الإصحاح الثامن
(مت1:8-4)
آية (مت1:8):-"1وَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ تَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ."
ولما نزل من الجبل تبعته جموع= ورآهم وتحنن عليهم وخاطبهم ببعض ما قاله من قبل فى عظته على الجبل (لو 17:6-26) نزل من الجبل = إشارة لنزوله من السماء ليشفى طبيعتنا من الخطية (يشير لها البرص).
الآيات (مت2:8-4):-"2وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاءَ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً:«يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي». 3فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَلَمَسَهُ قَائِلاً:«أُرِيدُ، فَاطْهُرْ!». وَلِلْوَقْتِ طَهُرَ بَرَصُهُ. 4فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:«انْظُرْ أَنْ لاَ تَقُولَ لأَحَدٍ. بَلِ اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ، وَقَدِّمِ الْقُرْبَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهَادَةً لَهُمْ»."
قَدَّم السيد المسيح أولاً التعاليم المحيية، ثم هاهو يقدم الشفاء. فهدف المسيح الأساسى هو التعليم وليس شفاء الأمراض، فالتعليم هو الذى سيقدم الشفاء من مرض الخطية إذ يرينا طريق الثبات فى المسيح فنحيا فى مجد أبدى. والإنجيليون قدموا لنا بعضاً من المعجزات التى صنعها السيد ليقدموا لنا فكر الله من نحونا. بل أن السيد المسيح كان بمعجزاته يستعلن لنا محبة الله الآب. فهو حينما يشفى أبرصاً أو أعمى أو يقيم ميت فهو يريد أن يقول إرادة الآب من نحوكم هى الشفاء والبصيرة والحياة. والآب قطعاً لا يريد لنا أن نُشفى من أمراضنا الجسدية ثم نهلك أبدياً، لكن إرادة الآب من نحونا هى شفائنا روحياً وأن تكون لنا البصيرة الروحية أى أن نعاين الله وأن تكون لنا حياة أبدية
(والأمراض قد تكون وسيلة يستخدمها الله للشفاء الروحى، وهذا حدث مع بولس ومع أيوب) والمسيح صنع معجزات مع اليهود ومع الأمم فهو يعلن أنه أتى لخلاص الجميع. والمسيح قطعاً إستخدم المعجزات لجذب الناس، وليعرفوا قوته فيقبلوا على سماع تعاليمه، وحتى الآن فالمعجزات التى تحدث بأسماء قديسين كثيرين هى لجذب مؤمنين كثيرين تنفعهم المعجزة فى تثبيت إيمانهم.
أبرص= البرص هو رمز للخطية ( راجع كتاب اللاويين).
وسجد = هو يقدم العبادة والخضوع قبل أن يقدم مشكلته ، يطلب ما لله قبل أن يطلب ما لنفسه. ولذلك تبدأ كنيستنا فى كل مناسبة صلواتها بصلاة الشكر.
إن أردت تقدر= هذه صلاة إيمان بقدرة المسيح على الشفاء أريد فأطهر= المسيح يعلن سلطانه على البرص وإرادته الطيبة نحو خليقته. وصاحب كلمات السيد وإرادته عمله مد يسوع يده ولمسه ونلاحظأنمن كان يتلامس مع أبرص يتنجس ويحتاج إلى أن يتطهر،لكن السيد الرب القدوس لم يكن ممكناً للبرص أن ينجسه، بل البرص يهرب من أمامه "فالنور يضئ في الظلمة، والظلمة لم تدركه" (يو5:1). وهو يدخل إلى أى نفس مهما كانت نجاستها ليطهرها. والمريض كان يحتاج إلى لمسة يد الرب ليدرك حنانه عليه، فهو لم يكن محتاجاً فقط للشفاء الجسدى، بل إلى لمسة حنان ليدرك محبة الرب له.
أنظر أن لا تقول لأحد = كان اليهود فى انتظار ظهور المسيا ليخلصهم من حكم الرومان، وبهذا القول الذى إستعمله السيد مراراً كان يتجنب أن يأخذوه عنوة ليجعلوه ملكاً فتحدث ثورة وسط الشعب تثير السلطات ، والمسيح لم يأت ليكون ملكاً أرضياً. بل أن هذا سيثير الكهنة والكتبة فيخططون لموته قبل أن ينهى تعليمه. والسيد يهتم بالتعليم أكثر من المعجزات.
أر نفسك للكاهن= فالسيد يحترم الشريعة، وهو لم يأت لينقض الناموس وهو أراد أن يُظهر للكهنة أنه قادر على شفاء البرص فيدركوا أنه المسيا فشفاء البرص هو من الله فقط. ولقد بدأ القديس متى معجزات المسيح بهذه المعجزة، فالبرص كما قلنا رمز للخطية، والمسيح أتى لشفاء البشرية من الخطية أساساً. والقديس متى هنا يشرح لليهود معنى الخلاص وأنه ليس خلاصا من الرومان بل من الخطية التى يرمز لها البرص ، لذلك كانت أولى معجزاته شفاء أبرص .
* كان الربيون يضعون طرقا لعلاج الأمراض بعضها طبية وبعضها سحرية. ولكنهم أبدا لم يتعرضوا لمرض البرص، فهو مرض لا يشفيه إلا الله وحده. وإعتبروا البرص نوع من الموت الأخلاقى والمعنوى. ومنع الأبرص من أى إتصال بالآخرين. ويتم تمييز الأبرص بشكل خاص تتضح فى ملابسه ويترك شعره دون تهذيب، ويغطى نصف وجهه الأسفل وشفته العليا ويصرخون نجس نجس. وقد يكون كل هذا كوسيلة حماية من العدوى أو بحسب الشريعة. ويمنع دخولهم إلى الهيكل بل وكل أورشليم، بل وأى مدينة مسورة. وفى حال دخولهم يعاقبون بالجلد 39 جلدة. ولا يخالطون سوى البرص مثلهم. وكان من المفهوم أنه لا شفاء من البرص سوى بتدخل إلهى. وكان أى من له خبرة يقوم بفحص الأبرص ولكن من يعلن طهارته ويعتمدها هم الكهنة. وفى ترتيب النجاسة يعتبر الميت هو الأكثر نجاسة ويليه الأبرص مباشرة (هناك عدة أسباب للنجاسة ويسمونها أبو النجاسات وأولها الموت ثم يليه مرض البرص)، وإن دخل الأبرص إلى أى مكان ينجسه بالكامل. وكان الرابى مير لا يأكل بيضة تم شراؤها من شارع كان به أبرص. ورابى آخر كان يرميهم بالحجارة ليبتعدوا عنه. وكان الربيين ينسبون المرض لأسباب أخلاقية، فلا موت بدون الخطية. وهذا صحيح ونفهم هذا من الخطية الأصلية. وقالوا إن العقم والبرص هى من أمراض التأديب. ويقولون أنه لا شفاء سوى بغفران كل الخطايا. حقاً كانوا بؤساء.
لقد تسلل هذا الأبرص من الربيين الذين يمنعون دخول البرص، وذهب للمسيح قائلا "إن أردت تقدر أن تطهرنى". ولمس المسيح هذا الأبرص وشفاه، عكس ما كان يفعله الربيين. فلهؤلاء البؤساء بل وكل البشر الذين أذلتهم الخطية وجعلتهم عاجزين وبلا رجاء أتى المسيح ليشفيهم. وقطعا كان شفاء الأبرص آية تظهر من هو المسيح وما هى قدرته المطلقة. فأتى إليه الكثيرين من المعذبين.
الآيات (مر 40:1-45):-
بدأ القديس مرقس معجزات المسيح بمعجزة إخراج روح نجس (1: 23 – 28)، فالمسيح أتى ليخلص البشرية من سلطان إبليس. ومرقس يكتب للرومان وبهذا يظهر قوة المسيح على الأرواح التى تخيف البشر. بهذه المعجزة أراد مرقس أن يقول للرومان إن ملوككم هزموا جنوداً هم بشر، أما ملكنا إبن الله فله سلطان على القوى الخفية التي أخافت كل البشر حتى ملوككم كل زمان. وبعد أن تكلم مرقس عن سلطان المسيح على الأرواح النجسة إنتقل لمعجزات الشفاء وذكر كما نرى فى هذه الأيات شفاء أبرص.
وقول المسيح له أر نفسك للكاهن= فهذا لأن هذا الشخص كان معروفاً بأنه أبرص، وكان معزولاً لا يستطيع أن يحيا وسط المجمع ويحتاج لشهادة من الكهنة بأنه قد برأ ليعود لحياته الطبيعية.تحنن= هذه هى محبة الرب يسوع. فإنتهره = هذه أتت بعد تحنن فلا نفهمها بأن السيد زجره، بل نبهه لعدم العودة للخطية.
أما متى فإذ يكتب لليهود يبدأ بمعجزة شفاء أبرص، فاليهود يعرفون أن البرص هو ضربة غضب من الله، ولا يشفيه سوى الله. فيفهمون أن المسيح هو الله .
الآيات (لو12:5-16):-
يبدأ القديس لوقا أيضاً إنجيله بأول معجزات السيد وهى معجزة إخراج روح نجس، إذ يكتب لليونانيين والرومان (لو 33:4) .
أريد فأطهر= كلمة أريد تظهر ألوهية السيد المسيح، فهولا يطلب ولا يصلى لله ليشفى المريض، بل إرادته تشفى المريض. ولاحظ قوله فأطهر لأن البرص فى نظر اليهود نجاسة.
آية (لو5: 16):"16وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَعْتَزِلُ فِي الْبَرَارِي وَيُصَلِّي."
-حين نرى السيد المسيح يصلى أفلا ندرك إحتياجنا للصلاة وحين نراه يختلى، أفلا ندرك إحتياجنا للخلوة والهدوء مع النفس والتأمل فى كلمة الله. والمسيح يصلى كممثل ونائب عنا.
ونلاحظ أسلوب القديس لوقا كطبيب إذ يقول رجل مملوء برصاً= بينما أن مرقس ومتى يقولان رجلاً أبرص فلوقا كطبيب يحدد مدى إنتشار المرض. فهذا الرجل كان فى حالة متأخرة من المرض. فالبرص يمتد ويغزو الجسم.
(مت5:8-13)+ ( لو1:7-10):-
الآيات (مت 5:8-13):-
الآيات (لو 1:7-10):-
ملحوظة: من العجب أن كل قادة المئات الذين تقابلنا معهم في الإنجيل كانوا صالحين (مثال آخر: كرنيليوس) وربما لأن رقم 100 يرمز لقطيع المسيح الصغير الذى لو ضل منهم واحد يفتش عليه حتى يعيده . والمسيح هو قائد هذا القطيع الـ 100 ورأسه .
هنا نحن أمام رجل أممىأىوثنى، وضابط، ولكن إهتمامه بعبد عنده يظهر تقواه، فالرومان يعاملون العبيد على أنهم أقرب للحيوانات وهذا يطلب شفاء عبده. ولكن واضح أنه تأثر بالعبادة اليهودية وعرف الله ثم سمع عن المسيح وأحبه.هذا إنسان تغير قلبه إذ تلامس مع الله. بل هو فى محبته بنى مجمعاً لليهود وفى قصة القديس لوقا نجد أن هذا القائد فى تواضع وجد نفسه غير مستحقاً أن يذهب للمسيح فطلب من اليهود ان يكلموا لهُ المسيح، أماّ القديس متى فقد أورد القصة على لسان القائد نفسه فالشيوخ اليهود هم مندوبون عنه. ولاحظوا تواضع هذا القائد إذ هو لا يعلم عن المسيح سوى أنه معلم يهودي وليس هو يهوه ومع هذا يقول له "لست مستحقاً.." فهو يعلم أن اليهود لا يدخلون بيوت الوثنيين لئلا يتنجسوا.
هذه القصة رمزياً تشير للأمم المعذبين من سلطان الشيطان والخطية عليهم وصراخهم للمسيح. أنا آتى وأشفيهفيه إعلانأنالسيد المسيح أتى ليشفى الأمم كما يشفى اليهود، وأن المسيح لا يستنكف من دخول بيوت الخطاة ولا الأمم فهو يقدس ولا يتنجس، بل هو يدخل ليشفى ويحطم الوثنية ويعطى الشفاء الروحى للنفوس. ولقد ظهرت عظمة هذا الأممى فى إيمانه ، أن المسيح بكلمة منه ، له سلطان على أن يشفى.
تحت سقفى = فاليهود لا يدخلون تحت سقف الأمم أى بيوتهم.
كثيرين سيأتون من المشارق..: هذا إعلان عن دخول الأمم للإيمان ويتكئون= هذه صورة الجلوس فى الولائم (مت 10:22-11) (عشاء العرس) أما بنو الملكوت = هم اليهود الذين رفضوا المسيح فيطرحون إلى الظلمة الخارجيةهم حسبوا كأبناء الملكوت لأن لأجلهم أعد الملكوت. المسيح يجمع المؤمنين في جسد واحد هو رأسه. وهو ينير له. والظلمة الخارجية هى خارج مكان الوليمة الذى ينيره المسيح بنفسه (رؤ 5:22) أي خارج جسد المسيح. ولنلاحظ أن من عاش فى ظلمة داخلية يستحق أن يُلقى فى الظلمة الخارجية، كإعلان عما هو فيه وأنه خاضع للشيطان سلطان الظلمة. البكاء وصرير الأسنان = هذا يشير لقيامة الجسد ليشترك مع النفس فى الجزاء. يتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب= من هنا أخذنا ما نقوله في أوشية الراقدين "نيح نفس عبدك في أحضان إبراهيم وإسحق ويعقوب .
آية( 10):- تعجب= نسمع مرتان أن الربيسوع تعجب 1) من إيمان هذا القائد الأممي. 2) من عدم إيمان اليهود بنى جنسه فى الناصرة( مر 6:6).
المسيح هنا تعجب لأن اليهود لهم كل هذا الكم من الكتب المقدسة والهيكل و .. .. ولم يخرج منهم هذا الحب لله، لم يخرج مثل هذا النموذج الرائع ، الذى وهو بلا كل هذه البركات، بل هو قائد روماني وثني له وحشية في طباعه لكنه من خلال معاملته مع اليهود تأثر هكذا وصار رقيق الطباع. أما اليهود أنفسهم فحالهم ردئ.
وهناك تفسير للفروق بين قصة متى ولوقا يكمل ما سبق: -
أن قائد المئة أرسل أولاً للسيد المسيح بعض اليهود إذ حسب نفسه غير مستحق أن يذهب للمسيح، ولما شعر بقبوله له ذهب بنفسه. وركز متى على كلام السيد مع قائد المئة مباشرة وركز لوقا على كلمات السيد لليهود وربما هذا بسبب أن متى يكتب لليهود فهو يريد إثارة حماستهم وغيرتهم إذ يجدوا أن الأمم لهم علاقة بالمسيح بل قد سبقوهم (رو 19:10، رو 14:11). ولوقا إذ يكتب للأمم يوضح لهم فضل اليهود فى خلاص الأمم، فالمسيح أتى منهم، وهاهم يتوسطون لشفاء الأمم، وهذا ليقبل الأمم اليهود بمحبة.
لأنى أنا أيضاً تحت سلطان. لىجند= هو كقائد مئة يخضع لرئيس له ربما يكون قائد ألف وينفذ أوامره. وهو له جند أيضاً ينفذون أوامره. وهو هنا يتصور أن المسيح خاضع لسلطان الله وله سلطان على الأمراض والشياطين وخلافه. وبهذا التصور لم يخطر على بال هذا القائد أن المسيح هو الله نفسه. بل ما فهمه هذا القائد أن المسيح قد أعطاه الله سلطان وهو قادر أن يستخدم هذا السلطان بكلمة ويشفي الغلام.
فلما سمع عن يسوع= هذا هو واجب كل منا أن نخبر عن يسوع إن لم يكن بالكلام فبالأفعال.
الخلاف فى رواية متى لقصة الشفاء ورواية لوقا للقصة :- متى يجعل الحديث مباشرة بين قائد المئة الوثنى وبين الرب يسوع، بينما لوقا يجعل هذا الحوار من خلال اليهود الذين يشهدون لقائد المئة أنه مستحق لأنه بنى لهم المجمع. وخلاف آخر فمتى يذكر إعجاب المسيح بإيمان قائد المئة وأنه سيكون للأمم نصيبا فى الملكوت بينما يطرح بنو الملكوت (اليهود الرافضين للمسيح) خارجا. وقد حذف لوقا هذا الكلام. فإذا فهمنا أن متى يكتب لليهود بينما لوقا يكتب للأمم، فيبدو واضحا أن كلاهما يقوم بمحاولة مصالحة الأخ الأكبر (اليهود) مع الأخ الأصغر الذى كان ضالا وعاد (الأمم خلال إيمانهم بالمسيح). فيظهر متى أن الأمم لهم نفس نصيب اليهود، وأنه سيكون لكلا اليهود والأمم الذين يؤمنون مكانا فى حضن إبراهيم وإسحق ويعقوب. بينما لوقا يظهر تعاطف اليهود مع الأمم. وأيضا يُظهر أن باليهود صار شفاء الأمم.
ملحوظة :- هذه الخلافات بين الإنجيليين لا نعتبرها دليلا على خطأ فى الإنجيل الموحى به من الروح القدس، فكما رأينا فهناك حكمة وراء هذا الخلاف. وما لابد أن نفهمه أن الإنجيليين ليسوا مؤرخين. بل هم أصحاب فكر يريدونه أن يصل للقارئ وهم مقودين بالروح القدس. بل ومن المهم أننا إذا وجدنا خلافا بين روايتين فعلينا دراسة هذا الخلاف لنستنتج الفكرة من وراءه، والتى يريدنا الروح القدس أن نفهمها.
ولم يكن سؤال القائد "هل يقدر يسوع أن يشفى الغلام" بل كان سؤاله "هل يقبل يسوع أن يشفى الغلام". هنا نفهم أنه وضع يسوع على قمة شعب اليهود ومعلميهم وشيوخهم، فرأى نفسه غير مستحقا أن يكلم المسيح مباشرة. فكلم شيوخ اليهود أن يكلموا هم المسيح بالنيابة عنه إذ حسب نفسه غير مستحق أن يكلم المسيح شخصيا فهو وثنى. تواضع هذا القائد جعله فى قائمة من قال عنهم الرب يسوع "المساكين بالروح" فإستحق التطويب.
يتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب فى ملكوت السموات= لاحظ أن المسيح هنا يتكلم باللغة التى يفهمها اليهود فى ذلك الوقت. فكان هناك إيمان عام أنه يوم يفدى المسيا إسرائيل، سيُدعى اليهود إلى عيد عظيم ووليمة عظيمة مع الأباء البطاركة ومع أبطال الإيمان من اليهود، وهى فكرة مأخوذة من أقوال الأنبياء كما فى (إش25 : 6). وفى كل سبت وليمة ضخمة لتكريم اليهود، يقدم فيها لحوم من كل أنواع الحيوانات مثل لوياثان وبهيموث المذكورين فى سفر أيوب وطيور ضخمة وأوز ضخم مخصص لعيد يوم السبت العظيم. أما الخمر التى ستقدم لهم فهى معتقة من بدء الخليقة. وطبعا لا مكان للأمم فى هذا اليوم مع اليهود. أما كلام المسيح هنا فكان أن الأمم سيشتركوا مع اليهود فى هذا اليوم.
الظلمة الخارجية، البكاء وصرير الأسنان = هناك جهنم ودخانها أبدى، هذا أيضا تصوير يهودى للمكان المعد للأمم ولكن الرب غَيَّرَ المفهوم اليهودى وجعله لغير المؤمنين عموما. وقال اليهود أنه فى يوم المسيا سيخرج المسيا اليهود الخطاة الذين كانوا هناك وهذا بركة الختان، فهم مختونين. وقال اليهود عن الأمم أنهم بنو جهنم حيث البكاء وصرير الأسنان. وهذا البكاء دليل الأسف، أما صرير الأسنان دليل الغضب (مز112 : 10). بينما أن اليهود هم بنو الملكوت (مت8 : 12) هم أولاد الملك، أولاد السماء، أولاد الدهر الآتى، مكانهم فى الأعالى (فقالوا أنهم أولاد العلية، والعلية توجد أعلى المنزل) وفى يوم المسيا سينشدون نشيد الحرية (خر15). وهذا راجع لأن الأمم رفضوا الناموس بينما قبله اليهود.
وواضح الصدمة التى حدثت لليهود حينما سمعوا كلام المسيح والذى كان ضد أفكارهم، وأن الأمم الوثنيين الذين يؤمنون لهم نفس حقوق اليهود الذين يؤمنون. وأن اليهود بنو الملكوت الذين لن يؤمنوا سيكون مصيرهم الظلمة الخارجية.
(مت 14:8-17 + مر 29:1 – 34 + لو 38:4 –41):-
الآيات (مت 14:8-17):-
الآيات (مر 29:1 – 34):-
الآيات (لو 38:4 –41):-
هنا نرى السيد المسيح يشفى حماة بطرس، فالسيد يهتم ببيت خادمه أو تلميذه، فعلى الخادم أن يقدم عمره كله للمسيح ولا يفكر فى أموره الخاصة، والمسيح يتكفل بإحتياجات بيته. وكلما خدمنا المسيح يخدمنا المسيح.فقامت وخدمتهم= دليل الشفاء الفورى والكامل ( لم توجد فترة نقاهة) . ونرى هنا أن دليل الشفاء الروحي هو خدمة الآخرين، حينما حل المسيح في بطن العذراء ذهبت لتخدم أليصابات. فلمس يدها= المسيح كان يمكن أن يشفى بمجرد كلمة منه. ولكن كان يلمس فى بعض الأحيان المرضى ليعلمنا أن جسده المقدس كان به قوة الكلمة الإلهى وهذا لنفهم أنه إذا إتحدنا بجسده المقدس يمكن للنفس أن تُشفى من أمراضها وتقوى على هجمات الشياطين.
وهذه المعجزة جذبت كثيرين فأتوا، والسيد شفى كثيرين. وربما من لم يحصل على الشفاء، كان هذا بسبب عدم إيمانه. والشياطين إذ رأت قدرته عرفته فلم يدعهم ينطقون فهو يرفض شهادتهم. ولوقا وحده إذ هو طبيب يصف الحمى بأنها شديدة.
ونلاحظ أن بطرس لم يسأل السيد بنفسه، إنما الموجودين سألوه، وهذه الصورة محببة لدى السيد وهى تطبيق لقول يعقوب صلوا بعضكم لأجل بعض. هى صورة حية لشفاعة الأعضاء بعضها لبعض أمام رأسنا يسوع.
لماذا أسكت السيد الشياطين أن تنطق بأنه إبن الله ؟لقد تصور اليهود أن المسيح أتى كمخلص من الرومان، فهموا بعض الآيات كما فى المزامير مثل تحطمهم بقضيب من
حديد ( مز 9:2+ مز 6:79) بطريقة خاطئة، لذلك حرص السيد أن لا ينتشر خبر أنه المسيا اولاً، حتى لايفهم الشعب أنه آتٍ ليحارب الرومان، لذلك كان يوصى تلاميذه أن لا يقولوا إنه المسيا، وأيضاً المرضى وكل الذين أخرج منهم شياطين أمرهم أن لا يقولوا لأحد، وهنا ينتهر الشياطين حتى لا تقول وتتكلم وتكشف هذه الحقيقة أمام الجموع لأن الجموع كان لها فهم سياسى وعسكرى لوظيفة المسيح. ولكن حينما أعلن بطرس أن المسيح هو إبن الله تهلل المسيح وطوب بطرس، ولكنه وجه تلاميذه للفهم الصحيح والحقيقى للخلاص وأن هذا سيتم بموته وصلبه وقيامته وليس بثورة سياسية أو عمل عسكرى (مت 15:16-23). فالمسيح يود أن يعرف الناس حقيقته ولكن لمن له القدرة على فهم حقيقة الخلاص. وفى أواخر أيام المسيح على الأرض إبتدأ يعلن صراحة عن كونه إبن الله (مت 63:26-64) ولكن نلاحظ أنه تدرج فى إعلان هذه الحقيقة بحسب حالة السامعين، فإن من لهُ سيعطى ويزاد (مت 12:13) فبقدر ما ينمو السامع فى إستيعاب أمور وأسرار الملكوت يرتفع التعليم ويزيد وينمو ليعطى الأكثر والأعلى، فمستوى السامع فى نموه هو الذى يحدد مستوى التعليم الذى يقدمه المسيح، أما النفس الرافضة فينقطع عنها أسرار الملكوت والحياة مع الله. الله يعطينا إذاً أن نكتشف أسراره بقدر ما نكون مستعدين لذلك.السيد أيضاً إنتهر الشياطين لعلمه بأن الشيطان مخادع، فهو اليوم يشهد للمسيح وغداً يشهد ضده فيضلل الناس لذلك أسكتهم حتى لا ينطقوا بأنه إبن الله. ولنفس السبب أخرج بولس الرسول الشيطان الذى فى الجارية (أع 16 : 18) .
ملحوظة:- يبدو أن المسيح كان قد إعتاد أن يأتى لبيت بطرس لتناول الطعام وأنه أتى فى هذا اليوم لهذا الغرض، بدليل أن حماة بطرس قامت وأعدت الطعام وكان السيد يأخذ معهُ تلاميذه الأخصاء يوحنا ويعقوب ( مر 29:1).عموماً حماة سمعان ترمز لكل نفس أصيبت بالخطية فأقعدتها عن الحركة والخدمة فجاء المسيح ليشفيها. ونلاحظ أيضاً أن شفاء حماة سمعان كان فورياً بدون فترة نقاهة.
(متى 18:8-22 + لو 57:9-62):-
الآيات (مت 18:8-22):-
الآيات (لو 57:9-62):-
يقدم القديس لوقا هنا ثلاث عينات لثلاث أشخاص أرادوا أن يتتلمذوا للسيد المسيح. وذكر القديس متى مثلين منهم فقط. ومتى يورد هذا بعد شفاء حماة بطرس ليقول أن الخدمة ليست إمتيازات فقط (كما شفى المسيح حماة بطرس) بل لها تبعاتها.
الأول:- هذا الإنسان رأى المسيح وأحبه، نمت مشاعره تجاه السيد، لكنه لم يفهم أن تبعيته للمسيح فيها حمل للصليب، لقد فرح بالمعجزات وبسلطان المسيح وربما تصوَّر أن تبعية المسيح فيها مجد أرضى، لذلك أفهمه المسيح أنه حتى المسيح وهو السيد ليس له مكان يسند رأسه فيه. ونلاحظ أنه فى الحالات الثلاث كان السيد يجيب ليس بحسب قول الشخص ولكن بحسب ما فى فكره الداخلى. كثيرون يشتهون الخدمة لإمتيازاتها ولا يعرفون صليبها فيسرعون بدخول الخدمة، وما أن تصادفهم مشاكل الخدمة يسرعون بالهرب لذلك نجد السيد هنا يُظهر هذا لذلك الشخص، أن هناك تكلفة للتلمذة.
أوجرة = كهوف. أوكار= مآوى.
وهناك تفسير موازٍ، أن المسيح لا يجد فى قلب هذا الشخص مكاناً يسند رأسه فيه وذلك لرفضه الصليب، بينما وجدت الطيور رمز الكبرياء لإرتفاعها والثعالب رمز الخبث أمكنة داخل قلب هذا الشخص. إذاً نفهم من كلمات المسيح هنا أن هذا الشخص كان يطلب تبعية المسيح فى خبث ليحصل على إمتيازات كشفاء المرضى، أو المناصب العالمية، وقطعاً فهو رافض الصليب. هو ظن المسيح سيملك ملكاً عالمياً وسيملك هو معهُ ( مثل سيمون الساحر) وكون السيد ليس له أين يسند رأسه فذلك لأنه سماوى، لا مكان لهُ ولا راحة لهُ على الأرض، ومن يتبعه فعليه أن يقبل هذا الوضع فيجد المسيح مكاناً في قلبه، ولكن قلب هذا الشخص كان به أماكن للطيور والثعالب فقط والسبب أن هذا القلب رافض للصليب الذي إستند عليه المسيح. ومن يقبل هذا الوضع عليه أن يتجرد من محبة المال والمجد الأرضى.
الثانى:- هذا الشخص كان يفكر فى أن يتبع المسيح لكنه مرتبك ببعض الأمور فلربما كان له والد شيخ وكان ينتظر موته ليدفنه ثم يتبع المسيح. فهو حسن النية مشتاق للتلمذة، لكن عاقته الواجبات العائلية. مثل هذا يشجعه المسيح ليتخذ قراره، لذلك نسمع السيد يقول له إتبعنىوهنا يصرح بمشكلته ،فيقول له السيد دع الموتى يدفنون موتاهم= أى دع الموتى روحياً (الذين يرفضون أن يتبعوننى وينتظرون تقسيم الميراث ويتصارعوا عليه) يدفنون الموتى جسدياً. (أى يدفنوا أباك حين يموت بالجسد طبيعياً). والمسيح هنا لا يدعو للقسوة مع الوالدين، بل معنى قوله أن هناك كثيرين سيقومون بهذا الواجب ولكن إتبعنى أنت. ومن شفى حماة بطرس قادر أن يدبر كما قلنا كل إحتياجات تلاميذه بما فيها دفن موتاهم. ولربما لو بقى لدفن والده تنطفأ الأشواق المباركة للتلمذة التى كانت داخله ويعوقه العالم. كثيراً ما منعت العواطف البشرية كثيرين من تبعية المسيح. دعوة المسيح لهذا الشخص تعنى أنا أريدك لأعمال أعظم من دفن الموتى. من يريد أن يصير تلميذاً للرب عليه أن يترك أهل العالم يعيشون حياتهم العادية، أما هو فيكرس نفسه لخدمة الملكوت. فتلميذ المسيح كرس حياته لخدمة الأحياء، ليس لخدمة الموتى، هو بخدمته يقود الناس للحياة وهذا أهم.قطعاً السيد لن يمنعه من دفن والده إذا مات، لكن المقصود عدم التعطل عن الخدمة بسبب التعلقات العاطفية الزائدة، والإنشغال بميراث الميت وتقسيمه.. الخ. ومراسيم العزاء اليهودية تمتد لشهور.
الثالث:- هذا له نظرة مترددة، قلبه موزع بين المسيح والعالم. وكل من يهتم بهموم العالم أو يخشى الإضطهادات أو خسارة المال، مثل هذا لا يستطيع خدمة الإنجيل أو أن يتبع يسوع، فيسوع لا يقبل من قلبه موزع بينه وبين العالم. هذا الشخص الثالث يشبه إمرأة لوط. هذا الثالث يطلب التلمذة ولكنه بقلبه مع عواطفه البشرية تجاه أهل بيته، مثل هذا يبدأ الطريق مع المسيح لكنه لا يكمل. من يضع يده على المحراث، لابد وأن ينظر للأمام ليسير فى خط مستقيم غير ملتو، ومن ينظر للخلف يلتوى منه خط السير. وهكذا من يرتد ليهتم بالمشاعر الإنسانية ويترك خدمة المسيح بسببها، تفشل خدمته. لاحظ أن المسيح لا يمنع من أن يذهب هذا الشاب لوداع أهله لكن إذ يذهب هو سيبقى معهم فترة ربما تمنعه من تبعية يسوع بعد ذلك. بل هناك من يترك المسيح إذا صادفه مرض فهو يحب نفسه ونفس الشئ إذا فقد قريب له أو مرض أحد أحباءه.
ونلاحظ فى إنجيل لوقا أن لوقا وضع هذه الشروط للتلمذة مباشرة قبل إرساليته السبعين رسولاً لتكون لهم دستور حياة.
(مت 23:8-27 + مر 35:4-41 + لو 22:8-25):-
الآيات (مت 23:8-27):-
الآيات (مر 35:4-41):-
الآيات (لو 22:8-25):-
آية (23):-وَلَمَّا دَخَلَ السَّفِينَةَ تَبِعَهُ تَلاَمِيذُهُ = هذه رد على"أمر بالذهاب إلى العبر" (مت 18:8) ، وهاهم الآن ينفذون ويركبون السفينة ليذهبوا إلى العبر. ولقد عُرِف بحر الجليل بالعواصف العنيفة المفاجئة وهو بحيرة صغيرة (13 ميل × 8 أميال) صورة هذه المركب المعذبة وسط الأمواج، هى صورة الكنيسة التى تتعرض لعواصف شديدة يثيرها الشيطان ضدها، وصورة لكل نفس بشرية تقبل المسيح داخلها رأساً لها فيثير الشيطان ضدها رياح التجارب. لكن لنصرخ طوال حياتنا للمسيح، وهو قطعاً لن يسمح للسفينة أن تغرق لسبب بسيط.... هو أنه بداخلها. إذاً لنصرخ للمسيح دون أن نفقد إيماننا، ودون أن نشك ولو للحظة أن السفينة ستغرق، وإلاّ سنسمع توبيخ المسيح ما بالكم خائفين يا قليلى الإيمان. والخوف هو طاقة مدمرة ونصيب الخائفين البحيرة المتقدة بالنار (رؤ8:21) فالخوف سببه عدم الإيمان أو بتعبير آخر "عدم الثقة في المسيح". والخوف الصحى الوحيد هو الخوف من إغضاب الله (مت 28:10 + رو 20:11) .وكان هو نائماً= مثلما يحدث كثيراً فى مشاكلنا إذ نصرخ ونظن أنه لا يسمع أو أنه لا يستجيب. وكونه لا يستجيب هذا ليس معناه ضعفاً منه لكنه يريد الأمور هكذا. لماذا؟ علينا أن لا نسأل ولكن نثق فيه. ويكون هذا حتى تنكشف لنا طبيعتنا الخائرة الضعيفة وينكشف لنا ضعف إيماننا ونشعر بالإحتياج للمخلص، وعندما يستجيب نُشفى من هذه الأمراض الروحية ، وهي الشعور الكاذب بالقوة وعدم الإحتياج لله وأيضاً اليأس من التجارب (صغر نفس+ كبرياء). فتأخر إستجابته هى فرصة لشفائنا ولإصلاح شأننا.وقبل أن يهدئ المسيح عاصفة المياه يهدئ المسيح النفوس الهائجة المضطربة، أما من لا يشعر بضعفه ستسقطه الشياطين في خطايا كثيرة فيهلك ومن يصرخ يتقوى بالله. ولنعلم أنه طالما نحن فى الجسد، وطالما كانت الكنيسة على الأرض فهناك عواصف فالعالم مضطرب.. لكن لنطمئن فالمسيح داخلنا فلن نغرق، ولكن وجوده لا يمنع التجارب وبالصراخ المستمر بلجاجة نكتشف 1) ضعفنا 2) قوة المسيح الذي فينا وهذا هو الشفاء. أما لو إستجاب سريعاً فلربما نسقط في الكبرياء. وهناك ملحوظة رائعة يقدمها القديس مرقس وكان هو فى المؤخر على وسادة نائماً= هذه رؤية شاهد عيان. ولكنه كان يركز على المسيح فلاحظ أنه كان نائماً على وسادة. وقوله فأيقظوهيشير لأن مرقس كان معهم على السفينة لكن لم يشترك فى إيقاظ السيد، فهو لم يكن مثلهم خائفاً، والسبب بسيط أنه ركز فكره فى المسيح حتى أنه إنتبه لوجود وسادة تحت رأسه، فمن يركز نظره على المسيح لا يخاف، بل هذا يمنح النفس سلاماً وسط التجربة وهذا ما جعل بطرس أيضاً يسير على الماء وهو ينظر للمسيح. ونوم المسيح إثبات لكمال بشريته. ومرة أخرى فوجود المسيح فى حياتنا وفى الكنيسة لا يمنع التجارب لكن هو يحفظنا منها. وأخذوه كما كان فى السفينة(مر 36:4) أى أن المسيح كان فى السفينة يُعَلِّم ولما قرر أن يعبر بحر الجليل بسبب الزحام، إنطلقوا بالسفينة والمعلم فى مكانه وهذه أيضاً ملاحظة شاهد عيان.
والعجيب أن داود النبى تنبأ عن هذه الحادثة تفصيلاً (مز 23:107-32). لنطمئن فالمسيح له قدرة على كل ما هو فوق قدرة الإنسان كالرياح والبحر.. الخ. يشير القديسين مرقس ولوقا أن التلاميذ خافوا إذ رأوا المعجزة، هم ما كانوا يخافوا من المسيح، ولكنهم خافوا الآن إذ شعروا بالسلطان الإلهى على الرياح والبحر. وهذا هو الخوف المطلوب. أما خوف عدم الإيمان فهو خوف يُهلك. من هو هذا فإن الريح أيضاً والبحر يطيعانه (مر 41:4) هذه شهادة بلاهوت المسيح. فهذا قيل عن يهوة "أنت متسلط على كبرياء البحر" (مز 9:89-11). عموماً وجود المسيح فى الكنيسة أو فى حياتنا لا يمنع التجارب، لكن هو له سلطان عليها ومتى يريد يسكتها. لكن فائدتها أن نصرخ دائماً له ونشعر بالإحتياج إليه. وحينما يستجيب يزداد إيماننا به. هو قادر أن يسكت العواصف وقتما يريد بكلمة ولكن علينا أن نفهم أنه يريد الأمور كما هي.. لماذا؟ لا داعي أن يشرح لنا، بل علينا أن نسلم بقدراته وأنه موجود ولا نزعجه بعدم إيماننا (نش9:7) فما يفرح المسيح (الخمر) هو الإيمان وما يزعجه عدم الإيمان وعدم الثقة فيه. وهو قد يؤخر الإستجابة 1) لنستمر في الصلاة فنكتشف ضعفنا بدونه 2) أنه القوي الذي يساندنا وبغير هذا الفهم المستنير فنحن مرضى روحياً.
لا نعرف ماذا كان يتوقع التلاميذ منه أن يفعله حينما أيقظوه، فهم لم يكونوا حتى هذه اللحظة مدركين لشخصه الإلهى، ولم يروا سلطانه على البحر والهواء من قبل. وهم لم يعرفوا حقيقة المسيح إلا بعد حلول الروح القدس عليهم. لكنهم أيقظوه عند خوفهم فهم كانوا يشعرون معه بالسلام فهو ملك السلام.
(مت 28:8-34 + مر 1:5-20 + لو 26:8-39):-
الآيات (مت 28:8-34):-
الآيات (مر 1:5-20):-
الآيات (لو 26:8-39):-
ولما جاء إلى العبر= أى عبروا البحيرة
فى الآيات السابقة رأينا عواصف تواجه السفينة، ظهرت الطبيعة ثائرة على الإنسان، وهنا نرى أن الشيطان يواجه نفوس البشر ليحطمها ويذلها. والمسيح أتى ليخلصنا من سطوة هذا العدو المهول.
بمقارنة الأناجيل الثلاثة نجد أن هناك فروق فى القصة:-
1. متى يذكر أنها حدثت مع شخصين أما لوقا ومرقس فيقولان أنها حدثت مع شخص واحد. ويبدو أنها فعلاً قد حدثت مع شخصين لكن كان أحدهما هو المشهور، أو أن أحدهما كان الأكثر شراسة ووحشية. وكان أن إكتفى مرقس ولوقا بذكر الشخص الأكثر شهرة. ورمزياً فمتي يكتب لليهود وذكره لإثنان فهو بذلك يشير لأن المسيح أتى للأمم كما لليهود. أما مرقس ولوقا فيكتبان للأمم وهم يشيروا أن المسيح أتى للأمم. واليهود تسلط عليهم الشيطان لكبريائهم. والأمم تسلط عليهم الشيطان لوثنيتهم.
2. يقول معلمنا متى أن الحادثة وقعت فى كورة الجرجسيين. ويقول مرقس ولوقا أنها فى كورة الجدريين. وهذا لأن القصة حدثت فى مدينة جرجسة وهى إحدى المدن العشر، وهذه المدينة تقع فى مقاطعة إسمها كورة الجدريين، ومتى إذ يكتب لليهود يذكر إسم البلدة فهم يعرفونها، أما مرقس ولوقا إذ يكتبان للأمم يكتبان إسم المقاطعة ونلاحظ فى القصة.
1. عنف وسطوة الشيطان على الإنسان روحاً وجسداً وكان هذا بسبب سقوط الإنسان فى الخطية.لا يلبس ثوباً = فالشيطان يفضح. ولاحظ تأثير الشيطان على الروح فهو يفصلها عن الله وعلى الجسد فهو يدفعه لإيذاء نفسه وعلى النفس فهو يفقد النفس سلامها.
2. مجرد عبور السيد فى الطريق فضح ضعف الشيطان وأذله فصرخ الشيطان على لسان المجنون ما لنا ولك.. أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنافإذ رأت الشياطين المسيح على الأرض ظنوا أنه جاء يحاكمهم، فوجوده كان عذاب لهم. وبهذا نفهم أن الشيطان كان يعرف أنه سيدان يوما ، ولكنه لم يفكر فى التوبة وإستمر فى تحديه لله وعناده. وهذه هى طبيعة الملائكة الذى كان الشيطان واحدا منهم . فالملاك لاتوجد له طبيعة مترددة ، هو يتخذ القرار ولا يتردد فيه . وبينما إستقر الملائكة القديسون على قرار حب الله والخضوع له وهم لن يتراجعوا فى هذا القرار للأبد ، تمرد الشيطان ضد الله ولم ولن يتوب للأبد . لذلك لم يكن هناك فداء للشيطان .
3. الشياطين دفعت المجنونين للقبور كما تدفعنا لقبور نجاسة الخطية فالموت والقبور إشارة للنجاسة. ونلاحظ أنهما كانا يقطعان السلاسل التى يربطونهما بها. وكل خاطىء يتملكه روح الشر يقطع كل القيود الدينية والاجتماعية ليجرى نحو قبور الخطية ونجاسة الشهوة وهناك يؤذى نفسه ويجرحها، فالخطية نار من يحضنها يحترق وتؤذيه.
4. الشياطين تجد راحتها فى دفع الإنسان للخطية لتتلذذ بإيذائه لنفسه. هم يجدون راحتهم فى مملكتهم التى يقيمونها فى القلب الفاسد.ولكننا من قول الشياطين أجئت قبل الوقت لتعذبنانفهم أنهم واثقين من إنهيار مملكتهم. وقولهم قبل الوقت= أى وقت الدينونة.
5. طلبت الشياطين أن تذهب لقطيع الخنازير لتسبب كراهية الناس فى هذه المنطقة للرب فيرفضه الناس، وأيضاً فهى تفرح بأى أذى يصيب الناس.
6. سمح السيد للشياطين أن تدخل فى الخنازير للأسباب الآتية:-
أ- لم تحتمل الخنازير دخول الشياطين بل سقط القطيع كله مندفعاً إلى البحر ومات فى الحال، ومن هذا نعلم شر الشياطين. مما فعلوه بأجساد الحيوانات ونعرف ما يحدث لمن تمتلكهم الشياطين. ولكن نرى أن ما حدث للمجنونين كان أقل بكثير مما حدث للخنازير،وهذا يوضح أن الله لم يسمح للشياطين أن تؤذى المجنونين إلاّ فى حدود معينة. ورأينا هنا قوة الشياطين المهولة والمدمرة، وبهذا ندرك عظمة الخلاص الذي قدمه لنا المسيح.
ب-بهذا يعلن السيد أنه يسمح بهلاك قطيع خنازير من أجل إنقاذ شخصين فنفهم أهمية النفس البشرية عنده.
ج- نفهم من القصة أن الشياطين لا تقدر أن تفعل شىء، حتى الدخول فى قطيع خنازير إلاّ بسماح منه.
د- كان هذا تأديباً لأصحاب الخنازير فتربيتها ممنوعة حسب الناموس.
ه- لم تطلب الشياطين الدخول فى إنسان فهى تعرف أن المسيح الذى أتى ليشفى الإنسان سيرفض هذا حتماً. وهى لم تطلب الدخول فى حيوانات طاهرة يقدم منها ذبائح فالمسيح سيرفض، ولكنها تطلب الدخول فى حيوانات نجسة. ومن هذا نتعلم شىء عن عالم الأرواح….فنحن معرفتنا ناقصة جداً عن عالم الأرواح فنحن لا نعرف كيف تسكن روح الإنسان فى الإنسان، ولا كيف تسكن روح شريرة فى الإنسان ولا كيف تدخل الأرواح الشريرة فى الحيوانات، ولكن من هذه القصة نفهم أن المسيح يسمح بدخول الأرواح الشريرة للحيوانات النجسة أو للإنسان الذى يحيا فى نجاسة، فمن يقبل أن يسلم حياته للشيطان ويحيا فى النجاسة يكون معرضاً لأن تدخل فيه الأرواح الشريرة وتحطم حياته. فالإنسان الذى يعيش عيشة الخنازير -يتمرغ فى خطاياه كما يتمرغ الشيطان فى الطين- يكون للشيطان سلطان عليه، ويدفعه للهلاك كما دفع الخنازير للهلاك. فالخنازير تشير لمن يرتد لنجاسته (2بط22:2) ومثل هؤلاء سيكون مصيرهم البحيرة المتقدة بالنار مع إبليس (رؤ10:20 + 8:21) .
7. هذان المجنونان يمثلان الإنسان أو البشرية التى بقيت زماناً طويلاً مستعبدة لعدو الخير بسلاسل الخطية وقيود الشر، لا تقوى على العمل لحساب مملكة الله، تعيش خارج المدينة أى خارج الفردوس، لا تستطيع السكن مع الله فى مقدسه. وهى قد تعرت من ثوب النعمة الإلهية تؤذى نفسها بنفسها، تعيش فى البرارى منعزلة عن شركة الحب مع الله والناس.يصيح ويجرح فى نفسه = حينما يستحوذ الروح الشرير على إنسان يورثه القلق والبؤس.
8. أصحاب الخنازير رفضوا المسيح بسبب خسارتهم. وهذا هو منطق العالم للآن الذى يخاصم المسيح بسبب أى خسارة مادية، بل قد يرفضه بسببها.
9. المسيح عبر البحيرة وتعرضت السفينة للغرق لينقذ نفسا هذين المجنونين.
10. لجيئون = هى كلمة لاتينية تعنى لمن كان تحت حكم الرومان ويفهم لغتهم = العدد الكثير والقوة والطغيان. وقيل أنها إسم فرقة رومانية قوامها ستة ألاف جندى. والمسيح بسؤاله عن إسمه يكشف قوته. ما إسمكوالسؤال موجه للشيطان وليس للرجل، فالشيطان قد إمتلك الرجل وسلبه عقله وشخصيته. وسؤال السيد لإبليس هنا ما إسمك، ليعلن شخصيته أمام الناس، فالإسم هو الرمز الخارجى للشخصية. ونلاحظ أنه بعد هذا السؤال تكلم الشيطان بلغة الجمع لأننا كثيرون.
11. وطلب إليه (لو 31:8) طلب الشيطان من المسيح أن لا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية= فالهاوية هى مكان عذاب حقيقى لهم ينتظرهم حتماً. وهذا معنى قولهم أجئت إلى هنا لتعذبنا قبل الوقت ( مت 29:8). والمسيح لم يرسلهم إلى الهاوية، فهذا محدد له وقت هو يوم الدينونة.
12. لاحظ قول لوقا كيف خلص المجنونآية (36). فلهذا أتى المسيح المخلص لكى يخلصنا من سطوة الشياطين ويشفينا روحياً.
13. الرعاة وجمهور الكورة الذين رفضوا المسيح مفضلين عليه أن يسكنوا مع خنازيرهم، هؤلاء يشبهون من يفضل حياة الخطية والنجاسة عن التوبة (2 بط 21:2-22).
14. علامة خلاص هذا المجنون قبوله للمسيح إذ هو أراد أن يتتلمذ للسيد المسيح، لكن المسيح فضل أن يتحول هذا الشخص لكارز. وهذا هو الإنجيل أن مريم المجدلية التى كان بها سبعة شياطين تتحول إلى كارزة بالقيامة ولمن؟ للتلاميذ. وهذا المجنون البائس يطلب من الرب بعد أن شفاه أن يتحول إلى كارز بكم صنع به يسوع.
هناك من يتصور أن الشيطان أو أى قوة شيطانية لها سلطان عليه (كالأعمال والسحر والحسد). ومن هذه القصة نفهم عكس هذا. فلا سلطان مطلق للشيطان. بل المسيح له سلطان عليه. وإن كان دخول الخنازير إحتاج لسماح من المسيح فهل يكون للشيطان سلطان على الإنسان الذى فداه المسيح وسكن فيه الروح القدس. أما من يفارقه الروح فللشيطان سلطان عليه (شاول الملك) . والشيطان يذل مثل هذا الإنسان ويعذبه ليلاً ونهاراً (مر5:5) أى دائم العذاب.
أتى المسيح ليحرر الإنسان من عبوديته للشيطان، ولاحظ قول القديسمرقسقَالَ لَهُ:اخْرُجْ مِنَ الإِنْسَانِ يَا أَيُّهَا الرُّوحُ النَّجِسُ(آية8) قد يكون المقصود بالإنسان هنا هو هذا المجنون. ولكن العبارة تشير لما هو أبعد أى لخلاص كل البشر من سلطان إبليس. ولكن الآن نجد أن الشيطان لا سلطان له على إنسان إلا لمن يسلم نفسه للشيطان بإرادته، أى لمن يطلب الشيطان ويقبل من يده ملذاته النجسة. وهذا معنى أن الشيطان عرض على المسيح أن يعطيه كل ما فى العالم، ولكن هناك ثمن "هو السجود للشيطان أى العبودية له". لذلك نلاحظ أن الشيطان يقول للسيدوَطَلَبَ إِلَيْهِ كَثِيرًا أَنْ لاَ يُرْسِلَهُمْ إِلَى خَارِجِ الْكُورَةِ(آية10 من إنجيل مرقس). وهذا لأن الشيطان وجد فى هذه الكورة بشر يريدونه. فأهل هذه الكورة يحيون فى نجاسة يشير لها وجود الخنازير. ولكن نلاحظ أيضا أنهم لنجاستهم يرفضون وجود المسيح النور الحقيقى، فالنور يكشف نجاستهم. فنجدهم يَطْلُبُونَ إِلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ تُخُومِهِمْ(آية17 من إنجيل مرقس). وماذا يريد الشيطان من تسهيل النجاسة للناس؟ هدف الشيطان إلحاق أكبر أذى للبشر، هو لا يريد أن يجعل الإنسان يتلذذ بالخطية، بل يسقطه فى الخطية ثم يستعبده ويعذبه. الشيطان فى شره يتلذذ بعذاب البشر وأنظر كيف كان يعذب هذا الإنسان الذى كان يجرح نفسه بالحجارة. ولما ألزمه المسيح بالخروج نجده يطلب إهلاك الخنازير مصدر الرزق لهؤلاء الناس ليلحق يهم أكبر أذى ممكن وهذا هو هدفه. وقطعا هناك سبب آخر هو أن يكره الناس المسيح.فالمسيح يؤدب ليضمن خلاص النفس، ولكن الشيطان الكذاب (يو8 : 44) يُصوِّر للإنسان أن التأديب ما هو إلا قسوة من الله ليوقع بين الإنسان والله. هدف الله هو تحرير الإنسان الحرية الحقيقية ليخلص ولا يعود مستعبدا للشيطان.. لذلك يقول السيد "إن حرركم الإبن فبالحقيقة تكونون أحرارا" (يو8 : 36).
ولاحظ قول القديس لوقا فَطَلَبَ إِلَيْهِ كُلُّ جُمْهُورِ كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُمْ، لأَنَّهُ اعْتَرَاهُمْ خَوْفٌ عَظِيمٌ(آية37) = هم خافوا ولكنهم لم يتوبوا بل أصروا على خطيتهم. وحتى الآن نسمع عن غضب الله فى الطبيعة من زلازل وغيرها، وهلاك الكثير من البشر إعلانا عن غضب الله ولكن بلا توبة ولا ندم بل وإصرار على الخطية. ولاحظ أن التصرف الخاطئ لأهل كورة الجدريين هو هو نفسه تصرف البشر الخاطئ الآن. فأهل كورة الجدريين رأوا قوة يسوع فى إنقاذ وخلاص المجنون، ورأوا قوة الشيطان المدمرة وعمله المخرب فى الإنسان وفى هلاك الخنازير. وكلاهما أهل الجدريين قديما وأهل الزمان الحاضر لم يطلبوا يسوع ليخلصوا بل هم لا يريدونه وأصروا على خطيتهم.
لأَنَّهُ مُنْذُ زَمَانٍ كَثِيرٍ كَانَ يَخْطَفُهُ(لو8 : 29) = وهذا يعنى أنه يقع تماما تحت سيطرة الروح النجس، فلا يستطيع المجنون المسيطر عليه الروح النجس أن يفصل بين فكره وإرادته هو، وفكر وإرادة الروح النجس. وهذه السيطرة التى تختفى فيها شخصية المجنون قد تكون مؤقتة وقد تكون دائمة.