كلمة منفعة
اذكر ضعفك، حينئذ تكون أكثر حرصًا، وحينئذ لا تخضع لأفكار الكبرياء والمجد الباطل، إن حاربتك.
— اذكر
اخرويات
اخرويات، اخرة، اسخاتولوجي (2)، الزمان الأخير، إسخاتولوجي
حجم الخط
أ- إنه ليس من الطبيعي أن نضع ما جاء في متى (24: 15 - 29) تحت النهاية وذلك لأنه من الوجهة الشكلية لا تختلف عن الظواهر المذكورة في الأعداد 4 - 14 كعلامات.
ب- إنها تخلق مشكلة افتراض وجود الهيكل وعبادة الهيكل في أورشليم في الأيام الأخيرة قبل المجئ الثاني مباشرة. فرجسة الخراب المأخوذة عن( دانيال 8: 13، 9: 27، 11: 31، 12: 11، وسيراخ 49: 2) -وهي عند البعض، تعني خراب الهيكل والمدينة، أو بالحري تنجيس موقع الهيكل بإقامة شيئ وثني فيه، وبذلك يصبح خراباً- والهروب من اليهودية، ويذكران بين الأحداث التي تشكل -مع المجئ الثاني- نهاية العالم، وبذلك فهي تتضمن -بصورة قوية- الملك الألفي. وتبرز الصعوبة مرة أخرى في التفسير الأخروي لما جاء في (2 تس 2: 3 و 4)، حيث نقرأ أن إنسان الخطية يجلس في هيكل اله وكذلك في (رؤ 11: 1 و2) حيث هيكل الله والمذبح والدار خارج الهيكل والمدينة المقدسة تشكل حادثاً عارضاً بين صوت بوق الملاك السادس، وصوت بوق الملاك السابع.
ومن الناحية الأخرى، يجب أن نذكر أن النبوات الأخروية تستخدم الأساليب التقليدية القديمة من الصور المجازية والقوالب الثابته، التي -لجمودها وانطباقها على جميع الأحوال- لا يمكن أن تفهم دائماً بالمعنى الحرفي، بل يجب أن تكون قابلــة -إلى حد ما- للتفسير الرمزي والروحي، فتدنيس الهيكل -في هذه الحالة- على يد أنطيوكس أبيفانوس، من المحتمل أن يكون قد هيأ الصورة المجازية التي استخدمها المسيح وبولس ويوحنا في وصف التطورات ضد المسيحية، والتي لا علاقة لها بإسرائيل وأورشليم والهيكل، بالمفهوم الحرفي.
3- الكرازة بالإنجيل قبل النهاية: ليس من السهل تصور أن تتم الكرازة بالإنجيل في كل الأمم في زمن ذلك الجيل. ولا شك أنه يمكن الاستناد إلى (رو 1: 13، 10: 18، 15: 19 - 24، كو 1: 6، 1 تي 3: 16، 2 تي 4: 17)، لتأييد هذا الرأي. ولكن في قول المسيح، نرى -على وجه التحديد- أن الكرازة بالإنجيل لكل الأمم، لا بد أن تحدث قبل النهاية، بل إنها تسبق النهاية مباشرة ثم يأتي المنتهي (مت 24: 14). والتمييز بين الكرازة بالإنجيل لكل العالم واتمام الإرسالية للإمم -كم يفترض زاهن- هو عمل مصطنع.
وللرد على هذه الاعتراضات، يجب التسليم بأن وضع كل هذه الظواهر الأخيرة قبل النهاية الحقيقية، يجعلنا نتغلب على المشكلة الناتجة عن كلمة للوقت متى (24: 29)، وعن في تلك الأيام (رو 13: 24).
ولقد شرح برجز بوضوح وجهة النظر الأخرى (في مسيح الأناجيل 132 - 165) فهو يجعل حديث المسيح منطوياً على أمرين: (1) خراب أورشليم والهيكل، (2) نهاية العالم. ويفترض أنه قد حدث التلاميذ عن نقطتين: (1) الوقت، (2) العلامات.
فبالنسبة للوقت، فإنه لا يفصل بين الأمرين فصلاً جازماً، فهما متحدان كموضوع نبوي واحد، وإن كان المجيئ الثاني أكثر بروزاً. وتحديد الوقت في هذه الصيغة المعقدة، نجدة: (1) سلبياً (مرقس 13: 5 - 8)، (2) إيجابياً (مرقس 13: 9 - 13). ومن الناحية الأخرى يميز المسيح بين: (1) علامات خراب أورشليم والهيكل (مرقس 13: 14 - 20)، (2) علامات المجيئ الثاني (مرقس 13: 24: 27).
ويؤيد هذا الرأى أن خراب الهيكل والمدينة الوارد في سؤال التلاميذ، الذي يبرز كحادثة أخروية، يعتبر هكذا في جواب المسيح، فلا يشار إليه -بصورة عارضة- كعلامة من العلامات. وما جاء في إنجيل لوقا (21: 20 - 24) يثبت أنها حادثة وليست علامة. وهذا الرأى يجعل من السهل فهم القصد (الوارد في مر 13: 30) على الحادثة الأولى وعلاماتها، فهو يضع رجسة الخراب في زمن سابق للكارثة القومية. ومما يؤيد وجهة النظر بأن الحادثتين قد ذكرتا بالتتابع، هو اتجاه الفكر في العدد 32 وما بعده. وهنا بعد أن قارب الجزء الرؤوى نهايته، تحول الموضوع إلى التلاميذ بنفس النظام الذي لاحظناه في النبوة. فنجد أولاً، تحديد الموقف الحقيقي من جهة الكارثة القومية في مثل شجرة التين، والتأكيد الجازم بأنها ستحدث في هذا الجيل (الأعداد 28 - 31)، ثم نجد تحديد الموقف الحقيقي من جهة المجيئ الثاني (الأعداد 32 - 37).
والاعتراض الجدى الوحيد على هذا الرأي، يصدر عن الترابط الوثيق لهذا الجزء المتعلق بالكارثة الوطنية، مع الجزاء المتصل بالمجيئ الثاني (مت 24: 29)، وأما تلك الأيام بعد ذلك الضيق (مر 13: 24).
والسؤال هو ما إذا كان هذا الأسلوب من الكلام، يمكن أن يفسر على مبدأ تقصير أبعاد منظور النبوة. ولا يمكن أن ننكر تماماً أن خاصية الرؤيا النبوية، ربما شكلت أيضاً نظرة المسيح للمستقبل، التي (كما يظهر في عدد 32) كانت النظرة النبوية كإنسان، منفصلة عن علمه الكامل كإله. ويحول دون إمكانية إساءة تفسير هذه الظاهرة، وخلط تتابع المنظور مع التتابع الزمني في هذه الحالة، القول بأنه ينبغي أن يكرز أولاً بالإنجيل لكل الأمم (أع 3: 19 و 25 و 26، رو 11: 25، رؤ 6: 2) قبل مجيئ النهاية، وأن لا أحد يعرف ميعاد المجيئ الثاني إلا الله، وأن هناك فترة خراب بعد تدمير المدينة، وأن مجيئ المسيح النهائي لشعب إسرائيل ليس للدينونة، بل سيكون مجيئاً يرحبون به فيه قائلين: مبارك الآتي (مت 23: 38 و 39، لو 13: 34 و 35) وهو يفترض وجود فترة تكفي لتعليل هذا الموقف المتغير (لو 21: 24) حتى تكمل أزمنة الأمم. وليس من الضروري الفصل بين هاتين الحادثتين اللتين يضمهما السؤال كما قدمه التلاميذ في (متى 24: 3)، كما لو أن السؤال متى يكون هذا يتعلق بخراب الهيكل فقط، لأن النصف الآخر من السؤال يتعلق بمجيئ المسيح وانقضاء الدهر. وما يبرز هنا ليس هو الحادثتين، بل الحوادث (في مجموعها) متميزة عن العلامات، فهذه الأشياء لها ارتباط، لا بما جاء في العدد الثاني فقط، بل بالحري بما جاء في متى (23: 38 و 39)، فلم يرغب التلاميذ في معرفة متى تحدث تلك الكارثة القومية المروعة فحسب، بل بالحرى متى يحدث مجيئ المسيح الذي سيتلو، الكارثة والذي سيضع حداً للنتائج المحزنة لتلك الكارثة، والذي سينتج عنه اقتبال إسرائيل مرة اخرى. وهذا يفسر لنا لماذا لم يبدأ المسيح حديثة بالكارثة القومية، بل بدأ أولاً بموضوع المجيئ الثاني ليحدد -سلباً وإيجاباً- ميعاد ذلك المجيئ، وذلك لتحذير التلاميذ الذين -في شوقهم الشديد لمجيئ النهاية- كانوا يميلون لتقصير زمن التطورات المروعة السابقة للمجيئ. وواضح أن المسيح جمع بين الكارثتين القومية والكونية، وذلك من مواضع أخرى كما في متى (10: 23)، حيث يتحدث عن تدخله لإنقاذ التلاميذ المشردين: مجيئ ابن الإنسان (مت 16: 28، مر 9: 1، لو 9: 27، حيث أن مجيئ ابن الإنسان في ملكوته (متى) أو مجيئ ملكوت الله بقوة (مرقس) أو ظهور ملكوت الله (لوقا) موعود به لقوم من ذلك الجيل. وفي الحقيقة غالباً ما تشير هذه الأجزاء إلى المجيئ الثاني، لأنه موضوع الحديث في الأجزاء السابقة لها مباشرة، ومع ذلك لا يعني هذا أن المجيئ الثاني وهذا المجيئ الموعود مترادفان، فالمجيئ القريب جداً، يشار إليه كمشجع على الأمانة والتضحية مثلما تذكر المجازاة في المجيئ الثاني، لنفس الغرض. ومفهوم المجيئ القريب يظهر في اعتراف المسيح عند المحاكمة (مت 26: 64) حيث أن من الآن تشير أيضاً إلى المجيئ على سحاب السماء والجلوس عن يمين الله (انظر مرقس 14: 62، لو 22: 69). ومرمى هذا القول هو أن من يقف الآن أمام الناس ليحاكم سيظهر في المستقبل القريب في مجد ليدين قضاته الذين يمثل الآن أمامهم لمحاكمته.
وأقوال يوحنا الختامية لها هذا المفهوم، إن مجيئ المسيح لتلاميذه في المستقبل القريب هو ليبقي معهم على الدوام، ولو أن هذا المجيئ يقترن بحلول الروح القدس (يو 14: 18 و 19 و 21 و 23، 16: 16، 19: 22 و 23). ويجيئ نفس الفكر في سفر الرؤيا حيث يتضح أيضاً أن ثمة مجيئ مبدئي للمسيح بخلاف المجيئ الثاني للدينــونة (2: 5 و 16، 3: 3 و 20، وأيضاً يوماً من أيام ابن الإنسان - لو 17: 22).
4- حوادث تسبق المجيئ الثاني: والحوادث التي تسبق المجيئ الثاني حسب التعليم المطرد للسيد المسيح وبطرس وبولس، هي تجديد إسرائيل (مت 23: 39، لو 13: 35، أع 1: 6 و 7، 3: 19 و 21 حيث نجد أن بلوغ أوقات الفرج وأزمنة رد كل شيئ يتوقف على إرسال السيد المسيح لإسرائيل في نهاية الأيام)، وهذا بالتالي يتوقف على توبة إسرائيل وتجديدهم ومحو خطاياهم، ونجد في رومية 11، أن مشكلة عدم إيمان إسرائيل تحل على أساس افتراضين:
أ- إنه يوجد -حتى الآن- اختيار بحس النعمة بين اليهود.
ب- وإنه سيحدث تجديد شامل لإسرائيل في المستقبل (الأعداد 5 و 25 - 32).
وبين الانذارات بالمجيئ الثاني، ظهور ضد المسيح (1 يو 2: 18، 22، 4: 3، 2 يو 7)، كما أن المفهوم نفسه يرد في الاناجيل الثلاثة الأولى، وفي رسائل بولس وفي سفر الرؤيا، ولا توجد أي إشارات عنه في الكتابات اليهودية.
وكلمة ضد قد تعني بدلاً من أو ضد، والمعني الأول يتضمن الثاني. وليس من الواضح في إنجيل يوحنا أن الميول الهرطوقية أو السلطات المقاومة المرتبطة بالحركة العدائية للمسيحية، ستدعى باطلاً شغل مركز المسيا، لكننا نجد في الأناجيل الثلاثة الأولى نبوات عن مجيئ أنبياء كذبة ومسحاء كذبة وأن هذا ليس من العلامات القريبة فحسب (مر 13: 6) بل أيضاً في نهاية الزمن الأخروي (عدد 22). أما بولس فلايستخدم الكلمة نفسها. ولكن المفهوم واضح بأنه يعني ضد المسيح ويقول عنه أنه سيستعلن وهي نفس الكلمة التي يستخدمها فيما يتعلق بالمسيح (2 تس 2: 6 و 8)
اسلوب عمله ونتائجه الضارة تناقض تماماً أسلوب عمل إنجيل المسيح (الأعداد 9 - 12). ولا يتناول بولس هذا الفكر على أنه شيئ جديد، فلا بد أنه جاء من العهد القديم والأخرويات اليهودية، وبلغ غايته في نبوات العهد الجديد (انظر دانيال 7: 8 و 20، 8: 10 و 11)، فهو صورة مكبرة للعدو العتيد، ويزعم جنكل وبوست أن مصدر الاعتقاد بالصراع النهائي بين الله والعدو الأعظم، موجود في الأسطورة القديمة عن هزيمة كاوس على يد مردوخ، وان ماحدث في بداية العالم تحول إلى النهاية، فتجسم هذا أولاً في صورة مسياً كاذب، وبعد ذلك في صورة جبار سياسي مضطهد ومقاوم.
ولكن لا حاجة -على الاطلاق- إلى افتراض أي مصدر آخر لفكرة العدو الأخير، غير نبوات العهد القديم الأخروية (حزقيال ودانيال وزكريا). كما أنه ليس ثمة دليل على أن فكر بولس عن ضد المسيح جاء من مصدر سابق للمسيحية، بل من المعقول أن نقول -بما لدينا من دلائل- إن الجمع بين الفكرين عن العدو الأخروي وضد المسيح هو من نتائج النبوة المسيحية، ففي الواقع لم يرد مفهوم وجود عدو واحد أخير في الكتابات اليهودية السابقة للمسيحية، فقد جاء لأول مرة في سفر رؤيا باروخ الأبوكريفي (40: 1 و 2) الذي يغير المفهوم العام لسفر إسدراس الرابع، إلى هذا الاتجاه، بل أنه في حديث المسيح عن الأيام الأخيرة، لا تتركز الفكرة في شخص واحد، لأنه يتحدث عن المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة (بصيغة الجمع)، بينما يظل الشخص المحرض على رجسة الخراب في خلفية الصورة. كما أن الرسول يوحنا يتكلم أيضاً بصيغة الجمع (1 يو 2: 18 و 22، 2 يو 7) ومع أن فكرة مجيئ شخصية ضد المسيح لم تكن معروفة لدى الكاتب والقاريء فحسب (1 يو 2: 18) كما سمعتم أن ضد المسيح يأتي بل كان الكاتب يؤمن بها (4: 3) هذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي إلى العالم، والآن هو في العالم (اقرأ 2 تس 2: 7 - سر الإثم االآن يعمل).
ولقد طرحت آراء كثيرة لشرح الملامح المحددة فيما ذكره الرسول بولس في (2 تس 2)، وأيضاً ما جاء في سفر الرؤيا (13، 17) ويقول شكنبرجر وويس إنه كان في فكر بولس الشخص الذي سينادي به اليهود مسياً لهم، وأن هذا الفكر قد ترسب لدى بولس مما عاناه من اضطهاد من جانب اليهود، فتوقع أن هذا المسيا اليهودي المزعوم -مزوداً بقوة شيطانية- سيهزم السلطة الرومانية، وأن استمرار السلطة الرومانية، كان هو ما يحجز أو ممثلاً في الامبراطور الذي يحجز الآن (2 تس 2: 6، 7 - ويعكس وارفيلد الأدوار التي ستلعبها كل من القوتين).
والاعتراض على هذا، هو أن إنسان الخطية … المقاوم، -ليس في فكر بولس أو من وجهة نظر مسيحية فحسب، بل من نيته المعلنة- سيقاوم ويرفع نفسه فوق كل ما يدعي إلهاً أو معبوداً، وهذا ما لا يمكن أن يفعله أي يهودي يدعي أنه المسيا، فوضعه كمسيا يحول دون ذلك. ومفهوم ضد المسيح لا يستلزم أن يكون من بيئة يهودية، لأن فكرة المسيانية قد اتسعت في فكر الرسول بولس عن مستواها القومي الأصلي، واتخذت صيغة العالمية (انظر زاهن)، كما أن ما جاء في العدد الرابع: المقاوم الذي يجلس في الهيكل، لا يؤيد هذا الرأي، فقد يكون تنجيس الهيكل على يد أنطيوكس أبيفانوس وغيره فيما بعد، قد أضاف إلى صورة العدو الكبير، صورته كمنجس للهيكل. وليس من الضروري افتراض أن بولس قد قصد ذلك حرفياً، فهي لا تعني أكثر من أن المقاوم سيحاول أن يغتصب لنفسه مجداً سماوياً ويجعل من نفسه معبوداً.
وقد أعطي آباء الكنيسة ومن جاء بعدهم من الكتَّاب، تفسيراً ألفياً لهذا المشهد، مشيرين إلى إعادة بناء الهيكل في المستقبل. كما أن التفسير الرمزي -الذي يرى في الهيكل رمزاً للكنيسة- وجد من يدافع عنه.
ولكن التعبيرات التي يوصف بها المقاوم تنفي مطابقته المزعومة للكنيسة المسيحية. ويقول رأي آخر بأنه ليس شخصاً يهودياً بل وثنياً. ويزعم كرن وبور وهجلنفلد أن الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي كتبت بعد عصر بولس، ويربطون هذه النبوة بما كان شائعاً في ذلك الوقت من أن نيرون المضطهد الكبير، سيعود من الشرق أو من الموت، وبمعونة الشيطان سيقيم مملكة معادية للمسيحية. ويزعمون وجود نفس الفكرة وراء ما جاء في سفر الرؤيا (13: 3، 12، 14) ورأيت واحداً من رؤوسه كأنه مذبوح للموت وجرحه المميت قد شفي وكذلك في (17: 8، 10، 11) الوحش الذي كان وليس الآن وهو عتيد أن يصعد من الهاوية وهو (ملك) ثامن وهو من السبعة. وليس في وصف بولس ما يجعلنا نظن أن نيرون سيعود أو يبعث حياً، كما أن النبوة عن مجئ المقاوم لا تتضمن ذلك، لأن المجيئ تعبير أخروي لا يعني العودة بل الظهور، كما لم يوصف المقاوم بأنه مضطهد بينما كان نيرون مضطهداً عنيفاً. كما أن ما ذكر عن الحجز أو الذي يحجز لا ينطبق على نيرون، لأنه لا يمكن أن يقال إن من جاءوا بعد نيرون، يمنعون عودته. أما ما جاء في سفر الرؤيا عن الدور الذي سيلعبه الوحش، فنرى أنه يتفق تماماً مع شخصية نيرون.
ولكن -كما يقول زاهن في تفسيره- هذا التفسير يتعارض مع تاريخ كتابة سفر الرؤيا، فلا بد أن السفر قد كتب في زمن كان ينتشر فيه توقع عودة نيرون للظهور، بمعني أن يعود من الشرق الذي هرب إليه، ولكن عندما طال اختفاؤه ولم يعد الزمن يسمح باستمرار الاعتقاد بأنه مازال حياً، تغير هذا المعتقد إلى خرافة أنه سيعود من الموت، ولكن هذا التغير في صورة الاعتقاد لم يحدث إلا بعد كتابة سفر الرؤيا، وبالتالي لو كان المقصود في سفر الرؤيا هو نيورن، فلا بد أن يكون في شكل واحد عائد من المشرق، ولكن الحقيقة هي أن الوحش أو الملك -الذي يرون فيه نيرون- المذكور عنه في سفر الرؤيا (13: 1، 17: 8) بأنه مذبوح للموت وشفي من جرحه المميت، وأنه يصعد من بئر الهاوية، يتناسب مع الصورة الأخيرة من التوقع، أي العودة من الموت. لذلك أصبح من اللازم الفصل بين وصف الوحش ورؤوسه وقرونه فصلاً كاملاً عن تفاصيل خلافة الامبراطورية الرومانية. إن النبوه واضحة المراحل، فوصف الوحش مكوناً من حيوانات متعددة في الرؤيا (13: 2)، يشير إلى سفر دانيال، وهنا -كما في دانيال- ينبغي أن نفهم أنها القوة العالمية الواحدة في صورها القومية المتتابعة، وهو ما يستبعد إمكانية التفكير في تتابع ملوك من نفس الامبراطورية. فأحد الرؤوس المذبوح حتي الموت والضربة المميتة التي شفي منها، يشيران حتما إلى القوة العالمية التي ستصبح بلا قوة في أحد أدوارها، ولكنها بعد ذلك تنتعش في دور جديد.
وحيث أن النبوة تدل على أن الضربة المميتة قد شفيت، لا في رأس من الرؤوس فحسب، بل في الوحش نفسه (قارن 13: 3 مع 13: 12). فيبدو أن نفس هذا التفسير، تستلزمه العبارات الغامضة في الأصحاح السابع عشر، حيث المرأة الجالسة على الوحش وهي عاصمة القوة العالمية، تغير عرشها مع الآخر، ولكنها تحتفظ -مثله- في كل تغيراتها بنفس الصفات، حيث أنها تحمل نفس الاسم بابل (عدد 5). وهنا كما في الأصحاح الثالث عشر، نجد للوحش سبعة رؤوس، بمعني أنه سيمر بسبعة أدوار، وهذا هو نفس ما يعنيه بالقول بأن هذه السبعة الرؤوس هي سبعة ملوك (عدد 10). وكما في الأصحاح السابع من دانيال، لا يمثل الملوك مجرد حكام، بل يشيرون إلى ممالك في مراحل القوة العالمية. وهذا يوضح لماذا يوصف الوحش في العدد الحادي عشر، بأنه واحد من الملوك، بينما التفصيلات في الأصحاح السابع عشر تتجاوز ما جاء بالأصحاح الثالث عشر، بإضافة أن الوحش الذي كان وليس الآن وهو عتيد أن يصعد من الهاوية (عدد 8) وفي عددي 10، 11 خمسة (من الملوك السبعة) سقطوا وواحد موجود والآخر لم يأت بعد، ومتي أتى ينبغي أن يبقي قليلاً ويتبعه الثامن الذي ينطبق وصفه على الوحش الذي وليس الآن، وهو من السبعة. وفك الاشتباك في هذه العبارات يكمن في الافتراض بأن الوحش، بينما هو -بمعني ما- رمز للقوة العالمية في كل أدوارها، يمكن أيضاً -يبعني آخر- أن يمثل تجسيد القوة العالمية الخارقة في صورتها النموذجية في الماضي، وبالنسبة لهذا الدور الخطير، فإن الوحش كان وليس الآن وسوف يظهر ثانية، فهذا الدور الخطير كان واحداً من الأشكال السبعة المتعاقبة لهذه القوة العالمية، وعندما تعود للظهور، فستضيف الدور الثامن، ومع أن ذلك يعطينا معني مزدوجاً لاستخدام هذه الأشكال، فهو ليس بأصعب من الرأي الآخر الذي يعتبر أن نيرون هو الوحش، وأيضاً أحد رؤوس الوحش. أما تحديد الممالك في هذه الأدوار السبعة فأمر قليل الأهمية، وهي في رأي زاهن: (1) مصر، (2) أشور، (3) بابل، (4) مادى وفارس، (5) اليونان ممثلة في الإسكندر ودولته، (6) روما (7) امبراطورية -قصيرة الأمد- تخلف روما، (8) أما الثامن والأخير فسيعيد الدور الخامس في خطورته، ويعد المشهد لظهور ضد المسيح الذي تتجسد فيه صورة أنطيوكس أبيفانوس.
ومن الواضح أن الرائي كان أمامه دور القوة الرومانية للوحش، وهذا ما جعل من الممكن له أن يعطي صورة أخرى للسبعةالرؤوس، مفسراً إياها بسبعة جبال عليها المرأة جالسة، لكن هذا الوصف الرؤوي -الذي يبدو غير مترابط- لا يشكل اعتراضاً -على الرأي السابق بيانه-، حيث أن التفسيرين المختلفين للسبعة الرؤوس كسبعة جبال وكسبعة ملوك، يظهران جنباً إلى جنب في عددي 9 و 10، كما أن الرقم الغامض 666 الوارد في (13: 18)، لا يجب أن نستخدمه للتدليل على أن نيرون هو الوحش، لأن-من ناحية- هناك الكثير من الحلول المعقولة وغير المعقولة قد اقترحت لحل هذا اللغز، ومن ناحية أخرى فإن تفسيره على أنه نيرون كان مثاراً لاعتراضات كثيرة، فلكي يطابق العدد حروف اسم نيرون، يجب أن يكتب اسم نيرون بالعبرية باسم نيرون قيصر مع حذف أحد حروف كلمة قيصر، فتصبح في صورة لم تستخدم في الكتاب في أي مكان آخر. ولهذا فإن تفسير صورة الوحش ورؤوسه، يجب أن يأخذ طريقاً مستقلاً عن سر الرقم 666 الذي يبدو أنه لا يمكن الوصول فيه إلى نتيجة قاطعة.
سيوضح ما يلي، درجة التحديد -حسب رأي الكاتب- التي يمكننا بلوغها في تفسير النبوة، فالعبارات التي ذكرها بولس، تذكرنا بوصف دانيال للقرن الصغير، وكذلك يرتبط سفر الرؤيا بما جاء عن صورة الوحش في دانيال، فيبدو أن بولس والرؤيا يشيران إلى تأليه الحكام لذواتهم في العصرين الإغريقي والروماني، ولذلك يبدو أنه كان في ذهن كل منهما قوة عالمية سياسية منظمة تحت سيادة رأس عظيم. وفي كلتا الحالتين، لا ينظر إلى هذه القوة كذروة العداوة لله، كنظام سياسي، ولكن -بشكل خاص- بسبب تحقيق ذاتها في المجال الديني، لذلك يرقي المفهوم كله إلى مستوى أعلى، حيث أن مبادئ روحية صرفة جرى تطبيقها في الدينونة المذكورة. ولذلك يطبق الرسول بولس هذا المبدأ بالكامل في رسم صورته، فجانب الإغراء والتضليل -لتلك الحركة- في مجال التعاليم الكاذبة، يرتبط مباشرة بشخص الأثيم نفسه (2 تس 2: 9 - 12) وليس بعضو منفصل بنبوة كاذبة كما في الرؤيا (13: 11 - 17 - الوحش الثاني). وفي سفر الرؤيا -كما ذكر سابقاً- نجد الدور النهائي والخطير للعداء للمسيحية متميزاً بوضوح عن تجسيده في الامبراطورية الرومانية، ومنفصلاً عنها بمرحلة وسيطة، ولا يظهر هذا بوضوح في كتابات بولس، حيث يبدو -إلى حد ما- أن نبوات العهد الجديد كانت في أولى مراحلها، فيذكر بولس أن سر الإثم الآن يعمل (في أيامه)، وليس معني هذا بالضرورة أن شخصية الأثيم -الذي سوف يظهر فيما بعد- ترتبط بنفس الدور الكائن في ذلك الوقت للقوة العالمية، الذي يربطه بولس بهذا السر الذي يعمل الآن، حيث أن الأدوار مستمرة ومتتابعة، وهذا أيضاً يؤكد الاستمرارية بين القوة العامة وممثلها الشخصي، حتى ولو كان الأخير سيظهر في مرحلة لاحقة. وإنه لمن المستحيل أن نقرر إلى أي مدى كان بولس يرى -فيما وراء القوة الرومانية- نظاماً لاحقاً كأداة للمحاولات الأخيرة ضد المسيحية، ومن الناحية الأخرى لا يمكن اثبات أن بولس اعتقد أن الأثيم كان موجوداً فعلاً في ذلك الوقت، فلا يمكن استنتاج هذا من التشابه بين استعلانه ومجيء المسيح الثاني، لأن استعلانه له ارتباط بوجود خفي سابق في وقت ما وفي مكان ما، وليس من الضروري أن يمتد هذا الوجود إلى زمن بولس أو إلى زمن الامبراطورية الرومانية، وهو وجود لا يسمو إلى وجود المسيح في العالم الأسمي. كما أن هذا الوجود لا ينضوي تحت ما يقوله بولس عن الذي يحجز الآن، فهو لا بد أن يؤكد ذاته في ذلك الوقت، وهذا الحجز لا يمارس على الأثيم مباشرة بل على السلطة التي سيكون هو ممثلها الأخير عندما تتحرك هذه القوة بحرية -بعد أن يرفع من الوسط الذي يحجز- وعندئذ يستعلن الأثيم. وبناء على ما جاء في العدد التاسع، سيكون مجيئه بعمل الشيطان، ولا يمكن الجزم بالمقصود من ذلك، وهل يشير إلى جانب خارق للطبيعة في ظهوره لأول مرة، أو أنه يشير إلى وجوده اللاحق ونشاطه في العالم الذي سيكون مصحوباً بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة، فعنصر المعجزة موجود بكل تأكيد وإن كان من الخطأ الواضح أن نفهـم أن الأثيم سيكون هو الشيطان متجسداً، فالعبارة بعمل الشي
ب- إنها تخلق مشكلة افتراض وجود الهيكل وعبادة الهيكل في أورشليم في الأيام الأخيرة قبل المجئ الثاني مباشرة. فرجسة الخراب المأخوذة عن( دانيال 8: 13، 9: 27، 11: 31، 12: 11، وسيراخ 49: 2) -وهي عند البعض، تعني خراب الهيكل والمدينة، أو بالحري تنجيس موقع الهيكل بإقامة شيئ وثني فيه، وبذلك يصبح خراباً- والهروب من اليهودية، ويذكران بين الأحداث التي تشكل -مع المجئ الثاني- نهاية العالم، وبذلك فهي تتضمن -بصورة قوية- الملك الألفي. وتبرز الصعوبة مرة أخرى في التفسير الأخروي لما جاء في (2 تس 2: 3 و 4)، حيث نقرأ أن إنسان الخطية يجلس في هيكل اله وكذلك في (رؤ 11: 1 و2) حيث هيكل الله والمذبح والدار خارج الهيكل والمدينة المقدسة تشكل حادثاً عارضاً بين صوت بوق الملاك السادس، وصوت بوق الملاك السابع.
ومن الناحية الأخرى، يجب أن نذكر أن النبوات الأخروية تستخدم الأساليب التقليدية القديمة من الصور المجازية والقوالب الثابته، التي -لجمودها وانطباقها على جميع الأحوال- لا يمكن أن تفهم دائماً بالمعنى الحرفي، بل يجب أن تكون قابلــة -إلى حد ما- للتفسير الرمزي والروحي، فتدنيس الهيكل -في هذه الحالة- على يد أنطيوكس أبيفانوس، من المحتمل أن يكون قد هيأ الصورة المجازية التي استخدمها المسيح وبولس ويوحنا في وصف التطورات ضد المسيحية، والتي لا علاقة لها بإسرائيل وأورشليم والهيكل، بالمفهوم الحرفي.
3- الكرازة بالإنجيل قبل النهاية: ليس من السهل تصور أن تتم الكرازة بالإنجيل في كل الأمم في زمن ذلك الجيل. ولا شك أنه يمكن الاستناد إلى (رو 1: 13، 10: 18، 15: 19 - 24، كو 1: 6، 1 تي 3: 16، 2 تي 4: 17)، لتأييد هذا الرأي. ولكن في قول المسيح، نرى -على وجه التحديد- أن الكرازة بالإنجيل لكل الأمم، لا بد أن تحدث قبل النهاية، بل إنها تسبق النهاية مباشرة ثم يأتي المنتهي (مت 24: 14). والتمييز بين الكرازة بالإنجيل لكل العالم واتمام الإرسالية للإمم -كم يفترض زاهن- هو عمل مصطنع.
وللرد على هذه الاعتراضات، يجب التسليم بأن وضع كل هذه الظواهر الأخيرة قبل النهاية الحقيقية، يجعلنا نتغلب على المشكلة الناتجة عن كلمة للوقت متى (24: 29)، وعن في تلك الأيام (رو 13: 24).
ولقد شرح برجز بوضوح وجهة النظر الأخرى (في مسيح الأناجيل 132 - 165) فهو يجعل حديث المسيح منطوياً على أمرين: (1) خراب أورشليم والهيكل، (2) نهاية العالم. ويفترض أنه قد حدث التلاميذ عن نقطتين: (1) الوقت، (2) العلامات.
فبالنسبة للوقت، فإنه لا يفصل بين الأمرين فصلاً جازماً، فهما متحدان كموضوع نبوي واحد، وإن كان المجيئ الثاني أكثر بروزاً. وتحديد الوقت في هذه الصيغة المعقدة، نجدة: (1) سلبياً (مرقس 13: 5 - 8)، (2) إيجابياً (مرقس 13: 9 - 13). ومن الناحية الأخرى يميز المسيح بين: (1) علامات خراب أورشليم والهيكل (مرقس 13: 14 - 20)، (2) علامات المجيئ الثاني (مرقس 13: 24: 27).
ويؤيد هذا الرأى أن خراب الهيكل والمدينة الوارد في سؤال التلاميذ، الذي يبرز كحادثة أخروية، يعتبر هكذا في جواب المسيح، فلا يشار إليه -بصورة عارضة- كعلامة من العلامات. وما جاء في إنجيل لوقا (21: 20 - 24) يثبت أنها حادثة وليست علامة. وهذا الرأى يجعل من السهل فهم القصد (الوارد في مر 13: 30) على الحادثة الأولى وعلاماتها، فهو يضع رجسة الخراب في زمن سابق للكارثة القومية. ومما يؤيد وجهة النظر بأن الحادثتين قد ذكرتا بالتتابع، هو اتجاه الفكر في العدد 32 وما بعده. وهنا بعد أن قارب الجزء الرؤوى نهايته، تحول الموضوع إلى التلاميذ بنفس النظام الذي لاحظناه في النبوة. فنجد أولاً، تحديد الموقف الحقيقي من جهة الكارثة القومية في مثل شجرة التين، والتأكيد الجازم بأنها ستحدث في هذا الجيل (الأعداد 28 - 31)، ثم نجد تحديد الموقف الحقيقي من جهة المجيئ الثاني (الأعداد 32 - 37).
والاعتراض الجدى الوحيد على هذا الرأي، يصدر عن الترابط الوثيق لهذا الجزء المتعلق بالكارثة الوطنية، مع الجزاء المتصل بالمجيئ الثاني (مت 24: 29)، وأما تلك الأيام بعد ذلك الضيق (مر 13: 24).
والسؤال هو ما إذا كان هذا الأسلوب من الكلام، يمكن أن يفسر على مبدأ تقصير أبعاد منظور النبوة. ولا يمكن أن ننكر تماماً أن خاصية الرؤيا النبوية، ربما شكلت أيضاً نظرة المسيح للمستقبل، التي (كما يظهر في عدد 32) كانت النظرة النبوية كإنسان، منفصلة عن علمه الكامل كإله. ويحول دون إمكانية إساءة تفسير هذه الظاهرة، وخلط تتابع المنظور مع التتابع الزمني في هذه الحالة، القول بأنه ينبغي أن يكرز أولاً بالإنجيل لكل الأمم (أع 3: 19 و 25 و 26، رو 11: 25، رؤ 6: 2) قبل مجيئ النهاية، وأن لا أحد يعرف ميعاد المجيئ الثاني إلا الله، وأن هناك فترة خراب بعد تدمير المدينة، وأن مجيئ المسيح النهائي لشعب إسرائيل ليس للدينونة، بل سيكون مجيئاً يرحبون به فيه قائلين: مبارك الآتي (مت 23: 38 و 39، لو 13: 34 و 35) وهو يفترض وجود فترة تكفي لتعليل هذا الموقف المتغير (لو 21: 24) حتى تكمل أزمنة الأمم. وليس من الضروري الفصل بين هاتين الحادثتين اللتين يضمهما السؤال كما قدمه التلاميذ في (متى 24: 3)، كما لو أن السؤال متى يكون هذا يتعلق بخراب الهيكل فقط، لأن النصف الآخر من السؤال يتعلق بمجيئ المسيح وانقضاء الدهر. وما يبرز هنا ليس هو الحادثتين، بل الحوادث (في مجموعها) متميزة عن العلامات، فهذه الأشياء لها ارتباط، لا بما جاء في العدد الثاني فقط، بل بالحري بما جاء في متى (23: 38 و 39)، فلم يرغب التلاميذ في معرفة متى تحدث تلك الكارثة القومية المروعة فحسب، بل بالحرى متى يحدث مجيئ المسيح الذي سيتلو، الكارثة والذي سيضع حداً للنتائج المحزنة لتلك الكارثة، والذي سينتج عنه اقتبال إسرائيل مرة اخرى. وهذا يفسر لنا لماذا لم يبدأ المسيح حديثة بالكارثة القومية، بل بدأ أولاً بموضوع المجيئ الثاني ليحدد -سلباً وإيجاباً- ميعاد ذلك المجيئ، وذلك لتحذير التلاميذ الذين -في شوقهم الشديد لمجيئ النهاية- كانوا يميلون لتقصير زمن التطورات المروعة السابقة للمجيئ. وواضح أن المسيح جمع بين الكارثتين القومية والكونية، وذلك من مواضع أخرى كما في متى (10: 23)، حيث يتحدث عن تدخله لإنقاذ التلاميذ المشردين: مجيئ ابن الإنسان (مت 16: 28، مر 9: 1، لو 9: 27، حيث أن مجيئ ابن الإنسان في ملكوته (متى) أو مجيئ ملكوت الله بقوة (مرقس) أو ظهور ملكوت الله (لوقا) موعود به لقوم من ذلك الجيل. وفي الحقيقة غالباً ما تشير هذه الأجزاء إلى المجيئ الثاني، لأنه موضوع الحديث في الأجزاء السابقة لها مباشرة، ومع ذلك لا يعني هذا أن المجيئ الثاني وهذا المجيئ الموعود مترادفان، فالمجيئ القريب جداً، يشار إليه كمشجع على الأمانة والتضحية مثلما تذكر المجازاة في المجيئ الثاني، لنفس الغرض. ومفهوم المجيئ القريب يظهر في اعتراف المسيح عند المحاكمة (مت 26: 64) حيث أن من الآن تشير أيضاً إلى المجيئ على سحاب السماء والجلوس عن يمين الله (انظر مرقس 14: 62، لو 22: 69). ومرمى هذا القول هو أن من يقف الآن أمام الناس ليحاكم سيظهر في المستقبل القريب في مجد ليدين قضاته الذين يمثل الآن أمامهم لمحاكمته.
وأقوال يوحنا الختامية لها هذا المفهوم، إن مجيئ المسيح لتلاميذه في المستقبل القريب هو ليبقي معهم على الدوام، ولو أن هذا المجيئ يقترن بحلول الروح القدس (يو 14: 18 و 19 و 21 و 23، 16: 16، 19: 22 و 23). ويجيئ نفس الفكر في سفر الرؤيا حيث يتضح أيضاً أن ثمة مجيئ مبدئي للمسيح بخلاف المجيئ الثاني للدينــونة (2: 5 و 16، 3: 3 و 20، وأيضاً يوماً من أيام ابن الإنسان - لو 17: 22).
4- حوادث تسبق المجيئ الثاني: والحوادث التي تسبق المجيئ الثاني حسب التعليم المطرد للسيد المسيح وبطرس وبولس، هي تجديد إسرائيل (مت 23: 39، لو 13: 35، أع 1: 6 و 7، 3: 19 و 21 حيث نجد أن بلوغ أوقات الفرج وأزمنة رد كل شيئ يتوقف على إرسال السيد المسيح لإسرائيل في نهاية الأيام)، وهذا بالتالي يتوقف على توبة إسرائيل وتجديدهم ومحو خطاياهم، ونجد في رومية 11، أن مشكلة عدم إيمان إسرائيل تحل على أساس افتراضين:
أ- إنه يوجد -حتى الآن- اختيار بحس النعمة بين اليهود.
ب- وإنه سيحدث تجديد شامل لإسرائيل في المستقبل (الأعداد 5 و 25 - 32).
وبين الانذارات بالمجيئ الثاني، ظهور ضد المسيح (1 يو 2: 18، 22، 4: 3، 2 يو 7)، كما أن المفهوم نفسه يرد في الاناجيل الثلاثة الأولى، وفي رسائل بولس وفي سفر الرؤيا، ولا توجد أي إشارات عنه في الكتابات اليهودية.
وكلمة ضد قد تعني بدلاً من أو ضد، والمعني الأول يتضمن الثاني. وليس من الواضح في إنجيل يوحنا أن الميول الهرطوقية أو السلطات المقاومة المرتبطة بالحركة العدائية للمسيحية، ستدعى باطلاً شغل مركز المسيا، لكننا نجد في الأناجيل الثلاثة الأولى نبوات عن مجيئ أنبياء كذبة ومسحاء كذبة وأن هذا ليس من العلامات القريبة فحسب (مر 13: 6) بل أيضاً في نهاية الزمن الأخروي (عدد 22). أما بولس فلايستخدم الكلمة نفسها. ولكن المفهوم واضح بأنه يعني ضد المسيح ويقول عنه أنه سيستعلن وهي نفس الكلمة التي يستخدمها فيما يتعلق بالمسيح (2 تس 2: 6 و 8)
اسلوب عمله ونتائجه الضارة تناقض تماماً أسلوب عمل إنجيل المسيح (الأعداد 9 - 12). ولا يتناول بولس هذا الفكر على أنه شيئ جديد، فلا بد أنه جاء من العهد القديم والأخرويات اليهودية، وبلغ غايته في نبوات العهد الجديد (انظر دانيال 7: 8 و 20، 8: 10 و 11)، فهو صورة مكبرة للعدو العتيد، ويزعم جنكل وبوست أن مصدر الاعتقاد بالصراع النهائي بين الله والعدو الأعظم، موجود في الأسطورة القديمة عن هزيمة كاوس على يد مردوخ، وان ماحدث في بداية العالم تحول إلى النهاية، فتجسم هذا أولاً في صورة مسياً كاذب، وبعد ذلك في صورة جبار سياسي مضطهد ومقاوم.
ولكن لا حاجة -على الاطلاق- إلى افتراض أي مصدر آخر لفكرة العدو الأخير، غير نبوات العهد القديم الأخروية (حزقيال ودانيال وزكريا). كما أنه ليس ثمة دليل على أن فكر بولس عن ضد المسيح جاء من مصدر سابق للمسيحية، بل من المعقول أن نقول -بما لدينا من دلائل- إن الجمع بين الفكرين عن العدو الأخروي وضد المسيح هو من نتائج النبوة المسيحية، ففي الواقع لم يرد مفهوم وجود عدو واحد أخير في الكتابات اليهودية السابقة للمسيحية، فقد جاء لأول مرة في سفر رؤيا باروخ الأبوكريفي (40: 1 و 2) الذي يغير المفهوم العام لسفر إسدراس الرابع، إلى هذا الاتجاه، بل أنه في حديث المسيح عن الأيام الأخيرة، لا تتركز الفكرة في شخص واحد، لأنه يتحدث عن المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة (بصيغة الجمع)، بينما يظل الشخص المحرض على رجسة الخراب في خلفية الصورة. كما أن الرسول يوحنا يتكلم أيضاً بصيغة الجمع (1 يو 2: 18 و 22، 2 يو 7) ومع أن فكرة مجيئ شخصية ضد المسيح لم تكن معروفة لدى الكاتب والقاريء فحسب (1 يو 2: 18) كما سمعتم أن ضد المسيح يأتي بل كان الكاتب يؤمن بها (4: 3) هذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي إلى العالم، والآن هو في العالم (اقرأ 2 تس 2: 7 - سر الإثم االآن يعمل).
ولقد طرحت آراء كثيرة لشرح الملامح المحددة فيما ذكره الرسول بولس في (2 تس 2)، وأيضاً ما جاء في سفر الرؤيا (13، 17) ويقول شكنبرجر وويس إنه كان في فكر بولس الشخص الذي سينادي به اليهود مسياً لهم، وأن هذا الفكر قد ترسب لدى بولس مما عاناه من اضطهاد من جانب اليهود، فتوقع أن هذا المسيا اليهودي المزعوم -مزوداً بقوة شيطانية- سيهزم السلطة الرومانية، وأن استمرار السلطة الرومانية، كان هو ما يحجز أو ممثلاً في الامبراطور الذي يحجز الآن (2 تس 2: 6، 7 - ويعكس وارفيلد الأدوار التي ستلعبها كل من القوتين).
والاعتراض على هذا، هو أن إنسان الخطية … المقاوم، -ليس في فكر بولس أو من وجهة نظر مسيحية فحسب، بل من نيته المعلنة- سيقاوم ويرفع نفسه فوق كل ما يدعي إلهاً أو معبوداً، وهذا ما لا يمكن أن يفعله أي يهودي يدعي أنه المسيا، فوضعه كمسيا يحول دون ذلك. ومفهوم ضد المسيح لا يستلزم أن يكون من بيئة يهودية، لأن فكرة المسيانية قد اتسعت في فكر الرسول بولس عن مستواها القومي الأصلي، واتخذت صيغة العالمية (انظر زاهن)، كما أن ما جاء في العدد الرابع: المقاوم الذي يجلس في الهيكل، لا يؤيد هذا الرأي، فقد يكون تنجيس الهيكل على يد أنطيوكس أبيفانوس وغيره فيما بعد، قد أضاف إلى صورة العدو الكبير، صورته كمنجس للهيكل. وليس من الضروري افتراض أن بولس قد قصد ذلك حرفياً، فهي لا تعني أكثر من أن المقاوم سيحاول أن يغتصب لنفسه مجداً سماوياً ويجعل من نفسه معبوداً.
وقد أعطي آباء الكنيسة ومن جاء بعدهم من الكتَّاب، تفسيراً ألفياً لهذا المشهد، مشيرين إلى إعادة بناء الهيكل في المستقبل. كما أن التفسير الرمزي -الذي يرى في الهيكل رمزاً للكنيسة- وجد من يدافع عنه.
ولكن التعبيرات التي يوصف بها المقاوم تنفي مطابقته المزعومة للكنيسة المسيحية. ويقول رأي آخر بأنه ليس شخصاً يهودياً بل وثنياً. ويزعم كرن وبور وهجلنفلد أن الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي كتبت بعد عصر بولس، ويربطون هذه النبوة بما كان شائعاً في ذلك الوقت من أن نيرون المضطهد الكبير، سيعود من الشرق أو من الموت، وبمعونة الشيطان سيقيم مملكة معادية للمسيحية. ويزعمون وجود نفس الفكرة وراء ما جاء في سفر الرؤيا (13: 3، 12، 14) ورأيت واحداً من رؤوسه كأنه مذبوح للموت وجرحه المميت قد شفي وكذلك في (17: 8، 10، 11) الوحش الذي كان وليس الآن وهو عتيد أن يصعد من الهاوية وهو (ملك) ثامن وهو من السبعة. وليس في وصف بولس ما يجعلنا نظن أن نيرون سيعود أو يبعث حياً، كما أن النبوة عن مجئ المقاوم لا تتضمن ذلك، لأن المجيئ تعبير أخروي لا يعني العودة بل الظهور، كما لم يوصف المقاوم بأنه مضطهد بينما كان نيرون مضطهداً عنيفاً. كما أن ما ذكر عن الحجز أو الذي يحجز لا ينطبق على نيرون، لأنه لا يمكن أن يقال إن من جاءوا بعد نيرون، يمنعون عودته. أما ما جاء في سفر الرؤيا عن الدور الذي سيلعبه الوحش، فنرى أنه يتفق تماماً مع شخصية نيرون.
ولكن -كما يقول زاهن في تفسيره- هذا التفسير يتعارض مع تاريخ كتابة سفر الرؤيا، فلا بد أن السفر قد كتب في زمن كان ينتشر فيه توقع عودة نيرون للظهور، بمعني أن يعود من الشرق الذي هرب إليه، ولكن عندما طال اختفاؤه ولم يعد الزمن يسمح باستمرار الاعتقاد بأنه مازال حياً، تغير هذا المعتقد إلى خرافة أنه سيعود من الموت، ولكن هذا التغير في صورة الاعتقاد لم يحدث إلا بعد كتابة سفر الرؤيا، وبالتالي لو كان المقصود في سفر الرؤيا هو نيورن، فلا بد أن يكون في شكل واحد عائد من المشرق، ولكن الحقيقة هي أن الوحش أو الملك -الذي يرون فيه نيرون- المذكور عنه في سفر الرؤيا (13: 1، 17: 8) بأنه مذبوح للموت وشفي من جرحه المميت، وأنه يصعد من بئر الهاوية، يتناسب مع الصورة الأخيرة من التوقع، أي العودة من الموت. لذلك أصبح من اللازم الفصل بين وصف الوحش ورؤوسه وقرونه فصلاً كاملاً عن تفاصيل خلافة الامبراطورية الرومانية. إن النبوه واضحة المراحل، فوصف الوحش مكوناً من حيوانات متعددة في الرؤيا (13: 2)، يشير إلى سفر دانيال، وهنا -كما في دانيال- ينبغي أن نفهم أنها القوة العالمية الواحدة في صورها القومية المتتابعة، وهو ما يستبعد إمكانية التفكير في تتابع ملوك من نفس الامبراطورية. فأحد الرؤوس المذبوح حتي الموت والضربة المميتة التي شفي منها، يشيران حتما إلى القوة العالمية التي ستصبح بلا قوة في أحد أدوارها، ولكنها بعد ذلك تنتعش في دور جديد.
وحيث أن النبوة تدل على أن الضربة المميتة قد شفيت، لا في رأس من الرؤوس فحسب، بل في الوحش نفسه (قارن 13: 3 مع 13: 12). فيبدو أن نفس هذا التفسير، تستلزمه العبارات الغامضة في الأصحاح السابع عشر، حيث المرأة الجالسة على الوحش وهي عاصمة القوة العالمية، تغير عرشها مع الآخر، ولكنها تحتفظ -مثله- في كل تغيراتها بنفس الصفات، حيث أنها تحمل نفس الاسم بابل (عدد 5). وهنا كما في الأصحاح الثالث عشر، نجد للوحش سبعة رؤوس، بمعني أنه سيمر بسبعة أدوار، وهذا هو نفس ما يعنيه بالقول بأن هذه السبعة الرؤوس هي سبعة ملوك (عدد 10). وكما في الأصحاح السابع من دانيال، لا يمثل الملوك مجرد حكام، بل يشيرون إلى ممالك في مراحل القوة العالمية. وهذا يوضح لماذا يوصف الوحش في العدد الحادي عشر، بأنه واحد من الملوك، بينما التفصيلات في الأصحاح السابع عشر تتجاوز ما جاء بالأصحاح الثالث عشر، بإضافة أن الوحش الذي كان وليس الآن وهو عتيد أن يصعد من الهاوية (عدد 8) وفي عددي 10، 11 خمسة (من الملوك السبعة) سقطوا وواحد موجود والآخر لم يأت بعد، ومتي أتى ينبغي أن يبقي قليلاً ويتبعه الثامن الذي ينطبق وصفه على الوحش الذي وليس الآن، وهو من السبعة. وفك الاشتباك في هذه العبارات يكمن في الافتراض بأن الوحش، بينما هو -بمعني ما- رمز للقوة العالمية في كل أدوارها، يمكن أيضاً -يبعني آخر- أن يمثل تجسيد القوة العالمية الخارقة في صورتها النموذجية في الماضي، وبالنسبة لهذا الدور الخطير، فإن الوحش كان وليس الآن وسوف يظهر ثانية، فهذا الدور الخطير كان واحداً من الأشكال السبعة المتعاقبة لهذه القوة العالمية، وعندما تعود للظهور، فستضيف الدور الثامن، ومع أن ذلك يعطينا معني مزدوجاً لاستخدام هذه الأشكال، فهو ليس بأصعب من الرأي الآخر الذي يعتبر أن نيرون هو الوحش، وأيضاً أحد رؤوس الوحش. أما تحديد الممالك في هذه الأدوار السبعة فأمر قليل الأهمية، وهي في رأي زاهن: (1) مصر، (2) أشور، (3) بابل، (4) مادى وفارس، (5) اليونان ممثلة في الإسكندر ودولته، (6) روما (7) امبراطورية -قصيرة الأمد- تخلف روما، (8) أما الثامن والأخير فسيعيد الدور الخامس في خطورته، ويعد المشهد لظهور ضد المسيح الذي تتجسد فيه صورة أنطيوكس أبيفانوس.
ومن الواضح أن الرائي كان أمامه دور القوة الرومانية للوحش، وهذا ما جعل من الممكن له أن يعطي صورة أخرى للسبعةالرؤوس، مفسراً إياها بسبعة جبال عليها المرأة جالسة، لكن هذا الوصف الرؤوي -الذي يبدو غير مترابط- لا يشكل اعتراضاً -على الرأي السابق بيانه-، حيث أن التفسيرين المختلفين للسبعة الرؤوس كسبعة جبال وكسبعة ملوك، يظهران جنباً إلى جنب في عددي 9 و 10، كما أن الرقم الغامض 666 الوارد في (13: 18)، لا يجب أن نستخدمه للتدليل على أن نيرون هو الوحش، لأن-من ناحية- هناك الكثير من الحلول المعقولة وغير المعقولة قد اقترحت لحل هذا اللغز، ومن ناحية أخرى فإن تفسيره على أنه نيرون كان مثاراً لاعتراضات كثيرة، فلكي يطابق العدد حروف اسم نيرون، يجب أن يكتب اسم نيرون بالعبرية باسم نيرون قيصر مع حذف أحد حروف كلمة قيصر، فتصبح في صورة لم تستخدم في الكتاب في أي مكان آخر. ولهذا فإن تفسير صورة الوحش ورؤوسه، يجب أن يأخذ طريقاً مستقلاً عن سر الرقم 666 الذي يبدو أنه لا يمكن الوصول فيه إلى نتيجة قاطعة.
سيوضح ما يلي، درجة التحديد -حسب رأي الكاتب- التي يمكننا بلوغها في تفسير النبوة، فالعبارات التي ذكرها بولس، تذكرنا بوصف دانيال للقرن الصغير، وكذلك يرتبط سفر الرؤيا بما جاء عن صورة الوحش في دانيال، فيبدو أن بولس والرؤيا يشيران إلى تأليه الحكام لذواتهم في العصرين الإغريقي والروماني، ولذلك يبدو أنه كان في ذهن كل منهما قوة عالمية سياسية منظمة تحت سيادة رأس عظيم. وفي كلتا الحالتين، لا ينظر إلى هذه القوة كذروة العداوة لله، كنظام سياسي، ولكن -بشكل خاص- بسبب تحقيق ذاتها في المجال الديني، لذلك يرقي المفهوم كله إلى مستوى أعلى، حيث أن مبادئ روحية صرفة جرى تطبيقها في الدينونة المذكورة. ولذلك يطبق الرسول بولس هذا المبدأ بالكامل في رسم صورته، فجانب الإغراء والتضليل -لتلك الحركة- في مجال التعاليم الكاذبة، يرتبط مباشرة بشخص الأثيم نفسه (2 تس 2: 9 - 12) وليس بعضو منفصل بنبوة كاذبة كما في الرؤيا (13: 11 - 17 - الوحش الثاني). وفي سفر الرؤيا -كما ذكر سابقاً- نجد الدور النهائي والخطير للعداء للمسيحية متميزاً بوضوح عن تجسيده في الامبراطورية الرومانية، ومنفصلاً عنها بمرحلة وسيطة، ولا يظهر هذا بوضوح في كتابات بولس، حيث يبدو -إلى حد ما- أن نبوات العهد الجديد كانت في أولى مراحلها، فيذكر بولس أن سر الإثم الآن يعمل (في أيامه)، وليس معني هذا بالضرورة أن شخصية الأثيم -الذي سوف يظهر فيما بعد- ترتبط بنفس الدور الكائن في ذلك الوقت للقوة العالمية، الذي يربطه بولس بهذا السر الذي يعمل الآن، حيث أن الأدوار مستمرة ومتتابعة، وهذا أيضاً يؤكد الاستمرارية بين القوة العامة وممثلها الشخصي، حتى ولو كان الأخير سيظهر في مرحلة لاحقة. وإنه لمن المستحيل أن نقرر إلى أي مدى كان بولس يرى -فيما وراء القوة الرومانية- نظاماً لاحقاً كأداة للمحاولات الأخيرة ضد المسيحية، ومن الناحية الأخرى لا يمكن اثبات أن بولس اعتقد أن الأثيم كان موجوداً فعلاً في ذلك الوقت، فلا يمكن استنتاج هذا من التشابه بين استعلانه ومجيء المسيح الثاني، لأن استعلانه له ارتباط بوجود خفي سابق في وقت ما وفي مكان ما، وليس من الضروري أن يمتد هذا الوجود إلى زمن بولس أو إلى زمن الامبراطورية الرومانية، وهو وجود لا يسمو إلى وجود المسيح في العالم الأسمي. كما أن هذا الوجود لا ينضوي تحت ما يقوله بولس عن الذي يحجز الآن، فهو لا بد أن يؤكد ذاته في ذلك الوقت، وهذا الحجز لا يمارس على الأثيم مباشرة بل على السلطة التي سيكون هو ممثلها الأخير عندما تتحرك هذه القوة بحرية -بعد أن يرفع من الوسط الذي يحجز- وعندئذ يستعلن الأثيم. وبناء على ما جاء في العدد التاسع، سيكون مجيئه بعمل الشيطان، ولا يمكن الجزم بالمقصود من ذلك، وهل يشير إلى جانب خارق للطبيعة في ظهوره لأول مرة، أو أنه يشير إلى وجوده اللاحق ونشاطه في العالم الذي سيكون مصحوباً بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة، فعنصر المعجزة موجود بكل تأكيد وإن كان من الخطأ الواضح أن نفهـم أن الأثيم سيكون هو الشيطان متجسداً، فالعبارة بعمل الشي
اقتراحات موسوعية أخرى
صرتان
صرتان
اسم عبري معناه الصخرة العظيمة أو العالية، وهي مدينة على نهر الأردن. وعند عبور بنى إسرائيل لنه...
سبعون تلميذا
سبعة - سبعون تلميذاً
يسجل لوقا البشير أن الرب عين سبعين آخرين أيضاً وأرسلهم اثنين اثنين أمام وجه إ...
حيرام
حيرام
ومعناه حر أو شريف، وقد تكرر وجود اسمه على هذه الصورة (انظر 2صم 11:5، 1مل 1:5و2و7و8و10و11و12و1...
خذل
خذل
خذل خذلاً وخذلانا، تخلى عن عونه ونصره. والكلمة في العبرية هي نفسها في العربية لفظاً ومعنى (ان...
جليات
جليات
قد يكون الاسم مشتقا من الجلاء بمعنى السبي او النفي، وقد يكون بمعنى يعري او يكشف . وهو اسم :...
سفر يشوع
سفر يشوع
أولا : سفر يشوع هو أول الأسفار التاريخية ، كما أنه أول أسفار الأنبياء المتقدمين فى التوراة...