسير هذا أن السيد أتى بوداعة ومحبة يعلم ويشفى فكان يجب عليهم بذكاء أن يدركوا أن الزمن زمن قبول. صحو= سنة مقبولة (لو 19:4). ثم تركهم ومضى= فمن لا يريد المسيح يتركه المسيح. ونحن الآن مع أن كل العلامات التي تشير إلى أن المجئ الثاني على الأبواب موجودة، ألا يدعونا هذا لتقديم توبة وبسرعة.
الآيات (مت 5:16-12):-"5وَلَمَّا جَاءَ تَلاَمِيذُهُ إِلَى الْعَبْرِ نَسُوا أَنْ يَأْخُذُوا خُبْزًا. 6وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«انْظُرُوا، وَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ». 7فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ:«إِنَّنَا لَمْ نَأْخُذْ خُبْزًا». 8فَعَلِمَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ أَنَّكُمْ لَمْ تَأْخُذُوا خُبْزًا؟ 9أَحَتَّى الآنَ لاَ تَفْهَمُونَ؟ وَلاَ تَذْكُرُونَ خَمْسَ خُبْزَاتِ الْخَمْسَةِ الآلاَفِ وَكَمْ قُفَّةً أَخَذْتُمْ؟ 10وَلاَ سَبْعَ خُبْزَاتِ الأَرْبَعَةِ الآلاَفِ وَكَمْ سَّلاً أَخَذْتُمْ؟ 11كَيْفَ لاَ تَفْهَمُونَ أَنِّي لَيْسَ عَنِ الْخُبْزِ قُلْتُ لَكُمْ أَنْ تَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ؟» 12حِينَئِذٍ فَهِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنْ يَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْخُبْزِ، بَلْ مِنْ تَعْلِيمِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ."
ولما جاء تلاميذه إلى العبر= أى عبر بحر الجليل.
وترك الرب هؤلاء الفريسيين والصدوقيين، وفى نفس السفينة التى جاء بها إلى دلمانوثة عاد إلى بيت صيدا جولياس فى طريقه إلى قيصرية فيلبس (هناك مكانين بإسم بيت صيدا أحدهما غرب بحيرة طبرية وهى ميناء صيد بجانب كفرناحوم أو هى ميناء صيد داخل حدود كفرناحوم داخل الجليل. والأخرى بيت صيدا جولياس شرق بحيرة طبرية وهذه خارج الجليل فهنا كان الرب يسوع قد أنهى خدمته فى الجليل). وكان هذا قبل ذهابه فى رحلته الأخيرة إلى أورشليم والتى بدأت بعيد المظال وإنتهت بعيد الفصح يوم الصليب. وعند وصولهم حذرهم الرب من خمير الفريسيين الذى هو تعاليمهم الفاسدة التى أدت بهم لطلب علامة من السماء. ولاحظ فهم التلاميذ الخاطئ لكلمة خمير الفريسيين إذ فهموها حرفيا أنها عن الخبز.
[وللآن هناك نجد الكثيرين يسألون علامات من السماء ليصدقوا المسيح أو ليتأكدوا من محبته وقوته ليطمئنوا. وهذا ضد الإيمان، "فالإيمان هو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى" (عب11 : 1). إذاً علينا أن نثق فى المسيح ووعوده ومحبته ورعايته وحكمته وأنه ضابط الكل، عينه علينا دائما لا يتركنا ولا يهملنا، وذلك دون أن نطلب علامات ملموسة لنتأكد].
تحرزوا من خمير الفريسيين = إذا تشبهوا بالفريسيين فى ريائهم فلن يمكن إقامة الملكوت داخلهم، فالرياء أخطر عدو للملكوت، هو يتسلل لحياة الخدام والشعب لينشغل الإنسان بذاته دون حساب لأهمية اللقاء مع المسيح وتشبيهه بالخميرة فذلك لإنتشارها السريع، الرياء هو عدوى سريعة الإنتشار. إننا لم نأخذ خبزاً = لقد إنشغلوا بمشكلة تافهة والمسيح صانع المعجزات بينهم.. وكم من مشكلة تافهة تشغلنا عن المسيح.
- حتى يقيم السيد ملكوته السماوى فينا فلنهتم بعلاقتنا الشخصية معه بدون رياء، أى بدون إهتمام برأى الناس. ولنذكر على الدوام أنه موجود وقادر على حل أى مشكلة تواجهنا، لنحتفظ بإيمان بسلامنا فيه. ولاحظ أن السيد حين أراد أن يوبخ تلاميذه على خطأ صدر منهم كان هذا بينه وبينهم حتى لا يجرح مشاعرهم أمام الناس.
- ونلاحظ أيضاً شغف التلاميذ ببقائهم دائماً بجوار معلمهم حتى أنهم نسوا أن يأخذوا معهم خبزاً.
لماذا تفكرون فى أنفسكم = فهو فاحص القلوب والكلى.
ألا تشعرون بعد ولا تفهمون = هى دعوة لدخولهم للأعماق، ليعرفوا من هو ويؤمنوا به. أحتىالآن قلوبكم غليظة= يحركهم ليطلبوا قلباً جديداً.
عموماً فالسيد المسيح لا يعنى بكلامه هذا أن نترك أعمالنا فهو لا يشجع الكسل ولكنه لا يريد أن تكون الأمور المادية سبباً لحمل الهم فى قلب الإنسان.
(مر 15:8) خمير هيرودس= خبثه ومكره.
تدريب: درب نفسك على أن تذكر دائماً أعمال الله القديمة، وكم مشكلة أخرجك منها حتى لا تيأس من التجربة الحالية.
ملخص الأحداث الماضية :- كان لابد للرب وتلاميذه أن يتركوا كفرناحوم، فخدمة المسيح فى الجليل قد إنتهت، وأيضا تزايدت عداوة الفريسيين ومؤامراتهم ضد المسيح، وتشكيكهم مما يفسد عمل المسيح مع الجليليين. بالإضافة لتساؤلات هيرودس أنتيباس الذى تلوثت يده بدماء المعمدان عن المسيح، كل هذا جعل بقاء المسيح فى الجليل بلا فائدة. وعند مغادرة المسيح للجليل أشبع الخمسة ألاف على الشاطئ الغربى للبحيرة، وكان هذا هو العشاء الأخير لليهود فأرادوا أن يجعلوه ملكا. وإنسحب الرب مع تلاميذه بعد ذلك إلى نواحى صور وصيدا ثم إلى العشر المدن حيث علَّمَ وشفى أمراضهم. وبعد ذلك أشبع الأربعة ألاف لينهى خدمته فى هذه الأماكن. ثم ذهب إلى دلمانوثة، وهناك تحداه الفريسيين والصدوقيين أن يظهر علامة على صدق إرساليته ولكنه لم يظهر لهم شئ فقلوبهم قد إغلقت ولن يفهموا إذ هم لا يريدون أن يفهموا فقد إتخذوا قرارهم برفضه. لكن الرب حذرهم من مصيرهم المشئوم. وهذا ما حدث لهم إذ رفضوا المسيح فكان هذا رفضا لهم من قبل الله، وحدث ما حذر الرب منه أى مصيرهم الحزين، وأخذ الأمم مكانهم. وكان هذا معنى أن الإعتراف بالمسيح من قبل بطرس والتجلى، يحدثان فى حدود الأمم وليس اليهود. ولكن يبدو أن التلاميذ لم يفهموا بل كان فى داخلهم تساؤلات - لماذا إنسحب المسيح ولم يظهر علامة فأعطى فرصة للفريسيين أن يظهروا كمنتصرين. بل كان هذا السؤال هو سؤال رئيس الكهنة "هل أنت المسيح إبن الله" وكانت إجابة المسيح بأنه أكد هذا لكنه لم يثبته أمام رئيس الكهنة. وخاف المسيح على تلاميذه أن يسود عليهم الشك، بل سيزداد الشك إذ يجدونه قد صلب ولم يُعلن عن ملكه. وهذا يحدث مع كل منا أننا نقع فى هذا الفخ حينما يكون رد فعل الله مخالفا لتوقعاتنا، [وأنظر رد تلميذى عمواس على المسيح "هذا الذى كنا متوقعين أنه المزمع أن يفدى إسرائيل"] ولذلك أخذ المسيح معه تلاميذه وإنسحب إلى العشر مدن ليُثبِّت إيمانهم، وحذرهم أن يكون لهم نفس الشك الذى عند الفريسيين = "تحرزوا من خمير الفريسيين" إذ أنهم كانوا يريدون أن يبدو المسيح كمنتصر أمام الفريسيين ويظهر لهم علامة. وما حدث بعد ذلك من أقوال وأعمال للمسيح كان تثبيتا لإيمان التلاميذ. ونلاحظ إصرار المسيح على تعاليمه، ومن يريد أن يغادر فليغادر (يو6 : 67). ولكن من ناحية أخرى كان يثبت إيمانهم الذى كان قد بدأ ينمو فى كفرناحوم. والرب يعمل معنا نفس العمل فهو يدربنا بطرق متنوعة ليثبت إيماننا فنقبل أحكامه وأقواله الصعبة. ولكن هناك من التلاميذ من فشل أن يثبت إيمانه فتحطم حينما لم تتوافق خطة المسيح مع تصوراته فى أن المسيح سيكون ملكا بالمفهوم البشرى، ألا وهو يهوذا. هذا الذى كانت له أطماعه العالمية فى مملكة عالمية يكون له فيها شأن عظيم، وبدأت أحلامه تتبخر أولا بإستشهاد المعمدان. ثم نمت وإنتشرت خميرة الفريسيين تماما داخله، إذ لم يجد المسيح يعطى علامة من السماء وينزل عن الصليب ويأخذ الملك كما كان يتوقع هو. ويمكن أن يحدث هذا داخل كل منا إذ يكون حكم المسيح فى الأمور عكس ما تشتهى قلوبنا.
ماذا عمل الرب يسوع لتثبيت إيمان تلاميذه؟ أخذهم فى رحلة هادئة فى البحيرة من دلمانوثة إلى قيصرية فيلبس ليهدأوا، ثم بادرهم بالسؤال عن ماذا عرفوا هم عن شخصه بعد كل خبراتهم معه طوال مدة وجوده معهم وبعد أن رأوا أعماله وأقواله. وهنا كانت إجابة بطرس "أنت هو المسيح إبن الله الحى". وبدأ المسيح يخبرهم بأنه سيصلب، حتى يعرفوا أنه كان عالما بكل شئ وأن هذا الصليب هو خطة إلهية، فحين يحدث لا يتشككوا (قارن مع يو14 : 19). ولكن كانت قطعة صغيرة من خمير الفريسيين قد تسللت للتلاميذ. فنجد بطرس يعترض على الصليب فهذا ضد فكره، فهو يتوقع ويريد المسيح ملكا منتصرا، هذا ما يحدث مع كل منا حين نجد أن خطة الله وفكره لا تتفق مع مشيئتنا وفكرنا. ونجد بعد ذلك أن الرب يعلم ويشرح عن ضرورة حمل الصليب. وعلى كل من يريد أن يتبع المسيح فليحمل صليبه ويتبعه. هنا صار الصليب ليس فكرا نقبله أو نرفضه بل هو طريق نتبع به المسيح. ولكن الصليب ليس هو النهاية بل "سيأتى إبن الإنسان فى مجد أبيه مع ملائكته ليجازى كل واحد حسب عمله" (مت16 : 21 - 28). وترك المسيح تلاميذه ستة أيام ليهدأوا. وكان بعد ذلك أن أخذ معه بعض التلاميذ، وأظهر لهم نفسه على جبل التجلى ليعطيهم علامة لم ينسوها طيلة أيامهم. وهذا يتضح من تسجيل القديسين بطرس ويوحنا لحادثة التجلى فى رسائلهما.
وسأل الرب تلاميذه عن من يقول الناس إنى أنا إبن الإنسان" كان هذا ليس إستطلاعا لرأى الناس بل لرفع فكر التلاميذ إلى مستوى معرفة حقيقة شخص المسيح. وكان رد التلاميذ "يوحنا المعمدان أو إرمياء أو إيليا. وهذا مع أن إرمياء والمعمدان إنتقلوا من هذا العالم. ولاحظ أن هذا كان رأى الناس وليس رأى التلاميذ، فبعض اليهود كانوا يؤمنون بتناسخ الأرواح وأن روح إرمياء تسكن فى المسيح، وأنه ينذر إسرائيل حتى لا تخرب كما فعل إرمياء من قبل. أما أن روح المعمدان تسكن فى المسيح فهذا مستحيل فالمعمدان كان معاصرا للمسيح. ومن لا يؤمن بهذا تصور أن المسيح كان إمتدادا لرسالة إرمياء أو المعمدان. [ومن قالوا إيليا كان ذلك لفهمهم نبوة ملاخى النبى أن إيليا يكون سابقا للمسيا (ملاخى4 : 5).] ولكن نرى أنه لم يوجد من قال أنه المسيا. وفى هذا نرى أن تشكيك الفريسيين فى المسيح كان له هذه النتيجة، وأنه حدث إرتداد وسط الناس بعد أن كانوا قد حسبوه أنه هو المسيا وأرادوا أن يجعلوه ملكا. فلم يعترف أحد بأنه المسيا المنتظر، إلا أن ردودهم كانت تعنى أنه ليس شخصا عاديا أو معلما عاديا، بل أن رسالته كانت من السماء مباشرة. ثم سأل الرب تلاميذه "وأنتم من تقولون إنى أنا". وكان سؤال الرب لتلاميذه ليستخرج من أفواههم إيمانهم تثبيتا لإيمانهم. ولذلك حين نطق بطرس بما قاله أمَّن الرب يسوع على كلامه وقال أن من أعطى هذه الإجابة لبطرس هو الله الآب نفسه. وإختلف نص الإجابات المذكورة فى الثلاثة الأناجيل، ولكن كل منهم كان يختار من إجابة بطرس ما يتفق مع من يكتب له إنجيله. فمتى مثلا لأنه كان يكتب لليهود ذكر إجابة بطرس بما يتفق مع الفكر اليهودى "أنت هو المسيح إبن الله الحى" وهذا تعبير يهودى صرف. وكان نص الإجابة بحسب متى هو النص الكامل حسبما قاله بطرس فعلا، أما النصوص بحسب القديس مرقس "أنت المسيح" وبحسب القديس لوقا "مسيح الله" فهى ردود مختصرة.
كان داخل التلاميذ بذرة إيمان، ظل ينمو فنرى أن بطرس قد نطق بإعتراف مشابه بعد حديث المسيح عن خبز الحياة (يو6 : 69). ونما هذا الإيمان أكثر بعد سير المسيح على الأمواج. وظل هذا الإيمان ينمو حتى كان إعتراف بطرس بإعلان من الله، تقبله بطرس وخضع له بقية التلاميذ. وكان هذا الإعلان الإلهى لبطرس عقب صلاة المسيح قبل أن يسأل سؤاله للتلاميذ (لو9 : 18). وبهذا الإعتراف إتضح أن خمير الفريسيين لم يفسد إيمان التلاميذ. ولكن قطعا تعرض بعدها التلاميذ للحظات شك. ولم يستقر إيمانهم بما نطق به بطرس إلا بعد القيامة ورؤية الرب. [ولكن هم لم يعرفوا حقيقة المسيح وأنه يهوه المتجسد والمتأنس إلا بعد حلول الروح القدس يوم الخمسين].
الآيات (مت 13:16-20) + (مر 27:8-30) + ( لو 18:9-21):-
الآيات (مت 13:16-20):-"13وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ سَأَلَ تَلاَمِيذَهُ قِائِلاً:«مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟» 14فَقَالُوا:«قَوْمٌ: يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ: إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ». 15قَالَ لَهُمْ:«وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» 16فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ:«أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!». 17فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. 18وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. 19وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاوَاتِ». 20حِينَئِذٍ أَوْصَى تَلاَمِيذَهُ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ."
الآيات (مر 27:8-30):-"27ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ وَتَلامِيذُهُ إِلَى قُرَى قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ. وَفِي الطَّرِيقِ سَأَلَ تَلاَمِيذَهُ قِائِلاً لَهُمْ: «مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا؟» 28فَأَجَابُوا:«يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ. وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا. وَآخَرُونَ: وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ». 29فَقَالَ لَهُمْ:«وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ:«أَنْتَ الْمَسِيحُ!» 30فَانْتَهَرَهُمْ كَيْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ عَنْهُ."
الآيات (لو 18:9-21):-"18وَفِيمَا هُوَ يُصَلِّي عَلَى انْفِرَادٍ كَانَ التَّلاَمِيذُ مَعَهُ. فَسَأَلَهُمْ قِائِلاً:«مَنْ تَقُولُ الْجُمُوعُ أَنِّي أَنَا؟» 19فَأَجَابُوا وَقَالوا:«يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ. وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا. وَآخَرُونَ: إِنَّ نَبِيًّا مِنَ الْقُدَمَاءِ قَامَ». 20فَقَالَ لَهُمْ:«وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ أَنِّي أَنَا؟» فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ:«مَسِيحُ اللهِ!». 21فَانْتَهَرَهُمْ وَأَوْصَى أَنْ لاَ يَقُولُوا ذلِكَ لأَحَدٍ،"
من يقول الناس إنى أنا إبن الإنسان …. أنت هو المسيح إبن الله الحى.. طوبى لك
لاحظ أن المسيح هنا يؤكد ناسوته، والآب يعلن لبطرس لاهوت المسيح وهذا هو إيمان الكنيسة أن إبن الله تجسد وتأنس، الله ظهر فى الجسد (1تى 16:3). وهذا ما قاله بولس الرسول "لا أحد يستطيع أن يقول المسيح رب إلاّ بالروح القدس" (1كو3:12)
وهذا الإيمان الذى أعلنه بطرس طَوَّبَهٌ المسيح عليه، فهو أعلن دستور الإيمان القويم، والمخلص يعلن أنه يقيم كنيسته على هذا الإيمان، ويعطى كنيسته سلطان الحل والربط، ليس لبطرس فقط بل لكل الرسل (مت 19:16+ مت 18:18). ولما سأل السيد سؤاله ردد التلاميذ ما يقوله الناس، فمثلاً هيرودس قال أنه يوحنا المعمدان=(مت 2:14). وهناك من قالوا أنه إيليا أى أنه السابق للمسيح (ملا 5:4)وآخرون تصوروا أنه واحد من الأنبياءلأن موسى تنبأ بأن نبيا مثله سيأتى لهم (تث15:18).
وأنتم من تقولون إنى أنا = فالسيد المسيح يهتم جداً بكيف نعرفه نحن خاصته فماذا لو سألك المسيح.. من أنا.. هل سيكون ردك عن معرفة نظرية عرفتها من الكتب، أو من خبرات شخصية إختبرت فيها حلاوة شخصه وحلاوة عشرته، وتعزياته إذ يقف بجانبك فى الضيقات بل وقوته الغير محدودة، هل عرفته أم سمعت عنه. فبطرس لم يُكَوِّن رأيه عن المسيح من كلام الناس، بل الله أعلن لهُ، إذاً فلنصرخ إلى الله ليفتح أعيننا لنعرف المسيح ونختبره فنقول مع أيوب، بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عينى (أى 5:42) لنصلى حتى يعلن لنا الروح القدس عمن هو المسيح، وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس (1كو 3:12 + يو 14:16) إيماننا بالمسيح، ومعرفتنا بالمسيح هو إعلان إلهى يشرق به الآب بروحه القدوس.
وتم تسليم هذا الإيمان خلال التلاميذ والكنيسة، وإستلمناه نحن، ولكن لنصلى حتى لا يبقى هذا الإيمان مجرد خبرة نظرية ولكن خبرة عملية بشخص السيد المسيح، فنحبه إذ ندرك لذة العشرة معه، ومن يُدرك هذا سوف يحسب كل الأشياء نفاية (فى 8:3).
أنت هو المسيح = المسيح هو المسيا الذى كان اليهود ينتظرونه مخلصاً. وكلمة المسيح تعنى الممسوح من الله. وكانت المسحة فى العهد القديم هى للملوك ورؤساء الكهنة والأنبياء فقط (رؤ 5:1 + ابط 4:5 + لو 76:1 ) وفى هذه الآيات نرى المسيح ملكاً ورئيساً للكهنة ونبياً .
إبن الله الحى= لقد سبق نثنائيل وقال هذا قبل بطرس، أن المسيح إبن الله ولكن نثنائيل كان يقصدها بطريقة عامة كما يقولون إسرائيل إبن الله.ولذلك لم نسمع أن السيد طوب إيمان نثنائيل كما فعل مع بطرس (يو 47:1-51).
أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى= المسيح لايبنى كنيسته على إنسان مهما كان هذا الإنسان. ولكن معنى الكلام أن الكنيسة ستؤسس على هذا الإيمان الذى نطق به بطرس، أن المسيح هو إبن الله الحى. وبإتحادنا به خلال المعمودية نصير أولاد الله، وندخل إلى العضوية فى الملكوت الروحى الجديد وننعم بحياته فينا، نحمله داخلنا كسر حياة أبدية. والخلاص يعني أيضاً إستعادة الحياة الفردوسية بأفراحها ونحن على الأرض ويكون لنا سلطان على إبليس وعلى الخطية.
ولاحظ قول الكتاب أَنْتَ (مذكر) بطرس وعلى هَذِهِ ( مؤنث) الصخرة إذاً الصخرة هى ليست بطرس، لأن الصخرة التى تبنى عليها الكنيسة هى المسيح نفسه (1كو4:10).والمسيح هو حجر الزاوية (1بط 6:2). وكلمة بطرس مشتقة عن اليونانية Petra بترا أى صخرة، فالمسيح أسس كنيسته على صخرة هى الإيمان به كإبن الله والمسيح لم يقل له أنت Petra. بل قال له أنت Petrus.
أبواب الجحيم لن تقوى عليها= أبواب الجحيم هى إشارة لقوى الشر وهذه لن تنتصر على الكنيسة، بل ولا الموت قادر أن يسود على المؤمنين، بل هم سيقومون من الموت فى الأبدية ( هذا إذا كان إيمانهم صحيحاً كإيمان بطرس ) وهى أيضاً تشير للتجارب والحروب ضد الكنيسة والمؤمنين سواء كان مصدرها الشيطان أو بشر يحركهم شياطين. فإبن الله الصخرة وحجر الزاوية هو بنفسه الذى يسند كنيسته فلن تنهار.
وتشير لأن الكنيسة التى يقودها المسيح هى كنيسة بصلواتها وتسابيحها تهاجم أبواب الجحيم ، تهاجم الشيطان الذى هزمه المسيح ، والكنيسة تكمل عليه . وهناك مثال لذلك ، فيوآب حينما كان يحارب جيش إبشالوم ، وتعلق إبشالوم فى الشجرة ضربه يوآب وطلب من جيشه أن يجهزوا عليه فضربه كل واحد بسهم . وهكذا نجد أن المسيح بصليبه ضرب الشيطان فصار عدو مهزوم ، وصلوات الكنيسة تكمل عليه ولن يقوى عليها .
وأعطيك مفاتيح.. +مت 18:18 + يو 21:20. فالمسيح أعطى لكنيسته سلطان الحل والربط وغفران الخطايا وإمساكها، القبول فى شركة الكنيسة أو إخراج وفرز المخالفين من الشركة المقدسة، السيد أعطي لكنيسته سلطان الحكم على أولادها وتأديبهم. المسيح من خلال كنيسته يحل ويربط. والربط هو لمن يصر على خطيته، فتحرمه الكنيسة من التناول. والحل هو لمن يتوب ويعترف بخطاياه.
أوصى تلاميذه أن لا يقولوا لأحد= اليهود تصوَّروا أن المسيح آتٍ كمخلص يخلصهم من الرومان. وهم فهموا بعض الآيات فى سفر المزامير مثل تحطمهم بقضيب من حديد (مز 9:2 + مز6:79) بطريقة خاطئة، لذلك حرص المسيح أن لا ينتشر خبر أنه المسيا حتى لا يفهم الشعب أنه آتٍ ليحارب الرومان لذلك كان يوصى تلاميذه أن لا يقولوا أنه المسيا، وأيضاً المرضى وكل من أخرج منهم شياطين أمرهم أن لا يقولوا لأحد، وإنتهر الشياطين حتى لا تقول وتتكلم وتكشف هذه الحقيقة أمام الجموع (لو 41:4) لأن الجموع كان لها مفهوم سياسي وعسكري لوظيفة المسيا.
ولكن حينما أعلن بطرس أن المسيح هو إبن الله فرح المسيح وطوبه، لكنه وجه تلاميذه للفهم الحقيقي السليم للخلاص، وأن هذا لا يتم بالانتصار على الرومان، بل بموته وقيامته (مت 21:16) إذاً نفهم أن المسيح يود أن يعرف الناس حقيقته، ولكن ليس كل واحد، بل لمن له القدرة على فهم حقيقة الخلاص. وفى أواخر أيام المسيح على الأرض إبتدأ يعلن صراحة عن كونه إبن الله (مت 63:26-64). لكن نلاحظ أنه تدرج فى إعلان هذه الحقيقة بحسب حالة السامعين. فإن من له سيعطى ويزاد (مت 12:13) فبقدر ما ينمو السامع فى إستيعاب أمور وأسرار الملكوت يرتفع التعليم ويزيد وينمو ليعطى الأكثر والأعلى. فمستوى السامع فى نموه هو الذي يحدد مستوى التعليم الذى يقدمه المسيح، أما النفس الرافضة فينقطع عنها أسرار الملكوت والحياة مع الله. فالله إذاً يعطينا أن نكتشف أسراره بقدر ما نكون مستعدين لذلك. وراجع حوار المسيح مع السامرية لترى التدرج فى إعلان حقيقته ومع تجاوبها كان يعلن لها ما هو أكثر عنه.
- إذاً الهدف الأول من أن لا يقولوا لأحد أن لا تطالبه الجماهير بأن يكون ملكاً زمنياً أرضياً فتحدث ثورة شعبية ضد الرومان، ولهذا أثاره الرهيبة. بل ستتعطل خدمة المسيح وتعليمه.
- السبب الثانى حتى لا يحرص الكتبة والفريسيون أن يقتلوه قبل الوقت، أى قبل أن ينهى كل تعاليمه وأعماله.
- لا يصح أن يتكلم التلاميذ عنه كإبن الله دون أن تظهر ألوهيته بالدليل الساطع وذلك بقيامته فعلاً بعد موته.متى (13:16) قيصرية فيلبس= أسسها هيرودس فيلبس، وسميت بإسمه تميزاً لها عن قيصرية التى على البحر. وهى عند سفح جبل حرمون بجانب منبع نهر الاردن
وفيما هو يصلى(لو 18:9) وفى الطريق(مر 27:8)
لوقا وحده أشار لصلاة المسيح وربطها بهذا الإعلان السمائى لبطرس بحقيقة المسيح، إذ بصلاة المسيح يُعلن الآب بروحه القدوس لبطرس هذا السر. ومعنى صلاة المسيح هو شفاعة المسيح عنّا أمام الآب.وهذا معناه أننا مقبولين أمام الآب فيه. لذلك نطلب بإسمه أى شىء نطلبه من الآب (يو 23:16-24). فالمسيح صلّى على إنفراد (لو 18:9) ثم سار معهم إلى نواحى قيصرية فيلبس وفى الطريق سألهم هذا السؤال فالمسيح بشفاعته عنا يقبلنا الآب ويعمل فينا بروحه القدوس، وأول ما يعمله فينا الروح القدس أنه يثبتنا فى المسيح إبن الله (بالمعمودية والتوبة والإعتراف والتناول) ثم يعلن لنا عمن هو المسيح فنفهم حقيقة علاقتنا بالله، هو يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله (رو 16:8). لوقا يشير لصلاة المسيح هنا لأنه يدرك خطورة ما سيعلنه بطرس الآن، ويشير أننا لا يمكننا فهم هذه الحقائق إلاّ بشفاعة المسيح الكفارية= صلاته أى صلته هو بالآب فهم واحد وصلته بنا فنحن صرنا جسده وهذا ما كان أيوب يشتهيه وقد حققه المسيح "ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا" (أى9 : 33) . وكيف صرنا جسده؟ الرد فى آية 21.
ولاحظ أن نص إعتراف بطرس يختلف من إنجيل لآخر، ولكن بجمع النصوص يتكامل المعنى.
متى :- المسيح إبن الله الحي :- هذه إشارة للاهوته فهو الله المتجسد.
مرقس :- المسيح :- هو المسيح أى الممسوح كرئيس كهنة سيقدم ذبيحة نفسه.
لوقا :- مسيح الله :- هو مسيا النبوات الموعود به فى الكتاب، الذى ينتظرونه.
الآيات (مت 21:16-28) + (مر31:8 - 33 + 1:9) + ( لو 22:9-27)
الآيات (مت 21:16-28):-"21مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ. 22فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ قَائِلاً:«حَاشَاكَ يَارَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!» 23فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ:«اذْهَبْ عَنِّي يَاشَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا للهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ».24حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ:«إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي، 25فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا. 26لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟ 27فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ. 28اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ»."
الآيات(مر31:8 -33)-"31وَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا، وَيُرْفَضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ.32وَقَالَ الْقَوْلَ عَلاَنِيَةً. فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ. 33فَالْتَفَتَ وَأَبْصَرَ تَلاَمِيذَهُ، فَانْتَهَرَ بُطْرُسَ قَائِلاً: «اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا ِللهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ»."
آية (مر1:9):- "1وَقَالَ لَهُمُ:«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ»."
الآيات (لو 22:9-27):-"22قَائِلاً:«إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَتَأَلَّمُ كَثِيرًا، وَيُرْفَضُ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ».23وَقَالَ لِلْجَمِيعِ:«إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي. 24فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا. 25لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ، وَأَهْلَكَ نَفْسَهُ أَوْ خَسِرَهَا؟ 26لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي، فَبِهذَا يَسْتَحِي ابْنُ الإِنْسَانِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِهِ وَمَجْدِ الآبِ وَالْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ. 27حَقًّا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ»."
آية (مت 21:16):-"21مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ."
المسيح أوضح لتلاميذه من هو وأنه أتى ليؤسس كنيسته، وها هو يعلن ثمن تأسيس الكنيسة أى الصليب.
وقبل أن يتوهم تلاميذه إذ سمعوا أنه إبن الله المسيا المنتظر، أنهم سيملكون معه إذ يصير ملكاً وقائداً عظيماً، ها هو يشرح لهم أنه حقاً سيملك ولكن سيملك على قلوب كنيسته بصليبه، حاملاً الرياسة على كتفه (إش6:9) فالرياسة كانت بصليبه الذى به ملك على قلوبنا، هو بصليبه هدم مملكة الخطية ومملكة إبليس وأقام ملكوته. وقوله هذا يشير لأنه يعلم سابقاً وبدقة ما سيحدث له، إذاً فما سيحدث له هو بسلطانه.
آية (مت 23:16):-"23فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ:«اذْهَبْ عَنِّي يَاشَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا للهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ»."
رفض بطرس للصليب هذا لهو نابع من ذاته، أماّ إعترافه بأن السيد هو المسيح إبن الله الحى فهو من الله. إذهب عنى ياشيطان= بطرس ليس شيطاناً ولكنه يردد ما وسوس به الشيطان لهُ، فالشيطان دائماً يصور لنا رفض الصليب الموضوع علينا. ويبدو أن بطرس كان رافضاً لفكرة الصليب حتى النهاية، لذلك حين سألهُ السيد أتحبنى … أتحبنى.. أتحبنى صرح له السيد بعد ذلك انه سيموت مصلوباً، ولعلم السيد أن بطرس رافض لفكرة الصليب كرر له كلمة إتبعنى = أى لا ترفض الصليب إن كنت حقيقة تحبنى (يو 15:21-22). ويقال أن نيرون حين أراد قتل بطرس أقنعه المؤمنون فى روما بالهرب، فهرب بطرس، وعلى أبواب روما رأى السيد المسيح متجهاً لروما فسأله إلى أين ؟ فقال أنا ذاهب لأصلب بدلاً منك. فعاد بطرس وسلم نفسه وطلب أن يصلب منكس الرأس.
ولاحظ ما قاله المسيح أنت معثرة لى.. إذهب عنى يا شيطان.. لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس.
فالسيد جاء ليقيم مملكته خلال صليبه وطلب ممن يريد أن يكون له تلميذاً أن يحمل صليبه ويتبعه، فمن يرفض الصليب يرفض الفكر الإلهى آية (24).
معثرة = تعمل على تعطيل الصليب والفداء.
شيطــــان = ولا يوجد من يهتم بتعطيل الفداء سوى الشيطان، والشيطان هو الذي يوسوس في داخلنا برفض الصليب.
لا تهتم بما لله = الترجمة الحرفية لكلمة تهتم، أن عندك وجهة نظر معينة فهناك من لهم وجهة نظر لا تتفق مع وجهة نظر الله (مثل بطرس هنا) وهى أننا نقبل أن نسير مع المسيح فى الصحة والمجد العالمى والغنى المادى.. الخ ، أما لو وُجِدَ صليب ، نرفض المسيح ونتصادم معهُ . ويكون هذا بإيعاز من الشيطان. لذلك قال السيد لبطرس إذهب عنى يا شيطان، لأن بطرس كان يكرر فكر الشيطان. والشيطان الخبيث دائماً يسعى لأن يقنع أولاد الله بأنه لو أن الله يحبهم لأعطاهم خيرات زمنية (مال وعظمة وقوة وسلطان..) ولكن لنعلم أنه كرئيس لهذا العالم (يو 30:14) يغرينا بما تحت يديه، لكن أولاد الله يرفضون العالم بما فيه حتى لو وصلوا لأن يُصلبوا، ويقبلون من يد أبيهم السماوى ما يسمح به سواء خيرات زمنية أو صليب، فما يسمح به أبوهم السماوى فيه حياتهم الأبدية، ولكن شرط الشيطان أن يعطينا من خيرات العالم أن نخر ونسجد لهُ (مت 9:4). والمسيح أعطانا مثلاً حتى نفهم هذا فقال متسائلاً هل لو سأل إبن أباه أن يعطيه خبزاً فهل يعطيه أبوه حجراً … فإن كنتم تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا صالحه فكم وكم أبوكم السماوى. من هنا نعلم أن ما يسمح به الله سواء خيرات زمنية (مال / صحة..) أو ما يسمح به من تأديبات، هو لصالح أولاده، هو لخلاص نفوسهم وهو طريقهم للسماء (رو28:8) + (1كو 21:3-22 ) + مرض أيوب وتجربته كانت لخلاص نفسه وكذلك مرض بولس.
آية (مت 24:16):-"24حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ:«إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي،"
ينكر نفسه = يرفض فكرة أن له حق فى الخيرات الزمنية، وهذا ما يقنعنا به إبليس لنتصادم مع الله. مثل الأخ الأكبر للإبن الضال، إذ تخاصم مع أبيه من أجل أنه لم يعطه جِدْياً يفرح به مع أصدقائه، وقارن مع محبة أبيه الذى يقول له كل شىء هو لك، والله أعطانا أن نرثه أى نرث مع المسيح (رو17:8) فهل نتصادم معه من أجل أشياء تافهة. يحمل صليبه = يقبل بما سمح به الله واثقاً فى محبة الله، وأن ما سمح به هو للخير حتى وإن لم نفهم الآن (يو 7:13). إن أراد أحد = إرادة حرة.ويتبعنى = طاعة كاملة لكل ما يسمح به الله. ولنلاحظ أن الصليب هو بذل المسيح ذاته حبا فينا دون أن يطلب أحد منه هذا ودون أن يطلب هو منا أى مقابل. وهذه هى أعلى درجات المحبة ، والتى يطلب الرب من كل من يريد أن يكون تلميذا حقيقيا له أن يصل لهذه الدرجة. ولذلك تضع كنيستنا الشهداء فى أعلى الدرجات فهم بذلوا حياتهم حبا فى المسيح .
الآيات (مت 25:16-26):-"25فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا. 26لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟"
يخلص نفسه= يهرب من الإستشهاد / يهرب من الشدائد فى الخدمة مثلاً ليتمتع بملذات الدنيا / يرفض الصلاة والصوم لمتع دنيوية.
يهلك نفسه = يتقدم للإستشهاد / يقدم جسده ذبيحة حية / يقمع جسده ويستعبده / يصلب أهواءه وشهواته.
لو ربح العالم كلهُ = هذا مثل من يضيع عمره فى عمله تاركاً الله، مثل هذا فليعلم أنالعالم زائل بطبعه .وخسر نفسه= وهى الباقية ولاحظ أن السيد قال هذه الآية رداً على رفض بطرس للصليب. إذاً رفض الصليب فيه ربح للعالم وخسارة أبدية.
ماذا يعطى الإنسان فداء عن نفسه = الأموال إن ضاعت فجائز أن تعود، أما النفس فهلاكها خسارة لا تعوض. وكيف أقدم فدية عن إنسان تم قتله فعلاً. فإن هلكت النفس، أى ذهبت للجحيم بعد موتها فلا فداء لها.
آية (مت 27:16):-"27فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ."
من يرضى بأن يهلك نفسه ، مقدما نفسه ذبيحة حية (رو12 : 1) وصالبا أهواءه مع شهواته (غل5 : 24) ستكون مجازاته سماوية فى مجد سماوي هو إمتداد للملكوت الداخلى الذى نعيشه هنا على الارض، ننعم بسلام يفوق كل عقل، وفرح حقيقى بالرغم من ألام هذا العالم (فى 7:4 + يو 22:16) أما الملكوت الأخروى فبلا ألم (رؤ 4:21).
أماّ من ترك المسيح ليجرى وراء لذات العالم فنصيبه معاناة وحزن على الأرض، ونار متقدة أبدية. وفى هذه الآية يتكلم المسيح عن مجده = يأتى فى مجد. فهو بعد أن تحدث عن ألامه يتحدث هنا عن مجده. ولنلاحظ قول بولس الرسول أن كل من يتألم معهُ يتمجد أيضاً معهُ (رو 17:8). فمن إحتمل صليبه بشكر سيتمجد معهُ.
القول الوحيد المسجل للقديس الأنبا بولا "أن من يهرب من الضيقة يهرب من الله" فالضيقة هى شركة ألم وصليب مع المسيح، ومن يشترك معه فى الصليب سيشترك معه فى المجد.
الآيات (مت 28:16) + (مر 1:9 ) + ( لو 27:9)
آية (مت 28:16):-"28اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ»."
آية (مر 1:9):-"1وَقَالَ لَهُمُ:«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ»."
آية (لو 27:9):-"27حَقًّا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ»."
بعد الآية السابقة والتى تحدث فيها السيد المسيح عن المجد، أصبح إشتياق التلاميذ شديداً أن يروه أو حتى يعرفوا ما هو. والسيد فى هذه الآية يطمئنهم بأن بعضاً منهم لن يذوقوا الموت قبل أن يروا ملكوت إبن الإنسان. فما هو ملكوت إبن الإنسان؟
ملكوت إبن الإنسان هو حين يجلس عن يمين أبيه، ويكون فى صورة مجد الآب. ويجلس ليدين. ويملك على الأبرار وهم يخضعون لهُ، ويطأ إبليس وتابعيه ويحبسهم فى البحيرة المتقدة بالنار فيكفوا عن مقاومتهم لملكه. كل هذا سيكون فى يوم الدينونة وما بعده.. ولكن نلاحظ أن كل من إستمع للسيد المسيح وهو يقول هذا الكلام، الكل ماتوا أو إستشهدوا قبل مجىء السيد المسيح فى مجده ليدين الجميع. فما معنى أن منهم من لا يموت قبل أن يرى إبن الإنسان آتياً فى ملكوته ؟
نلاحظ أن بعد هذه الآية مباشرة، وفى الأناجيل الثلاثة تأتى قصة تجلى المسيح على الجبل. وفى التجلي رأى بعض التلاميذ بعضاً من مجد السيد المسيح بقدر ما كشفه لهم، وعلى قدر ما إحتملوا، وهم تمتعوا بمجده، وكان هذا إعلاناً عن بهائه الإلهي، وهؤلاء لم يموتوا حتى رأوا هذا المجد وآخرون ممن سمعوا كلمات المسيح هذه رأوا قيامته وصعوده وحلول الروح القدس على الكنيسة وبدء ملكوت الله داخل قلوب المؤمنين، رأوا آلاف تترك آلهتها الوثنية (بل وتبيع ممتلكاتها كما رأينا فى سفر أعمال الرسل) ويحرقوا كتب السحر ويتبعوا المسيح ويملكوه على قلوبهم، ورأوا آلاف الشهداء يبيعون حياتهم حباً فى المسيح، كل هؤلاء كان ملكوت الله فى داخلهم (لو 21:17). لقد رأوا ملكوت الله معلناً فى حياة الناس ضد مجد العالم الزائل.
كل هؤلاء الشهداء والذين باعوا العالم لأجل المسيح تذوقوا حلاوة ملك المسيح على قلوبهم، وكان هذا عربون المجد الأبدي إلى أن يحصلوا على كمال مجد الملكوت المعد لهم. وهناك ممن سمعوا قول المسيح هذا لم يموتوا حتى رأوا خراب أورشليم وحريقها الهائل سنة 70م، لقد رأوا صورة للمسيح الديان، ورأوا عقوبة رافضى المسيح. ولاحظ أن الله دبر هروب المسيحيين كلهم من أورشليم قبل حصارها النهائي.
لا يذوقون الموت =هذه لا تقال إلاّ على الأبرار فهم لا يموتون بل ينتقلون، وكما قال المسيح عن الموت أنه نوم ( عن إبنة يايرس وعن لعازر). أماّ الأشرار فهم يموتون وهم مازالوا على الأرض "إبنى هذا كان ميتاً فعاش" + "لك إسم أنك حى وأنت ميت" (لو 24:15+رؤ 1:3). وذاق الموت قيلت عن المسيح (9:2) فتذوق الموت هو موت بالجسد، أما الروح فتذهب إلى الله فى انتظار القيامة. ومن يتذوق عربون المجد الأبدى هنا على الأرض لا يموت بل يتذوق الموت فقط. ويكون معنى كلام السيد أن من الموجودين، من لن ينتقل قبل أن يتذوق حلاوة ملكوت الله فى داخله، وهذا ما حدث بعد يوم الخمسين حينما حل الروح القدس فملأهم سلاماً وفرحاً، وكان المسيح يحيا فيهم (غل 20:2).
آتياً في ملكوته= هذا حدث يوم قيامة المسيح ويوم صعوده، ويوم تجليه، ويوم آمن من عظة بطرس 3000 نفس وإعتمدوا .. وإنتشار الكنيسة التي ملَّكَت المسيح على قلبها، وإندحار أعداؤه الذين صلبوه وهذا حدث في حريق أورشليم.